المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أبطال بلا تاريخ الميثولوجيا الإغريقية والأساطير العربية

غير معروف

صفحة ١٢ من ١٦

الأشعار البابلية والسومرية أيضا ، حيث وجد الرواة في أسطورة الثياب المسمومة اليونانية إطارا نموذجيا للدمج بين الصور . ولكن : أين تقع أنقرة حقا ؟ . استدلّ الرواة ، بغير وجه حق، ببيت شعر منسوب إلى امرئ القيس هذا، فزعموا أنه مات في أنقرة بعد عودته من لقاء القيصر: رُبَّ خُطبة مسحنفرة وطعنة مت عنجرة وجفنةِ متحيرة حلّت بأرض أنقرة أنقرة هذه لا تقع في حقيقة الأمر في بلاد الروم كما توهمّ الإخباريون العرب، وجاراهم في هذا الوهم بعض المعاصرين ، بل في مملكة الحيرة نفسها موطن الشاعر العليل (ذي القروح) المتلقّب بلقب أمرئ القيس ، وهي موضع بظاهر الكوفة (الحيرة) ثبّته ياقوت الحموي "معجم البلدان 1 :323" كما ثبّتته الخرائط القديمة للمدينة، ويمكن الاستدلال على ذلك ، تد عيما للحقيقة الجغرافية ، برواية مهمة للغاية رواها الأصمعي ، قال: تقدّم رجل من بني دارم إلى القاضي سوار بن عبد الله يُقيم عنده الشهادة ، فصادفه يتمثّل بقول الأسود بن يعفر : ماذا أؤمل بعد آل محرق تركوا منازلهم وبعد إيادِ أهل الخورنق والسدير وبارق والقصر ذي الشرفات من سندادِ نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ماء الفرات يجيء من أطوادِ ثم أقبل على الدرامي فقال له : " أتروي هذا الشعر ؟ . قال : لا . قال : أفتعرف قائله؟ . قال : لا . قال : هو رجلٌ من قومك له هذه النباهة يقول مثل هذه الحكم

عدد الصفحات ١٧٧

لا ترويها ولا تعرف قائلها؟ يا مزاحم ! أثبت شهادته عندك فإني متوقف فيها حتى أسأل عنه، فإني أظنه ضعيفا !" . ويُفهم من رواية الأصمعي أن القاضي كان يترنّم بشعر يصف مواضع في الحيرة التي يقيم فيها ، ولم يكن الشاهد ليعرف عنه أي شيء ، مع أنه ينتسب إلى قبيلة الشاعر نفسه و إلى مدينته ، وفي "معجم ما استعجم: 201" يرد ذكر أنقرة بوصفها من مواضع الحيرة، أي تحديدا حيث عاش ومات الشاعر الحميري امرؤ القيس (ذو القروح) ودفن هناك. على هذا النحو جرى دمج صورة شعراء ، عرفوا باسم امرئ القيس في صورة واحدة، وتمَّ اختلاق شاعر لا وجود له، ونُسب إليه ديوان هو ، في نهاية المطاف، ديوان أكثر من اثنين وعشرين شاعرا .

عدد الصفحات ١٧٨

(11) مَن الأعشى الأول ومَن الأعشى السابع عشر ؟ . من هومر طروادة (الأعمى) إلى أعشى طرود! م نْ الأعشى المدعو في الشعر العربي القديم (الجاهلي) أنه (صّناجة العرب) ؟ . هل هو نفسه أعشى قيس ؟ . أم أن هذا هو نفسه أعشى بكر ؟ . أم هو أعشى باهلة ؟ . وهل هذا ، الأخير ، هو نفسه أعشى طرود ؟. أم أن الأعشى الجاهلي هو نفسه أعشى تميم ؟ . (أي : الأعشى بن زرارة بن النبّاش التميمي) "ابن هشام ، السيرة 3 :91 . " وإذا كان هذا صحيحا فمن إذا الأعشى المعروف بأعشى ميمون ؟ جميع الصيغ الآنفة التي يرد فيها اسم الأعش ى ونسبه تشير إلى شاعر يعرفه المعاصرون منا كما القدماء ، بانه صنّاجة العرب ؛ أي : مغني العرب ، وهي كلها صيغُ ترد بصورة إجمالية في الموارد العربية القديمة والإسلامية، وتحفِّز على نحو غير متوقع باتجاه إثارة السؤال التالي : هل كان هناك ذات يوم بعيد من تاريخ العرب الشعري والاجتماعي ، شاعر حقيقي كان يغني بطولاتهم وملاحمهم وأساطيرهم حتى سُمّي بالأعشى ، لأنه كان مصابا فعلا بنوع من العمى الليلي ؟ . وأنهم بمرور الوقت فقدوا الاستدلال إلى اسمه الصحيح و إلى نسبه القبائلي أيضا ؟. ولذلك اضطروا إلى تسجيله في صيغ متناقضة ومتضاربة؟ . بكلام ثان : هل

عدد الصفحات ١٧٩

عرف العرب في تاريخهم القديم شاعرا أعمى (أعشى) سجّل بطولات القبائل ومآثرهم في شعره الغنائي، المترع بالمواعظ والحكم والأمثال والأساطير ؟ ، وأنه ترك أثرا كاسحا في الشعر القديم حيث تعاقب شعراء من مختلف القبائل على حمل اللقب نفسه الذي عُرف به؟ ، أم أن هذا الشاعر لا وجود له في الواقع ، وأن العرب لم يعرفوا قط ، في تاريخهم البعيد، شاعرا أعمى يغني البطولات ؛ بل شكّلوا ونس جوا صورته محاكاة لأسطورة كانوا يعرفونها عن شاعر أعمى، كان يمشي بين الأبطال الصرعى ، يُغ نَّي مآثرهم الأسطورية في ميادين القتال ؟ . وهل عرفت القبائل أسطورة الشاعر الأعمى في مجالس التجار ونداوتهم ؟ ، مثلا : ندوة قريش الشهيرة في عصر قصيّ جد الرسول (ص) نحو عام (500 م) أم قبل هذا التاريخ بزمن بعيد ، حين تردّ دت في أرجاء مجتمعات القبائل قصص وم رويات شعوب أخرى عرفها العرب عبر التجارة والحروب الإقليمية ، كما هو الحال مع الحروب اليونانية ، الفارسية ؟ . ومن ثمَّ ، فإن المخيال القبائلي شكّل وكوّن صورة شاعر عربي لا وجود له في الواقع ، وكان محاكاة لصورة عالمية الطابع ؛ رائجة وشائعة في مختلف ثقافات العالم القديم ؟. هذه الأسئلة تلع ب دورا حاسما في البحث عن الحقيقة التاريخية الضائعة أو المشوشة ، في ما خصَّ شاعر العرب وص نّاجتها : الأعشى ؛ وهذا أمر لم ينل ، وللأسف ، أدنى اهتمام من جانب المؤرخين المعاصرين أو القدامى . يُعدِّد الإمام ، الناقد الحصيف المعروف جيدا في الغرب ، من جامعة لايدن بهولندا حتى جامعات لندن ولكن غير المشهور نسبيا عند المثقفين العرب المعاصرين ، أبو القاسم الحسن الآمدي (370 هـ) نحوا من سبعة عشر شاعرا جاهليا ، وإسلاميا عُرفوا باسم الأعشى "المؤتلف والمختلف : 13" ، والذي ينقل عنه ابن قتيبة ، في بعض الأحيان ، حرفا بحرف "الشعر والشعراء : 212" ، وكذلك البغدادي ، "صاحب خزانة الأدب 1 :342" . بل ويستندانإلى روايته عن أسماء الأعشى ،

عدد الصفحات ١٨٠

ولكن من دون أنْ يدفعهما ذلك إلى إثارة أي سؤال : وهذا أمر مثير ومقلق حقا لن الناقدين سجلا ونقدا تاريخ الشعر العربي القديم دون أدنى حس نقدي . نقل الآمدي قائمته عن سبعة عشر شاعرا عرفوا باسم الأعشى ، استنادا إلى مصدرين : أولهما) قائمة شيخه ن فطوْيه، التي ضمت ثمانية شعراء قدامى؛ وثانيه ما) بحثه الشخصي وتنقيبه في كتب أشعار قبائل العرب، كلب وتميم وهمدان وعقيل ، حيث عرف بوساطة مدوّنات القبائل وبصورة مباشرة، تسعة شعراء عرفتهم هذه القبائل وسجّلت أشعارهم وأنسابهم بوصفهم من أبنائها الذين يمتون لها بروابط نسب صريحة ، فيما ظل بعضهم مجهول النسب كما سنرى . وهنا قائمة نفطوْيه : 1 )أعشى بن قيس (بن ثعلبة) : هو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وهذا هو الشاعر المشهور عند العرب . 2) أعشى بني ربيعة (بن ذهل بن شيبان) : وأسمه عبد الله بن خارجة بن عمرو بن يعسوب بن قيس بن عمرو بن أبي ربيعة ، وقد عثر الآمدي في أنساب بني شيبان على اسم هذا الأعشى بوصفه حبيب بن عمرو المزدلف ، أما في كتاب أشعار بني ربيعة بن ذهل حيث جمعت القبيلة نتفا من شعره ، فإن نسله وتسلسل آبائه يشيران إلى أنه حفيد لعمرو المزدلف هذا، وليس إلى كونه أبنا مباشرا له. 3) أعشى بني عوف (بن همام بن مرة) بن ذهل بن شيبان: واسمه الحقيقي ضابئ ، أو يزيد ، في صيغة أخرى للنسب وأعشى بني عوف هذا هو الذي تمثّل عبد الملك بن مروان بشعره . إذا كنت تبقي العلم أو أ هله أو شاهدا يخبر عن غائب

عدد الصفحات ١٨١

فاعتبر الأرض بأسمائها وأختر الصاحب بالصاحب على أنّ الطياسي أورد لهذا الأعشى شعرا يقول في بيت منه : لعمر أبيك لكان ما أغتص ضابئا ولا أفتقر الأعشى لنصر عتيب ويفضل هذا البيت استدلّ ن فطويه على أن اسم هذا الأعشى ضابئ ، تماما كما فعل الطيالسي وكذلك الآمدي . 4) أعشى باهلة: يُنكّنى (أبا قحفان) ، وهو شاعر جاهلي قديم زعم أن اسمه عامر بن الحارث (و بنو باهلة ينتسبون إلى أمهم باهلة وبها عرفوا) ، وهذا الأعشى هو الشاعر المشهور، صاحب المرثية الرائعة عن أخيه لأمه المنتشر والتي يقول فيها: إني انتني لسانُ لا أُسرُّ به من علو لا عجب منها ولا سحر 5) أعشى همدان: واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث بن نظام بن جشم بن عمرو بن مالك ، وهو شاعر محسن مقدّم برأي الآمدي، وعاش في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي وهو صاحب قصيدة شهيرة في هجاء ثقيف : إنّ ثقيفا منهم الكذابان كذابها الماضي وكذابُ ثان إنّا سمونا للكفور الفتان حين طغى للكفر بعد الإيمان بالسيِّد الغطريف عبد الرحمن يا ربُّ أمكن من ثقيفٍ همدان وفي الأخبار التاريخية : يُروى أن الحجاج ألقى القبض عليه فقال له : قد أمكن الله ثقيفا منك يا فاسق . و أمر به فضربت عنقه . 6) أعشى بني ص و رة 7) أعشى بني جلاّن واسمه س لم ة بن الحارث

عدد الصفحات ١٨٢

8) أعشى بني مازن بن عمرو بن تميم: هو الذي يُقال إنه وفد على النبي(ص) وقال قصيدته الشهيرة : وتركتني وس ط عيصٍ ذي أشيبٍ تكدّ رجلي مسامير الخشب اكمه لا أبصر عقدة الحقب ولا أرى الصاحب إلاّ ما اقترب كما يُزعم أنه هو نفسه المدعى أنه أعشى بني الحرماز ، لأن بني مازن ، كما ارتأى الآمدي لا أعشى لهم ، كما أن البيت الآنف، الثاني يشير إلى ع شاء حسب قراءة الآمدي للقصيدة ، وهذا ما سوف نفرد له حيّزا خاصا في التحليل . استدرك الآمدي على قائمة نفطويه ، وأضاف لها تسعة شعراء آخرين ، بعضهم يثير الحيرة لجهة نسبه غير الصريح ، وهنا القائمة : 9) أعشى طرود: وطرود من ف ه مْ بن عمرو بن قيس علان، قال الطيالسي إن اسمه إياس بن عامر بن سليم بن عامر الطرودي، ويُكنّى أبا خطاب ، وطرود حسب الطيالسي من ف ه مْ ، وهي حي من أحياء بني الخفّاف أو بني حارثة ، وثُزعمُ أنه كان ناسكا ورعا وقد أصيب بالعمى وأورد له الجاحظ شعرا يقول فيه : نفسي فداؤك من وافدٍ إذا ما البيوت لبسن الجليدا كفيت الذي كنت ترجى له فصِرت أبا لي وصرت ال وليدا لكن الآمدي اعترض بشدة على رواية الجاحظ وقال إن هذا الشعر يُنسب خطأ إلى هذا الأعشى، وأنه وجد أشعارا له، صحيحة وموثوقا بها، في كتاب بني سليم وفيها القصيدة الشهيرة في الشعر العربي القديم : يا دار أسماء بين السفح فالرحبِ أقوى وعفا عليها ذاهب الحقبِ 10) أعشى نهشل : وهو الأسود بن ي عف ر الشاعر المشهور

عدد الصفحات ١٨٣

11) أعشى بني أسد : وهو الذي يدعى الأعشى بن بجرة أو بحرة بن منفذ الأسدي. 12) الأعشى : المسمى طلحة: هو شقيق الكميت الأكبر بن معروف 13) أعشى عُسكل : واسمه كُهمُس بن قعنب بن وعلة بن عطية وهو القائل أصبحت فارقني الشباب ورابني بصري وقد تتفرق الإخوان قد كان يلبسني الشباب رداء ه حُسنا ويسعدني على الأقرانِ وهذا كان معاصرا لجرير وهجاه هجاءُ مُقذعا في قصيدة : سألت الناس أي الناس شرّ وأخبث إذ تجوهرت الأمور وألأم قولا وأدق فعلا فعالوا أُسرة منهم جرير 14) أعشى بني عقيل : وهو معاذ بن كليب بن ح زن بن معاوية بن خفاجة 15) أعشى بني مالك : وهو راجز مشهور 16) الأعشى الثعلبي : واسمه نعمان بن نجوان وهو القائل: أصبحت أعشى كبيرا وقد تخونني ريب الزمان وقدما كان ريابا وراجع الحلم قلبي بعد ص بوتهِ وقد يكون خديني الجهل أحقابا 17) الأعشى بن النبّاش بن زرارة التميمي: وقد وجدت عند ابن هشام "السيرةإنه الشاعر الذي رثى قتلى أُحد، ولكن الآ مدي لم يشر إلى ذلك . من صنّاجة العرب

عدد الصفحات ١٨٤

إن تحليل هذه القوائم، حيث يرد لقب الأعشى في أسماء كل شعراء القبائل العربية ، فضلا على تفكيك الديوان المنسوب إليه ، سوف يمكّن الباحث من إعادة بناء الرواية التاريخية عن الشاعر الذي سحر العرب بأغانيه البطولية حيث أنهم سمّوا شعراءهم باسمه أو أن شعراء القبائل ، و تحت تأثيره المذهل حملوا اللقب نفسه الذي عُ رف به ، إن بعضا من هؤلاء الشعراء ، كما يعترف الآمدي نفسه ، لا يُعر ف له على وجه الدقة اسم أو نسب أو قبيل (قبيلة) ، ولا أهتدى نسّابة العرب إلى نسبه الصحيح في أي وجه من الوجوه ، كما لم يُعرف عنه في أي عصر عاش ومات ، وبكل يقين فإن ما يفاقم من مصاعب تقديم أجوبة مقبولة وحاسمة للأسئلة المثارة أن الفرصة أمام الباحث، مع كل الجهد المبذول ، تكاد تكون معدومة ، أو في أحسن الأحوال محدودة ، وذلك لانعدام إمكا نيات الحصول على مواد تاريخية قابلة للتحليل والمراجعة والنقد . ومع ذلك ، فإن وجود هذا العدد الكبير من الشعراء ، وأغلبهم نال شهرة عالية في عالم القبائل وأشعارها، وبخلاف ما هو متوقع من مصاعب تقنيّ ة ، ربما يساعد في عرض حلول عملية مقبولة للغزو وجود سبعة عشر أع شى في التاريخ الشعري للعرب ، إن إعادة بناء الرواية التاريخية عن الأعشى ، وتصحيح الأخطاء التاريخية والأدبية التي ارتكبها المستشرقون ، وجاراهم في ذلك مؤرخو الشعر العربي القديم ونقاده من العرب، يتطلّب تفكيكا قادرا على فصل الأسطوري عن التاريخي بما يضيء ويحقق تلذذا منعشا ، أقل صخبا ، وخاليا من الابتذال واللهو والتلفيق ، في الجزء غير المعترف به من هذا التاريخ؛ ولنقل غير المفكّر فيه، بعمق ، والذي يتعين اليوم تقديم وصفٍ عنه ، أكثر قابلية للتطابق مع الحقيقة التاريخية، إذا ما تعذّر بلوغها، ولكن المهم ، قابليته على التنافر ، بقوة المعرفة وحدها، مع الرواية السائدة عن هذا الشاعر الجاهلي.

عدد الصفحات ١٨٥

إذا كانت الأسطورة هي انزياح عن أسطورة أقدم ، على نحو منْمّق ومعتدل فإن الرواية التاريخية هي كذلك انزياح ودمج لمرويات وصور متنافرة ، أكثر جذريّة وعمقا ، ذلك أن للتاريخ قابليّة غير محدودة على امتصاص مواد شديدة التنوع، م ت شظّية ومولّدة لأنسجة متينة من السرد ، وهذا ما تمكّ ن ملاحظته من التصور الراسخ في كتب الأدب والتاريخ ، عن شاعر قديم دعيّ بالأعشى ، وهو ظهر في صورٍ يصعب التوفيق بينها . فهل كان صُنّاجة العرب الجاهلي هو نفسه الذي أدرك الإسلام ؟. أم كان هناك شاعر إسلامي تلقّب بلقب الأعشى ، ونسبت العرب إليه أشعاره القديمة ؟ . وهل كان الأعشى الأول شخصية تاريخية فعلا ، أم كان شخصية أسطورية ؟ . بكلام آخر : هذا العدد الكبير من الشعراء حسب قوائم نفطويه والآمدي والبغدادي ، وكذلك قائمتنا ، التي سوف نستدرك من خلالها على هذه القوائم لا يؤكد إلاّ الحقيقة التالية ، والهامّة : هناك ، في الواقع ، أعشيان أحدهما جاهلي عاش على مقربة من الإسلام ، ولكنه لم يلتق الرسول (ص) كما سوف نثبّ ت ، ولم يمتدحه بقصيدة شهيرة كما زعم الرواة ، بل مات وثنيا ، وآخر شاعر أسطوري موغل في القدم كان ، إلى النهاية ، نتاج مخيال القبائل التي عرفت صورة الشاعر الأعمى في ثقافات العالم القديم . وبين هذين الشاعرين ، التاريخي والأس طوري ، فراغ شعري هائل ملأه شعراء من كل القبائل ، ظهروا في وقت ما ، على مقربة من الإسلام وبعده ، ربما بالتعاقب والتوازي ، في إطار تقاليد شعرية قديمة ، تحفّز الجماعات على امتلاك (شاعرها الأعمى) ، هذا التمييز التقني ضروري للغاية لإعادة إنشاء الرواية التاريخية . ما حدث في المرويات والأخبار العربية القديمة ، هو التالي : لقد خلط رواة الأخبار في القبائل ، حيث جمعت الأشعار في كتب خاصة لدى كل قبيلة وهذه اطلع عليها

عدد الصفحات ١٨٦

الآمدي بنفسه نحو250 هـ) حين كتب "المؤتلف والمختلف" ، بين شخصيتين للأعشى : التاريخية والأسطورية ، تماما كما هو الحال مع جميع الشخصيات الأخرى من ملوك و أ مراء وشعراء ، وجرى دمج عشوائي لأشعار منسوبة إلى آخرين ، ملائم على نحو ما ، ومتوافق كذلك ، مع الصورة النمطية التي ترسّخت في المخيال الرعوي عن شاعر جوّال أعمى يجوب الأرض مغنيا البطولات الحزينة والمآسي ، وناظما لأساطير العرب في شكلٍ مطوّلات شعبية ، ويبدو أن بعضا من الانتحال والوضع في الشعر ، في عصر حماد الراوية وخلف الأحمر وابن سلام (نحو عام 150 – 222 هـ) قد تسرب بصورة منظمة إلى شعر الأعشى التاريخي واندمج في بنيته على أنه من شعره ، فيما هو في حقيقة الأمر إما شعر م نحول وإما شعر آخرين مجهولين . ولئن كنا نعرف شيئا موثوقا به عن (الأعشى التاريخي) ، أي عن نحو ستة عشر شاعرا ، فإننا لا نكاد نعرف أي شيء تقريبا عن (الأعشى الأسطوري) الأول ، الذي تعاقب أولئك الشعراء الستة عشر على حمل اللقب نفسه الذي عرف به ، وهذا ما نرغب ف ي توضيحه : أولا ) حين جرت ، في وقت ما، قبل الإسلام وبعده مباشرة، محاولات عدة لأجل معرفة الأعشى الأسطوري ، أي الشاعر الأعمى المغني (صنّاجة العرب) القديم ، وتحديد نسبه وضبط أشعاره وإعادة إدراجه في عصر بعينه وفي شجرة أنساب واضحة ، عمّت الفوضى وراح كل راو ي أخبارٍ ، وكل قصاص أو عالم بالأنساب غير موثوق به ، يضع رواية تعيد نسب هذا الشاعر إلى هذه القبيلة أو تلك، وتفاقمت النتائج المزعجة التي خرجت بها جميع الروايا ت، سوءا حيث تلازمت ، ومن المحتمل أن الرواة المتأخرين ساهموا بصورة واضحة ومباشرة في هذه الفوضى العارمة حين دوّنوا الأنساب وجمعوا الأشعار ، إذ لم يلتفتوا إلى نتائج هذا الدمج بين الصور والمواد، على صعيد تشكّل وتكوّن صورة متماثلة تحمل كل منها الصور

عدد الصفحات ١٨٧

ذاتها في اللغة الشعرية من دون تنقيح ، إن قوة التصور ، المتسامحة والمتساهلة في الآن ذاته، ساعدت الكثيرين من رواة الأخبار في خلق نسيج شعري مطابق لصورة الشاعر بوصفه مغني ا ، ولكن تشريحا مُتقنا لهذا النسيج سوف يقدم، وعبر رؤيةٍ كاشفة ، تأكيدا أن هذه الصور البطولية أنحرفت بعيدا عن البؤرة التي تمركزت فيها ، إذ اختلطت بلغة شعرية متهتكة وبقيم شعرية واجتماعية غريبة عن بيئة القبائل ، بل إن مجون بعض القصائد كان يفسد هذا النسيج الشعري، وكما سنرى من تحليل الديوان ، ولأنه من المتعذر تخيّل إمكانية المطابقة بين شعر فاسق وآخر بطولي بوصفهما كُلا واحدا ، فإنه من المتعذّر كذلك المطابقة بين شاعرين يبدو أحدهما ناسكا أو أعمى ج والا ، وآخر تفيض روحه برؤى متهتّ كة وغير متحسبة . ثانيا : إن المشكلة الأكثر تعقيدا في مسألة الأعشى تكمن فعلا ، في الشعر المنسوب إليه . لقد وضِ عت - وبكملة أدق - انتحلت ، وفي مختلف الحقب والعهود أشعار ذات طابع ملحمي زُعم أنها من شعر الأعشى ، ولكنها مُ صاغة بلغةٍ شعرية ركيكة ، س ردية ، متقشفة الصور وأقرب ما تكون إلى اللغة الشعرية في العصر العباسي منها إلى الشعر الجاهلي بصورة البطولية والفروسية الأثيرة ومن غير تدقيق أو نقد أو مراجعة ت أمّلية راح الإخباريون العرب يتداولون هذه الأشعار ، جيلا إثر جيل ، على أنها من شعر الأعشى التاريخي تحديدا ، ومن ذلك مثلا روايته شعرا لجزءٍ من الملحمة الأدبية الأسطورية عن حروب حسان بن ملكيكرب الذي كان أحد أمراء نجران ، ما يزعم أنها قبيلة طسم (انظر تاريخ الطبري : أسطورة زرقاء اليمامة " 1 :451" ، والمسعودي "مروج الذهب 2 :264" وياقوت الحموي "معجم الأدباء : 5 :506" والتي ترى فيها محاكاةٌ منمقة لملحمة طروادة وأشعار هومِر : إذْ أبصرت نظرة ليست بفاحشةٍ إذ يرفّع الآل رأس الكلب فارتفعا قالت أرى رجلا في كفه نفٌ أو يخصف النعل لهفا أيّةُ صنعا

عدد الصفحات ١٨٨

فكذّبوها بما قالت فصبّحهم ذو آل حسان يُزجّي السمر والسلعا فاستنزلوا آل جوّ من منازلهم وهدّموا شاخص البنيان فاتضعا ومن الواضح أن هذه القصائد بتراكيبها السردية (الرومانسية)، ولغتها الشعرية الفقيرة والمتقشقة لا تنتمي إلى النسيج الشعري الخاص بالأعشى كما سجّله الرواة ، لقد اضطر طه حسين "في الشعر الجاهلي" وتفاديا ل لنقاش حول مسألة الأعشى العويصة إلى التسليم بتاريخيته وهذا ما فعله شوقي ضيف "تاريخ الأدب العربي : العصر الجاهلي 333" من غير أن يقدما دلائل كافية أو قاطعة ، لا تكمن المعضلة برأينا في مجرد وجود أكثر من أعشى ، ولا في وجود شعر موضوعٍ أو متحول ؛ فهذه ظواهر أدركت ها العرب أدبيا إدراكا واعيا وحصيفا ، وعالجها النّقاد القدامى على نحو مُسهب منذ أنْ أثيرت وبقوة مشكلة حمّاد الراوية وخلف الأحمر، وإقرارهما بالمسؤولية الجزئية عن هذا الوضع ومغزاه ، بما هو ظاهرة قديمة ، فهل كان الوضع والنحل عملية أدبية غرضها الأصلي استكما ل بناء شعري ضاع جزء منه؟ ، وهل كانت ، في الأصل ، تقليدا أدبيا هدفه ترميم بقايا راسبة في الذاكرة الجمعية ، والبناء عليها ، قبل أنْ ينقلب هذا التقليد إلى صنعة؟. ثالثا ) سوف ننطلق من الفرضية التالية : إنّ الأعشى الأسطوري ، الأول، هو محض صورة أدبية مُتخيلة من صورة محاكاة أخبار هومِر ، الشاعر الأسطوري الأعمى ، والملحمة اليونانية (الإلياذة) وأستطرادا (حروب طروادة) التي تغلغلت عميقا في وجدان العرب القدماء إبان العصر البطولي للحروب اليونانية – الفارسية في القرن الثالث قبل الميلاد عندما كانت بعض القبائل العربية الجنوبية تقاتل كتفا إلى كتف ، في كتائب مسلحة ، مع الفرس ضد اليونانيين على طول ساحل البحر الأحمر وفي جزيرة سوقطرة اليمنية وفي وسط الجزيرة العربية ، حيث انصهرت ، مع الوقت ، جاليات يونانية مستوطنة وتعرّبت ، هذا فضلا على عوامل أخرى ساعدت على تسرب الثقافة اليونانية ، كالتجارة البحرية والعلاقات السياسية بروما ،

عدد الصفحات ١٨٩

لقد تخيّلت القبائل العربية ، على غرار ما فعل الإغريق نحو850 ق م) أن لهم شاعرا أعمى يتوكأ على عصاه ، يراقب المشاهد الدامية والبطولية ويصف (التراجيديات) العاصفة ، متجولا بين القتلى ومُنشدا أغانيه ، مُم جْدا وراثيا الأبطال الصرعى جرّاء الخيانة أو سوء الطالع ، وطبقا لهذه الصورة التي بلغت المسامع في عصر الحروب اليونانية – الفارسية ، سوية مع صور (ذي القرنين) الإسكندر المقدوني، وهذا أصب ح ملكا يمنيا كما هو واضح في شجرات الأنساب اليمنية وفي المرويات الإخبارية ، وبالترافق مع صور القادة الكبار في جيش الإسكندر، مثل إفريقيس ، الذي تخيّله وهب بن منبه "التيجان في ملوك حمير" ملكا يمنيا ، فإنه من المرجح أن صورة هومِر اليوناني المغني الأعمى ، قد ترسّخت في مجالس العرب في صورة شاعر عربي أعشى (صنّاجة) أي مُغ نٍ جوال والمثير أن الروايات الإخبارية عن الأعشى تصوره رجلا جوالا ج وّاب آفاق ، يسير من اليمن إلى نجد فإلى الحيرة ففارس وعمان وبلاد الشام فحمص و"أورشليم" ، بل ويجتاز البحر إلى نجاشي الحبشة كما في "الديوان : 63" ، و"الأغاني9 :115" و"الشعر والشعراء 1 :214 " لابن قتيبة الذي يقطع بأن الأعشى كان شاعرا أعمى تيمّنا بهذه الصورة الساحرة ، البطولية ، من المحتمل أن عددا من الشعراء تعاقبوا في حمل هذا اللقب وادّعوا العمى ، حتى جاء الأعشى الأخير حيث كّنّاه العرب ، ويا للدهشة ، بأبي بصير ، وهي كنية الأعمى بل إن الأعشى التاريخي هذا كرر في شعره، على غرار أمثاله من الذين حملوا اللقب نفسه ، فكرة كونه شاعرا أعمى لا مجرد (أعشى) ، فإلى ماذا، تحديدا يشير هذا الأدعاء بالعمى؟ ، هل سيكون أمرا منطقيا ، لو ص دّقنا هذا الادعاء : قبول فكرة العمى هذه الملازمة لكل من سمى نفسه الأعشى؟. ولماذا ارتبط العمى بهؤلاء وليس بسواهم من الشعراء الجاهليين؟. لماذا أدّعى الأعشى أنه أعمى؟

عدد الصفحات ١٩٠

هناك ، على الأقل أربعة من الشعراء السبعة عشر الذين سمتهم قوائم نفطويه والآمدي بالأعشى خلّفوا وراءهم أبياتا مؤثرة من الشعر ، يزعمون فيها أنهم كانوا شعراء عميان ، بل وراحوا يبكون عماهم الرمزي كما لو كان عمى حقيقيا ، فهل يتوجب علينا وضع هذا الادعاء بالعمى في إطار تقليد شعري قديم ، مندثر ومنسي ، تجلّت بقاياه في الغرض من حمل هذا اللقب؟ ، وهو تقليد يضرب بجذوره عميقا في تربة الثقافات القديمة للشرق، بدءا من شعراء سومر وأكد، حتى اليونان حين ظهرت أسطورة الشاعر الأعمى هومِر؟. مثلا : يدّعي أعشى بني حرماز أنه شاعر أعمى ، وهذا ما نقرؤه في قصيدة شهيرة حفظتها ذاكرة القبائل ودوّنتها في الأشعار المنسوبة إليه : وتركتني وسط عيص ذي أشب تكدّ رجلي مسامير الخشب أكمه لا أبصرُ عقدة الحقب ولا أرى الصاحب إلاّ ما اقترب وهذا الادعاء الذي لا ينكره بنو حرماز عن شاعرهم ، مماثل لادعاء شاعر بني قيس ، الذين دوّنوا للأعشى الخاص بهم بيتا يحمل الادعاء نفسه ، في قصيدة شهيرة غير مشكوك في صحتها : على أنها إذا رأتني أُقا د قالت بما قد أراه بعيرا رأت رجلا غائب الوافدين مختلف الخلق أعشى ضريرا وهذا ادعاء تناقله رواة الأخبار دليلا على أن الأعشى التاريخي كان شاع را ضريرا ، لكن شاعرا آخر يدعى الأعشى أيضا ، هو أعشى عكل بن قعنب ، كرر هذا الادعاء في قصيدة شهيرة حيث قال : أصبحت فارقني الشباب ورابني بصري وقد تتفرق الإخوان

عدد الصفحات ١٩١

وهو بيت فهم منه الرواة أن الأعشى أصيب في آخر أيامه بالعمى ، على أن شاعرا آخر سمّى نفسه ، أيضا أعشى كرر الادعاء نفسه ، وتورد كثرة من المصادر قول أعشى بني تغلب : أصبحت أعشى كبيرا قد تخونني ريب الزمان وقدما كان ريابا وهي قصيدة يشير فيها إلى أنه أصبح ضريرا في أيامه الأخيرة . بل إن الأعشى (التاريخي) الذي زعم الرواة أنه زار النبي (ص) وامتدحه بقصيدة شهيرة ، وهو أعشى بني ميمون ، أورد المعنى ذاته : الم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وعادك ما عاد السليم المُسهّدا والتي يقول فيها أيضا : فإن تسألني عني فيا رب سائلٍ حفي عن الأعشى به حيث أصعدا وهذا بيت يتضمن ، دون لبس ، فكرة كون الشاعر الضرير يُقاد من آخرين . فمن الأعشى التاريخي، الشاعر الضرير ، الذي أدّعى العمى ؟. هل هو من بني حرماز ؟ أم من بني تغلب ؟ أم هو من بني قيس ؟ أم هو من بني ميمون ؟ أم هو عكل بن قعنب ؟ . وفي هذا السياق ، ما الفرق الفعلي لهذا الادعاء ؟. لنترك الأعشى التاريخي جانبا ، وهو لقب لسبعة عشر شاعرا ، ولنبادر إلى فحص ومعاينة اللقب نفسه بوصفه لقبا لشاعر أسطوري، في الأصل ، سماه الإخباريون

عدد الصفحات ١٩٢