والرواة، صناجة العرب ، إن تقنيات الفصل والتمييز بين ما هو أسطوري وما هو تاريخي ضرور ية لإنشاء مقارنة بين الأعشى "الضرير" شاعر القبائل العربية وهومِر ، الشاعر اليوناني الضرير والأسطوري . 1) إن شاعر اليونان هومِر (نحو عام850 ق م) الأسطوري كان شاعرا ضريرا ، وشاعر العرب (صنّاجة العرب) الأعشى ، شاعر ضرير أيضا ، كما يظهر من الروايات الإخبار ية ومن الأشعار ، وسوف نرى عند تحليل كلمة أعشى أنها تعني: من لا يبصر في الليل ، وهو معنى يفاقم من فكرة حرمان النفس البشرية من متعة النظر التي هي الحاسة الأكثر ترابطا وتلازما مع وظيفة الشاعر في وصف الأحداث والوقائع ، ومن المهم للغاية أنْ نربط بين كونه أعشى (ضريرا ) وكنيته التي تخيّلها العرب: أبو بصير ؛ فهما معا يفاقمان من الإحساس ، على نحو تظهّري، بوجود درجة نموذجية ومثالية من التجرد ، فهو بفقدانه الرمزي لحاسة البصر يدرك بذكاء خارق واستثنائي المسارات المأساوية وينفذ إلى أعماقها، ولذلك يستحيل علينا تصديق أن الكنية (أبا بصير) جرى إطلاقها على الشاعر بعد أنْ أصيب بالعمى في أواخر أيامه ؛ بل علينا أنْ نتقبل برضاء تام ودون تردّ د الحقيقة الماثلة أمامنا ، حيث الترابط المذهل بين اللقب والكنية، بما يعني أن كُ نية الشاعر تلازمت معه منذ أنْ حمل اللقب . وإذا ما وضع هذا التقليد في إطار التقاليد الشعرية الراسية والمستمرة في مجتمعات القبائل، عن شاعر ضرير وصف لها البطولات والمآسي وكان يتجوّل في كل مكان ، فإنه من المرجح احتفاظ العرب بصورة أسطورية عن هذا الشاعر الضرير ، المجهول، حيث جرى امتصاصها وتمثّلها في إطار استمرارية تاريخية غير متقطعة ، لتقاليد شعرية قديمة يلعب فيها الشاعر دور الأعمى. 2) إنهما معا ، كانا شاعرين (مغنيين) : فإذا كان هومِر هو الشاعر المغني عند اليونان ، فإن الأعشى عند العرب كان (صنّاجة) ، أي : الضارب على الآلة
عدد الصفحات ١٩٣الموسيقية ، وهذا تدعيم مثالي ل مهنة الشاعر القديمة: الغناء، لقد كان الشاعر في الأصل ، مغنيا جوالا ، والعرب من جانبهم عرفوا ، بعمق نادر، أنماطا من الشعر الغنائي ربما طبع بطابعه الشعر الجاهلي برمته (المديح والهجاء والغزل والرثاء) ، ولعل وجود شاعر أسطوري آخر يدعى المهلهل ، وهو شاعر سمى نفسه امرئ القيس ، يوطد الفكرة الآنفة ، فاللقب يشير إلى مهنة الغناء ، وليس صحيحا ، ولا بأي صورة من الصور ما يزعمه نُقّاد الشعر الجاهلي القدامى والمعاصرون "مثلا 191" من أن الأعشى سمي كذلك لأنه كان يلعب بالآلة الموسيقية (الصنج) ولذلك سمي صنّاجة العرب، والصح يح كما نراه أن اللقب له صلة فعلية بتقاليد الشعر القديمة الراسبة ، التي يرى فيها الشاعر نفسه بوصفه مغني القبيلة ، أما البيت الذي زعم القدماء والمعاصرون من النقاد أنه كان السبب في نعت الأعشى بصنّاجة العرب: ومستجيبٍ نخال الصّنج يسمعه إذا تُرجِّع فيه الفينةٌ الفضلُ فإنه يصف ، بخلاف هذه المزاعم ، أمرا لا صلة له بالنعت : الشاعر الذي يُصغي إلى الموسيقى ؛ وهذا معنى يمكن صرفه ، بسهولة ، إلى الإحساس بالتناغم المثير بين سماع الشاعر للموسيقى وكونه شاعرا مغنيا ، تعني كلمة (صُنّج) المأخوذة من الفارسية (سُنج) : آلة ميزان الموسيقى، كما تشير إلى اللاعب على الآلة ، أي: المغني ، وهي الآلة التي زعم أن العرب ضبطت بواسطتها أوزان الشعر القديم، عندما استعاروها من الحضارة الفارسية ، وكما هو واضح، فإن الأوزان الشعرية هي في صلب الإيقاع الموسيقي، كما في صلب الغناء بما هو مهنة الشاعر القديم، وقد ساق ابن منظو ر "لسان العرب، مادة صنّج" مثالا مُلفّقا مصنوعا ، ولكنه مع ذلك هام للغاية في تأكيد المعنى الآنف. قال ابن منظور: إن شاعرا مجهولا ترنمّ بهذا البيت: قل لسوار إذا ما جئت ه وابن ع لان هْ
عدد الصفحات ١٩٤زاد في الص نّج عُبيد اللــ ـه أوتارا ثلاثه وفي جميع هذه المعاني يتأكد الدليل على أن الأعشى تلقّب أو نُعت بصنّاجة العرب في إطار هذا التقليد الشعري. وعند الأصفهاني "الأغاني 9 :115" أن كسرى استمع إلى غناء الأعشى، بما يعني أن العرب فهموا الشاعر كمغنٍ . 3) غنهما معا ، سجّلا الملاحم والبطولات والمآسي شعرا، وكما تُدلل إلياذة هومِر على الطابع البطولي لشعره ، فإن ملاحم العرب وبطولاتهم وأساطيرهم القتالية ، سجلها الأعشى ب قصائد ومطوّلات معروفة منها مثلا روايته لـ (حروب جذيمة والزّباء) كما رواها الطبري، وملحمة (زرقاء اليمامة وحروب حسان في الجزيرة العربية) . و(مر ثية دويلة الحضر) و(خراب سد مأرب) التي يرد فيها : وفي ذلك للمؤنسي أسوة ومأرب قضى عليها العِرم وهي قصيدة ملحمية أنكرها المرزباني "الموشح : 49" لأنها تسرد سلسلة من الأساطير المتداخلة. 4) إنهما كانا معا ، شاعرين جوالين، فكما طاف هومِر الأرض ووصف الحروب والمآسي، صيَّر الإخباريون العرب شاعرهم الأعشى وهو يجوب الآفاق ، من كسرى الذي استمع إلى غنائه حتى النجاشي في الحبشة، مرورا بملوك الحيرة والشام وأمراء مدن وسط الجزيرة العربية ثم حمص وعمان وأورشليم وعكاظ ونجران : وقد طُفتُ للمال آفاقه عُمان فحمص فأورى شلم أتيتُ النجاشي في أرضه وأرض النبيط وأرض العجم الآن، وفي إطار تقنيات الفصل بين الصور والمواد الشعرية والإخبارية التي تتبعها، فسوف نقوم بعزل الجانب التاريخي عن الأسطوري في شخصية الأعشى سعيا وراء البرهنة على أن العرب قاموا في وقت ما، وتحت تأثير العصر البطولي للحروب اليونانية – الفارسية (بدءا من عام 300 ق م) ، باختلاق الأعشى الأول، على
عدد الصفحات ١٩٥غرار ما فعل الإغريق من قبل. أي : إنشاء صورة أدبية عن شاعر ضرير ، مغّن ، يجوب الآفاق ويسجّل الملاحم والمآسي . ويبدو أن هذه الصورة رسبت في تقاليد الشعر القديم، وجرى، في أوقات مختلفة، تمثّلها صورة شائقة، فروسية ، حيث صار لكل قبيلة - تقريبا - شاعرها الضرير ممتلكا عماه الرمزي ومحتكرا مزايا الأعشى الأسطوري: المغني ، جوّاب الآفاق، الضرير الذي يسجّل الملاحم والأساطير والبطولات ومن دون أدنى شك أن هذا التقليد القديم استمر حتى ظهور الإسلام حين قدّمت تميم شاعرها الأعشى، الذي رثى قتلى أحد "السيرة 3 :91" وبكى بني عبد الدار الذين سقطوا صرعى ، بل واستمر حتى عهد الأمويين حين ظهور الأعشى الأخير الذي هجا جريرا . على هذا النحو صار لكل قبيلة من قبائل العرب، تقريبا ، شاعرها (الأعشى) ، هو مغنيها الذي ينوح في ميادين القتال يبكي الأبطال الصرعى ولكن بماذا يمكن تفسير وجود (الأعشى) في هذا العدد الكبير من القبائل، إذا ما افترضنا أن العرب لم يعرفوا تقليدا شعريا من هذا النوع، كما أن الذكرى البعيدة للحروب اليونانية - الفارسية، قد لا تكون من القوة والزخم حيث رسبت كل هذا الوقت الطويل؟ ، أو أن القبائل قامت باستردادها وإعادة تمثلها؟، و إن ثمة مغزى آخر لوجود (أعشى) في بكر هو : أعشى بكر، وآخر في هذيل هو: أعشى هذيل، وكذلك ألمر مع بني حرماز وتغلب وأسد ومازن وتميم وهمدان؟ . وأخيرا هل وجِد حقا ، هذا العدد الغفير، المتعاقب، من الشعراء أم هم من أختلاق الرواة ؟ . إذا كانت صورة الأعشى (الأسطوري) متطابقة مع هومِر (الأسطوري) وعلى مثاله، فإن صورة الأعشى (التاريخي) قابلة للتفكيك من منظور موازٍ بما هي استلهام له أو "تعريب" من نوع ما للصورة الإغريقية ، ولأجل هذا الغرض يمكن إخضاع صورة
عدد الصفحات ١٩٦الأعشى التاريخي لمعالجة منظمة ، بإزاحة نمط الهيمنة الذي تملكه طبعا قصد في إ عادة بناء الرواية التاريخية. هنا بعض الملاحظات الإضافية : 1) من الأعشى (التاريخي) الذي أدرك الإسلام - فعلا - وامتدح النبي (ص) بقصيدة شهيرة؟ . هل هو أعشى قيس ؟ ، أم هو أعشى ميمون ؟ ، أم أعشى باهلة.. إلخ ؟ . عند هذه النقطة سوق تتمزق الغلالات الشفيفة التي تفصل بين صو ر الأعشى التاريخي، لتداخل الأنساب والأشعار تداخلا مثيرا ، ويتعذّر بسبب ذلك تحديد اسم الشاعر الجاهلي وعصره وشعره ، وفي الواقع لا يملك الإخباريون العرب القدماء رؤية واحدة متماسكة وحارّة ، عن هذا الشاعر الذي فتنه الإسلام فارتحل طالبا لقاء النبي (ص) وعلى العكس من ذلك ، هناك روايات متضاربة تعيد كل منها نسب القصيدة إلى (الأعشى) من بين هؤلاء ؛ ولكن الأكثر إثارة في هذا ، التنسيب، أن الرواة استخدموا الوصف القديم للأعشى الأسطوري (صنّاجة العرب) في روايتهم لأخبار المديح واللقاء المزعوم ، لكن هذا مستحيل من الناحية التاريخية لأن الشاعر الصنّاجة هو شخص آخر، عاش في عصر بعيد عن الإسلام، ومن غير المنطقي أنْ يكون عصر النبي (ص) ولئن كان هذا لم يلتق النبي (ص) ولم يمتدحه في شعره، فإن مصدر التضارب عندئذٍ سيكون ناجما عن نمط من الخلط والالتباس وقع فيه الرواة. هناك أعشيان جاهليان عاشا في عصر واحد تقريبا ، أحدهما يُعرف بأعشى قيس ، وقبره في اليمامة، على ما زعم رواة، وهو : ميمون بن قيس بن شراحيل بن عوف بن ( .. ) بن بكر، وقد عرف والده بـ (قتيل الجوع) ، ولكننا نعلم من قوائم أنساب القبائل العربية أن (قتيل الجوع) ليس أسما لشخص بل لقبا لقبيلة ربيعة التي ينتسب إليها بطنان كبيران هما بكر ووائل ، أما الأعشى الآخر فيدعى أعشى باهلة ، ونسبه على هذا النحو : هو عامر بن الحارث بن رباح، ويُكنى بـ (أبي قحفان) .
عدد الصفحات ١٩٧ولكن إذا كان أعشى بني قيس يدعى ميمون ، كما هو مثبت في لائحة أنسابه بوصفه الاسم الأول ، فلماذا زعم الرواة والنّسابة وجود أعشى آخر قالوا : إنه أعشى ميمون؟ . وهل هو في هذه الحالة أعشى قيس أم أعشى ميمون ؟. لقد حدث خلط فظيع عند النسّابة والرواة إذ تخيّلوا أن أعشى قيس هو شخص آخر، فيما يتضح أنهما شخص واحد، إذا صدّقنا النسب وقمنا استنادا إلى منطوقة باستخدامه دليلا . المشكلة الأكثر حساسية في مسألة الأعشى التاريخي تقع في نطاق أنسابه، التي تعرّضت إلى تداخل ودمج وتش ويش تصعب معالجته حقا ؛ فأبن هشام، مثلا ، "السيرة : 3 :91" يعطي نسب الأعشى هكذا: هو أعشى قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، وفي هذه الحالة فإن الأعشى بن عكابة (أو عكابة بن قعنب عند نفطويه والآمدي) لا وجود له لأنه يحمل النسب ذاته لأعشى بن قيس، وإذا ما قبلنا تنسيب أبن هشام على أنه ابن بكر بن وائل، فعلينا أن نحذف من القوائم ما يدعى أعشى بكر، لأن هذا الأعشى لا وجود له ما دام يحمل النسب نفسه عند ابن الأثير "الكامل 1 :290" وعند صاحب كتاب "العقد الفريد 6 :111 . " لأجل فهم أعمق لنمط المشكلة التي نحن بصددها، يمكن تلخيص التضارب في تحديد شخصية الأعشى التاريخي في النقطة التالية : إننا أمام ثلاثة شعراء يحملون اللقب نفسه (الأعشى) ، وينسبون إلى شجرة أنساب واحدة؛ وبذلك فهو في الآن نفسه، أعشى ميمون وأعشى قيس وأعشى بكر (وربما أعشى عكابة وأعشى طرود كما سنرى) ، فأين الحقيقة ؟. 2) ولكن ماذا عن الأعشى الآخر المدّعى أنه أعشى باهلة ؟. هل بوسعنا التأكد من صحة وجوده ونسبه وشعره؟ . أم أنه من اختلاق الرواة؟ ، وهل عاش ، إذا ما كان شخصا تاريخيا ، في عصر واحد مع أعشى قيس ؟.
عدد الصفحات ١٩٨لنفصّل في ا مر قليلا : بإجماع الموارد العربية والإسلامية الأدبية والتاريخية، فإن الأعشى الذي عرفناه ووصلنا شعره وقبلناه دون فحص أو معاينة وصدقنا مرويات الإخباريين عنه، بما في ذلك الروايات التي تضعه على مقربة من عصر الشاعر الأسطوري السموأل حيث يزعم أنه كتب ملحمة قتل ابنه بعد محاصرة الحارث بن ماء السماء له نحو (516 م) ، وهو ما يناقض خبر إدراكه للإسلام ولقاء النبي (ص) نحو (610 م ، هو الشاعر الذي ينسب إلى قيس مباشرة : ميمون بن قيس بن جندل ، ولكن : لما كان القدماء من العرب يُعرفون بأسماء قبائلهم لا بأسماء آبائهم المباشر ين ، في إطار تقاليد ثقافية قديمة تضع القبيلة في مقام الأب، وهذا ما تدلل عليه بعض أنماط الزواج ؛ فإن نسب الشاعر شأنه شأن جميع الأنساب ، يشير إلى القبيلة وبطونها وتفرعاتها التي انحدر منها ، فعندما يقال إنه ابن قيس، أو من بني قيس، فهذا يعني القبيلة قيس لا الأب المباشر، تماما كما يقال عن آخر إنه ابن مُضر، أو ابن خزيمة ، أو ابن كنانة ، وفي هذه الحالة فمن الجائز التعامل مع نسب الشاعر على أنه يتضمن اسم قبيلته قيس التي عرف بها، وذلك بدلالة أن القدماء سمّوه أعشى بني قيس، وهنا يتوجب طرح السؤال التالي: من قيس القبيلة هذه التي عرف بها الأعشى؟ . في الواقع لم يعرف العرب قط ، في أيَّ من قبائلهم ، قبيلة باسم قيس ، سوى القبيلة الكبيرة قيس عيلان ، وإذا ما قبلنا هذا الأمر على مضض ، ولكن بشيء من التبصر، فإن الانتساب إلى بكر ووائل، كما يتضح من تسلسل آباء هذا الأعشى، يصبح مستحيلا ذلك أن قيس عيلان العظيمة هي بطن كبير من بطون مُضر، فيما بكر ووائل فرعان صغيران من خزيمة بن كنانة، القبيلة الشقيقة لقيس عيلان ، ومع ذلك ، فلو أننا افترضنا العكس ، أي أن قيس هذا هو فعلا أبٌ مباشر ل لشاعر لا اسم قبيلته ، فإن نسبه في هذه الحالة سيكون ممتدا إلى بكر وعكابة، مرورا بقيس،
عدد الصفحات ١٩٩ولذا يصبح لدينا ثلاثة شعراء باسم الأعشى يحملون تسلسل النسب نفسه، أعشى قيس ، وأعشى بكر، وأعشى عكابة! . الأمر المثير الذي تطرحه فرضيتنا يمكن تحديده في النطاق التالي أيضأ : زعم الإخباريون العرب ونقاد الشعر القدامى ورواة الأخبار المتأخرين أن العرب عرفت في تاريخها الشعري شاعرا تلقّب بلقب أعشى طرود، وقد ثبّته الآمدي في قائمته كما لاحظنا، ولكن أحدا من النسّابة لم يتمكّن من تحديد نسبه الصحبح ، ويلاحظ الآمدي في "المؤتلف والمختلف : 13" أن هذا الأعشى ينتسبإلى قيس عيلان، وهذا أمر مثير آخر لأن القبيلة تكون في هذه الحالة عرفت شاعرا رابعا باسم الأعشى ! ، يقول الآمدي: "أعشى طرود، وبني طرود من فهم بن عمرو بن قيس عيلان" ، ثم يضيف قائلا : ولكنه لا يعرف له نسب ولا يُعرف اسمه وإن نُسبت إليه قصائد شهيرة منها قصيدة يقول فيها: يا دار أسماء بين السفح فالرحبِ أقوى وعفى عليها ذاهب الحقبِ لكن البغدادي زعم في "خزانة الأدب : 1 :343" أن أعشى طرود هو صاحب قصيدة: فاترك خلائق قوم لا خلاق لهم قد نلت مجدا فحاذر أن تُد ن سهُ ولأن البغدادي ، وت فاديا للإحراج ، خصوصا وهو ينقل عن الآمدي أخبار هذا الأعشى ، وجد نفسه مضطرا إلى التشبّ ث بأي دليل على وجود تاريخي لهذا الأعشى، فقد أورد المرْوية التالية: عن اللخمي عن عبد الملك بن سراج ، قال: إنّ أعشى طرود هو إياس بن موسى (بكسر الهمزة بعدها مثناة تحتية) ، ولم يزيدا عن هذا . ولكن كيف استدلّ اللخمّي، وعبد الملك ، ثم البغدادي إلى أن أعشى طرود يُدعى إِياس بن موسى ؟ . وم نْ إِياس هذا ؟ .
عدد الصفحات ٢٠٠يعود البغدادي ، مضطرا مرة أخرىإلى المرزباني، لعلّه عاد إلى الموشح ، وإنْ لم يذكره، فيروي الرواية التالية : ح ضر هوذة بن الحارث، المعروف بابن حملة ، في أيام عمر بن الخطاب ، العطاء، فدعا عمرو قبله إِياس بن موسى: وهذا ما أثار حنق هوذة وأنزعاجه فقال ساخرا : لقد دار هذا الأمرُ في غير أهلهِ فأبْصر أمين الله كيف نذودُ أيدعى جُثيمّ والسويد أمامنا ويُدعى إِياسُ قبلنا وطرودُ وبيتا الشعر هذان لا يقولان ، قط ، أي معنى يمكن صرفه باتجاه اشتقاق اسم أعشى طورد ، كما ذهب إلى ذلك البغدادي والمرزباني ، أو كما زعم اللخمّي وعبد الملك، ومصد الالتباس في فهم هذين البيتين بالطريقة التي جرى فيها، قاد إلى تلفيق اسم الأعشى ، وربما إلى تلفيق الرواية بمجملها وذلك بوضعه في عصر عمر بن الخطاب لأن البيت الذي يرد فيه الاسم يشير إلى شخصين أحدهما إِياس والآخر طرود، لا إلى الشخص نفسه (إِياسُ قبلنا وطرودُ) . إن الأساليب التي يتبع ها رواة الأخبار، وربما نقّاد الشعر القدامى أيضا ، تبدو في غالب الأحيان غير قابلةٍ لأن يُ كبح جماحها ولا التخلص من طاقتها على الإيحاء بوجود شيء تاريخي ثمين فيها، وإن كانت تبدو في المقابل متضمنة نمط من المُعابثة في الصياغات والتراكيب ، وفي هذا السياق فمن الممكن أنْ يرى المرء فيها صلابة من نوع ما بفضل دهائها ومكرها ، فهي تستند إلى روايات عن أشخاص يصعب التشكيك في م روْياتهم ، ومع ذلك ، فإن تسمية طرود في حدِّ ذاتها تبدو أمرا مثيرا وجذابا لأنها على الأقل تؤكد وجودها في معجم العرب، حتى عصر عمر بن الخطاب: وبما يعني أنهم استخدموها طويلا وفهموا معناها حيث ت سمّى شاعر من قيس عيلان بها: أعشى طرود .
عدد الصفحات ٢٠١فهل طرود هذه قبيلة من قبائل العرب ؟ يقول الآمدي إنه لا يعرف نسب أعشى طرود ولا قبيلته ، فيما يزعم البغدادي أنه يدعى إيّاس بن موسى، وهذا كان صحابيا أو تابعيا ، فهل هما شخصان كما هو منطوق بيت الشعر ، أم شخص واحد ؟. الأمر المؤكد أن كلمة ط رو د التي أخف ق القدماء - من النّسابة واللغويين - في تفسيرها أو تنسيبها في المعجم اللغوي للعرب ، ذات صلة حميمة بكلمة طروادة اليونانية لأن العرب لم تعرف قط، قبيلة أو بطنا أو فخذا قبائليا أو حمولة أو رهطّا باسم طرود ، وفي معجم قبائل العرب لعمر كحالة عثرنا على فرع قبلي صغير يدعى الطراد ، ينتسب إلى العريف من الص م دة ويتبع عشيرة صغيرة تدعى الظّفير التي تتنقل في منطقة الدبدبة والحجرة في البادية العربية ، على أن ابن دريد "الاشتقاق : 318" ينسب طرود إلى ج ر م بن زيَّان ، ويزعم أنها من العرب القحطانية، أي : من العرب البائدة (العاربة) ال تي تلاشت واندثرت، وخرجت من المسرح التاريخي للقبائل العربية قبل الإسلام ، وإذا ما صدقنا ابن دريد فإن رواية الآمدي عن كون طرود من ف هْم بن عمرو بن قيس عيلان تغدو غير مقبولة ، لأن رواية ابن دريد تجعلها فرعا قحطانيا فيما تجعلها رواية الآمدي فرعا عدنانيا ، هذا التناقض بين كونها فرعا جنوبيا رعويا ، أو فرعا شماليا مستقرا ، مهم للغاية إذا ما قمنا باستخدامه باحتراس . برأي كل من ابن خلدون " 2 :305 ،6 :82" والقلقشندي 318" والزبيدي "تاج العروس 1 :244" فإن طرود هذه بطنُ من قيس عيلان ، أي من العرب العدنانيين شمالي الجزيرة العربية ، وهم تجوّلوا في نجد قبل أنْ يرتحلوا صوب المغرب العربي. أما الظّفير التي يزعم أن طرود تنتسب إليها ، فهي بحسب "معجم قبائل العرب 2 : 696 " عشيرة لم تُنسبإلى قبيلة أصلا . مخلُص من هذا إلى ما يلي :
عدد الصفحات ٢٠٢إمّا أنّ طرود من العرب العاربة الت ي كفّت عن الوجود التاريخي، وإما هي من عشيرة لا تنتسب إلى قبيلة بعينها، وفي الحالتين يتعيّن تمييز لقب الشاعر أعشى طرود، من اسم هذه الجماعة المجهولة الهوّية لأن اللقب الذي حملته وعرفت به، وكما هو الحال مع الشاعر نفسه ، أيّ: لقب طرود ، قد يكون متصلا بذكريات راسبة من نوع ما ، ونحن نعلم أن اسماء القبائل هي ألقاب استعارتها من أحداث ومواضع وذكريات، (مثلا : قريش التي يزعم أن اسمها يعني الحوت، السمكة، أو التجمع استذكارا لذكرى تجمعها زمن المجاعة الكبرى في مكة في عصر قصيّ) . وفي هذا السياق فإن ابن خلدون أخطأ ، كما أخطأ القلقشندي والزبيدي صاحب "تاج العروس" حين تصوّروا أن طرود هي فرع أو بطن من قيس عيلان إذ لا يوجد في قوائم الأنساب العربية الشمالية والجنوبية ما يؤكد ذلك ، ولعلهم فهموا خطأ أن فرعا قبليا من سليم وهوازن يتبع قيس بن عيلان يدعى مطرود هو المقصود، وبين الاسمين فارق بيّن ، إننا لا نعلم سبب حدوث هذا الخطأ ، ولكن احتمال المطابقة العشوائية بين الفرعين لجهة الاسم يبقى احتمالا حقيقيا ، وذلك حين استعصى حلّ لغز هذا الفرع القبلي الذي كان مجهول الهوية حتى عصر عمر بن الخطاب. والآن : هل كان هناك، حقا شاعر جاهلي أو إسلامي يُدعى أعشى طرود؟ وما سرّ هذه التسمية ؟ ومتى ظهر الشاعر ؟ في عصر عمر بن الخطاب ؟ إذن أين شعره ؟ وما نسبه؟ بل ما أسمه؟
عدد الصفحات ٢٠٣وما اسم أبيه ؟ وكيف حدث أن المسلمين لم يحفظوا عنه أي شيء وحاروا في تأويل لقبه، فيما كان عصر عمر يخضع لعملية تدوين شاملة طالت كل صغيرة وكبيرة في تاريخ العرب والإسلام المبكر ؟ طِبقا لفرضيتنا عن تماثل في صورتي الشاعر الأعمى الذي سجّل في مُغ ناته الطويلة. البطولات والملاحم والأساطير: هومِر اليوناني وصنّاجة العرب الأعشى ، فإن كلمة طرود العصيَّة عل ى التأويل تقع في هذا الحيّز الشفّاف م ن التماثل: حروب طروادة ، التي لا تستبعدُ معرفة القبائل العربية بأخبارها وكذلك ، بظروف وإمكانيات تسربها ، بكل إغرائها وجاذبيتها، إلى مجتمعات كانت على الدوام مجتمعات بطولية ، مثل مجتمعات القبائل، تعيش على استلهام متتابع لكل صورةٍ من صور البطولة والفروسية ، يمكن أنْ تصدر عن أمم مجاورة أو كانت على احتكاك معها، ولذا فمن المحتمل أنّ طرود التي ارتبطت بالشاعر العربي الأعمى، أو الذي أدّعى العمى وليس بأي شاعر آخر من شعراء العرب، هي ت م ثّلُ من نوع ما لذكرى راسبة عن شاعر أعمى سجّل في شعره (حروب طروادة) البطولية وكان يغنيّها متجولا بين القبائل. لأجل التحقق من الفرضية الآنفة ؛ هنا بعض الملاحظات : 1 )تعني كلمة أعشى على وجه الحصر: الشخص الذي لا يبصر في الليل، ولكنه يبصر في النهار ، على أنَّ ابن منظور "لسان العرب: مادة عشا" لا يقبل هذا التفسير ويرتئي أنّ الأعشى: من فقد بصره والعشا: هو : سوء البصر في الليل والنهار. ونقلا عن ابن الأعرابي، فإن الشعراء الذين تلقّبوا بلقب الأعشى سبعة: منهم أعشى طرود، وهو من بني سُ ليم، وإذا ما أضفنا إلى هذا المعنى اللغوي للكلمة أدعاء خمسة من هؤلاء الشعراء فقدانهم بصرهم كما يتضح من الأشعار ، فإن أدعاء العمى يصبح غ رضا شعريا في الأصل، استخدمه الشاعر لإخفاء قوة
عدد الصفحات ٢٠٤تعميمية على تصويراته، على خطا تقليد شعري عرفه الشعر اليوناني القديم من خلال "الإلياذة"، ومن منظور شخص ي دّعي العمى فإن العالم بأسره سوف يصبح بين ذراعيه ، وهذا هو مصدر القوة التعميمية في التصويرات الشعرية (الكلاسيكية) ، حيث الشاعر معصوب العينين - رمزيا - بعيد تمثّل العالم و أحداثه في تنافسٍ محموم مع عالم مبصر ، إن البراءة الطافحة من عيني الشاعر المعصوب تين والتي يصعب الارتياب بها وبالتصويرات الصادرة تحت تأثيرها، هي الامتياز الحقيقي للشاعر في هذا التنافس المحموم ، فإذا كان العالم المبصر ينافس الشاعر ، بفضل امتلاكه حاسة البصر، فإن امتياز الشاعر، الذي يمكّنه من التحليق فوق العالم بنشوة عارمة، إنما هو العمى وانعدام القدرة على رؤية الآخرين. بكلامٍ ثان: إن الشاعر بادعائه العمى يحرر نفسه من المألوف الذي يملكه العالم، بل ويضعه في قلب اشتباك جديد مع الحقيقة وإعادة تلمسها ، لا بحاسة البصر وحده، وإنما بكل حواسه، يتحسسها بأصابعه ، يشمّها، يتذوقها، يصغي إلى أرجّائها الزلزالية ، وهذا ما لا يطيق عمله عالم مُبصر، مغرور، ومتبجح برؤيته للحقيقة عبر حاسة واحدة ، بهذا المعنى فإن الشاعر السومري القديم، واليوناني، ثم العربي في الجاهلية، سار على خطا تقليد شعري، متقنّعا بقناع الأعمى. 2 )إن كلمة صنّاجة التي أطلقت على الأعشى ، ذاتصلة حميمة بكلمة صُنّج العربية، المُصحّفة والمُعرّبة عن الفارسية (سُنّج) . وهذه بدورها تعني حسب أبن منظور (لسان : مادة صنجُ) آلة الموسيقى ، وارتأى الجوهريّ أن العرب عرفت الصنّج الذي يصنع من مادة الصُفر أو النحاس، ويقال للاعب على هذه الآلة: الصّناج، أي : الم غني (الصّناجة) ، ولّما كان الإخباريون العرب يزعمون أن كسرى استمع إلى غناء الأعشى، فإن الشاعر في هذه الحالة، إذا ما قبلنا هذه الرواية على مضّض ، كان معنيا ؛ وهذه هي الوظيفة القديمة للشاعر اليوناني هومِر ، إن الأشعار المنسوبة إلى هومِر الأسطوري، هي سلسلة من الأغنيات التي تغطي فترة
عدد الصفحات ٢٠٥طويلة نسبيا ، نحو ثلاثة قرون (من القرن الثاني عشر إلى القرن التاسع ق م) ، وقد جمعت بقدرٍ كبير من العشوائية والاعتباط لانعدام أية مصادر تاريخية يمكن استخدامها للتحقق من صدقيتها ، وكان هناك على الدوام احتمال أنْ تكون الإلياذة والأوديسة لا من صنع شاعر واحد بل من صنع وتأليف شاعرين ، مع أن التقاليد الأدبية اليونانية درجت على نسبتهما إلى شاعر واحد خلّد حروب طروادة. في هذا النطاق يورد ابن قتيبة والبغدادي أن الأعشى التاريخي مات في اليمامة ودفن في فناء منزله ، وهذا هو أعشى قيس ، ويُفهم من رواية يونس النحوي ، وهو عالّم ثقة نقل عنه البغدادي (1030 – 1093 هـ) أنّه سُئل : من أعزّ الناس ؟ . فقال: لا أومئ إلى أحدِ بعينه ، ولكني أقول : امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا وهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب. ما يهمنا من هذه الرواية ، الربط المحكم بين لقب الأعشى والطرب وهذا يعني أنّ صورة المغني، وبخلاف كل الصور الأخرى ، الأثيرة عند العرب، هي التي ميّزت الأعشى وظلت راس بة في ذاكرتهم . 3) بإجماع الموارد الإخبارية العربية والإسلامية فإن الأعشى (التاريخي) توفي في اليمامة ودفن في فناء منزله ، وفي هذا النطاق يروي البغدادي في (خزانة الأدب) الرواية التالية: حدّث أبو سليمان النَّوفلي، قال : أتيت اليمامة واليا فمررت (بمنفوح ة) وهي منزل الأعشى التي يقول فيها : بشطِ منْفوح ة فالحاجِرِ . فقلت : أهذه قرية الأعشى؟ . قالوا : نعم ، فقلت: فأين منزله؟. قالوا: ذاك، وأشاروا إليه ، قلت : فأين قبره؟ ، قالوا : بفناء منزله ، فع دلتُ إليه بالجيش فانتهيت إلى قبره
عدد الصفحات ٢٠٦فإذا هو رطبٌ، فقلت مالي أراه رطبا ؟، فقالوا: إن الفتيان ينادمونه فيجعلون قبره مجلس رجل منهم؛ فإذا صار إليه القدح صَّبوه عليه لقوله: أرجعُ إلى اليمامة فأشبع من الأطيبين: القمار والخمر. وهذا هو صاحب القصيدة الشهيرة ال تي يقول مطلعها: ودعْ هُر يْر ة إن الركب مرتحلُ وهل تطيق وداعا أيها الرجلُ مشكلة هذه الرواية تكمن هنا: أ) إذا تقبّلنا فكرة أن الأعشى (التاريخي) دفن في اليمامة، وأن قبره ظل رطبا حتى وصول الوالي المسلم لأن الشبان (المسلمين) في اليمامة! كانوا يشربون ال خمر ويصبّون بعض الأقداح على ترابه، فعلينا، في هذه الحالة، أنْ نرفض كل الروايات والأخبار التي زعمت أنه التقى النبي (ص) وامتدحه بقصيدة شهيرة وهي التي تقول: ألم تغتمِض عيناك ليلة أرمدا وعادك ما عاد السليم المس هّدا وما ذاك من عشقِ النساء وإنما تناسيتُ قبل النوم خُلّةٌ م هْددا ألاّ أيُهذا السائلي أين يمّمت فإن لها في أهل يثرب موعدا فإن ت سْألي عني فيا ربَّ سائلٍ خ فّيٍ عن الأعشى به حيث أصعدا إذ لا يمكن تخيّل إمكانية لأيّ نمط من التوافق أو الاندماج بين واقعة اللقاء فالمديح ، بكل سحرها وجاذبيتها وتأثيرها، واستمرار الشاعر على شرب الخمرة، بل وذهابه إلى اليمامة لكي يشبع من الأطيبين : القمار والخمر ، ولذلك لا بد من الفصل بين الأعشى الميت في اليمامة، الجاهلي، شارب الخمر ولاعب القمار، والأعشى الآخر الذي ارتحل إلى يثرب للقاء النبي (ص) وهذا الأعشى على الأرجح هو الأعشى بن النباش من آل زرارة أشراف مكة، التميمي المسلم، الذي نسب إليه ابن هشام قصيدة في رثاء قتلى أُحد ، وهو – برأينا - الأعشى الوحيد من بين جميع الشعراء الذين
عدد الصفحات ٢٠٧حملوا هذا اللقب، م نْ يمكن، دون تحرُّج، وضع اسمه على هذه القصيدة التي وضعت خطأ من جانب المستشرقين، ونقّاد الشعر القدامى، في ديوان أعشى قيس . ب) واستطرادا في هذا التمييز بين أعشى اليمامة والأعشى بن النبّاش، يتوجّب مواصلة الفصل بين صاحب القبر وما يشاع عن ع ادة صبّ الخمرة على قبره، لأنهما، كما سوف نلاحظ، شخصان مختلفان أيضا ، لنلاحظ قبل كل شيء ، أنّ قائمة الآمدي ونفطوْيه تشير إلى أعشى (ناسكٍ) متعبّد، عفيف اللسان، وحو حسب هذه المزاعم أعشى طرود (أنظر قائمة الآمدي) ، ومن غير شك فإن قبر الناسك كان مزارا في اليمامة ، حين وصلها الوالي المسلم أبو سليمان النوفلي، وهذه هي دلالة وجود الفتيان عند القبر، كما هي دلالة زيارة الوالي له ، أما عادة صب الخمر فيجب أنْ تُدرج في إطار طقوسيّة قديمة سابقة على الإسلام، ولعلها استمرت معه، وقوامها صبّ النبيذ أو الماء لأجل التبرك بالترا ب الرطب، بما هو تجسيد رمزي لفكرة استمرار الحياة والخلود ، ويبدو أن صورة الأعشى الآخر، شارب الخمرة، اختلطت بصورة الأعشى الناسك ، الذي كان مزاره يشهد طقوسية صبّ النبيذ ، ومع الوقت تمَّ دمج الصورتين، فصار الناسك الميت في اليمامة هو نفسه شارب الخمرة . ج) ولذلك لا بد من التساؤل عن سبب احتفاظ العرب بذكريات وم رْويات عن قبر الأعشى الميت في اليمامة ، ف يما لا توجد في المقابل، أية م رْويات عن قبور الشعراء الآخرين الذين لم يُعرف لهم قبر ولا تاريخ؟، بكلام ثانٍ ، لماذا حاز هذا الأعشى، ما دام شاربا للخمرة ورافضا لقبول الإسلام دينا ، وكان شخصا عابثا ، على عناية العرب ثم المسلمين بقبره؟. ولماذا لا نعرف قبور امرئ القيس، وعبيد بن الأبرص ، وعنترة بن شدّاد وطرفة بن العبد؟. هذا يعني أن صاحب القبر في اليمامة، الناسك المتعبد، الذي صار قبره مزارا كما هو الحال حتى اليوم في مجتمعاتنا العربية المعاصرة، كان رجلا صالحا أ عمى لا
عدد الصفحات ٢٠٨