بماذا تفيد هذه القراءة؟ . لقد رسّخت عادات التلقّي في ثقافتنا العربية المعاصرة ، تقاليد الازدراء أو الاستخفاف بـ "مزاعم" الإخباريين العرب، وعدم الالتفات إلى قيمة الكثير من إشاراتهم المُصاغة بلغة أسطورية ، وفي غالب الأحيان عدم الانتباه إلى إمكانية وجود احتمال آخر غير احتمال اختلاق الأكاذيب ، وهي تهمة ث بُت بطلان كل تعميم لها ، ومن المهم أنْ نتطلع اليوم إلى قراءة أكثر محافظة في النصوص القديمة ، بعيدا عن روح الازدراء والتغاضي المقصود عن إشارات لغة قديمة نسيَّ العرب أبجديتها لغة الم رْويات التاريخية بكل ظلالها الأسطور ية .
عدد الصفحات ١٦١(10 ) اختلاق امرئ القيس الهدايا المسمومة في الشعر الجاهلي م نْ امرؤ القيس؟ هل هو الشاعر المريض ذو القروح، أم الأمير المطالب بعرشه؟ هل هو الملك الضليل، أم الأمير الأسير؟ ولذا سُمي الملك القليل. هل هو الشاب الذي طلب دعم القبائل في شمالي الجزيرة العربية ف خذلته ولم يتمكن من الثأر لدم أبيه القتيل، أم هو الفارس الذي أوقع بهذه القبائل القتل والذبح؟. هل هو نفسه الشاعر الصعلوك والمتشرد الذي كان يقود عصبة من شذاذ الآفاق، أم هو الزاهد الناسك المتأمل، شاعر البرق والمطر؟ هل هو الکندي أم الحميري؟ الغساني أم ساكن الحيرة في العراق؟ هل هو جندح، أم عوف، أم مالك، أم ع دِيّ؟ . في كل هذه الصور المتناثرة، يظهر امرؤ القيس الشاعر فهر ملك وصعلوك وأمير وأسير وعليل وعاشق للنساء، وزاهد متعبد وصديق للقيصر جسطن يان (527 – 565 م،- وطبعا - سيكون أمرا متعذرا إلى النهاية ، تصديق كل هذه الصور وقبولها على أنها صورة واحدة، لشخص تاريخي واحد اسمه امرؤ القيس بن حجر صاحب المعلقة الشهيرة "قفا نبك" وصاحب الديوان المطبوع باسمه أيضا .
عدد الصفحات ١٦٢لكن، ولأجل إعادة بناء الرواية التاريخية عن هذا الشاعر ، لا بد من ت فكيك مرويات الإخباريين الذين دوّنوا سيرته ، وفي الإطار ذاته تفكيك الديوان المنسوب إليه، وإعادة قراءة السيرة والديوان على حد سواء ، بوصفهما مادة لا تاريخية ، تعرّضت للدمج أو الاختلاط والتداخل، بين صور مواد تعود في الجزء الأعظم منها، إلى شخصيات أخرى معاصرة له أو أقدم عهدا منه . هناك في الواقع ما يزيد عن عشرين شاعرا ، عرفوا في تاريخ العرب القديم باسم امرئ القيس وبعضهم عاش على مقربة من الإسلام، بل إن بينهم من كان صحابيا . وقد عدّ د الأمدي "المؤتلف والمختلف : 9" نحوا من عشرة شعراء عاشوا في الجاهلية عرفوا باس م امرئ القيس ، بيد أن المستشرق (الوارد) أضاف إلى قائمة الآمدي هذه، ستة آخرين رأى أنهم عرفوا فعلا بهذا الاسم وكانوا شعراء . على أنني وفي أثناء بحثي الموسع في مادة قيس، عثرت على عدد آخر يرفع القائمة إلى ما يزيد على خمسة وعشرين شاعرا عرفوا بأنسابهم وأشعارهم وتسمّوا باسم امرئ القيس إن أهمية هذه القوائم تكمن برأينا في أنها ستمكننا من إعادة بناء الرواية التاريخية عن الشعر الجاهلي، وشاعره الأسطوري الأكبر امرئ القيس ، ومن ثمَّ الحصول على تصوّر أدق لهذا الجزء العضوي من تاريخ العرب القديم . طبع ديوان امرئ القيس مرارا (والنسخ التي اعتمدت عليها في دراستي هذه من محفوظات جامعة لا يدن في هولندا) ، صدرت الطبعة الأولى من الديوان للمرة الأولى عام (1837 م) في باريس ، طبعة دي سلان، تحت عنوان : نزهة ذوي الكيس وتحفة الأدباء في قصائد أمرئ القيس ، عن رواية الشنتمري . لكن (الوارد) هاجم طبعة دي سلان ورفض قبولها ، وقام بالاعتماد على رواية السكري، بإعادة نشر الديوان بإلحاق بعض قصائد ومق اطع صغيرة، أسهمت، برأينا في مفاقمة الاختلاط والدمج غير المعقول بين صور الشاعر وأشعاره المزعومة ، ثم صدرت نحو عام (1958 م) في مصر طبعة أخرى من الديوان اعتمدت كليا على روايات
عدد الصفحات ١٦٣الأصمعي وضمّت 28) قصيدة ، ارتأى الطوسيّ أنها مُنتحلة وموضوعة من جانب المتأخرين ، وبوجه الإجمال يمكن استنباط الصور التالية لامرئ القيس ، من الروايات الإخبارية ، والأساطير والديوان نفسه: 1) امرؤ القيس المُطالب بدم والده حجرالذي قتلته بنو أسد وزعيمها ع لْباء بن قيس (شمالي الجزيرة العربية) . 2) امير الذي طارده ملك الحيرة المنذر بن ماء السماء ( 516 – 556 م) والذي بحث عن مأوى بين القبائل شمالي الجزيرة العربية بعد أن قُتلت أسرته كلها وأنتزع منها العرش . 3) الفارس المهيب الذي هزم القبائل وأوقع في بعضها القتل والذبح خطأ . 4) الملك الضليل الذي فقد عرشه وسافر إلى بيزنطة للقاء القيصر جسطنيان للحصول على مساعدة عسكرية لاسترداد عرشه. 5) الشاعر المريض (ذو القروح 6) الشاعر ساكن الحيرة في العراق 7) الشاعر الغسّاني الذي تغنّى بمواضع في الشام وعاش فيها . 8) الشاعر الحميري الذي سعى عند القيصر لمساعدته على غزو عدن 9) الشاعر النجديّ الذي تغنّى بمواضع نجديّة ووصف شمال ي الجزيرة العربية وصفا دقيقا يدلّل على عمق ارتباطه بها . 10) الشاعر الذي بكى الديار وعرف بك ونه (أمر ؤ القيس بن حذام ، أو خ د ام) . 11) الشاعر الصعلوك المتهتّك الذي انغمس في ملذّات الخمر والنساء ، وكان يقود عُصبة من شذاذ الآفاق . 12) الشاعر الذي مات في أنقرة
عدد الصفحات ١٦٤13) امرؤ القيس اليمني شاعر دلمون 14) امرؤ القيس الذي عُرف بالطمّاح 15) امرؤ القيس الكلبي 16) الأمير الأسيرالذي وقع في يد الغساسنة ثم حُرر . 17) امرؤ القيس الذي أسره إبلشرح ي خضب اليمني في معركة قرب عدن. 18) امرؤ القيس شاعر البرق والمطر فمن ، من بين هؤلاء ، صاحب المعلقة والديوان ؟ . يُعدّدُ الأمدي في "المؤتلف والمختلف 9" بعض الشعراء الذين عرفتهم العرب باسم امرئ القيس نحو عام (370 هـ) على النحو الآتي 1) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرّار ، وهو شاعر كنديّ جاهلي ذهب شعره وضاع ، والحارث جدّه ، هذا ، يُزعم أنه نفسه الحارث الكندي ملك الحيرة الذي نصّبه الفرس بعد طرد ملكها المنذر بن ماء السماء ، بعد صعود قبّاذ بن فيروز (488 – 531 م) في فارس 2) امرؤ القيس بن عابس بن المنذر السمط وهو صاحب قصيدة قف بالديار وقوف حابس . وتايَّ إنَّك غير يائس . ماذا عليك من الوقو فِ بهامد الأطلال دارسِ 3) امرؤ القيس بن بكر بن امرئ القيس بن الحارث الكندي، وهذا شخص آخر لا علاقة له بأسرة الحارث الكندي أعلاه ، ملك الحيرة الذي قتله المنذر بن ماء السماء ، بعدما استرد عرشه بمساعدة قبائل العراق إثر موت قباذ وصعود أنوشروان في فارس .
عدد الصفحات ١٦٥4) امرؤ القيس بن عمرو بن الحارث بن معاوية الأكبر بن ثور بن مرْتع الكندي ، وهذا شاعر جاهلي آخر ، لا صلة له بالاثنين اللذين يحملان اسما مشابها ، وقد أورد ابن الأثير "أسد الغابة : 1 :155" اسمه فضلا على الأمدي : أمرؤ القيس بن بكر بن الحارث . 5) امرؤ القيس بن حُمام بن مالك، وهذا دعاه الإخباريون بعدَّل الأصّر ة وهو الذي زُعم أنَّه هرب من المعركة بعد غارة شنّها زهير بن جناب الكلبي ، وعيَّره عبيد بن الأبرص في قصيدة شهيرة ، كما هجاه المهلهل الذي كان يتلقب بلقب امرئ القيس أيضا ، لكن ابن حُمام هذا يرد في شعر امرئ القيس بن حجر (الأول في هذه القائمة) بصفته أول شاعر جاهلي بكى الديار ، قال ابن حجر : عوجا على الطللِ المُحيل لعلّنا نبكي الديار كما بكى ابن حُمام ولم يفطن الأمدي ، ولا (الوارد) ، ولا البغدادي ، صاحب "خزانة الأدب" إلى مغزى الدمج بين ابن خذام وحُمام ، كما لم يهتم أي منهم بالمعنى الذي ينطوي عليه الخلط بين شاعر الأطلال ابن حُمام ، وامرئ القيس بن حجر ، وهذا سوف ينسب إليه الوقوف على الأطلال اعتباطا . 6 )امرؤ القيس بن بحر الزهيري ، الكلبيّ ، وهو شاعر كلب القائل طعْنتُ غداة القاع شملة طعنة تركتْ أبا أوس صريعا مُجدَّلا وأجْر رْتُهُ رمحي فغودر ثاويا عليه سباعُ القاع ير دين حجلا ومن الواض ح أن شعر امرئ القيس هذا، الفروسيّ ، لا يتناغم مع أشعار امرئ القيس المريض (ذي القروح) ، ولا مع الأشعار المنسوبة إلى الأمير الأسير أو الصعلوك ، ولا مع الشعر المنسوب إلى الشاعر الهارب من الغارة كذلك ، ومع ذلك فقد اختلطت صورة امرئ القيس الكلبيّ ، الفارس ، بصورة الأمير والأسير والعليل ، وترسخّت في مرويات الإخباريين العرب صورة شاعر محارب يهزم القبائل.
عدد الصفحات ١٦٦7) امرؤ القيس بن الحارث بن زهير بن ج شْم ، واسمه الحقيقي عُد يّ ، وهو الشاعر الشهير الذي يُعرف بالمهلهل . 8) امرؤ القيس بن عُدْيّ الكلبي ، وهذا الشاعر لم يعرف الأمدي نسبه مع أنه اطلع على كتاب أشعار كلب عند القبيلة . 9) امرؤالقيس بن كلاب بن رزام العقيلي ثم الحويْلدي . 10) امرؤ القيس بن مالك الحميري ، وهو صاحب القصيدة التي ترد في ديوان امرئ القيس : يا هند لا تنكحي بوهة عليه عقيقته أحسبا هذه هي، بالتحديد، قائمة الشعراء الذين عرفوا باسم امرئ القيس، كما ثّبتها الإمام الآمدي الناقد الحصيف. وقد أضاف إليها البغدادي "خزانة الأد ب: 335" شاعرين آخرين هما في الإسلام المبكر. أ) امر ؤ القيس بن الأصبغ الكلبيّ. ب) امر ؤ القيس بن الفاخر بن الطمّاح. ولكن، واستدراكا على قوائم الآمدي والبغدادي، واستطرادا لقائمة الوارد، أستطيع أنْ أضيف عددا آخر من الشعراء، الذين عرفوا باسم امرئ القيس، ولم يرد أي ذكر لهم عند الآمدي والبغدادي والوارد، مستندا في هذا إلى الروايات الإخبارية والأساطير والديوان نفسه: 1) امرؤ القيس بن زيد مناة بن تميم بن مُرّ بن أدد "طبقات ابن سلام 2 :555 " و"تاريخ اليعقوبي 1. " 2) امرؤ القيس بن عوف، وهذا كما ارتأى المستشرق يِّمه (Jamme) في النقوش التي قرأها، أنه كان حاكم دويلة صغيرة من أرض عدم تدعى خ صْصتن "المفصل
عدد الصفحات ١٦٧3 :316" وهو برأينا الأمير ا لذي سعى عند الروم لمساعدته على بسط نفوذه على سبأ وريدان. ولكن محاولته أخفقت عندما أُسر في معركة مع قوات الملك اليمني إبْلشرح ي خضْب ( 65 – 50 ق م، في هذا الوقت، كما لاحظ المستشرق يَّمه كانت كندة مملكة صغيرة مستقلة، وقد اشترك أحد ملوكها ويدعى مالك مع ملك (أمير) دويلة خ صْصتن امرؤ القيس، في هجوم عسكري منظم على قوات إبلشرح يخضب وأخيه يازل بين ، إلاّ أنهما مُ نيا بهزيمة مخزية إذ أُ سرا وأُ بقيا رهينةٌ عند الملك اليمني، جرت المعركة قرب مأرب، وربما قرب شعب مأرب كما ارتأى جواد علي، لأن هذا الموضع قريب فعلا من عدن، في النهاية أطلق سراحهما بشروط إعلان الولاء لليمن والامتناع عن مهاجمة قوات ملك سبأ وذي ريدان: إبلشرح يخضب. هذا الأمير الأسير، ليس هو بكل تأكيد، المقصود في أشعار عبيد بن الأبرص، ونحن نرى أنه صاحب القصائد الموجودة في الديوان، والتي يرد فيها خبر سفره إلى روما للقاء القيصر وطلب مساعدته ، وهذه القصائد اختلطت بقصائد أخرى لامرئ قيس آخر؛ عرض عليه الرومان قيادة جيش من المرتزقة لغزو اليمن ولكنه رفض ذلك: "الديوان 33 :95 . " ولو شار كان الغزو من أرض حمير ولكنه ع مْدا إلى الروم أنفرا أما الأمير الأسير الذي ورد ذكره في معلقة الحارث بن حلّزة "الأنباري : 497 والمعلقة وف ك كنا غُلّ امرئ القيس عنه بعد ما طال حبسه والعناءُ فهو امرؤ القيس بن المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة، وهو أخ لعمرو بن هند (مضرّط الحجارة) لأبيه، وقد كانت غسان أسرته عندما قتل المنزل في يوم عين أباغ الشهير نحو عام (554 م، ولتوضيح الأمير أكثر: إن امرأ القيس هذا ابن ملك الحيرة وأخ ولي العهد عمرو بن هند، وقد وقع أسيرا بيد الغساسنة في الشام،
عدد الصفحات ١٦٨بعد معركة قتل فيها ملك الحيرة المنذر بن ماء السماء وأُسر ابنه الأمير الشاب ، ولكن عمرو بن هند شنّ في وقت لاحق حربا خاطفة ومحدودة وتمكّن من تحرير امرئ القيس هذا، وقد امتدحه الحارث بن حلّزة في معلّقته وذكر خبر تحرير الأمير، ويبدو أن الإخباريين خلطوا بين الأسماء والعصور على نحو فظيع، لأن بين الأسير الأول في عدن والأسير الثاني في الشام نحوا من (600) عام 3) امرؤ القيس بن ت ملّك "الديوان" والأنباري459 ." 4) امرؤ القيس بن خذام أو قطام "الديوان 162 . " 5) امرؤ القيس بن حمانة بن وائل "ابن الكلبي، ابن عساكر : 8 :380، أسد الغابة : 2 :237 ." 6) ذو القروح وهو اسم لشاعرين أحدهما امرؤ القيس بن حجر، والآخر كعب بن خفاجة، وشعره موجود في كتاب أبن عقيل كما لاحظ الآمدي. 7) امرؤ القيس بن الحُمام بن مالك بن هبل بن كنانة بن بكر بن عوف من بني عذرة في الشام "ابن قتيبة ، الشعر والشعراء: 92"، وفي الديوان الذي يحمل اسم امرئ القيس بن حجر ، يظهر الشاعر بصفته ذا القروح ، وتنسب إليه بعض القصائد التي تدلّ على مرضه القديم "الديوان : 118 . " فلو أنّها نفسٌ تموت جميعة ولكنها ن فْسٌ تساقطُ انفُسا وبُدْلتُ ق رْحا داميا بعد صحةٍ فيا لك من نُعمى تحولن أبْؤسا لقد طمح الطمّاحُ من بعدِ أرضهِ ليُلْبسني من دائهِ ما تلّب سا وهذه القصيدة تلمّح إلى أن شاعرها كان رجلا عليلا بداء قديم ، كما في قصيدة (لِمن ط ل ل) "الديوان : 121 : " لِمن ط ل لُ دائرُ آيهُ تقادم في سالف الأخرسِ
عدد الصفحات ١٦٩فإمّا تريني بي عُرة كأني نكيبٌ من النقرسِ صْيَّرني الق رْح في جُبّة تخال لبيسا ولم تُلْبسِ ترى أثر الق رْحِ في جلدِه كنقشِ الخواتمِ في الجرجسِ أو كما في قصيدة (ألّما على الربع القديم) "الديوان : 117 : " فإمّا تريني لا أُغ مِّضُ ساعة من الليل إلاّ أن أكبّ فأنْعسا تأوَّبنيَّ دائي القديم فغلَّسا أحاذرُ أن يرتَّد دائي فأنْكسا إن تفكيك الديوان الذي يحمل اسم امرئ القيس، فضلا على المعلّقة نفسها ، سوف يمكن الباحث من إعادة رسم صورة الشاعر، لا على أساس أنها تنتمي إلى شاعر بعينه أو تخصّه وحده ، بل على أساس أنها تخصُّ مجموعة من الشعراء ، تعاقبوا في إطار تقليد ثقافي عربي قديم ، على حمل الاسم (اللقب) نفسه أي : امرئ القيس ، وهذا ما سوف يقودنا إلى فهم أف ضل لما يدعى النّ حل، أو الوضع ، في الشعر الجاهلي ، بكلام آخر ، فإن من شأن تقنيات التفكيك هذه أنْ تساعد في تحسين تصوراتنا لمشكلة الانتحال وتلفيق الأشعار ووضعها على ألسنة شعراء آخرين ، وهي ظاهرة قديمة لعبت دورا مدمَّرا في تشكيل وعينا لتاريخ العرب قبل الإسلام ، ومن بين أكثر هذه الصور التي يتوجب تفكيكها ، صورة الشاعر الذي ذهب للقاء القيصر جسطنيان الثاني طلبا لمساعدة بيزنطة العسكرية والسياسية لاسترداد عرشه السليب ، إذ يُزعم أنه وقع في غرام ابنة القيصر هناك وهو أمر أدّى ، بحسب روايات الإخباريين العرب ، التي تدب ير مؤامرة لقتله حين أهداه القيصر ثوبا مسموما ارتداه في طريق عودته ، إذ تساقط واهترأ جلده وأصيب بقروح مميتة ، على أن عمر فروخ ذهب في "تاريخ الأدب العربي: 1" أبعد من كل الإخباريين القدماء بزعمه أنه وجد في كتاب قديم مخطوط أن ملك القسطنطينية لما بلغه نبأ وفاة امرئ القيس ، أمر بأن يُنحت له تمثال ، وكان تمثال امرئ القيس
عدد الصفحات ١٧٠هناكإلى أيام المأمون إذ شاهده الخليفة العباسي عند مروره داخل بلاد الروم ، وهذه رواية تكشف عن المدى المأسوي في الدمج والاختلاط بين الصور ، والذي وقع فيه المعاصرون على غرار ما حدث للقدماء . ردّ د الباحثون المعاصرون ، من دون نقد أو مراجعة ، بل بما يشبه الاستسلام التام لروايات الإخباريين العرب، أسطورة الثياب المسمومة هذه ، مع التناقض الفاضح في مكوناتها التاريخية ، حتى الأصفهاني وجد نفسه وهو يروي أخبار الشاعر "الأغاني 9 :90" منساقا خلف إغراء هذه اسطورة إذ زعم أنه ذهب للقاء القيصر جسطنيان فلقي استقبالا حسنا ، حتى إنه كان يدخل الحمام معه ، وهذه بكل يقين ، بافتراض قبولها لأغراض السجال التاريخي والأدبي ، صورة متناقضة مع الصور الأخرى التي رسمها الرواة لأمرئ القيس ، الذي يقول عن نفسه إنه كان مصابا بداء قديم (النُقرس) وعاش عليلا ، كما تتناقض بالتأكيد ، مع صورته أميرا مُطاردا باحثا عن ملجأ وسط القبائل الشمالية ، ومع صورته كشاعر متشرد صعلوك . تقول رواية الاصفهاني "الأغاني : 9 :90" إن القيصر أكرم امرأ القيس وكان يدخل معه الحمّام ، حتى وقع الشاعر في غر ام ابنة الإمبراطور فكان يأتيها وتأتيه ، فبلغ ذلك بني أسد ، فأرسلوا رجلا منهم يدعى الطمّاح ، وهذا وشى به عند القيصر الذي حنق على الشاعر وأهداه الثياب المسمومة ، فمات في طريق عودته قرب أنقرة. عن إعادة بناء الرواية التاريخية عن امرئ القيس ، تتطلب الفصل بين الأسطوري والتاريخي في جميع المرويات والأشعار التي نسبت إليه ووجدت طريقها إلى ديوانه الشعري ، وهنا بعض الملاحظات: 1) إن المؤرخين البيزنطيين لا يذكرون تقريبا أي شيء صريح عن زيارة الشاعر أو طلبه المساعدة العسكرية لاسترداد عرشه ، لكن المؤرّخ البيزنطي بروكوبيوس يورد في خبر تاريخي ، اسم
عدد الصفحات ١٧١شخص يدعى امرأ القيس ، كانت له صلة على نحو ما ، بحملة عسكرية أعدّتها بيزنطة لغزو اليمن بواسطة الحبشة وكيلها المحلي في عام ( 524 – 525 م) بما يعني أن هذا الأمير الحميري الذي اتصل بالروم لمساعدته في بسط نفوذه على اليمن ، سعى على غرار ما فعل امرؤ قيس آخر في العام ( 65 – 50 ق م إلى تقديم نفسه للرومان كنصير لهم في مواجهة النفوذ الفارسي في اليمن ، ويبدو أن الرومان طلبوا إلى الأمير الحميري هذا أنْ يقود بنفسه جيشا من المرتزقة لمواجهة الفرس ، وهذا ما تقوله تحديدا القصيدة التي وضعها المستشرقون خطأ ضمن ديوان امرئ القيس (33 : ) ولو شاء كان الغزو من أرضِ حميرٍ ولكنه ع مْدا إلى الروم أنقرا واستنادا إلى جواد علي المُف صَّل : 3 :265" نقلا عن مصادر بيزنطية أطلع عليها نونوس مثلا ، فإن القيصر ، وإثر رفض العرض ، كلّف امرأ القيس هذا بأن يكون سفيرا لديه (ممثلا لقبائل الجنوب العربية) . وقد افترض كوران دي برسفال خطأ أن المقصود بامرئ القيس في مرويات المؤرخين البيزنطيين الشاعر الكندي نفسه ، وعلى الأرجح فإن الخطأ الذي وقع فيه برسفال وشاع بين المعاصرين من الكتّ اب العرب ، كان تتويجا لأخطاء سابقة وقع فيها نونوس نفسه الذي لم يكن يميز كندة القبيلة من كندة المملكة حيث زعم أن هذا الأمير كان يُدعى كايساس ، و إنه كان ملكا على كندة من جهة ، واسم الشاعر الجاهلي من جهة أخرى .
عدد الصفحات ١٧٢2) جرى خلط هذه الزيارة التي قام بها أمير حميري بواقعة تاريخية صحيحة جرت بعد نحو ثلاثين عاما من غزو الحبشة لليمن ، إذ قام أمير لحمير من أمراء الحيرة يدعى قابوس ، وكان من أبناء امرئ القيس بن المنذر بن ماء السماء بزيارة بيزنطة كان قابوس موضع احترام أهل الحيرة وهيبتهم ، وقد تولى العرش بعد وفاة أخيه عمرو بن هند المعروف بـ (مضرّط الحجارة) وعرف بحملاته الناجحة ضد الرومان بين عامي ( 556 – 557 م) ، وهي حروب محلية اندلعت إثر رفض الروم دفع ما كان يتوجب عليهم من مساعدات مالية لملوك الحيرة بموجب معاهدة (556 م في هذا الوقت قر ر عمرو بن هند إرسال أخيه للقاء القيصر جسطنيان الثاني لبحث موضوع المساعدات المالية ، ولكن رسول الملك الح ميري استقبل استقبالا سيئا ، ما أدى إلى أنهيار المفاوضات ثم اندلاع المعارك ، لقد تركت هذه الواقعة أثرها في مرويات الإخباريين العرب ، ولعلهم عبّروا عن فشل المفاوضات في صورة غضب قاتل بوساطة بدلة مسمومة ، وهذا ما تمثّلته إحدى المرويات في صورة غضب غير مفهوم على ضيف القيصر حيث أدّى إلى موته ، مع أن المرويات الأخرى تحدّثت عن حُسن استقباله في بلاط القيصر ، هذا الغضب هو المادة التاريخية التي نسج منها الإخباريون أسطورة الثياب المسمومة ، وهذا ما سنراه حين نحلل الأسطورة . 3) هاتان الزيارتان دمجتا وخلطتا بواقعة تاريخية أخرى . فقد ذكرت المصادر اليونانية "ال مفصل 3 :265" اسم امرئ القيس
عدد الصفحات ١٧٣بصفته من العرب التابعين لملوك الفرس ، وصوّرته ملكا من الأسرة اللخمية شمالي الحجاز ، وكان يُغير على القبائل العربية ويبسط وسطها سلطانه ونفوذه ، حتى أنه تمكن من الاستيلاء على جزيرة يونانية ( lotaba) وهي تيران في مدخل خليج العقبة بعد طرد عمال المكوس من الروم . لكن هذا "الملك" اللخمي بدأ في مطلع عام (473 م) بمغازلة الرومان سعيا لكسب صداقتهم والاعتراف به ، وفي وقت ما من هذا العام أرسل أسقف العرب ليفاوض القيصر على إمكان تعيين امرئ القيس حاكما على جنوب ي الأردن وساحل خليج العقبة ويحصل على لقب (فيلارك) ، ويبدو أن الأسقف نجح في هذه المهمة على أكمل وجه إذ تمت دعوة الملك امرئ القيس هذا إلى بيزنطة حيث بالغ القيصر في إكرامه ، ويلاحظ أبن حبيب في "المحبّر" أن فيروز ، والد قباذ ، هو الذي نصّب امرأ القيس بن المنذر اللخمي ( 457 – 483 م) ملكا ، لكن شوقي ضيف "الأدب الجاهلي : 242" شكك في وجود مثل هذا الملك في سجلات ملوك الحيرة في هذا الوقت - وهذا صحيح - ، وشوقي ضيف نفسه استدرك وانتبه إلى أن امرأ القيس هذا كان في شمالي الجزيرة العربية لا في الحيرة ، وكان مواليا للفرس قبل أن ينقلب عليهم لمصلحة الرومان ، وهذا هو الملك الذي يُزعم أنه كان يدخل الحمام مع القيصر تعبيرا عن المبالغة في إكرامه ، فجعله الإخباريون شاعرا ونسبوا إليه مروية زيارة بيزنطة ووقوعه في غرام ابنته ثم موته في أنقرة .
عدد الصفحات ١٧٤تنتسب أسطورة الثياب المسمومة إلى رزمة من الأساطير اليونانية عن الهدايا المسمومة التي يتلقاها الأبطال ويموتون جرّاءها ، وواحدة من هذه الأساطير تخصُّ البطل هرقل . تقول الأسطورة : عندما أنجز هرقل الأفعال الاثني عشر المطلوبة إليه ، مضى على طيبة ليدخل في مباراة رمي السهام مع الملك أورثيوس الذي وعده أنْ يزوجّه ابنته 27 ، وقد فاز هرقل في المباراة لكن الملك لم يفِ بوعده . وبعد سلسلة مغامرات في إسبرطة ا شتبك هرقل ، أخيرا ، مع الساطور سينوس ، وهو وحش خرافي حاول خطف زوج ته 28 . لكن الوحش الخرافي في أثناء احتضاره ، قدّم سائلا مسموما لزوجة هرقل قائلا لها ، إن عليها أنْ تسكبه على ثياب هرقل لتضمن بقاء حبه لها إلى الأبد، وهذا ما فعلته اعتقادا منها أنه لن يعشق ابنة الملك أو يتزوّجها بعد الآن ، وعندما لبس هرقل الثوب المسموم اهترأ جسده وعاني آلاما مُبرّحة ومات. تسربت هذه الأسطورة إلى المرويات التاريخية عن امرئ القيس الشاعر ساكن الحيرة، المريض ، ذي القروح ، ولذا دُمجت صورته بصورة أمرئ القيس، الذي سعى إلى الثأر من بني أسد الذين قتلوا والده حجر زعيم قبيلة كندة ، حيث جرى زجُّ اسم رجل أسدي يُدعى الطمّاح في المروية، وصوَّر في هيئة واشٍ يتسلل إلى مملكة الروم ، للإبلاغ عن قصة الحب السريّة بين ابنة القيصر والشاعر، والمثير أن اسم الطمّاح هذا هو اسم امرئ القيس أيضا (امرؤ القيس بن الفاخر بن الطمّاح، وهو شاعر إسلامي) ، "خزانة الأدب البغدادي : 335 " 27 28
عدد الصفحات ١٧٥لقد طمح الطمّاح من بُعدِ أرضهِ ليلبسني من دائه ما تلْبَّسا 29 وهي قصيدة تنتسب، برأينا ، إلى هذا الشاعر الإسلامي ، الذي تلقّب بامرئ القيس، على غرار سابقيه وفي إطار التقليد الثقافي والشعري ذاته. عن بناء القصيدة وقيمها الشعرية ، على حد سواء ، تتمثلان فكرة السقم وعذابات الألم (القروح) بما هي فكرة في الصميم من عقيدة التقي المعذَّب، وليس ثمة ما يدعون ا إلى تصديق أن ذا القروح الشاعر كان شخصا مريضا فعلا ، بل على العكس من ذلك لدينا ما يكفي من الأدلة على أن التمارض والوقوع في أسر الجروح والعذابات هو تقليد شعري تلقّفه الشعراء وعالجوه بوصفه مادة شعرية، وهذا ما يمكن فهمه بعمق من القصيدة ، فالطمّاح البعيد ليس رجلا واشيا فاسدا كما فهم الرواة والنقاد القدماء من القصيدة، بل هو المريض نفسه الذي ترك عبر التقليد الشعري ، أثره الممضّ في أشعار الآخرين ، وبذا فهي قصيدة لا تخصُّ ابن حجر، بل ذ ا القروح ساكن الحيرة ، الذي ضاعت أشعاره وقام المتأخرون بانتحالها أو وضعها، ولّما كان هؤلاء لا يراعون التسلسل التاريخي للأشخاص والأحداث ، فقد زجّوا اسم الطمّاح مرتين : مرة على أنه رجل من بني أسد وشى بامرئ القيس عند القيصر ، ومرة ثانية على أنه الرجل المريض (ذو القروح) الذي ألبس الشاعر من دائه ، وهذا أمر غير منطقي، إذ لا يمكن للبطل نفسه أنْ يكون في هيئتين متناقضتين في الآن نفسه . ولذلك فإن هذه القصيدة هي من وضع رواة متأخرين ، قاموا ببناء القصيدة من بقايا شعر ضائع ومنسي لشاعر الحيرة (امرئ القيس = ذو القروح ) ، وهذا كما ترتئي لقب يحاكي عقيدة الشقيّ والمعذّب ، أو التقي المعذّب كما تجسّد ت في الملحمة الشعرية العربية القديمة عن أيوب النبي، والتي وجدت طريقها إلى التوراة ، كما في 29
عدد الصفحات ١٧٦