علاقة له بالشاعر الشهير في اليمامة ، ونحن نعلم - حتى اليوم - أن هناك مزارات لصالحين وعُبّاد لا يعرف العامة عنهم أي شيء تاريخي، ومع ذلك فهم يتبركون بقبورهم ويطلقون عليهم الأسماء والألقاب . وإذا ما قبلنا إشارة الآمدي إلى وجود أعشى ناسك ، عرفته العرب باسم أعشى طرود، فإن هذا المزار سيكون هو ذاته مزار الشاعر الأعمى الأسطوري، الذي ألهب خيال القبائل العربية بأغانيه البطولية ، ولعّل قوة الاستذكار هي التي عملت، مع الوقت، على تخيّل وجوده شخصا حقيقيا له قبر، فيما هو قبر رمزي لشاعرٍ مُغ نٍ سحر القبائل بغنائه. د) حسب ابن قتيبة "الشعر والشعراء" فإن الأعشى التاريخي قصد النبي (ص) حين لاحت بشائر الإسلام ، وينقل عن هشام بن ا لقاسم ، المُدّعى في بعض المصادر التاريخية العربية والإسلامية أنه كان علاّمة بأمر هذا الأعشى خ ب ر وفادته على النبي (ص) في صلح الحديبية، لكن اللقاء لم يحدث إذْ اعترضه في الطريق سادة قريش وأشاعوا في قلبه الخوف من الإسلام. ومع ذلك يزعم أنه أذاع بين القبائل قصيدته في مديح النبي (ص) يقول ابن قتيبة: وكان الأعشى جاهليا قديما وأدرك الإسلام آخر عمره ورحل إلى النبي (ص) في صلح الحديبية، فسأله أبو سفيان بن حرب عن وجهه الذي يريده فقال: أردت مُحمدا قال: إنه يُحرّم عليك الخمر والزنا والقمار، قال: أما الزنا فقد تركني ولم أتركه، وأما الخمر فقد قضيت منه وطرا ، وأما القمار فلعلي أصيب عنه عوضا . ويُفهم من هذه الرواية الضعيفة أ ن الأعشى، المغني، الجوّال، صاحب القصائد البطولية، هو شخص مُت هتِكٌ ينغمس في قيمٍ أخرى، مناقضة لقيم الفروسية والغناء البطولي، وأنه كان على مقربةٍ من الإسلام لولا اعتراض قريشٍ طريقه، ولأسباب شتى، يصعب الاستطراد فيها، تبدو هذه الرواية من وضع الرواة المسلمين المتأخرين لأن المقصود من واقعة الالتحاق بالإسلام هذه إنما هو أعشى تميم الذي
عدد الصفحات ٢٠٩كان فعلا ، في قلب معاركه الكبرى راثيا الأبطال الصرعى ، أما الأعشى الآ خر شارب الخمر والمولع بالنساء والقمار، فهو المُدّعى أنه أعشى بني مازن، وهو شاعر جاهلي مات قبل ظهور الإسلام. هـ) لنعد إلى اليمامة، عن وجود قبر مزعوم للأعشى في اليمامة يشير إلى مروية تناقلها الإخباريون العرب تخصّ أعشى بني قيس، وليس أي أعشى آخر لأن هذا ينتسب إلى قبيلة بكر بن وائل التي عاشت في رقعة جغرافية تمتد من الجزيرة الفراتية (بلاد الشام) حتى اليمامة؛ وهي واحدة من القبائل البدوية الكبرى ، وفي "الديوان : 34" يفخر هذا الأعشى ببداوته لسنا كمن جعلت إبادُ دارها تكريت تنظر حبَّها أن يحصدا جعل الإله طعامنا في مالنا رزقا تضمّنّهُ لنا لن ي نْف دا مثل الهضابِ جزارة لسيوفنا فإذا تُراع فإنها لن تُطردا ضمنت لنا أعجازهن قدورنا وضروعهن لنا الصريح الأجردا هذا الأعشى، الذي يعيبُ على إياد اشتغالها في الزراعة، ويفخر ببداوته وبكثرة إبل قبيلته: يصعب تخيّله شاعرا مُتهتّكا أو ناسكا أو باحثا عن المال عند النجاشي في الحبشة أو عند كسرى في فارس، كما يصعب قبول صوره الأخرى ، وفي المقابل يمكن الافتراض أنه قد يكون عاد لكي يموت في موطن قبيلته القديم، اليمامة، في إطار الحنين المفرط للبدوي إلى موطن الطفولة. هؤلاء سبعة عشر أعشى ف من صاحب الديوان والمُع لّقة فيهم؟.
عدد الصفحات ٢١٠السمكة والقلم : نون القرآنية (نون والقلم وما يسطرون. ما أنت بنعمة ربك بمجنون. وإن لك لأجرا غير ممنون) سورة القلم ( 1-3 . ) (فأصْبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذْ نادى وهو مكظوم. لولا أنْ تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم فاجتباه ربَّه فجعله من الصالحين) سورة القلم (48 – 50 )
عدد الصفحات ٢١١1) مدخل أستلهم الإغريق، في وقت ما، من تاريخهم القديم، بحسب ما يقول هِرُدُت، عقيدة من عقائد الفينيقيين وعقائد السومريين في بلاد ما بين النهرين كذلك (تولّت، في الواقع، شرحها الألواح والمُصوّرات الفنية) تتأسسُ على الفكرة التالية: إن الإنسان الأول كان سمكة ، ولذا ظهرت في المُعتقدات اليونانية، وبقوة، أسطورة الإنسان، السمكة (أوانيس)، وفي رسم آخر للاسم : (إوْ – أنس)؛ وهذا الاسم له صلة حميمة بالمعبود العربي الجنوبي: عميانس (عمْ أنس) الذي سجل ابن الكلبي اسمه في قائمة أصنام العرب ومعبوداتها. واستنادا إلى هِرُدُت، فإن الإغريق كانوا يعتقدون أن الإنسان – السمكة هذا، جاء من الخليج (العربي) حاملا معه الحضارة إلى اليابسة ، إن قراءة السورة القرآنية ، وآية (نون والقلم) من منظور جديد ، يُعيد وضعها في إطارها المناسب خارج السياق الفقهي التقليدي ، سيكون ممكنا من خلال تفكيك الأساطير العربية و إ عادة ش بْكها مع الأفكار المحورية في العقائد القديمة. لقد ت محْو رت أهم أفكار السومريين عن أصولهم وأنسابهم في الفكرة ذاتها: فهم من نسل هذا الإنسان، السمكة القادم من الخليج إلى العراق القديم، ولكنه يُدعى (بدلا من : إوْ – أنس: إنْكي. وهذا الاسم يشترك مع نظيره الإغريقي الفينيقي، في وجود حرف النون في أصل الاسم. كان الإله إنْكي الإله المحلَّي لمدينة أور التي تقع على ضفاف خور متفرع من الخليج العربي ، وكما تخبرنا الوثائق والسِّجلاَّت السومرية، فإن أور كانت أول مستوطنة في العراق الق ديم يسكنها الإنسان جنوبيّ بابل ، وقد عُدَّت من المدن
عدد الصفحات ٢١٢الخمس الأولى التي وجدت بعد الطوفان، حسب معتقدات السومريين؛ وهذا ما يُلمح برأينا إلى موجة بشرية كبرى مهاجرة اتجهت من مكان ما عبر البحر صوب بلاد ما بين النهرين إلى اليابسة. تعني كلمة (حت) في اللغة المصرية: سمكة، ومكافئها العربي هو: حوت وحتى اليوم يطلق أهل الخليج العربي على السمكة اسم حوت، بيد أن العلاقة بين الاسم (حت) والإله المصري (تحوت) ، تبدو من المنظور الأسطوري أوثق من مجرد التماثل الصوتي بين الحروف؛ وهذا ما سوف نراه فيما بعد حين نحلّل أسطورة الإله مُثلّ ث العظمة تحوت، الذي استعاره اليونانيون وسمّوه: هرمس، وكانا معا ، أي : تحوت وهرمس، إلهين للحكمة في مصر القديمة وأثينا. أطلق اليونانيون على تحوت المصري اسم هرمس نسبة إلى مكان عبادته التي كانت مزدهرة في مصر، في المكان الصخري المرتفع الذي سماه اليونانيون باسم هرموبولس، والتي نرى أنها اشتقاق من الجذر: هرم (وفي العربية الأولى: إرم، بمعنى الحجارة الص خرية. طِبقا للمُعتقدات المصرية القديمة، كان تحوت في أصله البعيد إلها للقمر أنبثق من رأس إله الصحراء سث، ونحن نعلم أنَّ الإله سث، وعند العرب القدماء شيت ، وهو ابن لآدم، كان معبودا صحراويا جلبه الهكسوس إلى مصر في حقبة الاجتياح الشهيرة في التاريخ باسم حقبة ملوك الرعاة، في عام (1720 ق م) تقريبا ، وكان رمزا للظلام . تقول الأساطير المصرية : إن الإله تحوت انبثق من رأس سث ، ورمزيا انبثاق القمر من رأس الظلام، وهذه صورة رعوية تقليدية للجماعات الصحراوية المهاجمة، ولذلك أطلق المصريون على تحوت لقب : سيد الزمان حيث توصل الإنسان، بفضل هذا البزوغ الرمزي للإله، إلى حساب الزمن عبر مراقبة الدورة القمرية ، يظهر تحوت في المصوّرات المصرية في هيئة رجل فوق رأسه طير، وقد أمسك بالقلم، كما أنَّ تحوت يُدعى في الوثائق المصرية بـ (ربّ النور).
عدد الصفحات ٢١٣ترددّت في أرجاء الإسلام المكيّ، قبل انتصاره اللامع وبعده، مباشرة، أصدار العقيدة الق ديمة عن إله الحكمة الأولى الذي جلب الحضارة من قلب المُخاطرة الكبرى: اجتياز البحر أو الصحراء والعبور من العالم غير العضوي إلى العالم العضويّ ، من الظلام إلى النور، ومن الهجرة إلى الاستقرار ، وتجلّى هذا الصدى العميق والوجدانيّ ، مع نزول آية (نون والقلم وما يسطرون) المكيّة من سورة القلم، إذْ انغمس الفقهاء المسلمون في جدال فقهيّ صاخ ب حول تأويل الآية، إن العودة إلى هذه النقاشات الخصْب ة والذكية، تبرهن على أن المتساجلين كانوا يحضرون بنباهة نادرة، جميع موضوعات النقاش في نقطة مركزية: ت أويل كلمة (نون) وهل تنصرف إلى معنى السمكة والحوت أم لا؟ . إننا نعلم من تاريخ أديان مصر القديمة ومعتقداتها، إن الإله تحوت المُماثل في مبناه ومعناه، للكلمة العربية حوت، بمعنى: سمكة، كان كبير آلهة مصر ومعبودها الأعظم، وقد دُعي بالإله المُثّلث العظمة، لأنه إله الحكمة والكتابة والفلك ولنلاحظ، هنا، التوافق المُن مّق والمثير للدهشة بين صورة الهرم المصري مكان عبادة تحو ت، وكونه إلها مُثلّث العظمة ، فإذا كان الإغريق، كما يقول هِرُدُت، استعاروا معبوداتهم الكبرى من مصر، عن طريق الفينيقيين، فإن العرب الذين جلبوا هذه المعبودات، أصلا ، إلى مصر في الحقبة الهكسوسية ، عملوا على استردادها مع حملة الترجمة الكبرى لكنوز المعرفة اليونانية في عصر المأمون (170 – 218 هـ786 – 833 م) ؛ ولكنهم وفي إطار هذه الاستعادة، قاموا بتحويل هرمس الإله المُثلّث العظمة اليوناني، إلى أخنوخ الذي صار اسمه يكتب في الروايات الإخبارية وكتب الفقه الإسلامي على أنه أخنوخ (خنوخ)، وفي الآن ذاته صار المسلمون يكتبون اسم أخنوخ هذا على أنه النبيّ إدريس ، على هذا النحو تمَّ دمج ثلاث صور في صورة واحدة ، لكن هذا الدمج الذي يبدو بريئا يُخفي في الواقع استعادة غير واعية للصورة القديمة: الإله تحوت.
عدد الصفحات ٢١٤ما من قارئ للإخباريات وكتب الفقه إلاّ وتساءل عن السّر وراء كتابة المسلمين لاسم النبي إدريس على هذا النحو: إدريس هو (أخنوخ) ، وهو هرمس ، وفي تأويلهم لاسم إدريس ، يجمع الفقهاء على أنه سُمي إدريس لأنه كان كثير الدرس مُستغرقا في طلب العلم، وبذا تتمُّ المُطابقة مرة أخرى بين الاسم، وفكرة وجود إله قديم للكتابة والحكمة والعلم، وهي صفات تجمع كلَّ التنويعات الأخرى : أخنوخ ، إدريس ، هرمس، تحوت ، نون ، ثم ، كما سنرى ، نوح، ويونان ، ويونس ، وهذه بكل جلاء صفات مُتوزعة على ثلاثة تصوّرات كبرى للإله، أي إنه إله مُثلَّ ث القوة والعظمة. إن عظمته تكمن في العلم والكتابة والحكمة التي تشكّل امتيازه المُ فارق ، ومن هذه المادة ب ز غ ال تْثليْث المسيحيّ في صورة الإله؛ ومنها سوف يتسرب إلى العقيدة الإسلامية مع المذهب الشيعي، الذي عرف التثليث في أجلى صوره الشعبية، عبر تصعيد صورة الإمام علي بن أبي طالب جزءا عضويا من عقيدة التوحيد. هذا هو الإطار العمومي، ولكن المُك ثّف، لوجود أخنوخ التوراتي (أي : إدريس في الصور الفقهية الإسلامية، الذي هو هرمس أيضا ). وهذا هو المسار التطوري في شخصيته التي انتقلت بإيقاع مُت كرر من سومر في هيئة شخصية أسطورية لإله الماء: إنكي ، وبالتوازي مع الصورة المصرية لتحوت (حوت) فالإغريق مع هرمس، فالعرب مع (نون)، وأخيرا مع الإسلام في صورة نبيّ يُدعى إدريس . إذا ركّزنا عملنا على كشف الصلة بين جذر الاسم السومري (إن) و(نون) وهما بمعنىْ واحد : سمكة / حوت، فإن هذا المحور لن يتجاوز كثيرا جوهر التصوّرات البدْئية الأولى عن إله الماء الق ديم، كما تشكّلت في وعي الجماعات السومرية والمصرية ، إن المقطع الأول من الاسم السومري ، البابلي : "عن – كي) (إ نْ) وهو عن الماء ، يشير إلى تطور الجذر (إ نْ) باتجاه الجذر العربي (ن) والذي رفع النصُّ القرآني من درجة مهابته وقدسيّته بربطه مباشرة بالعلم والكتاب ة والحكمة في آية (نون والقلم). لكن الاسم الأصلي : إنْ – كي، يشير إلى إله ع دْته الثقافات
عدد الصفحات ٢١٥القديمة في بلاد ما بين النهرين بالتعاقب، إلها شديد القوة والجبروت؛ فهو الإنسان الأول المُت صوّر على هيئة سمكة (السمكة الأولى) والذي خرج من الماء ، مُجتازا الأهوال وا لمخاطر حاملا إلى اليابسة هديته الكبرى: الكتابة والمعرفة. يتحدّث رقيْم طينيّ من عصر فجر التاريخ (سومر) عن كائن هو خليط من السمكة والإنسان يُدعى : (أو – أنس) خرج إلى اليابسة بعد أن اجتاز أهوال البحر، حاملا الحضارة. وفي هذا السياق يلفت الانتباه في الاسم الس ومري، والذي يُدعى عند الإغريق أيضا (أو – أنس) ذلك التطابق المثير بين كونه إنسانا في هيئة سمكة ، ومبنى الكلمة في العربية (أنس) وهي الجذر الأصلي لكلمة إنسان، وبرأينا أن اسم يونس النبيّ في التقاليد الفقهية والإخبارية العربية، جاء من أصل هذه المادة، والتي جاء منها، في التوراة ، اسم (يونان ، وفي "العبرية" "يونه" وهما معا خرجا من الماء بمعجزة. لقد اجتازا الأهوال وعبرا البحر ليصلا إلى اليابسة أخيرا مع الهدية: الرسالة الدينية. من المهم أن نلاحظ في هذا الإطار العمومي والمُك ثّف، أن الثموديّين عرفوا الإله (نون) و عبدوه ورسموا اسمه على النحو ذاته في النصّ القرآني أي : (نون)؛ وقد لاحظ ف. برندي "تاريخ ثمود : 57" أن هذه القبيلة ارتبط طعامها بعبادة الإله نون، وذلك ما يكشف عن حقيقة موطنهم القديم قرب سواحل البحر الأحمر في الجزيرة العربية إذْ أمكن العثور على رسوم فوق الصخو ر لسفن ثمودية، كان رجال القبيلة يستخدمونها في عبور البحر للتجارة ما يدعم الحقيقة الأثارية القائلة: إن الثموديين عاشوا فعلا ، في وقت ما، على ثروات البحر الأحمر، وحصلوا منه على طعامهم الرئيس. . وما يؤكد ذلك عثور العلماء في المعابر الثمودية على عظام الأسماك بما يشير إلى دخولها طعاما طقوسيا يتصل بعبادة النون، وهو كما قلنا من معبودات ثمود بكلام آخر، جمعت القبيلة بين نمطين من الحياة التقليدية: البداوة بكل ما تعنيه من شظف العيش والترحال والهجرة وال تنقل بحثا عن الطعام،
عدد الصفحات ٢١٦والاستقرار عند السواحل ، إن هذا وحده ما يُفسر لنا المثل العربي الغريب (ك م نْ يجمع بين الضبّ والنون)، والذي بدا عصيا على الفهم منذ الجاهلية ، والضبّ هو الدويبة الصغيرة الصحراوية التي كانت من طعام القبائل، مثل الحشرات والنباتات البرية التي دخلت في مائدة الطعام في عصر المجاعة، هذا المثل القديم يمكن ر دّه وفهم مضمونه إذا ما قمنا بربطه مع عصر المجاعة الكبرى، والتي تسميها التوراة بمجاعة أرض كنعان فيما تسميها الإخباريات العربية: مجاعة مكة، عندما اضطرت القبائل إلى تناول الحشرات والنباتات الوحش ية والبرية؟ وهذا واضح من التشريعات التوراتية المبكرة، التي شرّعت تناول بعض أنواع الحشرات وعدّتها جزءا من مائدة الطعام. يبدي برندن دهشته من الرسوم الصخرية التي تركها الثموديون قائلا : "إن هذه المهمة، أي وجود سفن للصيد، لا يمكن أنْ تتفق مع حالة البدو الرُحّل" ، وهذا صحيح تماما ، ذلك أن الجميع بين التنقّ ل الدائم بحثا عن الطعام، وسفن الصيد التي تتطلب استقرارا ، يبدو أمرا مستحيلا ، بل وغير مفهوم لقرّاء التاريخ ، ولكن هذا سيكون مفهوما تماما إذا ما نُظر إليه من زاوية أخرى : إن الجمع بين نمطين من الطعام ، يؤكد بصورة لا ل بس فيها حدود وظرف الجماعات المتتالية التي أصابت الجزيرة العربية وأرغمت القبائل على التفتيش عن مصادر جديدة للبقاء على قيد الحياة ؛ وفي هذا الإطار لعبت السمكة ، في مائدة طعام الجماعات الجائعة دورا طقوسيا ، وأصبح (نون) معبودا ، طوطما ، عند القبائل العربية الأولى ، ثم ليتحول فيما بعد ومع ظهور المسيحية إلى ش عيْر ة دينية هي أساس من أساسات عقيدة الخلاص ، وهذا ما يفسر لنا على أكمل وجه رمزية العشاء الأخير في المسيحية حيث دخلت السمكة في المائدة لتطعم آلاف الجائعين ، على هذا النحو استردت القبائل ذكرى الفناء الأسطوري .
عدد الصفحات ٢١٧يستخلص برندن من التدقيق في الأسماء الثمودية للرجال : حوت ، سمكة ، اعتقادا يقول بوجود علاقة من نوع ما ، بين سفن الصيد وظهور السمكة في مائدة طعام القبائل ، ولكنه لم يذهب خطوة أبعد على طريق استخلاص نتائج ذات قيمة حقيقية ، كما لم ينتبه إلى أن هذه الأسماء لم تظهر في الواقع إلاّ بعد وقت طويل من تخطّي القبائل مرحلة المجاعة الكبرى حيث أصبحت آنئذ جزءا من نظام ثقافي متكامل تلعب فيه عبادة الإله (نون) دورا محوريا في فكرة الخلاص البشري من العذاب والهلاك ، لقد جاء الإله – المُخلّص ، من البحر حاملا الهدية ، مثل موسى ، ونوح ، ويونس، ويونان ، مُجتازا الأهوال والمصاعب ، من أجل خلاص شعبه الذي كان بانتظار الهدية. إن تفكيك فكرة المُخلّص التوراتية تتطلب إعادة تشريح مجمل أساطير الإله (نون) التي ب ز غت منها ، وتطورت في سياقها شخصية موسى نفسه، كما تتطلب عو دة مُنظّمة ومدروسة بعناية للنصوص الإخبارية العربية التي تنطوي على معرفة من نوع ما، بالمصادر المسكوت عنها في أصل هذه العقيدة القديمة من عقائد العرب ، لقد و ر دت في كتب الإخباريين والمُفسرين الإسلاميين، إشارات وتفصيلات لا حصر لها، تدور، إجمالا ، في إطار فهم الآية القرآنية : (نون والقلم وما يسطرون) قد تكفي الإشارة إلى بعضها؛ مثلا : الطبري في "تاريخ 1 :259" ،الثعالبي في (عرائس المجالس 149 :287) ، إن الأمر الهام للغاية في سياق قراءة سورة القلم يكمن في الربط الوثيق بين الدلالات ، وفي مقاربة أفكار المُفسرين ا لإسلاميين لكلمة (نون)، يقول النصّ القرآني (فأصبرْ لحكم رَّبك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم) سورة القلم ( 47 – 48 . ) إنَّ العلاقة الصريحة التي يُقيمها النص القرآني بين وجود يونس في بطن الحوت، ومباشرة بعد آية (نون والقلم وما يسطرون) وفكرة الخلاص، تُلمح إلى أن المقصود بـ (نون) على وجه التحديد، الإحالة على فكرة وجود إله الكتابة العربي القديم، الذي
عدد الصفحات ٢١٨خرج من البحر بعد أن صارع أهواله وتغلّب عليها ليوصل الهدية ، وفي هذا المنحى من الإحالة يمكن للمرء أنْ يجد رابطة وثيقة بين مروية التوراة عن إلقاء موسى الطفل في النهر، وصراعه ضده، ثم الخروج وتقديم الشريعة، بوصفه استطرادا مُن مقا للفكرة ذاتها (وليس استلهاما كما يُزعم لأسطورة سرجون الأول الذي يقول عن نفسه أيضا إن أمه الكاهنة ألقت به في النهر. وفي الاتجاه نفسه يمكن تطوير هذه الإحالة من خلال رؤية المغزى الرمزي في طقوسية المعمودية المسيحية وإلقاء الطفل في الماء، بوصفها شعيرة دينية تنتمي إلى النسيج ذاته : الرمي في النهر واجتيازه لإيصال الهدية فيما بعد. والمثير أن اللغة القبطية (نمط من المصرية القد يمة) تسجّل الاسم نفسه في صورة نون وهو كتلة الماء الأزلية، تماما كما في الأكدية (نونو) بمعنى السمكة وكتلة الماء. روى ابن عباس أسطورة نون على هذا النحو: إن الله أول ما خلق، خلق القلم ثم خلق النون، ثم بسط الأرض . لقد تجادل الفقهاء طويلا حول معنى الكلمة، وذهب بعضهم إلى تفسيرها على أنها الدواة ، بما أن القلم يسبقها في الخلق، وهذا ما فعله علي فهمي خشيم الذي يفترض وجود صلة بينها وبين كلمة مصرية وأخرى عربية تؤديان إلى معنى دواة، إن ابن عباس ، في تأويله لاسم قريش ومصدره يقدم تصورا متسقا مع الفكرة الآنفة،. ففي ر أيه أن اسم قريش مشتق من كلمة (قرش) وهي السمكة، وليس من القروش بمعنى النقود والتجارة أو التجمع إذْ كان يُزعم أن اسم القبيلة له صلة بالتقّرش بمعنى التجمع في مكان ، لكننا نرى ، استنادا إلى ابن عباس ، أن للاسم صلة حميمة بوجود معبود كبير للجماعات الجائعة ، ولا شك أن تأكيد ابن عباس على أن اسم القبيلة له علاقة بسمكة القرش ، فضلا على تأكيده أن النون هو السمكة / الحوت
عدد الصفحات ٢١٩، وأنه أول مخلوق في الأرض، يوطد مثل هذا التصّور: نون هو الحوت (بكلام آخر : هو تحوت إله المعرفة وهو الإنسان الأول السمكة الأولى) . الآن ما الرابطة ال خفيَّة التي تجمع بين القلم والسمكة طبقا للخطاب القرآني؟. إذا ما عدنا إلى الوراء قليلا وقرأنا الأساطير المؤسسة فسوف نلاحظ ما يلي : إن التلازم في الخلق لا يبدو مفهوما أو منطقيا من دون رؤية الفكرة الأولى التي تشكلت في العقائد القديمة عن إله المعرفة ، لقد كان الإنسان الأول خليطا من إنسان وسمكة هو (ن) وكان عليه أنْ يواجه أهوال الطوفان والبحر وأنْ يبلغ اليابسة بسفينته، تماما كما فعل نوح ويونس ويونان، وأنْ يوصل الرسالة؛ أي القلم (الشريعة الدينية والحكمة) ، إن القصة القرآنية عن التهام الحوت ليونس حيث مكث في جوفه ثلاثة أيام ، قبل أنْ يُلقي به أخيرا عند اليابسة ، هي ذاتها القصة القديمة عن وصول نوح إلى اليابسة وإنقاذه البشرية من الفناء حين حمل معه الكائنات، وهي نفسها مروية التوراة عن يونان ( يونه) ولنلاحظ الجذر (نون) في أسماء نوح، يونس ، يونه. لقد أنقذت السفينة ، الحوت ، البشرية وأوصلتها إلى الشاطئ؛ وفي هذا المحتوى الرمزي تجلّت ، وعلى أكمل وجه، الفكرة القرآنية عن إنقاذ الحوت يونس، ففي النصّ القرآني لم يفترس الحوت النبيّ، بل : ألقمه ، أي أخفاه داخل أحشائه ليوصله إلى اليابسة ، إن هذا البعد الرمزيّ للصراع ينطوي هو الآخر على إحالة إلى نمط عيش الجماعات العربية الأولى في مرحلة ما بعد الطوفان الأسطوري عندما دمّرت الآلهة كل الموجودات ، وأصبح الإنسان مُرغما على الدخول في عالم لا عضويّ ، مُجدب وقاحط ومُحطم، منتظرا الخلاص ، ولذا تبدو التسمية القرآنية ليونس بأنه (ذا النون) مثيرة من حيث دلالاتها . . قال تعإلى : (وذا النون إذْ ذهب مُغاضبا ) (الانبياء 87 )، كل هذه الروابط الوثيقة بين المعبود ون مط الحياة والصراعات المأساوية العنيفة والتماثلات اللغوية والسلوكية للأبطال ، يمكنها أنْ تكون مفهومة في إطار أساطير الماء والحكمة والفُلك في الثقافات القديمة .
عدد الصفحات ٢٢٠في هذا المنحى الموازي من التحليل المُت طلّب نستطيع قراءة الآية القرآنية (نون والقلم وما يسطرون) بأنّ المقصود بها الإشارة إلى تجلٍ من تجلّيات إله المعرفة والحكمة والكتابة - مثلث العظمة - العربي القديم؛ وهذا ما يفصح عنه الرابط الوثيق بين الاسم (نون) والقلم رمزا لهذه المعرفة. إذا ما انتقلنا ، خطوة أخرى ، إلى الأمام، صوب فحص واستقصاء التجلّيات التالية، فإننا سنجد (ن) هذا في صورة نوح الذي تسجّله جميع المرويات بوصفه نبيا ، إذْ خرج أيضا من قلب الغ مْر والطوفان الكوني وصارع البحر وانتصر عليه، وحمل البشرية إلى اليابسة ووهبها الهدية: العلم ، هذا التوافق بين صورتي البطلين والإلهين القديمين نوح و(ن) يتخطى التما ثل اللغوي في الجذر الواحد (ن) إلى تأسيس تناظرٍ في شكل الصراع ضدّ البحر (الغمر، الطوفان) ومقاصده ، فإذا كان (ن) وهب البشرية المعرفة ورمزها الكتابة، فإنَّ نوح وهبها العلم، أي : صناعة الفُلْك ، وطبعا فقد اقترنت فكرة وجود المعرفة الأولى للبشرية، بوجود تلازم تام بين ثلاثة مستويات: الحكمة والمعرفة والكتابة. ولذا صو رت الأسطورة العربية القديمة، ثم الإسلامية ، أخنوخ على أنّه عالم في الأفلاك، أي : النجوم والكواكب، وجعلته قوائم الأنساب التورانيّة والعربية – والإسلامية، جدّا أعلى لنوح . ولكن: لماذا اقترنت أسطورة نوح الدينية بصناعة الفُلْك فيما اقترن اسم أخنوخ بعلم الف ل ك ؟ ، وما الذي يجمع بين الفُلك بمعنى سفينة، والف ل ك بمعنى الكواكب والنجوم والكون؟. لقد تجادل الفقهاء المسلمون طويلا ، مع الإسلام المبكر، حول هذا التماثل في المبنى والمعنى لكلمة (فُلك ف ل ك) وأثار انتباههم ذلك حتى رأينا ابن منظور "لسان العرب، مادة ف ل ك" يدمج بين الكلمتين في معنى واحد جر ي ا على مذهب قديم للعرب، لأن الف ل ك هو الموج، إذا ماج في البحر فاضطرب؛ ومثله الف ل ك بمعنى دوران السماء، وهو اسم للدوران خاصة، كما في قراءة الزّجاج لقوله تعإلى : (كلٌ في ف ل كٍ
عدد الصفحات ٢٢١يسبحون) (سورة الأنبياء 33 )، ومن هذا المعنى اشتق العرب وصفا للأرض المستديرة فقالوا : الف ل ك: قِطعٌ من الأرض تستدير وترتفع عمّا حولها الواحدة ف ل كةٌ ، وهذه دخلت في الاستعمال اليومي في العامية العراقية لوصف ساحات المرور في الشوارع ، إنّ تشبيه الكون في صورة بحر هائلٍ ، وفي التوراة يصبح الكون غمْرا ، يؤدي إلى عد النجوم والكواكب سفنا يتدافع بها الموج ، ومن قلب هذا الموج المضطرب المتلاطم، خرج (ن) ونوح وأوصلا الهدية إلى اليابسة . وشأن كل صور وتجلّيات الآلهة القديمة فقد تشظّت صورة الإله (ن) القديم، حيث أمكن لها، فيما بعد، أنْ تحلَّ وفي مختلف المراحل والعصور، وتبعا لتطور الوعي الإنساني، في صيغ وأسماء وأساطير ومرويات محليّة، قبائلية، تحمل المعنى ذاته. وهذا ما سنبرهن عليه حين نُعيد ربط الأسماء والتصورات بعضها ببعض: (ن) ونوح وأخنوخ (إدريس) ، و يونس (يونان) وهرمس، بوصفها تطويرا لمرويات أقدم عن (أو – أنس) أو الإنسان، السمكة ، السومري، و(أوانيس) الإغريقي، و (نو – نو) الأكدي، وتحوت المصري (حوت = سمكة) . يتضمن سفر أخنوخ الذي لا وجود له في كتاب اليهودية المُقدَّس، بل هو موجود ، فقط، في النسخة الشعبية من التوراة والمعروفة عند الدارسين بـ (الأبوكريفا) وهي النسخة التي يُعتقد على نطاق واسع أنها كُتبت، في أحسن التقديرات نحو عام (100 م)، بقايا أسطورة يبدو أنها من أصل عربي قديم، لطالما ترددّت في كتب الإخباريّين العرب، وقد سجّلها ياقوت الحموي، مباشرة، من أفو اه سكان جزيرة (قيس) البحرانية، وهي ميناء مزدهر في العصر القديم، تدور حول زواج حدث ذات يوم بعيد ونجم عنه ظهور نسل من الجبابرة الذين نقلوا حضارتهم ، عبر البحر، إلى شعوب اليابسة . تقول الأسطورة ، إنّ "بنات الناس الحسناوات تزوّجن من أبناء الله" وإثر ذلك ظهر شعب عملاق هاجر عبر جزيرة كيش / قيس، حاملا معه حضارته.
عدد الصفحات ٢٢٢إنّ الفكرة المركزية في مروية ياقوت تدور في النطاق ذاته: وجود هجرة جماعية عبر البحر، أوصلت إلى اليابسة الهدية المنتظرة التي هي الحضارة ، وهذا ما سيقودنا إلى إمعان فكر متأن في الغنى المفرط لهذه الأسطورة، التي تردُّ أصل الحضارة الأولى في اليابسة إلى البحر، انطلاقا من هذه النقطة الجذّابة، المتواترة في المرويات؛ يمكن إعادة تقويم جذرية لمفهومنا عن الطوفان، وخروج نوح سالما ومنْ معه من كائنات وموجودات، إلى اليابسة لينشِ ئ سلالة بشرية جديدة، ذلك أنّ فكرة الإنسان / السمكة ، الخارج من الماء هي في أساس المعتقد الإنساني القائل بحدوث طوفان كوني ظهر الوجود على إثره. وفي القرآن: "وجعلنا من الماء كل شيء حي" سورة الأنبياء ( 30). كل شيء حي، إذن، وطبقا لهذا المعتقد، ينتسب إلى الماء، أي إلى كتلة الماء الأزلية (نونو) التي صوّرتها الأساطير السومرية على أنها مصدر الخلق الأول، حيث خرج الإنسان / السمكة (أو – أنس) تماما كما خرج نوح. لمّا كانت معجزة نوح هي صناعة الفُلْك (السفينة) التي حملته ومعه كل المخلوقات إلى اليابسة ، فقدُ صِوّر جدّه الأعلى أخنوخ على أنه إله الأفلاك، أي : العالِم بالنجوم والكواكب في التراث الإسلامي. يقول أبن هشام : "أخنوخ وهو إدريس النبيّ، فيما يزعمون، والله أعلم. وكان أول بني آدم أعطي النبوة وخطَّ بالقلم" "السيرة : 1 :5" . بينما يقول فقيه من الفقهاء الإسلاميين المتأخرين هو الإمام محمد بن يوسف الصالحيّ الشاميّ (942 م) في : "سيرة خير العباد، على جريّ عادة أئمة المسلمين 1 :377 . " روى المُسْت درك بسندٍ واءٍ عن وهب ب ن، منّبه، رحمه الله تعإلى أنه سُئل عن إدريس فقال : هو جدُّ أبي نوح وقيل : جدّ نوح ، وقال الحاكم في المُس تدْرك : وأكثر الصحابة ، قالوا ، إن نوحا قبل إدريس، سُمّي إدريس لكثرة ما كان يدرس من كتب الله وسنن
عدد الصفحات ٢٢٣الإسلام وهو أول من خاط الثياب ولبسها وكانوا من قبل يلبسون الجلود، وإدريس بالسريانية خنوخ، ومعناه كثير العبادة وكان أول من أخبر عن علم الهيئة والحساب وأحكام النجوم. يضع نصّ الصالحي التماثل بين إدريس وأخنوخ في صلب النقاش حول الفكرة الجوهرية في هذه الأساطير، أي : التناظر بين تصّور العرب القدماء للكون بوصفه غمرا تسبح فيه النجوم والكواكب ، وتصّورهم للعالم، أيّ: الحياة الدنيا بلغة الفقهاء ، بما هو نتاج طوفان؛ ولنلاحظ التماثل في اللغة العربية بين كلمة ف ل ك بمعنى سفينة، والفُلكْ بمعنى الفضاء الكوني، على هذا النحو يصبح إدريس ، أي إله القلم والمعرفة (أي تحوت، وهرم س) أبا أعلى لبطل الطوفان الأسطوري الذي أنقذ البشرية، في هذا الإطار جعل الإغريق من هرمس إلها للفلك والنجوم وصار في المُعتقدات اليونانية المبكرة كبير الآلهة، تماما كما هو الحال مع تحوت الإله المُثلث العظمة ، فهل كل هذه الشخصيات هي- في الواقع - شخصية واحدة، كانت في الأصل نتاج تصوّرات مشتركة لشعوب البحر الأبيض المتوسط للكون والخلق والعالم؟. يفترض ابن العبري "تاريخ مختصر الدول: 90" أن الذي خلق علم الفلك بعد الطوفان هو قينان بن أرفخشذ. بيد أننا لا نعرف شيئا عن هذه الشخصية الأسطورية. أما ابن الأثير "الكامل: ط: لايدن: 1 :33" فيرى أن النبي إدريس هو نفسه أخنوخ بن يارد بن مهلئيل ، وأنه أول من خطَّ بالقلم وأول من نظر في علم النجوم والحساب، وحكماء اليونان يسمّونه هرمس الحكيم وهو عظيم عندهم. إن عبارة ابن الأثير ، التي لطالما تكرّرت في كتب وأحاديث الفقهاء المسلمين القدماء والمعاصرين، والقائلة: إن إدريس أول م نْ خطَّ بالقلم، تحيلنا إلى منطوق الآية الكريمة (نون والقلم) بما أن إدريس هو نفسه عند العرب أخنوخ، وفي الآن ذاته هو هرمس الإغريقي، وهذا بدوره ، كما رأينا، هو تحوت المصري، وكل هذه الشخصيات تنتسبُ ، في الن هاية، إلى صورة (إن – كي) السومري.
عدد الصفحات ٢٢٤