المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أبطال بلا تاريخ الميثولوجيا الإغريقية والأساطير العربية

غير معروف

صفحة ١ من ١٦

أبطال بلا تاريخ (الميثولوجيا الإغريقية والأساطير العربية) فاضل الربيعي

عدد الصفحات ١

المحتوى مدخل : مساهمة في نقد مصادر روايات الطبري وابن هشام والمسعودي عن الشخصيات التاريخية العربية 11 1) أسطورة زواج النضيرة وحصار دويلة الحضر بين ياقوت الحموي والطبري ونُلْدِكِة 47 2) أسطورة قصر الخورنق وجزاء سنُمار صدى الأسطورة اليونانية في روايات الطبري وابن الأثير 53 3) الزُباء ليست زنوبيا أسطورة جذيمة الأبرش في مملكة الحيرة 63 4) حروب الإسكندر المقدوني وأسطورة زرقاء اليمامة 75 5) تلفيق تاريخ اليمن والحروب اليونانية – الفارسية : ملوك لا وجود لهم . 87 6) هل عثرت القبائل العربية على نقوش يمنية تحت أساسات الكعبة؟

عدد الصفحات ٢

رؤية جديدة للسيرة النبوية لابن هشام 101 7) دروع النعمان أم دروع امرئ القيس ؟: الشجار على سلاح البطل المتوفّى 117 8) أسطورة أبي رغال في حملة عام الفيل على مكة 133 9) فراعنة عرب في مصر و (آلهة أجنبية) في كريت 143 10) اختلاق امرئ القيس الهدايا المسمومة في الشعر الجاهلي 151 11) من الأعشى الأول ومن الأعشى السابع عشر؟ من هومر طروادة (الأعمى) إلى أعشى طرود 165 12) السمكة والقلم نون القرآنية 195 مدخل 197 الهوامش 217

عدد الصفحات ٣

الفهارس 221 ثبت اعلام 223 ثبت جغرافي 227

عدد الصفحات ٤

مدخل مساهمة في نقد مصادر روايات الطبري وابن هشام والمسعودي عن الشخصيات التاريخية العربية كيف يكون البطلُ بلا تاريخ ؟ ، وهل ثمة – حقا - أبطالٌ بلا تاريخ ، ومع هذا فنحن نصدِّقُ ما يُ روى عنهم ؟ ، هل بوسعنا أنْ نميّز داخل المرويات الإخبارية العربية القديمة كما عرضها علينا الطبريّ في "الملوك والرُ سل" والمسعودي في "مروج الذهب" وابن الأثير في "الكامل" والأزر قي في "أخبار مكة" والفاكهي في "أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه" ما هو خيرٌ تاريخي خالص ؛ من الأسطورة الخالصة ؟ . ليس التاريخ مليئا بالأساطير ، كما تقول الكتابات التقليدية في حقل التاريخ العربي القديم ، بل إنّ الأساطير مليئةٌ بالتاريخ . انطلاقا من استنتاجي هذا ، الذي سبق لي أنْ سجّلته في أكثر من مساهمة مثلا : "إرم ذات العماد . رياض الرّيس للنشر ، بيروت ، 2000 م" سأق و م في هذه المناسبة الجديدة بالبحث عن الأثر المحتمل لرواية رواةٍ عرب ومسلمين أساطير حروب طروادة اليونانية ، وخلال حقب وعهود وفترات مختلفة ، في حدوث خلط أو دمج في الصور والوقائع لع دد لا يحصى من الأخبار التاريخية حيث بدت كما لو كانت أساطير وخرافات لا أكثر ، بينما بدت الأساطير كما لو أنها أخبار تاريخية صحيحة دوّنها رجال موثوق بهم ، إنّ الكشف عن الصلة بين حروب طروادة الأسطورية وأساطير عربية قديمة متداولة كتاريخ ، من شأنه أنْ يساهم في فحص المواد التاريخية وإعادة تعريفها داخل الخطاب الأسطوري للطبريّ وابن هشام

عدد الصفحات ٥

والمسعودي وسواهم من الإخباريين العرب والمسلمين ، بوصفها مواد نموذجية للدمج بين عنصرين : الخبر التاريخيّ والأسطورة . والآن : إذا كانت ( الانثروبولوجيا ) ، حسب كلود ليفي ستراوس ، قد اهتمّت بدراسة المجتمعات التي لا تملك تاريخا ، ولكنها في المقابل تمتلك سجلاتٍ أسطورية ثمينة ، فإن على علمي الأساطير والخرافات (الميثولوجيا) ، وهما علمان حديثان تقريبا في العالم العربي ، أنْ يهتمَّا ويدرسا بعمق ، كل ما يتصل بالأبطال غير التاريخيين ؛ وهذه ه ي فكرة الكتاب : إن التاريخ العربي القديم يعجُّ بشخصيَّات لا تاريخية ، ومع هذا لا يعدم المرء رؤية المعاصرين من الكتَّاب العرب وهم يعيدون إنتاج الصور غير التاريخية لهذه الشخصيات وتقديمها للجمهور كما لو أنها - فعلا - هي الجزء البطولي من التاريخ المُتحقَّق . إننا نتساءل ، مثلا : م ن امرؤ القيس ؟ وما حقيقة كونه ابنا لملك خُ لع عن عرشه ؟ ، ما صلته بامرئ القيس بن حجر ، المدّعى أنه الملك الضليل ؟ . ومن السموأل - الشاعر اليهودي - الذي احتفظ بدروع امرئ القيس ثم دفع حياة ابنه البكر ثمنا لرفضه الإذعان لابتزاز ملك الحيرة ؛ الذي أمره بتسليم الأمانة بعد مصرع امرئ القيس ؟ . وم ن سنّمار الذي بنى (الخورنق) القصر الأسطوري عند العرب ؟ ، ثم قام النعمان بعد فراغ المعماري الروميّ سنّمار من البناء برميه من أعلى القصر ؟ . ولماذا تحدّ ث المعماريّ عن السرّ الذي يعرفه وحده : سرّ الحج ر الذي إذا ما حرّكه المرء عن موضعه قليلا ، فإن القصر كله سوف يتداعى وينهار ؟ . وم ن جذيمة الأبرش الذي زعم الطبريّ أنه مات مقتولا على يد الزّباء ملكة تدمر ؟ . وهل ، زنوبيا ملكة تدمر حقا هي نفسها الزبّاء ؟ . وم ن زرقاء اليمامة التي أدّعى الرواة المسلمون أن الملك اليمني حسان ، ملك نجران ، قتلها بعد أنْ نزع من عينيها عرقا أسود هو سرّ بصرها الحادّ ؟ . ومن المنذر بن ماء السماء ؟ .

عدد الصفحات ٦

يتعيّن علينا قبل الخوض في الحفل الشائك للأسئلة التي لشدّ ما تبدو وكأن لا نهاية لها ، عن حقيقة وتاريخية كثرة من الأ بطال والشخصيات أنْ نقوم بإزالة عقبة مفهومية طالما صادفها الباحث حتى في أكثر المعالجات حصافة . نعني : أنْ يتم التمييز - عن غير وجه حق - بين التاريخي والأسطوري ، استطرادا للتمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف ، بحيث يمكن وضع التاريخي ، أيّا كان مصدره وراويه ، في خانة الحقيقي ، بينما يمكن بسهولة وضع الأسطوري في خانة الزائف ، إن هذا تصنيف خاطئ ولا أساس له ، ولكنه مع ذلك شائع ودارج . فالأسطو ري يعني في كتابات بعض الكتّ اب المعاصرين ، شيئا زائفا ، لا حقيقيا ، بينما يعني التاريخ : شيئا مقدسا وموثوقا به ، ولسوف يكون ممكنا البرهنة على عكس ذلك تماما ، ففي هذا الجزء الزائف المزعوم ، من التاريخ ، يكمن تاريخ حقيقي مكتوب بلغةٍ منسيّ ة ، ومنذ وقت غير بعيد فقط وجه شتراوس نقدا لاذعا لتصورات الكتّ اب في أورو با عن المجتمعات التي لا تملك تاريخا والذين رأوا الأسطورة وعيا متدنيا في هذه المجتمعات ؛ ولاحظ أن هذا التصنيف مدمّر للحقيقة ، ولأن الأسطورة تتضمن التاريخ ، ولكن لا تقوله إلاّ بلغةٍ متلعثمة وبأبجديةٍ منسيّ ة ، يصعب اليوم تعلّمها ، فإن التفتيش عن تاريخ حقيقي للأبطال سيكون ممكنا فقط داخل الخطاب الأسطوري وفي فضائه . . علينا أنْ نثق بأن الأسطورة تنشئ للبطل تاريخا خاصا به وحده ، ويكاد لا يمكن إشراك المجتمع فيه ، ولكنها تقوم ، على غير توقّع منا ، بربط هذا التاريخ الشخصيّ والخاص بواحد أعمّ ، للمجتمع الافتراضي الذي تخيّل سارد النص ، أنه هو المجتمع الذي دارت فيه الأحداث البطولية حيث صنع ، هناك ، البطل ، من لهيبها ومن ألم وصرخات ضحاياها . لذلك فإن جميع الرواة والإخباريين والفقهاء المسلمين الذين نقلوا هذا التاريخ إنما فعلوا ذلك في سياق عملية تخيّل وتقبُّل مطَّردة أفضت في نهاية المطاف إلى فهم المرويات الإخبارية للطبري والمسعودي وابن الاثير وابن هشام والأزرقي على أنها هي التاريخ القديم برمته ، وبذلك تراجع تفهّم محتمل آخر كان يمكن أنْ يضع

عدد الصفحات ٧

حدودا فاصلة بين اخبار التاريخية والقصص الديني . ولئن كنا نميل إلى الاعتقاد بأن أساليب السرد العربي القديم ، بتقاليدها الصارمة والمتوارثة ، هي التي تضغط ، في الأصل ، لمصلحة هذا الدمج بين ما هو تاريخي وما هو أسطوري ، فمن المرجح رؤية إخباريين عرب ومسلمين وهم يبدون استعدادا قو يا لنقد الروايات التي ينقلونها ؛ وهذا ما يفسر أسلوب الطبري المحافظ والحذر ، وتلميذه ابن الأثير ، الشكّاك والنقّاد ، الذي سار على خُ طاه ، والذي لا يتردّد في نقد حتى أكثر رواياته إثارة . ليس ثمة تاريخ بلا أبطال ؛ ولكن هناك ، بكل تأكيد ، أبطال بلا تاريخ ، وهؤلاء غالبا ما تتشكَّل صورهم المؤثرة ؛ بطولاتهم التراجيدية وأخلاقياتهم السامية ومناقبهم الرفيعة ، داخل الخطاب الأسطوري ، أي عمليا خارج التاريخ ، مع ذلك فإن هؤلاء وبخلاف كل تصوّر ، غالبا ما يحصلون على تعاطف وإعجاب الناس ويعيشون في مكانةٍ متميزة في الذاكرات الشعبية والروايات الشفهية ، وفي الإخباريات المتواترة . وكما قلنا - آنفا - فإننا لا نكاد نعرف الشيء الكثير - مثلا - عن بطل تاريخي اسمه السموأل ، عاش في حصن الأبلق بتيماء في الجزيرة العربية ، بوصفه شاعرا يهوديا جاهليا ، وبطبيعة الحال ، لا يملك أي مؤرخ حصيف أو مشتغلٍ في حقل المعالجات التراثية والأدبية القديمة إمكانيات العملية الحقيقية والقدر ة ، على الاستنتاج بأن السموأل ب ن عادياء كان ، فعلا ، شخصية تاريخية . حتى طه حسين في "الشعر الجاهلي" واستنادا إلى نظرية مرغليوث ، لم يعرض علينا سوى إمكانية وحيدة للتحقّق من وجود السموأل : نكران هذا الوجود من دون تقديم أي دليل ؛ والحال ذاته مع امرئ القيس لكننا بخلاف هذه الطريقة سنلجأ إلى تفكيك الإخباريات القديمة والأساطير لأجل فهم أعمل للمسألة المُ ثارة ، وصولا إلى نتائج حاسمة . إذا كان هذا الأمر يطاول حقل الأدب ا لعربي القديم بأبطاله المشهورين ، فإنه يطاول - لا شك - التاريخ السياسي للعرب أيضا ، ففي اليمن هناك ملوك لا عدّ

عدد الصفحات ٨

لهم ، صارت لهم قوائم أنساب وفترات حكم ، بينما هم شخصيات من اختلاق الرواة . وسوف نبرهن ، في هذا الكتاب على أنّ عددا كبيرا منهم ، إنما كان من اخت راع الرواة المتأخرين ، في عصري الدولة الأموية والعباسية ، وأن إقريقيس ، وذا القرنين ، والرائش ، الذين تحدّث عنهم وهب بن منبه "التيجان في ملوك حمير : صنعاء" وعُبيد بن شُرْبة الجُرهمي "أخبار اليمن : ذيل كتاب التيجان ، حيدر آباد" لم يكونوا ملوكا في اليمن ، بل لم يكونوا من الشخصيات التاريخية ؛ وإنما أبطال مرويات شعبية يمنية وعربية ، تجرّأ المتأخرون من النسّ ابة فوضعوا لهم شجرات نسب مقدّسة تخيّلوها . . وبمرور الوقت صار الناس يتداولون أخبارهم بوصفهم أبطالا يمنيين . إنّ نزع القشرة الصُّلبة عن سطح الأسطورة يمكِّن ، وعبر معالجةٍ حذرة ومحترسة كفاية ، أنْ يقدم أدوات لا حدود لها للنفاذ بعمق إلى القاع المجهول حيث تقبع الملفّات الضائعة للتاريخ العربي القديم ، فالأسطورة تنطوي على رسالة ذات رموز عن تاريخ ضائع ، منسيّ أو مندثر ، تركها لنا الأسلاف في كل المرو يات الإخبارية ، بدءا من الطبري والفاكهي والأزر قي وعُبيد ووهب ، وصولا إلى ابن الأثير الذي امتدحه نُلْدِكِة كثيرا ورأى فيه مؤرخا صادقا وناقدا جريئا للروايات التاريخية "أمراء غسان" نُلْدِكِة : 38 وما بعدها " ، وذلك بخلاف جواد علي "المُف صَّل في تاريخ ا لعرب قبل الإسلام" الذي رأى فيه كاتبا مُت عيّشا على الطبري . مردُّ هذا الانطباع ، بكل تأكيد ، تعجّل المؤرخين العرب في إصدار أحكامهم على المرويات الأسطورية ، التي لم يطوروا تجاهها أي تبصُّرات جديدة ، كاشفة ونقدية . هذه الرسالة ، ذات الرموز (أيّ : الأسطورة) تركها لنا جانب الأسلاف ، من دون تعديل تقريبا ، ولذا يتعين علينا - حسب أريك فروم (اللغة المنسية " ط بيروت" - أنْ نتعلم أبجدية الأسطورة لكي يتسنى لنا فهم مضمون الرسالة ما قد يتطلب نزعا رقيقا وسلسا للقشرة السميكة ، ثم ف ضَّ مُغلَّف الرسالة وتفكيك رموزها السرِّية ،

عدد الصفحات ٩

ولأن الأسطورة تنطوي على هذه الرسالة الهامة ، المُ رسلة إلينا ، والتي لا تكاد تعرف عن مضمونها الشيء الكثير ، وبصعوبة نعلم م ن مرسلها الحقيقي ، الذي قد يكون فردا أو جماعة بشرية بدئية ، فإنه لأمر هام للغاية أنْ نساعد - نحن المعاصرين - في إعادة توصيلها ، مراتٍ ومرات للأجيال المتعاقبة ، حيث يمكن - وياللدهشة - لكل جيل أنْ يكتشف فيها ما لم يكتشفه الجيل السابق ، وفي هذا التسابق نحو فهم عميق لمضمون الرسالة ، فإن الأمل سيكون ، وباستمرار ، عظيما ، لا في اكتشاف حقيقة المُ رسِ ل ، بل في تحديد شخصية المتلقي ، فالمهم أنْ تؤدي الرسالة الغرض الأص لي الذي أنشئت من أجله ، عن بعضٍ من أفكار هذه الرسائل تدور في نطاق التاريخ الضا ئع ، أو الذي لا نعلم عنه الشيء الكثير ، مثلما يدور في نطاق التصورات الجماعية للأبطال . تقول أسطورة عربية قديمة نقلها الأزرقي "أخبار مكة 1 :40 وما بعدها" والفاكهي "أخبار مكة : في قديم الدهر وحديثه" وكذلك الطبري والمسعودي "مروج الذهب" : إن إبراهيم (عليه السّ لام) وبعد سنواتٍ طويلة من طرده لأبنه إسماعيل ، قرّر أنْ يزوره ، ولذا توجّه صوب مكة ، وبعد رحلة مضنية تنكر فيها إبراهيم بثياب رجل كهل ، غريب ، وعابر سبيل ، وصل إلى الأرض المقدّسة مكة ولكنه لم يجد إسماعيل في المنزل ، وعندما سأل زوج ته عنه ، أجابت ، بشيء من الجفاء : "إنه في الصيد" . وحين سألها الزائر الغريب عن مأوى وطعام ردّت بغلاظة قلب : "إنّ لا مأوى ولا طعام لديهم" . كان الجواب مزعجا وعديم الرحمة ، ولذا قرّر إبراهيم أنْ يعود أدراجه ولكن ليترك لدى زوجة ابنه رسالة ذات رموز له قال : "قولي له أن يغيّر عتبة بيت ه" . وفعلا ، ما إن عاد الأبن إلى منزله وتلقّى "الرسالة" وأدرك مضمونها الحقيقي حتى قام (بتغيير عتبة بيته) ، أي "طلاق امرأته التي لم تُ حسن إكرام الضيف الذي كان والده المتنكر في هيئة رجل مسنّ وعابر سبيل ، غريب .

عدد الصفحات ١٠

ثم تضيف الأسطورة أن إسماعيل تزوج ، بعدئذٍ من امرأة من قبيلة جُرهُم وظل يترقب زيارة والده ، وثانية ، عاد الأب إلى زيارة أبنه ، ومضى في رحلة شاقة صوب مكة بحثا عنه ، وثانية وصل الأب ولم يجد ابنه في المنزل ، ولم يعثر عليه . وسمع زوجته الجديدة وهي ترحب به معتذرة عن وجود الابن ف ي البرّية للصيد ، ولكنها دعت الزائر إلى ماءٍ وطعام ومأوى ، آنئذٍ قرر الأب ، وبسعادة غامرة بحسن الاستقبال ، أنْ يترك لدى زوجة أبنه ، مرة أخرى ، الرسالة الرمزية ذاتها ، ولكن مع تعديل جوهري هذه المرَّة : "قولي له : اثبت عتبة بيتك" ، الرسالة ع ن ت أن على الابن أنْ يحافظ على زوجه الجديدة ذلك أن الزوجة هي عتبة بيت الرجل . هذه الرسائل الرمزية ، التي يتلقّاها الابن من أبيه ، ومن دون أنْ يتمكن من اللقاء به وجها لوجه ، هي تماما الرسائل ذاتها التي أرسلها لنا ، نحن أيضا ، أسلافنا وأجدادنا القدماء ، وبوسعنا أنْ نتلقاها عبر الأساطير . بل من المفترض أنها سوف تصلنا ، باستمرار ، بوساطة الأساطير والمرويات والأمثال حيث يُطلب إلينا أنْ نقوم بعمل ما : أنْ نغيّر عتبات بيوتنا أو أنْ نقوم بإثباتها لكي تستقيم حياتنا وقيمنا . ما من أحد من معاصرينا إلاّ ويرغب ، بقوة ، في رسالة رمزية من هذا النوع تصله من الماضي الغابر والبعيد لتدلّه على الخطأ الفظيع والمُدمِّر في حياته كي يقوم بإصلاحه مباشرة . وقد عالجنا هذه الأسطورة في كتابنا الجديد "شقيقات قريش : رياض الريس للنشر : 2002. " . بهذا المعنى فإن الأساطير تتضمن سلسلة من الرسائل المُلغز ة المُ رس لة من الأسلاف ، والتي يجب تفكيكها وإمعان النظر م ليا في أبجديتها الخاصة ، لأجل قراءة بنّاءة وصحيحة ، هذه القراءة التي سوف تقودنا حتما إلى التمييز بدقة ، داخل المرويات التاريخية للإخباريين العرب والمسلمين ؛ الأبطال المُ خت ل قين من الأبطال التاريخييِّ ن الحقيقيين ؛ أي : بين ما هو خيرٌ تاريخي صحيح وما هو أسطورة وحيث يجري التفتيش عن الأبطال الذين هم بلا

عدد الصفحات ١١

تاريخ ، بقصد إعادة تدوين أخبارهم على نحو م وثوق وإعادة تقديمها لمعاصرين ، فإن الأمر الهام يجب أنْ ينحصر هنا . . إننا لا نبحث عن الأبطال الذين هم بلا تاريخ لأجل أنْ نقوم بعزلهم أو إقصائهم عن الذاكرات الشعبية ، أو بقصد الإجهاز على صورهم الشائقة ومآثرهم ؛ وبكل يقين ليس ثمة من سبب مقبول لأي عمل يقضي إلى تحطيم القيم الرمزية التي تختزنها هذه الصور ، بل العكس تماما ، سوف يتطلب هذا البحث والتفتيش داخل الإخباريات القديمة . . هذا نفعله ليس احتراما خاصا للكتّاب الذين أجهدوا أنفسهم في البحث والاستقصاء والتدوين ، لكل شاردة وواردة - وحسب - وإنما كذلك للصور وال رموز التي تشكلت ، على مرّ العصور ، في وعي العرب ، بوصفها هي التاريخ الرمزي الخاص بهم . وبالانتقال إلى الموضوع ذاته عند الإغريق ، فقد كان البطل في تصوراتهم كائنا إلهيا ، عُلويا وخارقا للمألوف ، واستثنائيا ، ولذا تمَّ تخيُّله في الملاحم الشعرية القديمة على هيئة ثعبان ، في إطار هذه الصورة الدبية ظهر البطل الأول كرجل قادر على النمو من الأرض كما ينمو النب ات ، ويبدو أن الإغريق القدماء استعاروا هذه الصورة من أسلافهم الفينيقيين (هم ب نِ و قين في الإخباريات العربية ) الذين جلبوا لهم الآلهة والأساطير من البحر (الخليج العربي كما تكشف تحقيقات هِرُدّت) . ومن بين تلك الأساطير - على الأرجح - أسطورة المعبود العربي القديم (ن) أو الرجل – السمكة في المعتقدات السومرية والبابلية ، الذي كان أول بطل جلب الحضارة إلى اليابسة ؛ ثم أصبح اسمه نوح واخنوخ ويونس وإدريس في الإسلام . وبرأي جيمس فريزر ( 1854 – 1941 م) فإن الأمر الشائع في أساطير العالم القديم أنْ يتصف البشر "الذين يولدون من الأرض ، مثل تموز البابلي وإيزيروس المصري" بصفةِ كونية تتعدى نطاق الثقافات المحلية التي تُنتجُ صورهم البطولية ، فهؤلاء ، وعند أنبثاقهم من الأرض ، أيْ عند ولادتهم الرمزية ، يكونون عادة ، عاجزين عن المشي أو يشكون من عرجٍ في مشيهم ، تماما كما هو الحال مع آخيل اليوناني بطل حروب طروادة ، الذي شاع عنه المثل اليوناني الشهير : (مثل كعب

عدد الصفحات ١٢

أخيل) إذ إن الضعف البشري طاول أسفل ساقه، و في هذا السياق ، تعطي ملحمة غلغامش العراقية القديمة لأحد أبطالها واسمه أنكيدو ، صورة موازية لهذا الضعف البشري ، الذي يعيد البطل إلى لحظة سابقة لبطولته ، فأنكيدو ، وقبل أنْ يولد (رمزيا ) كبطل في أورُك لينافس غلغامش ، ثم يصبح خلَّ ه وصديقه ، يصاب بالعجز عن المشي ؛ لقد خرج لتوَّه من البريّة حيث كان يعيش مع الحيوانات ، وها هو الآن داخل المدينة يشرب في الحانة ، ثم يضاجع فتاتها ليجد نفسه عاجزا عن الركض واللحاق بالحيوانات ، هذه هي (الولادة الرمزية) ذاتها للبط ل ، مصابا بالعجز عن المشي أو شاكيا من عرج ، منتقلا من الحيواني ، البدئي ، إلى البشري ، أي : من الطبيعة إلى الثقافة ، وهذا تمهيد لإعادة تخيّل ولادته كبطل بشري يمتاز بالبعد الإلهي ، الخارج والاستثنائي . . وهذه هي تقريبا الصورة التي تخيّلها العرب القدماء لعمرو بن هندي ملك الحيرة الأسطوري ، والذي ورد اسمه في (التلمود) : لقد خطفته الجان وعاش في البرية مع الحيوانات ، ولكنه عاد أخيرا إلى مملكته بعد لقاء مفاجئ في الحانة مع نديمين مضحكين (مهرجين) قاما بإطعامه وتركا فتاة الحانة تسقيه الخمرة . وهذه أسطورة مستمدة ، برأينا ، من ملحمة غلغامش ، وكما سنرى ، على هذا النحو ينتقل الأبطال الذين هم بلا تاريخ ، من الطبيعة إلى الثقافة ، ومن الطور ما قبل البشري إلى الطور البشري ، قبل أنْ يصبح بوسعنا رؤيتهم في طورهم ما فوق البشري . لقد عرف العرب عن كثب أساطير الإغريق طوال العصر البطولي للحروب اليونانية ، الفارسي نحو ( 300 ق. م) ؛ وسوف نبرهن ، في الفصل الختامي لهذا الكتاب ، على أن الأصل البعيد لأساطير اليونان كان حسب هرُدُت ، فينيقيا ، أي : عربيا قادما عبر البحر و الخليج العربي . . هذا يعني أن الأساطير هاجرت وتغرّبت طويلا قبل أنْ تعود إلى مواطنها التاريخي لتروى كأساطير غريبة و"أجنبية" مثيرة وساحرة إننا لا نعلم على وجه الدقة والضبط ، كيف دخلت أساطير طروادة اليونانية في المرويات التاريخية للعرب ولكننا نستطيع ، في المقابل ، وبوساطة

عدد الصفحات ١٣

تقنيات تحليلية متطلبة ، وعبر تفكيك البنى السردية التقليدية لهذه الإخباريات ، أنْ نكتشف المكوّن الأسطور ي اليوناني ، و أنْ نحدد عناصره ، وهذا ما سوف نتوقف عنده ، عبر بعض الأمثلة ، التي سنوقف لها معالجات خاصة في مناسبات تالية لأجل تفهّم أعمق لرسالاتها الرمزية . لننتقل الآن إلى مروية محددة ولنختر مروية بناء مسجد (قباء) الذي هو أول مسجد بُني في الإسلام المبكر ، ذلك أنها من المرويات الأكثر شهرة في التاريخ المكتوب للإسلام ، وقد نقلها رواة متأخرون ، مرارا وتكرارا عن ابن هشام "السيرة" والطبري "تاريخ الملوك والرسل" وكذلك كل الموارد الإسلامية المعروفة ، وشاع في جميع هذه الروايات أن النبي محمد (ص) وعند دخوله المدينة ت رك ناقته تمشي ، بينما كان المسلمون المنتصرون يتحرّقون شوقا ، لنيل شرف أنْ تبرك الناقة عند بيوتهم ، حتى يتمكنوا من إكرام ضيفهم المقدس ، ولئلا ينال هذا الشرف مسلم على حساب مسلم آخر ، فقد طلب النبي (ص) أنْ يُخلّى سبيل الناقة ، وأنْ ينزل هو ضيفا في المكان الذي تتوقف فيه . راح المسلمون ، إثر هذا الاقتراح ، يتتبعون خُطى الناقة مؤملين أنفسهم بالفوز بالشرف العظيم ، وكما هو معلوم فقد بركت الناقة في (م ربدِ) تمر لغلامين يتيمين من بني النجار ، بعد هذه الواقعة جرى بناء أول مسجد في الإسلام في المكان الذي بركت فيه النا قة . إن التدقيق في هذه المروية سوف يضع أمامنا جملة من الأسئلة التي تتعلق بعمل الرواة على مستوى التاريخ ، والرواية الدبية . فهم سردوا قصصا مؤثرة ، بعضها قد لا يكون وقع أو حدث في أي من الفترات والحقب المعروفة في تاريخ الإسلام ، ولا ريب في أن ابن هشام وابن إسحق وابن الكلبي والواقدي وسواهم ؛ كانوا من بين أكثر الإخباريين المسلمين الذين طاولت الشكوك طرقهم السرديَّة ودقّة مروياتهم وصدقيتها ؛ والأمر ينطبق كذلك . وبكل تأكيد ، على المسعودي ، والطبري (إلى درجة ما) . وفيما يتصل بواقعة الن اقة هذه (التي سوف نقود لها تحليلا خاصا في

عدد الصفحات ١٤

مناسبة تالية) ، فإنه لا مؤيدات تاريخية موثوق بهاتدعم وقوعها ، كما أنّ بعض الرواة الذين نُ قِ لت الرواية عنهم ، في الأصل ، أتهموا بالضعف وربما الوضع . إنّ الأصل الثقافي البعيد لمروية عن ناقةٍ يخلّى سبيلها ، ثم يقوم النبي (ص) ومعه جمهرة من المسلمين ، بتتبع أثرها ؛ وحيث تقف يُ بني هناك مسجده الأول ، هو أصل ثقافي يتصل اتصالا وثيقا بأسطورة يونانية قديمة من أساطير حروب طروادة ، والتي هي بدورها ذات جذور فينيقية ، أي : ذات جذور عربية بدئية ضاربة في القدم . تتحدث الأسطورة الفينيقية ذات العلاقة ، التي هي أسطورة قدموس (ق دمُس) وأورُبة عن الواقعة التالية : قام الإله زيوس بخطف فتاة (بشرية) هي أورو با بنت ليبيا ، ولذا هبَّ شقيقها قدموس (ق دمُس) 1 لنجدتها وبينما كان قدموس (ق دمة) يبحث عن شقيقته أورو با علم أن والدته (تيلفاسا) ق د توفيت ؛ ولذا انصرف ، مؤقتا ، عن نجدة شقيقته وانشغل بدفن والدته . ولكن ، إثر ذلك بوقت قصير ، في أثناء معاودة قدموس البحث عن أورو با ، طلبت الآلهة إليه أنْ يتتّبع أثر بقرةٍ بعينها ذات مواصفات خاصة ، مقدسة 2 . . آنئذ قالت الآلهة لقدموس إن عليه أنْ يتتبّع أ ثر البقرة ويمشي خلفها وحيث توقفت ، في مكان ما ، فإن عليه أنْ يبني ، هناك ، مدينة مقدسة هي : طيبة ؛ ثم يقدم بعد ذلك ، البقرة ، قربانا مقدسا للإلهة أثينا 1 2

عدد الصفحات ١٥

هذا هو ، بإيجاز شديد ، المنطوق الأصلي للأسطورة اليونانية القديمة ، الذي تردّد صداه في الإخباريات العربية وفي السيرة النبوّية ، ومن المحتمل أن الأسطورة تسرّبت إلى الجزيرة العربية ، بفعل التجارة التي قادتها قريش منذ عصر قصيّ جدّ الرسول (ص) حيث تناقل التجار قصصا ومرويات الشعوب الأخرى ، وهذا احتمال حقيقي يدعمه تاريخ الإسلام نفسه ، إذ كان تجار قريش يعارضون دعوة النبي (ص) ومواعظه وقصصه القرآنية التي كان يتلوها أو يحدّث بها ، مثل قصص موسى ويونس ونوح ؛ بالقول إن لديهم (قصصا ) أكثر تشويقا مما لدى النبيّ (ص) ما يعني ، أن تجار قريش وأشرافها كانوا يعرفون عبر التجارة ، الشيء الكثير من أساطير الشعوب الأخرى ، وثمة احتمال آخر هو أنْ تكون قبائل العرب قد عرفت هذه الأسطورة ، وسواها من الأساطير اليونانية ، منذ وقت طويل يعود إلى عصر الحروب اليونانية – الفارسية البطولي الذي اه تز له وجدان العرب وانفعلوا به ، لقد كان عصرا حقيقيا للثقافة اليونانية التي شعّت في أرجاء العالم القديم كله ، مع فتوحات الإسكندر المقدوني في إيران وآسيا ، إلى درجة زعم فيها بعض الإخباريين من العرب أن الإسكندر الملقب (ذي القرنين) هو ملك من ملوك اليمن ، ووفق تعبير سعيد بن نشوان الأندلسي فإنه لبُعد صيته وشهرته فقد تنازعت الأمم في نسبته إليها حتى ظنّ بعض العرب أنه ملك قديم من ملوكهم "الأندلسي : نشوة الطرب في أخبار جاهلية العرب" . كان عصر الحروب اليونانية - الفارسيّة عصرا بطوليا بحق ، ألهب خيال العرب طويلا ، وبلغ من انفعال القبائل العربية به مستوى انخرطوا فيه فعليا ، بمساهمة حربية مباشرة ربما تمثّلت على أكمل وجه في مشاركة القبائل اليمنية في قتال اليونانيين إلى جانب الفرس ، ويعرف التاريخ الفارسي جيدا الكتائب العربية التي قاتلت إلى جانب القوات الفارسية ، بل حتى اليونانيين أطلقوا عليها تعبيرهم الشهير " البرابرة " والذي ذاع صيته مذ ذاك ، وهو لقب تحقيريّ أطلقه خطباء أثينا وأرادوا به الجماعات غير المتدينة التي هبّت لملاقاتهم في تخوم آسيا ، وسرعان ما تحوّل

عدد الصفحات ١٦