من قلب هذه الصور ة المُت شْ ظية، ستظهر مروية النبي يونان ( > يونه <) في (التوراة)، والتي صارت في التراث الإسلامي: قصة النبيّ يونس، وسيقوم الرواة المسلمون بروايتها، كما لو كانت تكرارا على نحوٍ ما، لأسطورة نوح؛ فهما خرجا من البحر أو الغ مْر الكوني، وكلاهما قام بقهر البحر والانتصار عليه، وكلاهما انقذته سمكة / حوت وأوصلته إلى الشاطئ ، إن رمزيّة السفينة والحوت في هذه الأساطير، والتي يشترك في صنعها أبطال يحملون جذر الاسم نفسه (نون) قابلة لأن تُضاهي تلقائيا بالصورة القديمة للمعبود السومري، الأكدي: نون، وهو كتلة الماء الأزلية ، عبر هذه الرمزية الشفافة والقابلة للاختراق للسفينة والحوت، ينتقل الأبطال الأسطوريون وهم قابعون في جوفها، في مواجهة دامية مشحونة بالعذاب ولكن بتصميم لا يعرف الكلل من أجل الوصول إلى البشر الخائبين والمُحطَّمين، من أجل إنقاذهم وتخليصهم من الشقاء ، هذا هو الإيقاع الداخلي الذي ينظّ م عمل النصوص، ويشدّ وحداتها الرمزية إلى فكرة مركزية واحدة: الرغبة في قهر الطوفان والتغلّب عليه بما هو رمز لقوة غاشمة ، والأمر المؤكد أن هذه الأساطير هي من رواية شعب بحريّ عاش بعمق وجداني تجربة تاريخية مع الهجرات البحرية وفي الواقع فإن العرب بصعوبة يتذكرون، أنهم شعب بحريّ ، في الأصل، قبل أنْ تتغلب البداوة في صورتها النمطية الساندة، على صورتهم القديمة والأصلية ، بيد أن العودة المُن ظّمة والمُحترسة لكل المرويات العربية التي رأت أن العرب كشعب بحريّ عاش على طول سواحل البحر الأحمر والمتوسط الجنوبي، ستكشف عن هذا الجانب المنسيّ من الصورة البدوية النمطية. . إن التكرار المُثير للجذر الأحادي في أسماء الأبطال، يُنبئ ، على أكمل وجه، بأن هؤلاء الأبطال الذين يسافرون عبر البحر في سفن وحيتان، ويُصارعون من أجل البشر وبالنيابة عنهم ومن أجل خلاصهم، هم بطل واحد في صور مُت شظّية؛ البطل الذي يتعيّن عليه أنْ يوصل الرسال ة إلى الشاطئ: أي أنْ يوصلُ الحضارة إلى الجماعة التي تعيش هاجس انتظارها ، وفي النهاية ، فإن هذا البطل الإلهيّ هو الإله نفسه، الخفيّ والكليّ
عدد الصفحات ٢٢٥الجبروت، القوي والممُت لك للحكمة الأزلية والمعرفة، والذي "علمَّ بالقلم علّم الإنسان ما لا يعلم) (سورة العلق 4-5) وهذا هو الإله (نون) . إن الكيفية التي اخترقت فيها هذه الثقافة القديمة والراسبة، حاجز قوائم الإنساب الشفاف والنموذجي، حيث يصبح الأبطال من شجرة أنساب واحدة، بل وأن تجمعهم قرابات دموية مشتركة ، وبعضهم إما هو أبٌ لآخر، أو هو أبنه المباشر أو حفيده، كما رأينا من حالة نوح وإدريس، تشير في مضمونها السهل إلى فكرة أنساب الآلهة كما تخيلها العرب وطورها الإغريق بفضل الشعب الفينيقيّ. فسّر ابن عباس (رضي الله عنه) آية (فنادى في الظلمات) (سورة الأنبياء 87) في إطار السرد القرآني لقصة يونس، أنَّ المقصود بها (ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت) : (الثعلبي "عرائس المجالس: 410") وهو تأويل شديد الذكاء والدقة والشفافية، يماثل فيه ابن عباس بين صور الظلام في سياق الصراع مع البحر؛ فهي ظلمات متراكبة خرج منها يونس منتصرا ، هذه المماهاة في التأويل الفقهي، بين ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة السفينة، الحوت، تدعم التصوّر المحوريّ للعقائد القديمة عن انبثاق النور من رأس الظلام، تماما كما تخيّل المصري ون القدماء انبثاق تحوت من رأس سث، بوصفه إلها قمريا . لقد رأى الإسلام نفسه انبثاقا للنور من الظلمة، وخاطب العرب بهذه الفكرة ورسّخها، وبذا وضع نفس ه في قلب السياق الثقافي الراسب والمستمر، كذلك، في وعي الجماعة العربية للعالم والكون ولوجودها، لقد كان الإسلام تجسيدا حيا لهذه الولادة الرمزية للنور. إن عقيدة الصراع ضد البحر أو الطوفان كما عبرّت عنها أقدم أسطورة تصلنا من سومر : صراع الكتلة الأزلية (إن – كي) ضد تيامات ، بتدبير من الإله أيا، هي المفتاح الحقيقي لفهم جذريّ وخلاّق لما يُع دُّ في التوراة، حادثا تاريخيا ودينيا ، تعني: شقّ البحر وعبور بني إسرائيل في أثناء خروجهم من مصر. إن ما يُدعى بمعجزة
عدد الصفحات ٢٢٦شقّ البحر وعبور بني إسرائيل، يجب أنْ يُنظر إليها من هذا المنظور؛ فهي تكرّرُ الصورة ذاتها لصراع البطل ضد البحر أو الطوفان، من أجل أنْ يوصل الجماعة البشرية إلى الشاطئ. من وجهة نظر هذا الكتاب، فإن خروج بني إس رائيل ليس واقعة تاريخية، كما أنه ليس حادثا دينيا ، وليس ثمة أي أساس ، في أي مرحلة أو حقبة من تاريخ هذه الجماعة ، يمكن أنْ يؤيد وقوع مثل هذا الحدث؛ ومن الأجدى ، لفهم صحيح ومُت طلب يفي بالحاجة، وضعه في إطار الهجرات الكبرى للقبائل، أي: خروجها من أوطانها (وفي حالة بني إسرائيل يمكن للمرء أنْ يلاحظ الدمج بين مرويتين: إحداهما تتصل بحادث خروج الهكسوس من مصر، أي حادث طرد الجماعات البدوية العربية الأولى، وهو واقعة تاريخية صحيحة تخصُّ جميع الجماعات البائدة ومنها العماليق . وبني إسرائيل ، والثانية : تتصل بمرويات الهج رة والترحال والبحث عن المُخلّص). إن مروية التوراة الأسطورية عن معجزة موسى وشقّ البحر، وهي مروية محورية في سفر الخروج ( 13 :17 – 14 :3) ذات صلة حميمة بعقيدة الصراع ضد البحر، التي وصلتها الجماعات العربية الأولى عندما كانت جماعات بحرية أنزاحت تدريجيا باتجاه الصحراء ، ومن الواضح أن رواية عن البحر والصراع ضده، لا يمكن أنْ تروى إلاّ من جانب جماعة بحرية عاشت بالقرب منه ، بهذه الحال، فإن مروية سفر الخروج هي من بقايا تلك الذكرى الدفينة للقبائل البائدة، التي نسيت ماضيها البحري، وعاشت بداوتها بعمق. إن سفر يونان، يتألف ، من حيث بنيته السردية، من ثلاث وحدات إنشائية (مقاطع) مر كبّة؛ سعى سارد النص من خلالها إلى تأسيس وحدة سردية، قابلة لأنْ تروى كحكاية عن الصراع المرير ضد البحر، بما هو ذكرى دفينة . . من الناحية التقنية ، وفي إطار تحليل أدبيّ للنصّ ، فإن التقطيع لا غرض له سوى الإبقاء على
عدد الصفحات ٢٢٧المت لقي مشدوداإلى الفكرة المحورية، وهي صراع النبي ضد طغيان البحر وجبروته، تحدّيه ثم الانتصار عليه، وهكذا ، فإن مُتلقي النصّ ينتقل بين الوحدات الثلاث، عازما على ملاحقة تطورات الصراع وت تبّ ع أثرها، منغمسا في الأجواء ذاتها لمعمعان الأشتباك مع أمواج البحر الصاخبة وحيواناته الشريرة ، وهنا لا بد من بعض الملاحظات: إن بطل السفر التوراتي يُدعى يونان وهو في القرآن يونس، ولكن مبنى الاسم يشير إلى أنه لا ينتسب إلى بني إسرائيل ، ولأن يونان من الأنبياء الثانويين في التوراة، ويأتي ترتيبه من حيث تسلسل الأنبياء في أسفل القائمة، بل ويُعدُّ من أنبياء بني إسرائيل المتأخرين قبل ظهور المسيحية، فإنه من الممكن البرهنة على أنه لا وجود حقيقيا له، وظهوره في المرويات التوراتية إنما يتصل بروايات القبائل والجماعات القديمة للصراع ذاته ضد البحر. . إن قراءة النص العبري سوف تكشف عن بعض الحقائق من بينها أن البطل من مقاطعة بحرية ، وهذا هو النص الوحيد في التوراة، الذي بدور في أجواء مختلفة ومغايرة، وربما متناقضة، مع أجواء البداوة المألوفة فيها، وقد انتقل بطل السفر من اليابسة إلى البحر من أجل إبلاغ رسالة. من الصعب في الواقع تقبل فكرة وجود نبي متأخر ومن مقاطعة بحرية لا وجود لها في خرائط العالم القديم، يصبح نبيا لجماعة من الأسباط المهاجرة في عصر أوشكت فيه المسيحية على البزوغ ديانة كبرى من رحم التجربة التاريخية للجماعة ذاتها، مع ما رافق هذا التحول العالمي م ن ازدهار في مدنيات كبرى يونانية ورومانية، بل إن الاسم يونان يتضمن إشارة من نوع ما إلى أصدائه عميقا في أرجاء الجزيرة العربية مع دخول القبائل العربية طرفا في هذا الصراع لصالح فارس. يتكرر في السرد التوراتي للسفر الرقم ( 3)، وفضلا على أن السفر مؤلف من ثلاثة مقاطع، فهناك الرحلة التي تتطلب ثلاثة أيام للوصول إلى اليابسة ، إن لهذا الرقم قيمة رمزية سوف نلاحظ صلتها بالأسرار المسيحية؛ وأبعد من ذلك بالهرمسية، بما أن هرمس هو إله مثلث العظمة، تماما مثل أخنوخ وتحوت، وللرقم هذا، كذلك صلة
عدد الصفحات ٢٢٨من نوع ما بالهرم المصري وشكله ا لمثلث، وفي القرون الوسطى انتشرت حمى الأهرام المصرية وأسرارها، وأصيبت أورّ و با بهوس البحث عن مغزى الرقم ثلاثة هذا وصلته بالهرم المصري، حتى رأينا الحركة الماسونية وهي تستخدم في طقوسها وشعاراتها الشكل المثلث وصورة الهرم. من حيث الإنشاء واللغة ، فإن السِفر يعو د إلى ما يُعرف بالحقبة (الكلاسيكية) لـ "العبرية"، وبعض محققي التوراة يرى أن هذا السِفر قد يكون كُتب في ما يُعرف بعصر الجلاء عن بابل، ولكن لنلاحظ أن مادته الأصلية تعود إلى العقائد القديمة، وأيا يكن الأمر فإن السِفر، من المنظور المقترح، هنا، هو رواية متأخرة لحكاية قديمة لا علاقة لها بأيّ حدث تاريخي أو ديني: إنها حكاية عن الصراع الرمزي ضد البحر وكائناته الشريرة، حيث ينتصر المُخلّص أخيرا ويقوم بإيصال الرسالة إلى اليابسة. يبدأ المقطع الأول من السِفْر عندما يسمع يونان كلمة الرب: قُمْ انطلق إلى نينوى المدينة العظيمة وناد عليها بأن شرها قد صعد ، لكن يونان يحاول التملص من هذه المهمة، فيهرب من وجه الربّ باتجاه مدينة تُدعى ترشيش (وترشيش هذه حسب "ياقوت الحمويّ 2 :26" هي الاسم اليوناني لمدينة تونس، وعند صاحب "الروض المعطار : 144" هي مكان عبادة مسيحي قديم ومن الواضح ا ن اسم المدينة التي هرب نحوها النبيّ يونان، له صلة باليونانيين ومستوطناتهم القديمة في سواحل البحر الأ بيض المتوسط، ومنها دويلة قرطاجنة التي تحدَّت روما، من الناحية المنطقية، والأساطير بطبيعة جهازها السردي تقوم بتهشيم كل تسلسل منطقي للأحداث، فإن الهروب إلى ترشيش اليونانية – الرومانية لا يقود إلى نينوى في العراق. وجد يونان أثناء هروبه وتملّصه من المهمة التي دعا إليها الرب، سفينة متجهة نحو ترشيش عبر يافا. إ ن اسم يافا، المدينة الفلسطينية، يجب ألاّ يخدعنا، بأن مكان
عدد الصفحات ٢٢٩الانطلاق المقصود هو فلسطين لأن الأمر عندئذ سيخرج عن كل منطق جغرافي في تسلسل الأحداث، عن كاتب السِفْر في عصر الجلاء عن بابل، يقوم بدمج تقليدي ومألوف بين الذكريات الشخصية والوقائع التي يقوم بروايتها ، وحين صعد يونان إلى السفينة هبّت رياح عاصفة في البحر فأشرفت السفينة على الغرق: فخاف الملاّحون وصرخوا كلٌّ إلى إله. أما يونان فكان على العكس من الجميع، مستغرقا في النوم داخل السفينة "في جوف السفينة". ولذا نشأ اعتقاد عند البحّارة، مفاده أن السخط الإلهي عليهم قد يكون مصدره إنسان دنس. . وهكذا راحوا يفتشون حتى وجدوه نائما في جوف السفينة، سأله رئيس البحّارة عن سّر استغراقه في النوم فيما السفينة تُطوح بها الرياح؟. ويبدو أن يونان أضطر إلى الكشف عن سّر هروبه، ولذا قرر البحّارة إجراء قرعة لإلقاء الحمولات الزائدة والمسافرين الخُطاة في البحر، وفعلا تمَّ رمي يونان في البحر بعد إجراء القرعة ولكن بناء على رغبته؟. خذوني وألقوني إلى البحر فيسكن عنكم، فإني عالم أن هذه العاصفة العظيمة إنما حلّت بكم بسببي. التفسير الوحيد المقبول لنا، نحن متلقي النص، لرغبة يونان الفارّ من وجه الرَّبّ ، رافضا حمل الرسالة: أنْ يُلقى به إلى البحر من أجل وقف ثورته الغاشمة؛ يقع في المنطقة المسكوت عنها في ال نصوص الدينية: منازلة البحر والصراع ضده ، في المقطع التالي من المروية التوراتية يبتلع الحوت، الرجل الذي جاء لمصارعة البحر: فأعدَّ الر بُّ حوتا عظيما لابتلاع يونان كان يونان في جوف الحوت ، ثلاثة أيام وثلاث ليال. فصلى يونان إلى إلهه من جوف الحوت. بعد ذلك يأمر الرّب، الحوت أن يقذف يونان إلى اليابسة ليسافر إلى نينوى. من السهل أن تنسب وجود اسم نينوى في هذه الحكاية إلى مرحلة السبي البابلي، حيث تمَّ تجميع أسرى القبائل المتمردة على الإمبراطورية الآشورية في هذا المكان
عدد الصفحات ٢٣٠كما يتضح من نصوص التوراة ، ومن ثمَّ فقد جرى دمج ذكريات السبي داخل النسيج السردي لمروية الصراع من البحر؛ بيد أنه من المهم رؤية المغزى الأسطوري لا الجغرافي ، فمصارعة البحر لا يعني مقاتلة وحوشه الشريرة وحسب، وإنما أيضا دخول حيواناته الأليفة من أجل إنقاذ الإنسان ، برأينا أن هذا السِفْر يدور حول ثلاث ة موضوعات كبرى ضمن محور واحد هو عقيدة اجتياز البحر أو عبور الماء نحو اليابسة، (كما في مروية التوراة عن عبور يعقوب مخاضة يبوق). 1) صراع البحر واليابسة، وهي المادة الأصلية لفكرة الطوفان، فالوصول إلى اليابسة يعني الوصول إلى الاستقرار، وهي فكرة في صلب تطلع القبائل المهاجرة التي تعيش خطر الفناء جرّاء الترحال والتفتت والتوّزع في أفرادها وممتلكاتها، إن بلوغ اليابسة والانتصار على البحر، وقهره، يعني الاستقرار، أي: الحضارة، بما هي خلاصة المكوث في الأرض ، بهذا المعنى، فإن صورة الحوت تتماهى مع صورة السفينة وسلة لبلوغ اليابسة. 2) صراع الإنسان وحوش البحر ، إذا تصوّرنا الحوت الذي ابتلع بطل السِفْر التوراتي (يونه، ويونس في الموروث الإسلامي، والسين في يونس لاحقة يونانية واصل الاسم: يون) في هيئة دلفين وديع، أي سمكة ضخمة ولكن طيّبة، فإن بُعدا رمزيا هاما سوف يبزغ أمامنا ، فالدلفين هو المقابل البريء للوياثان، وحش البحر، كما لاحظ ذلك تورتروب فراي في "نظرية الأساطير : 46 :49 ." في هذا التقابل النموذجيّ بين الدلْفين الوديع والطّيب، وكائنات البحر الشريرة والمتوحشة؛ فإن فكرة إنقاذ الإنسان وتخليصه من قبل حوت بريء (أي دلفين في هيئة سمكة ضخمة) تشير إلى نمطٍ قديم من الصراعات الأولى التي خاضها
عدد الصفحات ٢٣١الإنسان، يلاحظ تور تروب فراي أن تواضع الدلّفين وخضوعه، يجعلان منه حيوانا أليفا أي طوطما ، إن لهذا الطوطم صلة عضوية بجوهر الصراع بين العقم والخصب فكائنات البحر المتوحشة هي التعبير الرمزي عن العقم والجدب، في أحشاء البحر، بينما تجسّد الحيوانات الأليفة والطيبة رمزية الخصب؛ أي رمزية (نون) القديمة بما أن الحوت هو سمكة ضخمة، كبيرة وطيّبة. إننا نعلم من تاريخ الجماعات الأولى، ومنها القبائل العربية على امتداد سواحل البحر ا لأحمر، مثل ثمود، أنها عاشت في حقب المجاعات المتتالية التي ضربت الجزيرة العربية، على ثروة البحر من الأسماك ، بهذا المعنى يصبح (نون) مُقابلا بريئا لوحش البحر في العقائد الفينيقية: بوسيدون؛ وهو الوحش البحري ذاته الذي كان محور الأساطير اليونانية، لقد شكَّ ك هِ رُدُت بأن الإله البحري بو سيدون جاء من الخارج، أي من مكان ما، بينما افترض استرابون أن له صلة بالخليج العربي؛ وبذا أيضا نكون مرة أخرى، ووجها لوجه، أمام الفكرة ذاتها: صراع الخصب ضد عقم البحر. بمحافظته على يونان (يونس) وحمايته له، يكون الدلْفين أو الحوت أو النون، قد مكَّن البطل من أ نْ يسافر عبر البحر ليصارع العُقم ويقهره ويزيل عن المدينة الخطر المُحْدق بها، وأنْ يوصل الرسالة الإلهية كذلك ، على هذا النحو يسافر الأبطال، في السرد الأسطورين إلى مدن الوحوش لقتلها لأن مهمتهم المقدسة هي أنْ يصرعوا الشرّ والعقم والعنف الذي يهدد المدن ، وفي الرموز المسيحية المبكرة يتجلّى هذا المعنى بعمق نادر: إن معجزة المسكتين اللتين أغاثتا المسيح وتلامذته الجياع، عندما كان عددهم نحو خمسة آلاف، هي التجسيد الرمزي لفكرة الخلاص المسيحي، ولذلك ليس دون معنى، في هذا الإطار، أن المسيح أختار أتباعه المخلصين من بين صيادي السمك. بقي أنْ نلاحظ، أخيرا ، أن المصريين القدماء عبدوا منذ العصر الهكسوسي معبودا يُدعى: سبك ، الذي يعني في اللغة المصرية : سمك.
عدد الصفحات ٢٣٢3) إيصال الرسالة عبر البحر إلى اليابسة، إن نصّ سِفر يونان يكشف عن الكيفية التي جرت فيها المهمة ، إنها ذات طابع قدري يستحيل الإفلات منه إذ كان يونان هاربا من وجه البحر لجسامة المهمة، أي مصارعة وحوش البحر، وفي القرآن : (وذا النون إذ ذهب مُغاضبا ) بيد أن الرجل الذي كان هاربا أو مُغاضبا سرعان ما ذهب بنفسه، في سياق هروبه ، نحو السفينة، أي : نحو البحر. هذا المنحى القدري الذي لا يبدو منسجما من الناحية المظهرية، هو لُبّ الفكرة وجوهرها، فالصراع ضد العقم هو الرسالة الإلهية ، إن الكلمة القرآنية (التْق مهُ) (سورة الصافات : 142) في وصف سلوك الحوت، تعبر بدقة مذهلة عن حقيقة التماهي الأسطوري بين الإنسان وطوطمه ؛ فهو لم يبتلعه، بل أبقاه في فمه، ثم قذفه نحو الشاطئ ، وهذه بكل جلاء الصورة النموذجية للولادة من الفم، أي ولادة الكلمة ، وفي القرآن يولد المسيح (المُخلص نفسه) الولادة ذاته من الفم لأنه كان كلمة : (بكلمة منه اسمه المسيح) (سورة آل عمران: 45 . ) أيإن الله ابتدأ أمره بكلمة ، وفي القرآن أيضا فإن الله ألقى إلى مريم بكلمة ثم كّون الكلمة بشرا ، وقد أجمع الفقهاء على أن المقصود بالكلمة هنا: المولود على هذا النحو ولد الإنسان من الغمْر أو البحر أو الكتلة الأزلية من أجل أنْ يوصل الرسالة إلى اليابسة، إن الصورة الرمزية للحوت وهو يقذف بيونس أو يونان، من فمه إلى اليابسة، هي صورة الولادة الرمزية ذاتها من الفم ، إنه أيضا كلمة، وفي هذا الفضاء الرحب من الدلالات، يمكن للمرء أنْ يرى معنى هذه الكلمة حين يتذكر أن تحوت كان إله الحكمة .
عدد الصفحات ٢٣٣الهوامش 1) في الروايات العربية القديمة والتوراة فإن قدمة هو ابن إسماعيل الذي يُعّد أبا لكل العرب، ولذا فإن أصل الاسم ق دُس أو ق د موس هو قدمة والسين في آخر الاسم لاحقة يونانية. "انظر: قوائم الأنساب العربية عند الفاكهي والأزرقي" وفي التوراة: (سفر التكوين). 2) وهذا ما يحيلنا إلى الآية القرآنية عن صفة البقرة التي طلب إلى بني إسرائيل تقديمها قربانا . 3) سورة النحر 24 .) 4) نقلا عن الآمدي في "المؤتلف والمختلف" و"خزانة الأدب" للبغدادي، هناك سبعة عشر شاعرا قديما يحملون اسم الأعشى منهم "الأعشى" الأخير (الجاهلي) وهو شخصية تاريخية مؤكدة. 5) برأينا أن اسم نيزوس يخفي اشتقاقا لاسم النضيرة قام به سارد النّص العربي 6) وحتىاليوم يصف العرب كل رجل خائن بأنه أب و رغال. 7) أنظر معالجتنا هذه المروية العربية القديمة في كتابنا "النار والصولجان، رياض الريّس للنشر". 8) تدور هذه الأسطورة الشهيرة في الأدب اليوناني في نطاق فكرة قتل الأب، أو قرينه. وفي حالة مينوس الملك فإن عشيق ابنته لا يقوم بقتله بل بقتل الوحش (البديل الرمزي للأب والملك) ، بينما تركّز الأسطورة، من جانبٍ ثانٍ، على مسألة خيانة البنت والدها، أيْ: التفريط بصلات الرحم. 9) الكوفة حاليا ، في العراق 10) سورة التحريم 5 .)
عدد الصفحات ٢٣٤11) قال الزجّاج، وفق "لسان العرب" : السائحون في قول أهل التفسير واللغة جميعا : الصائمون ، وقال: ومذهب الحسن أنهم الذين يصومون الفرض؛ وقيل: إنهم الذين يديمون الصيام وهو مما في الكتب الإول. 12) التوبة2 .) 13) وقيل: إنما قيل للصائم (سائح) لأن الذي يسيح متعبدا ولا زاد معه، إنما يطعم إذا وجد الزاد وسئل ابن عباس ( رضي الله عنه) عن السائحين فقال: الصائمون (لسان العرب). 14) يقول ابن الكلبي، حسب نص الطبري: "إن قصيرا ، هذا، كان أوّل من عمل الغرائر" . وسوف نرى فيما بعد، كيف ينسج ابن الكلبي أخباره من الأساطير). 15) وحتى اليوم لا نزال نستعمل، في كلامنا اليومي، كلمة بُثتْ الكدية الأصل، ثم الآرامية بمعنى: رديء، فاسد، شرير. يقول أحدنا: فلان بشت). 16) تأسست الحيرة قديما وعرفت جيدا في عصر نارام سين الأكدي2223 – 2270 ق م 17) سورة طه 20 .) 18) "ويمنت وإعرابه وطودم وتهتم" حسب نصّ النقش المعروف باسم Philby 227) والذي عثر عليه فيلبي في منطقة مأسل الجمح. 19) وحتى اليوم يوجد في اليمن مكان يدلّ عليه بقوة هو درب أسعد الكامل 20) سلسلة مرويات الطبري التي قمنا ونقوم بمعالجتها: أسطورة الحضر، جزاء سنّمار، جذيمة. 21) في المصادر اليونانية هيDiscurides .) 22) طه باقر "ملحمة غلغامش . بغداد، ص 48 ."
عدد الصفحات ٢٣٥23) هامش المحقق "يقول: يريد، والله أعلم، ما كان من استحلال قريش القتال فيها"، وبرأينا فإن تأويل المحقق للنص المضطرب زاده غموضا . 24) "تاريخ اليعقوبي"، وابن قتيبة "في الشعر والشعراء، والأصفهاني "الأغاني"، وابن الأثير "الكامل" ، وياقوت الحموي "معجم البلدان" . 25) أي : حبيس السجن 26) سورة الفاتحة 2 .) 27) يرد الاسم في صيغته هذه في الملاحم والأساطير السومرية كإله للحبوب (Apachnan) ولذلك فمن المحتمل أنْ تكون هناك صلة ما بين الإله السومري ولقب الملك الهكسوسي. 28) لنلاحظ أن امرأ الق يس مضى إلى بيزنطة ووقع في غرام ابنة الإمبراطور. 29) وفي أسطورة امرئ القيس نجده يحارب ليخلّص زوجه هند من خاطفيها 30) "الديوان 118 ."
عدد الصفحات ٢٣٦الفهارس أ أبرهة الحبشي 41،42،133 – 137،139 أبو رغال 133،136 ،137 ،139 . أبولون58 ،83 أبي طالب29،31 ،97 أبو رغال 41،133 – 140 ،217 . أخنوخ 18،199،200،203،208،212. أخيل18 إدريس18،199،200 ،206 – 209 أذينة64،66،67،69 – 72 . إرتحششت الثاني96 أردشير بن بابك67 أريان36 ،36 ،51 أريس32 . أريك فروم15 أسعد الكامل81 ،218 أسعد تّبان بن ملكيكرب76
عدد الصفحات ٢٣٧إسماعيل16،23 ،30 أعشى بن قيس157 ،182 أعشى بني ربيعة167 أعشى بني ضّورة 168 أغاممنون72 إفريقيس بن ناشر النعم96 إميليانوس22 أنكيدو18 إياس بن قبيصة الطائي122 ،124 ،128 ،130 إيزيروس المصري18 ابن إسحق42 ابن الأثير14،15 ابن الكلبي19،55،92،93،146،157،197،218 ابن خلدون50 ،81 ابن عباس97،98 ابن قتيبة81،88،91،92،123،128،157،167،175،189،192، 218 . ابننشوان الأندلسي 22
عدد الصفحات ٢٣٨ابن هشام 11-13،19،23،41،42،101-105،133-140 ،165، 170،182،191،207 . الأزرقي 16 الإسكندر المقدوني21. الأصفهاني34،42،54 . الأصمعي57 . الأعشى بن النبّاس بن زرارة التميمي170 . امرؤ القيس12،33،44،117،118،127،151- 153 . امرؤ القيس بن تملّك 157 امرؤ القيس بن حجر157 امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر 154 امرؤ القيس بن حمانة بن وائل 157 امرؤ القيس بن خذام157 امرؤ القيس بن زيد مناة بن تميم بن مُرّ بن أدد 156 امرؤ القيس بن عُدْيّ اكلبي155 امرؤ القيس بن عوف156 . ب بريام 83
عدد الصفحات ٢٣٩ت تموز البابلي 18 ث ثيسيوس 36،37،42،43،51 ج جبير بن الحسن 77،83 جديس75 – 78 ،80 ،82. جديمت67 جذيمة الأبرش 12 جسّاس 26 جواد علي 15،33 جيمس فريزر18 ح حسان يهأمن 80- 83 الحارث بن أبي شمر الغساني 117 ،118،121،123 . الحارث بن ظالم 119 ،121،123،124،127،129. خ الخليل بن احمد الفراهيدي 57 د دارم بن عقال 119،125 – 127
عدد الصفحات ٢٤٠