التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 75 كقاؿ سفياف بن عيينة : كل شيء كصف الله بو نفسو في القرآف فقراءتو تفستَه , لا كيف , كلا مثل وقاؿ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زَ مَ نِ ين الإماـ المشهور من أئمة المالكية في كتابو الذي صنفو في ( أصوؿ السنة ) قاؿ فيو : ( باب الإيماف بالعرش ) قاؿ : ومن قوؿ أىل السنة أف الله عز وجل خلق العرش , واختصو بالعلو والارتفاع فوؽ جميع ما خلق , ثم استوى عليو , كيف شاء , كما أخبر عن نفسو في قولو ( الرحمن على العرش استوى ) وقولو ( ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض ) الآية . فسبحاف من بػَ عُ دَ , وقرب بعلمو فسمع النجوى . وذكر حديث أبي رزين العقيلي : قلت يا رسوؿ الله : أين ربنا قبل أف يخلق السموات والأرض ؟ قاؿ : في عماء , ما تحتو ىواء , وما فوقو ىواء , ثم خلق عرشو على الماء(1) . قاؿ محمد : العماء السحاب الكثيف المطبق- فيما ذكره الخليل - وذكر آثاراً أخر . ثم قاؿ : ( باب الإيماف بالكرسي ) قاؿ محمد بن عبد الله : ومن قوؿ أىل السنة أف الكرسي بين يدي العرش , وأنو موضع القدمين . ثم ذكر حديث أنس الذي فيو التجلي يوـ الجمعة في الآخرة , وفيو : فإذا كاف يوـ الجمعة ىبط من عليين على كرسيو , ثم يحف الكرسي على منابر من ذىب مكللة بالجواىر , ثم يجيء النبيوف فيجلسوف عليها(2) . وذكر ما ذكره يحيى بن سلاـ صاحب التفسير المشهور : حدثني العلاء بن ىلاؿ , عن عمار الدىني , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس رضي الله عنهما قاؿ : إف الكرسي الذي وسع السموات والأرض لموضع القدمين , ولا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقو . وذكر من حديث أسد بن موسى : ثنا حماد بن سلمة , عن عاصم , عن زر , عن ابن مسعود قاؿ : ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عاـ , وبين كل سماء خمسمائة عاـ , وبين السماء السابعة و الكرسي خمسمائة عاـ , وبين الكرسي والماء خمسمائة عاـ , والعرش فوؽ الماء , والله فوؽ العرش , وىو يعلم ما أنتم عليو(3) . ثم قاؿ في باب ( الإيماف بالحجب ) قاؿومن قوؿ أىل السنة إف الله بائن من خلقو يحتجب عنهم بالحجب , فتعالى الله عما يقوؿ الظالموف علواً كبيراً ( كبرت كلمة تخرج من أفواىهم إف يقولوف إلا كذباً ) وذكر آثاراً في الحُ جُ ب . ثم قاؿ في باب ( الإيماف بالنزوؿ ) قاؿ : ومن قوؿ أىل السنة أف الله ينزؿ إلى سماء الدنيا , ويؤمنوف بذلك من غير أف يحدوا فيو حداً , و ذكر الحديث من طريق مالك وغيره . إلى أف قاؿ : وأخبرني وىب , عن ابن وضاح عن زىير بن عباد قاؿ : ومن أدركت من المشايخ : مالك , وسفياف , وفضيل بن عياض , وعيسى , وابن المبارؾ , ووكيع , كانوا يقولوف : إف النزوؿ حق . قاؿ ابن وضاح : وسألت يوسف بن عدي عن النزوؿ ؟ قاؿ : نعم , أومن بو , ولا أحد فيو حداً , وسألت عنو ابن معين فقاؿ : نعم أقر بو , ولا أحد فيو حداً . قاؿ محمد : وىذا الحديث يبين أف الله عز وجل على العرش في السماء دوف الأرض , وىو أيضاً بين في كتاب الله , وفي غير حديث عن رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم . قاؿ تعالى ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليو ) وقاؿ تعالى ( (ُ) ركاه أبضد , كأبو داكد , كالتًمذم , كابن ماجو , كضعفو الألباني . (ِ) ركاه ابن أبي شيبة كغتَه , قاؿ ابن القيم : ركاه أئمة السنة , لو مقرين , كعلى من أنكره منكرين . كذكر في موضع أف الأئمة تلقوه بالقبوؿ . (ّ) ركاه ابن خزبية كغتَه .
عدد الصفحات ٧٥التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 76 أأمنتم من في السماء أف يخسف بكم الأرض فإذا ىي تمور * أـ أمنتم من في السماء أف يرسل عليكم حاصباً ) وقاؿ تعالى ( إليو يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعو ) وقاؿ ( وىو القاىر فوؽ عباده ) وقاؿ تعالى ( يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ) وقاؿ ( بل رفعو الله إليو ) وذكر من طريق مالك قوؿ النبي صلى الله عليو وسلم للجارية : أين الله ؟ قالت : في السماء . قاؿ من أنا ؟ قالت : أنت رسوؿ الله . قاؿ : فأعتقها . قاؿ : والأحاديث مثل ىذا كثيرة جداً , فسبحاف من علمو بما في السماء كعلمو بما في الأرض , لا إلو إلا ىو العلي العظيم . وقاؿ قبل ذلك : ( باب في الإيماف بصفات الله تعالى , وأسمائو ) قاؿ : واعلم بأف أىل العلم بالله وبما جاءت بو أنبياؤه ورسلو يروف الجهل بما لم يخبر بو عن نفسو علماً , والعجز عن ما لم يدع إليو إيماناً , وأنهم إنما ينتهوف من وصفو بصفاتو وأسمائو إلى حيث انتهى في كتابو على لساف نبيو . وقد قاؿ - وىو أصدؽ القائلين - ( كل شيء ىالك إلا وجهو ) وقاؿ ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم ) وقاؿ ( و يحذركم الله نفسو ) وقاؿ ( فإذا سويتو ونفخت فيو من روحي ) وقاؿ ( فإنك بأعيننا ) وقاؿ ( ولتصنع على عيني ) وقاؿ ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتاف ) وقاؿ ( والأرض جميعاً قبضتو يوـ القيامة ) الآية . وقاؿ ( إنني معكما أسمع وأرى ) و قاؿ ( وكلم الله موسى تكليماً ) وقاؿ تعالى ( الله نور السماوات والأرض ) الآية . وقاؿ ( الله لا إلو إلا ىو الحي القيوـ ) الآية . وقاؿ ( ىو الأوؿ والآخر والظاىر والباطن ) ومثل ىذا في القرآف كثير . فهو تبارؾ وتعالى نور السموات والأرض كما أخبر عن نفس و , ولو وجو , ونفس , وغير ذلك مما وصف بو نفسو , ويسمع , ويرى , ويتكلم , ىو الأوؿ لا شيء قبلو , والآخر الباقي إلى غير نهاية , ولا شيء بعده , والظاىر العالي فوؽ كل شيء , والباطن بطن علمو بخلقو فقاؿ ( وىو بكل شيء عليم ) قيوـ , حي , لا تأخذه سنة , ولا نوـ . وذ كر أحاديث الصفات ثم قاؿ : فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسو في كتابو , ووصفو بها نبيو , وليس في شيء منها تحديد , ولا تشبيو , ولا تقدير ( ليس كمثلو شيء وىو السميع البصي ر ) لم تره العيوف فتحده كيف ىو , ولكن رأتو القلوب في حقائق الإيماف أ.ىػ ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ ذكر ابؼصنف كلاـ الإماـ بؿمد بن عبد الله الأندلسي , ابؼشهور بابن زمنتُ , شيخ قرطبة , صاحب علم كتقول كزىد , توفي عاـ ّٗٗىػ. كيتبتُ من كلامو أنو على منهج السلف في إثبات الصفات على ما يليق بالله تعالى , كمن ذلك إثبات علو الله على سائر خلقو , كاستوائو على عرشو , ك بياف أنو بؿتجب عن خلقو بابغيجيب , كىذا يدؿ على أنو بائن عن خلقو ليس حالان فيهم , كما يعتقد ابعهمية . كبفا جاء في ذكر ابغجب حديث أبي موسى قاؿ : حجابو النور , كفي ركاية : النار , لو كشفو لأحرقت سيبيحات كجهو ما انتهى إليو بصره من خلقو . ركاه مسلم , كفي حديث أبي ذر أنو سأؿ النبي : ىل رأيت ربك ؟ فقاؿ : رأيت نوران كقد قاؿ تعالى ( كما كاف لبشر أف يكلمو الله إلا كحيان أك من كراء حجاب ) .
عدد الصفحات ٧٦التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 77 كقد أنكر ابعهمية كأذنابهم ىذه ابغيجيب لشبو ساقطة , كتأكلوا الأحاديث بتأكيلات باردة . كمن لطيف ما استدؿ بو أىل السنة على علو الله , كأنو في السماء دكف الأرض أحاديث النزكؿ , كم ا ذكره ابن زمنتُ ىنا . كقد ذكر ابؼصنف حديث أبي رىزينو العيقيلي في مكاف الله قبل خلق العرش , كقد اختلف أىل العلم في صحة ىذا ابغديث , فمنهم من صححو , كمنهم من ضعفو , ثم اختلفوا في تأكيلو على فرض صحتو , فنقل ابن عبد البر عن بعض أىل العلم أف ( ابؽاء ) في قولو ( فوقو , كبرتو ) راجعة إلى العماء , الذم ىو السحاب , كابؼعتٌ أف الله كاف على السحاب , كىذا السحاب فوقو ىواء , كبرتو ىواء . كقيل : ابؼراد بقولو ( ما فوقو ىواء , كما برتو ىواء ) ابؼراد ( فراغ ) كما في قولو تعالى ( كأفئدتهم ىواء ) أم فارغة , على أحد التفاستَ , كالله أعلم . ثم ذكر ابؼصنف الآثار في الكرسي , كأف ابؼراد بو موضع قدمي الرب سبحانو , كما جاء عن ابن عباس كغتَه . كبفا ذكره في كتابو ( أصوؿ السنة ) : بذلي الله لعباده ابؼؤمنتُ في ابعنة , كإثبات الوجو , كالنفس , كالعتُ , كاليد , كالسمع , كالبصر , كالكلاـ , كغتَىا . كما أبصل قولو ( كاعلم بأف أىل العلم بالله كبدا جاءت بو أنبياؤه كرسلو يركف ابعهل بدا لم بىبر بو عن نفسو علمان , كالعجز عن ما لم يدع إليو إبيانان ) .
عدد الصفحات ٧٧التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 78 وكلاـ الأئمة في ىذا الباب أطوؿ , وأكثر من أف تسع ىذه الفتيا عشره . وكذلك كلاـ الناقلين لمذىبهم . مثل ما ذكره أبو سليماف الخطابي في رسالتو المشهورة في ( الغنية عن الكلاـ وأىلو ) قاؿ : فأما ما سألت عنو من الصفات , وما جاء منها في الكتاب والسنة , فإف مذىب السلف إثباتها , وإجراؤىا على ظواىرىا , ونفي الكيفية والتشبيو عنها , وقد نفاىا قوـ فأبطلوا ما أثبتو الله , وحققها قوـ من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيو والتكييف , وإنما القصد في سلوؾ الطريقة المستقيمة بين الأمرين , ودين الله تعالى بين الغالي فيو , والجافي والمقصر عنو . والأصل في ىذا : أف الكلاـ في الصفات فرع على الكلاـ في الذات , ويحتذى في ذلك حذوه ومثالو . فإذا كاف معلوماً أف إثبات الباري سبحانو إنما ىو إثبات وجود لا إثبات كيفية , فكذلك إثبات صفاتو إنما ىو إثبات وجود لا إثبات ت حديد وتكييف . فإذا قلنا ( يد , وسمع , وبصر ) وما أشبهها فإنما ىي صفات أثبتها الله لنفسو , ولسنا نقوؿ : إف معنى اليد : القوة , أو النعمة , ولا معنى السمع , والبصر : العلم , ولا نقوؿ : إنها جوارح , ولا نشبهها بالأيدي , والأسماع , والأبصار التي ىي جوارح وأدوات للفعل , ونقوؿ : إف القوؿ إنما وجب بإثبات الصفات , لأف التوقيف ورد بها , ووجب نفي التشبيو عنها , لأف الله ليس كمثلو ش يء , وعلى ىذا جرى قوؿ السلف في أحاديث الصفات . ىذا كلو كلاـ الخطابي . وىكذا قالو أبو بكر الخطيب الحافظ في رسالة لو أخبر فيها أف مذىب السلف على ذلك . وىذا الكلاـ الذي ذكره الخطابي قد نقل نحواً منو من العلماء من لا يحصى عددىم , مثل : أبي بكر الإسماعيلي , والإماـ يحيى بن عمار السجزي شيخُ شيخِ الإسلاـ أبي إسماعيل الهروي صاحب ( منازؿ السائرين ) و( ذـ الكلاـ ) وىو أشهر من أف يوصف , وشيخ الإسلاـ أبي عثماف الصابوني , وأبي عمر بن عبد البر النمري إماـ المغرب , وغيرىم . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ ذكر ابؼصنف كلاـ الإماـ أبو سليماف ابػطابي , كىو من مشاىتَ العلماء , كقد سلك طريق الأشعرم في باب الصفات , فأثبت العلو , كالاستواء على العرش , كاليد , كأنكر صفات الأفعاؿ , كأنكر صفة القدـ , كالساؽ كغتَىا , توفي عاـ ّٖٖىػ كفي كلامو ىنا يبتُ الطريقة الصحيحة في التعامل مع نصوص الصفات , كىو إثباتها على ظواىر النصوص , مع نفي التشبيو عنها , كليتو أخذ بهذه الطريقة في بصيع الصفات . ثم ذكر قاعدة ( القوؿ في الصفات فرع عن القوؿ في الذات ) كىي قاعدة جليلة من أىم القواعد الدالة على صحة طريقة السلف , كمفادىا : أف إثبات البارم إبما ىو إثبات كجود , لا إثبات كيفية , فكذلك إثبات الصفات إبما ىو إثبات كجود لا إثبات كيفية , كيأتي التفصيل في ىذه القاعدة عند شرح الرسالة التدمرية إف شاء الله تعالى . ثم ذكر ابػطابي مثالان بؼا بهب إثباتو على ظاىره دكف التعرض لتأكيلو , كىو ( اليد , كالسمع , كالبصر ) كأبطل قوؿ من فسر اليد بالقوة , أك النعمة , كما يقولو متأخرك الأشعرية , كأبطل قوؿ من يفسر السمع , كالبصر بالعلم , كما يقولو ابؼعتزلة . فليت شعرم أين متأخرك الأشاعرة من تقريرات أئمتهم ؟!
عدد الصفحات ٧٨التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 79 ثم ذكر ابن تيمية أف ىذا الكلاـ من ابػطابي قوؿمشهور لا بويصى من قاؿ بو من العلماء في ابؼشرؽ كابؼغرب . وقاؿ أبو نعيم الأصبهاني صاحب ( الحلية ) في عقيدة لو قاؿ في أولها : طريقتنا طريقة المتبعين الكتاب , والسنة , وإجماع الأمة , قاؿ : فمما اعتقدوه أف الأحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليو وسلم في العرش واستواء الله يقولوف بها , ويثبتونها من غير تكييف , ولا تمثيل , ولا تشبيو , وأف الله بائن من خلقو , والخلق بائنوف منو , لا يحل فيهم , ولا يمتزج بهم , وىو مستو على عرشو في سمائو دوف أرضو وخلقو . وقاؿ الحافظ أبو نعيم في كتابو ( محجة الواثقين , ومدرجة الوامقين ) تأليفو : وأجمعوا أف الله فوؽ سماواتو عاؿ على عرشو , مستو عليو , لا مستوؿ عليو , كما تقوؿ الجهمية : إنو بكل مكاف . خلافاً لما نزؿ في كتابو ( أأمنتم من في السماء ) ( إليو يصعد الكلم الطيب ) ( الر حمن على العرش استوى ) لو العرش المستوي عليو , والكرسي الذي وسع السموات والأرض , وىو قولو ( وسع كرسيو السماوات والأرض ) . وكرسيو جسم , والأرضوف السبع , والسموات السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فلاة , وليس كرسيو علمو كما قالت الجهمية , بل يوضع كرسيو يوـ القيام ة لفصل القضاء بين خلقو , كما قالو النبي صلى الله عليو وسلم , وأنو - تعالى وتقدس - يجيء يوـ القيامة لفصل القضاء بين عباده , والملائكة صفاً صفاً , كما قاؿ تعالى ( وجاء ربك والملك صفاً صفاً ) وزاد النبي صلى الله عليو وسلم : وأنو تعالى وتقدس يجيء يوـ القيامة لفصل القضاء بين عباده , فيغفر لمن يشاء من مذنبي الموحدين , ويعذب من يشاء , كما قاؿ تعالى ( يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ من ىنا بدأ ابؼصنف النقل عن أئمة الصوفية , أك من ينتحلهم الصوفية من أىل العلم , كذلك أف ىناؾ علاقة قوية بتُ التصوؼ كأىل الكلاـ من الأشعرية كابؼاتريدية , فنجد إلى اليوـ كثتَان بفن انتحل ابؼذىب الأشعرم أك ابؼاتريدم على طريقة ابؼتصوفة في التعبد كالسلوؾ كالاعتقاد . فكأف ابؼصنف يريد إحراج ىؤلاء ابؼتأخرين , كيبتُ بؽم أف طريقة أئمتهم خلاؼ ما يع تقدكف . كيلاحظ أنو أطاؿ النقل عن ىؤلاء . كأكؿ ىذه النقوؿ النقل عن أبي نيعيم الأصبهاني صاحب الكتاب ابؼشهور ( حلية الأكلياء كطبقات الأصفياء ) قاؿ عنو ابن تيمية : من أكبر حفاظ ابغديث , كمن أكثرىم تصنيفات , كبفن انتفع الناس بتصانيفو , كىو أجل من أف يقاؿ لو ( ث قة ) فإف درجتو فوؽ ذلك أ.ىػ توفي ربضو الله عاـ َّْىػ كقد انتحلو الصوفية , بل قاؿ بعض أىل العلم إنو دخل في شيء من التصوؼ . كفي ىذا النقل الذم نقلو ابؼصنف عنو نلاحظ أنو موافق بؼنهج السلف في باب الصفات , خاصة ما يتعلق بالعلو , ك الاستواء على العرش , كالنزكؿ , كالمجيء , كإنكاره لتفستَ الاستواء بالاستيلاء , كبتفستَ الكرسي بالعلم , كجع لو ذلك التفستَ من قوؿ ابعهمية .
عدد الصفحات ٧٩التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 80 وينبوأف لفظ ( الصوفية ) من الألفاظ المجملة , قاؿ ابن تيمية : كقد صار لفظ ( الصوفية ) لفظان بؾملان , يدخل فيو من ىو صدَّيق كمن ىو زنديق . كذكر أنهم ثلاثة أصناؼ في ابعملة : قوـ على مذىب أىل ابغديث كالسنة , كالفضيل بن عياض , كابعنيد . ك قوـ على طريقة ابؼتكلمتُ , كأبي القاسم القشتَم . كقوـ غلاة جنحوا إلى طريقة ابؼتفلسفة , كمن سلك مسلك إخواف الصفا . وقاؿ الإماـ العارؼ معمر بن أحمد الأصبهاني - شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده - قاؿ : أحببت أف أوصي أصحابي بوصية من السنة , وموعظة من الحكمة , وأجمع ما كا ف عليو أىل الحديث والأثر , وأىل المعرفة والتصوؼ من المتقدمين والمتأخرين , قاؿ فيها : وإف الله استوى على عرشو بلا كيف , ولا تشبيو , ولا تأويل , والاستواء معقوؿ , والكيف فيو مجهوؿ , وأنو عز وجل مستو على عرشو , بائن من خلقو , والخلق منو بائنوف , بلا حلوؿ , ولا ممازجة , ولا اختلاط , ولا ملاصقة , لأنو الفرد البائن من الخلق , الواحد الغني عن الخلق , وإف الله عز وجل سميع , بصير , عليم , خبير , يتكلم , ويرضى , ويسخط , ويضحك , ويعجب , ويتجلى لعباده يوـ القيامة ضاحكاً , وينزؿ كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقوؿ : ىل من داع فأستجيب لو ؟ ىل من مستغفر فأغفر لو ؟ ىل من تائب فأتوب عليو ؟ حتى يطلع الفجر . ونزوؿ الرب إلى السماء بلا كيف , ولا تشبيو , ولا تأويل . فمن أنكر النزوؿ , أو تأوؿ فهو مبتدع ضاؿ , وسائر الصفوة من العارفين على ىذا . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ ذكر ابؼصنف كلاـ أبو منصور معمر بن أبضد الأصبهاني , كىو من كبار شيوخ الزىد كالتصوؼ في زمانو , توفي عاـ ُْٖىػ كقد كافق السلف - فيما نقلو ابؼصنف عنو ىنا - في إثبات استواء الله على العرش , كأنو تعالى بائن من خلقو , كنفى عقيدة غلاة ابؼتصوفة من ابغلوؿ كالابراد , كأثبت لله صفات الأفعاؿ , ك صفة الكلاـ , كالرضا , كالسخط , كالضحك , كالعىجب , كالنزكؿ , كأثبت أف الله يتجلى لعباده يوـ القيامة . ككل ىذه الأمور على خلاؼ ما عليو الأشاعرة كابؼاتريدية ابؼتأخرين . كتظهر أبنية ىذا النقل أنو نقل ذلك عن سائر الصفوة يعتٍ ابؼتصوفة , كىذا يثبت أف عقيدة ابؼتأخرين من أىل الكلاـ عقيدة مبتدىعة على خلاؼ ما عليو أىل الإسلاـ من سائر الطوائف ابؼقتصدة .
عدد الصفحات ٨٠التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 81 وقاؿ الشيخ الإماـ أبو بكر أحمد بن محمد بن ىاروف الخلاؿ في ( كتاب السنة ) : ثنا أبو بكر الأثرـ , ثنا إبراىيم بن الحارث يعني العبادي , حدثنا الليث بن يحيى قاؿ : سمعت إبراىيم بن الأشعث - قاؿ أبو بكر ىو صاحب الفضيل - قاؿ : سمعت الفضيل بن عياض يقوؿ : ليس لنا أف نتوىم في الله كيف ىو . لأف الله تعالى وصف نفسو فأبلغ فقاؿ ( قل ىو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن لو كفواً أحد ) فلا صفة أبلغ مما وصف بو نفسو . وكل ىذا النزوؿ , والضحك , وىذه المباىاة , وىذا الاطلاع , كما ي شاء أف ينزؿ , وكما يشاء أف يباىي , وكما يشاء أف يضحك , وكما يشاء أف يطلع , فليس لنا أف نتوىم كيف وكيف . فإذا قاؿ الجهمي : أنا أكفر برب يزوؿ عن مكانو . فقل : بل أومن برب يفعل ما يشاء . ونقل ىذا عن الفضيل جماعة منهم البخاري في ( أفعاؿ العباد ) . ونقل شيخ الإسلاـ بإسناده في كتابو ( الفاروؽ ) فقاؿ : ثنا يحيى بن عمار , ثنا أبي , ثنا يوسف بن يعقوب , ثنا حرمي بن علي البخاري , وىانئ بن النضر عن الفضيل . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ ذكر ابؼصنف كلاـ الفضيل بن عياض , كىو من أئمة ابؼسلمتُ , اشتهر بالزىد كالعبادة , كجاكر في بيت الله ابغراـ للعبادة , توفي عاـ ُٖٕىػ كقد انتحلتو الصوفية , كانتسبت إليو . كيظهر في ىذا النقل أنو يثبت الصفات على كفق ما جاء عن السلف , فقد أثبت النزكؿ , كالضحك , كابؼباىاة , كالاطلاع , كنفى العلم بكيفية ذلك . ككل ىذه ا لصفات من صفات الأفعاؿ التي ينكرىا سائر الطوائف , كلذا ذكر ربضو الله الشبه ة ابؼوجبة للنفاة في إنكار ىذه الصفات , كىو ما يسمى ( حلوؿ ابغوادث ) كأجاب عن ىذه الشبهة بجواب بـتصر , كذلك بقولو : فإذا قاؿ ابعهمي : أنا أكفر برب يزكؿ عن مكانو . فقل : بل أكمن برب يفع ل ما يشاء . كمراده ربضو الله بابؼباىاة , يعتٍ التفاخر , كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قاؿ رسوؿ : ما من يوـ أكثر من أف يعتق الله فيو عبدان من النار من يوـ عرفة , كإنو ليدنو ثم يباىي بهم ابؼلائكة , فيقوؿ : ما أراد ىولاء ؟ . ركاه مسلم كمراده بالاطلاع , ما جاء في حديث عمر بن ابػطاب رضي الله عنو في قصة حاطب بن أبي بلتعة .....كما يدريك لعل الله اطلع على أىل بدر فقاؿ : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم . متفق عليو
عدد الصفحات ٨١التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 82 وقاؿ عمرو بن عثماف المكي في كتابو الذي سماه ( التعرؼ بأحواؿ العباد والمتعبدي ن ) قاؿ : ( باب ما يجيء بو الشيطاف للتائبين ) وذكر أنو يوقعهم في القنوط , ثم في الغرور وطوؿ الأمل , ثم في التوحيد . فقاؿ : من أعظم ما يوسوس في التوحيد : بالتشكيك , أو في صفات الرب بالتمثيل , والتشبيو , أو بالجحد لها , والتعطيل . فقاؿ بعد ذكر حديث الوسوسة : واعلم رحمك الله أف كل ما توىمو قلبك , أو سنح في مجاري فكرؾ , أو خطر في معارضات قلبك , من حسن , أو بهاء , أو ضياء , أو إشراؽ , أو جماؿ , أو شبح ماثل(1) , أو شخص متمثل , فالله تعالى بغير ذلك , بل ىو تعالى أعظم , وأجل , وأكبر , ألا تسمع لقولو ( ليس كمثلو شيء ) وقولو ( ولم يكن لو كفواً أحد ) أي لا شبيو , ولا نظير , ولا مساوي , ولا مثل , أولم تعلم أنو لما تجلى للجبل تدكدؾ لعظم ىيبتو , وشامخ سلطانو , فكما لا يتجلى لشيء إلا اندؾ , كذلك لا يتوىمو أحد إلا ىلك . فرُد بما بين الله في كتابو من نفيو(2) عن نفسو التشبيو , والمثل , والنظير , والكفؤ فإف اعتصمت بها وامتنعت منو أتاؾ من قبل التعطيل لصفات الرب - تعالى وتقدس - في كتابو , وسنة رسولو محمد صلى الله عليو وسلم فقاؿ لك : إذا كا ف موصوفاً بكذا , أو وصفتو أوجب لو التشبيو فأكذبو , لأنو اللعين إنما يريد أف يستزلك , ويغويك , ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين , الجاحدين لصفة الرب تعالى . واعلم - رحمك الله تعالى - أف الله تعالى واحد لا كالآحاد , فرد صمد , لم يلد , ولم ي ولد , ولم يكن لو كفواً أحد - . إلى أف قاؿ - : خلصت لو الأسماء السنية فكانت واقعة في قديم الأزؿ بصدؽ الحقائق , لم يستحدث تعالى صفة كاف منها خلياً , واسماً كاف منو برياً تبارؾ وتعالى , فكاف ىادياً سيهدي , وخالقاً سيخلق , ورازقاً سيرزؽ , وغافراً سيغفر , وفاعلاً سيفعل , ولم يحدث لو الاستواء إلا وقد كاف في صفة أنو سيكوف ذلك الفعل , فهو يسمى بو في جملة فعلو . كذلك قاؿ الله تعالى ( وجاء ربك والملك صفاً صفاً ) بمعنى أنو سيجيء , فلم يستحدث الاسم بالمجيء وتخلف الفعل لوقت المجيء , فهو جاء سيجيء , ويكوف المجيء منو موجوداً بصفة لا تلحقو الكيفية , ولا التشبيو , لأف ذلك فعل الربوبية , فيستحسر العقل , وتنقطع النفس عند إرادة الدخوؿ في تحصيل كيفية المعبود , فلا تذىب في أحد الجانبين , لا معطلاً , ولا مشبهاً , وارض لله بما رضي بو لنفسو , وقف عند خبره لنفسو مسلماً مستسلماً مصدقاً , بلا مباحثة التنفير , ولا مناسبة التنقير . (ُ) في نسخة : أك شبح مائل . كفي أخرل : أك سنح مسائل . (ِ) في نسخة : من نفسو عن نفسو .
عدد الصفحات ٨٢التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 83 إلى أف قاؿ : فهو تبارؾ وتعالى القائل ( أنا الله ) لا الشجرة , الجائي قبل أف يكوف جائياً , لا أمره, المتجلي لأوليائو في المعاد , فتبيض بو وجوىهم , وتفلج بو على الجاحدين حجتهم , المستوي على عرشو بعظمة جلالو , فوؽ كل مكاف - تبارؾ وتعالى - الذي كلم موسى تكليم اً , وأراه من آياتو , فسمع موسى كلاـ الله , لأنو قربو نجياً . تقدس أف يكوف كلامو مخلوقاً , أو محدثاً , أو مربوباً . الوارث لخلقو , السميع لأصواتهم , الناظر بعينو إلى أجسامهم , يداه مبسوطتاف , وىما غير نعمتو , خلق آدـ ونفخ فيو من روحو - وىو أمره - تعالى وتقدس أف يحل بجسم , أو يمازج بجسم , أو يلاصق بو , تعالى عن ذلك علو اً كبيراً , الشائي لو المشيئة , العالم لو العلم , الباسط يديو بالر حمة , النازؿ كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب إليو خلقو بالعبادة , وليرغبوا إليو بالوسيلة , القريب في قربو من حبل الور يد , البعيد في علوه من كل مكاف بعيد , ولا يشبو بالناس . إلى أف قاؿ : ( إليو يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعو ) القائل ( أأمنتم من في السماء أف يخسف بكم الأرض فإذا ىي تمور * أـ أمنتم من في السماء أف يرسل عليكم حاصباً ) تعالى وتقدس أف يكوف في الأرض كما ىو في السماء , جل عن ذلك علواً كبيراً أ.ىػ ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ ذكر ابؼصنف كلاـ عمرك بن عثماف ابؼكي , كىو من كبار شيوخ الصوفية , صحب ابعنيد ربضو الله , أثتٌ عليو ابن تيمية كذكر أنو من أىل السنة كابغديث , ابؼثبتتُ للصفات , الذين أنكركا على ابغلولية . سكن بغداد ك توفي بها عاـ ِٕٗىػ كفيما نقلو ابؼصنف عنو ىنا يتبتُ أنو كافق السلف في إثبات الصفات على ما يليق بالله تعالى , كخالف ابؼعطلة , كابؼشبهة كسائر السلف . كذكر أف كل ما يتصوره العبد من صفات الله في ذىنو فالله غتَ ذلك , بل ىو أعظم كأجل من كل ما يتصوره العباد مهما بلغ ذلك التصور من البهاء كالعظمة , كما قاؿ تعالى ( كلا بويطوف بو علمان ) كقاؿ تعالى ( ليس كمثلو شيء ) . كقولو ( أكلم تعلم أنو بؼا بذلى للجبل تدكدؾ لعظم ىيبتو , كشامخ سلطانو , فكما لا يتجلى لشيء إلا اندؾ , كذلك لا يتوبنو أحد إلا ىلك ) ىذا النوع يسمى عند الصوفية ( إشارات ) كقد ذكر ابن تيمية أف إشارات الصوفية كأقيسة الفقهاء منها الصحيح , كمنها الفاسد . كذكر من أمثلة الإشارات قوبؽم : إذا كاف القرآف لا بيسو إلا ابؼطهركف , فمعانيو لا يهتدم بها إلا القلوب الطاىرة . كقوبؽم : بؼا كانت ابؼلائكة لا تدخل بيتان فيو كلب , فابؼعاني التي بربها ابؼلائكة لا تدخل قلبان فيو أخلاؽ الكلاب ابؼذمومة . ك بعد أف حذر من التشبيو حذر من التعطيل , كبتُ أف سبب التعطيل : التشبيو الذىتٍ , كذلك بوسوسة الشيطاف بأف الله لو كاف لو صفة كذا لأشبو ابػلق , فيقع التعطيل للصفات , ككل ىذا من الشيطاف , لأف الإثبات لا يلزـ منو التشبيو , بل الله سبحانو لو الصفات العلى التي لا تشبو صفات ابؼخلوقتُ الناقصة . ثم بتُ أف أبظاء الله كصفاتو قدبية , لم يستحدث لو اسم كلا صفة سبحانو , لأف أبظاء الله كصفاتو كلها كماؿ , فلو كانت حادثة للزـ أف يكوف الله خليان عن الكماؿ قبل ذلك , كىذا بؿاؿ . فالله خالق قبل أف بىلق شيئان , كرازؽ قبل أف يرزؽ أحدان , كغافر قبل أف يغفر بؼذنب , ككجو ذلك أنو قادر على ذلك متى شاء , كما أنو يوصف بالكلاـ على كل حاؿ , مع أنو سبحانو يتكلم كيسكت .
عدد الصفحات ٨٣التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 84 كىذا أجود من توجيو ابؼصنف بأنو خالق سيخلق , كرازؽ ستَزؽ , كجاء سيجيء (1) . كىذه ابؼسألة برتاج إلى شيء من التفصيل , فيقاؿ : أما أبظاء الله فقدبية كلها , كأما صفاتو فعلى ضربتُ : منها ما ىو قدنً بلا تفصيل , كابغياة , كالعلم , كالقدرة , كالقوة , كمن ذلك أيضان : الوجو , كاليدين , كالعينتُ , ك بكوىا , كمنها ما ىو قدنً النوع , حادث الآحاد , كالإرادة , كالكلاـ , كالسماع , كالرؤية , كسائر صفات الأفعاؿ . كبيكن أف يقاؿ : كل صفات الأفعاؿ نوعها قدنً , كأفرادىا حادثة , فالله لم يزؿ قادران على الفعل , ك ىو الفعاؿ بؼا يريد , كىو سبحانو يفعل ما يشاء متى شاء ( فالقدـ ىو القدرة على الفعل , كابغدكث ىو فعلها مرة بعد مرة ) . ثم ذكر أف صفات الله تضاؼ إليو حقيقة , فهو ابؼتكلم حقيقة لا الشجرة , كىو الذم بهئ كينزؿ لا أمره , كلا ملك من عنده , كىو الذم يتجلى لعباده يوـ القيامة , ككذلك سائر صفاتو . ثم ذكر أف الله كلم موسى حقيقة , كأف موسى بظع صوت الله , كىذا خ لاؼ ما عليو ابؼعتزلة , كالأشعرية , كما سبق بياف ذلك في شرح الواسطية . ثم ذكر أف الله ىو الوارث بػلقو , أم : الباقي بعد فناءىم , كأنو السميع لأصواتهم , الناظر إليهم , ثم أثبت اليد لله على ابغقيقة , كنفى أف تكوف اليد بدعتٌ النعمة , ثم أثبت مباينة الله بػلقو , خلافان لغلاة ابؼتصوفة من أىل ابغلوؿ كالابراد , كأنو تعالى في السماء دكف الأرض . (ُ) كأما قولو ( كلم بودث لو الاستواء إلا كقد كاف في صفة أنو سيكوف ذلك الفع ل , فهو يسمى بو في بصلة فعلو ) فهذا تابع لتوجيهو السابق , كالصواب أف الاستواء على العرش حادث بعد خلق العرش , كىو صفة كماؿ في حينو , كالقدـ في كونو من الأفعاؿ التي جنسها قدنً , فالله لم يزؿ فعاؿ بؼا يريد .
عدد الصفحات ٨٤التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 85 وقاؿ الإماـ أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابو المسمى ( فهم القرآف ) قاؿ في كلامو على الناسخ والمنسوخ : وأف النسخ لا يجوز في الأخبار , قاؿ : لا يحل لأحد أف يعتقد أف مدح الله وصفاتو , ولا أسماءه يجوز أف ينسخ منها شيء . إلى أف قاؿ : وكذل ك لا يجوز إذا أخبر أف صفاتو حسنة عليا أف يخبر بعد ذلك أنها دنية سفلى , فيصف نفسو بأنو جاىل ببعض الغيب , بعد أف أخبر أنو عالم بالغيب , وأنو لا يبصر ما قد كاف , ولا يسمع الأصوات , ولا قدرة لو , ولا يتكلم , ولا كلاـ كاف منو , وأنو تحت الأرض , لا على العرش جل وعلا عن ذلك . فإذا عرفت ذلك واستيقنتو علمت ما يجوز عليو النسخ , وما لا يجوز , فإف تلوت آية في ظاىر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض أخباره , كقولو عن فرعوف ( حتى إذا أدركو الغرؽ قاؿ آمنت ) الآيات , وقاؿ ( حتى نعلم المجاىدين منكم والصابرين ) وقاؿ : قد تأوؿ قوـ أف الله عنى أف ينجيو ببدنو من النار , لأنو آمن عند الغرؽ , وقاؿ : إنما ذكر الله أف قوـ فرعوف يدخلوف النار دونو , وقاؿ ( فأوردىم النار ) وقاؿ ( وحاؽ بآؿ فرعوف سوء العذاب ) ولم يقل بػ( فرعوف ) قاؿ : وىكذا الكذب على الله , لأف الله تعالى يقوؿ ( فأخذه الله نكاؿ الآخرة والأولى ) . و كذلك قولو ( فليعلمن الله الذين صدقوا ) فاقر (ُ) التلاوة على استئناؼ العلم من الله عز وجل عن أف يستأنف علماً بشيء , لأنو من ليس لو علم بما يريد أف يصنعو لم يقدر عليو أف يصنعو نجده ضرور ة(ِ) . قاؿ( ألا يعلم من خلق وىو اللطيف الخبير) قاؿ : وإنما قولو ( حتى نعلم المجاىدين ) إنما يريد : حتى نراه فيكوف معلوماً موجوداً , لأنو لا جائز أف يكوف يعلم الشيء معدوماً من قبل أف يكوف , ويعلمو موجوداً كاف قد كاف , فيعلم في وقت واحد معدوماً موجوداً وإف لم يكن , وىذا محاؿ . و ذكر كلاماً في ىذا في الإرادة . إلى أف قاؿ : وكذلك قولو ( إنا معكم مستمعوف ) ليس معناه أف يحدث لو سمعاً , ولا تكلف بسمع ما كاف من قولهم , وقد ذىب قوـ من أىل السنة أف لله استماعاً في ذاتو , فذىبوا إلى أف ما يعقل من أنو يحدث منهم علم سمع لما كاف من قوؿ , لأف المخلوؽ إذ ا سمع حدث لو عقل فهم عما أدركتو أذنو من الصوت . وكذلك (ُ) العبارة في كتاب ( فهم القرآف ) للمحاسبي : فظاىر التلاكة . (ِ) يوجد سقط في ىذه ابعملة , كبساـ الكلاـ كما في كتاب ( فهم القرآف ) للحارث المحاسبي : كذلك قولو ( فليعلمن الله الذين صدقوا ) كقو لو ( كبؼا يعلم الله الذين جاىدكا منكم ) فظاىر التلاكة على استئناؼ العلم من الله بجهاد المجاىدين , كصدؽ الصادقتُ , ككذب الكاذبتُ , كجل الله أف يستأنف علمان بشيء . قاؿ : كيف ككل شيء يكونو فهو يكونو . فلم يأت إلا كقد تقدـ العلم منو بو , ككيف يأتي , ككيف يكوف , كلو لم يعلم كيف يكوف ما أحسن أف يكونو أ بدان . لأنو من ليس لو علم بدا يريد أف يصنعو , كيف يكوف بوسن أف يصنعو ؟ كمن لم بوسن كيف يصنعو لم يقدر عليو أف يصنعو , كىذا بقده ضركرة في فطرنا , فلو لم نر كتابان قط , كلم بكسن أف نكتب , لم بهز لنا أف نكتب كتابان مؤلفان بدعاني مفهومة بالتخمتُ أبدان , ككذلك بصيع الصنعات من لم يرىا فيعلمها , أك توصف لو فيعلمها لم بويسن أف يأتي بها أبدان , فالله جل ذكره أكلى بعلم ما يكونو قبل أف يكونو . من برقيق الكتاب للشيخ : بضد التوبهرم بتصرؼ .
عدد الصفحات ٨٥التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 86 قولو ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسولو ) لا يستحدث بصراً محدثاً في ذاتو , وإنما يحدث الشيء فيراه مكوناً كما لم يزؿ يعلمو قبل كونو . إلى أف قاؿ : وكذلك قولو تعالى ( وىو القاىر فوؽ عباده ) وقولو ( الرحمن على العرش استوى ) وقولو ( أأمنتم من في السماء ) وقولو ( إليو يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعو ) وقاؿ ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليو ) وقاؿ ( تعرج الملائكة والروح إليو ) وقاؿ لعيسى ( إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرؾ من الذين كفروا ) الآية , وقاؿ ( بل رفعو الله إليو ) وقاؿ ( إف الذين عند ربك لا يستكبروف عن عبادتو ) . وذكر الآلهة : أف لو كاف آلهة لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً , حيث ىو , فقاؿ ( قل لو كاف معو آلهة كما يقولوف إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ) أي طلبو , وقاؿ ( سبح اسم ربك الأعلى ) . قاؿ أبو عبد الله : فلن ينسخ ذلك لهذا أبداً . كذلك قولو ( وىو الذي في السماء إلو وفي الأرض إلو ) وقولو ( ونحن أقرب إليو من حبل الوريد ) وقولو ( وىو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ) وقولو ( ما يكوف من نجوى ثلاثة إلا ىو رابعهم ) الآية , فليس ىذا بناسخ ل هذا , ولا ىذا ضد لذلك . واعلم أف ىذه الآيات ليس معناىا أف الله أراد الكوف بذاتو فيكوف في أسفل الأشياء , أو ينتقل فيها لانتقالها , ويتبعض فيها على أقدارىا , ويزوؿ عنها عند فنائها , جل وعز عن ذلك , وقد نزع بذلك بعض أىل الضلاؿ , فزعموا أف الله تعالى في كل مكاف بنفسو , كائناً كما ىو على العرش , لا فرقاف بين ذلك , ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليو في قولهم ما نفوه , لأف كل من يثبت شيئاً في المعنى ثم نفاه بالقوؿ لم يغن عنو نفيو بلسانو , واحتجوا بهذه الآيات أف الله تعالى في كل شيء بنفسو كائناً , ثم نفوا معنى ما أثبتوه فقالوا : لا كا لشيء في الشيء . قاؿ أبو عبد الله : أما قولو ( حتى نعلم ) ( وسيرى الله ) و( إنا معكم مستمعوف ) فإنما معناه : حتى يكوف الموجود فيعلمو موجوداً , ويسمعو مسموعاً , ويبصره مبصراً , لا على استحداث علم , ولا سمع , ولا بصر . وأما قولو ( وإذا أردنا ) إذا جاء وقت كوف المراد فيو . وإف قولو ( على العرش استوى ) ( وىو القاىر فوؽ عباده ) الآية . ( أأمنتم من في السماء ) ( إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ) فهذا وغيره مثل قولو ( تعرج الملائكة والروح إليو ) ( إليو يصعد الكلم الطيب ) ىذا منقطع يوجب أنو فوؽ العرش , فوؽ الأشياء كلها , منزه عن الدخوؿ في خلقو , لا يخفى عليو منهم خافية , لأنو أباف في ىذه الآيات أنو أراد أنو بنفسو فوؽ عباده , لأنو قاؿ ( أأمنتم من في السماء أف يخسف بكم الأرض ) يعني فوؽ العرش , والعرش على السماء , لأف من قد كاف فوؽ كل شيء ع لى السماء , في السماء , وقد قاؿ مثل ذلك في قولو ( فسيحوا في الأرض ) يعني على الأرض , لا يريد الدخوؿ في جوفها , وكذلك قولو ( يتيهوف في الأرض ) يعني على الأرض , لا يريد الدخوؿ في جوفها . وكذلك قول و ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) يعني فوقها عليها . وقاؿ ( أأمنتم من في السماء ) ثم فصل فقاؿ ( أف يخسف بكم الأرض ) ولم يصل , فلم يكن لذلك معنى - إذا فصل قولو ( من في السماء ) ثم استأنف التخويف بالخسف - إلا أنو على عرشو فوؽ السماء .
عدد الصفحات ٨٦التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 87 وقاؿ تعالى ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليو ) وقاؿ ( تعرج الملائكة والروح إليو ) فبين عروج الأمر , وعروج الملائكة , ثم وصف وقت صعودىا بالارتفاع صاعدة إليو , فقاؿ ( في يوـ كاف مقداره خمسين ألف سنة ) فقاؿ : صعودىا إليو , وفصلو من قولو ( إليو ) كقوؿ القائل : اصعد إلى فلاف في ليلة أو يوـ . وذلك أنو في العلو , وأف صعودؾ إليو في يوـ , فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله عز وجل , وإف كانوا لم يروه , ولم يساووه في الارتفاع في علوه , فإنهم صعدوا من الأرض , وعرجوا بالأمر إلى العلو , قاؿ تعالى ( بل رفعو الله إليو ) ولم يقل ( عنده ) . وقاؿ فرعوف ( يا ىاماف ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إلو موسى ) ثم استأنف الكلاـ فقاؿ ( وإني لأظنو كاذباً ) فيما قاؿ لي إف إلهو فوؽ السموات . فبين الله سبحانو وتعالى أف فرعوف ظن بموسى أنو كاذب فيما قاؿ , وعمد لطلبو حيث قالو مع الظن بموسى أنو كاذب , ولو أف موسى قاؿ : إنو في كل مكاف بذاتو , لطلبو في بيتو , أو في بدنو , أو حُ شو - فتعالى الله عن ذلك - ولم يجهد نفسو ببنياف الصرح . قاؿ أبو عبد الله : وأما الآي التي يزعموف أنها قد وصلها - ولم يقطعها كما قطع الكلاـ الذي أراد بو أنو على عرشو - فقاؿ ( ألم تر أف الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ) فأخبر بالعلم , ثم أخبر أنو مع كل مناج , ثم ختم الآية بالعلم بقولو ( إف الله بكل شيء عليم ) فبدأ بالعلم , وختم بالعلم , فبين أنو أراد أنو يعلمهم حيث كانوا , لا يخفوف عليو ولا يخفى عليو مناجاتهم . ولو اجتمع القوـ في أسفل , وناظر إليهم في العلو . فقاؿ : إني لم أزؿ أراكم , وأعلم مناجاتكم لكاف صادقاً - ولله المثل الأعلى أف يشبو الخلق - فإف أبوا إلا ظاىر التلاوة , وقالوا : ىذا منكم دعوى . خرجوا عن قولهم في ظاىر التلاوة , لأف من ىو مع الاثنين فأكثر , ىو معهم لا فيهم , ومن كاف مع شيء خلا جسمو , وىذا خروج من قولهم . وكذلك قولو تعالى ( ونحن أقرب إليو من حبل الوريد ) لأف ما قرب من الشيء ليس ىو في الشيء , ففي ظاىر التلاوة على دعواىم أنو ليس في حبل الوريد . وكذلك قولو ( وىو الذي في السماء إلو وفي الأرض إلو ) لم يقل ( في السماء ) ثم قطع - كما قاؿ ( أأمنتم من في السماء ) ثم قطع فقاؿ ( أف يخسف بكم الأرض ) - فقاؿ : ( وىو الذي في السماء إلو ) يعني إلو أىل السماء , وإلو أىل الأرض , وذلك موجود في اللغة , تقوؿ : فلاف أمير في خراساف , وأمير في بلخ , وأمير في سمرقند , وإنما ىو في موضع واحد , ويخفى عليو ما وراؤه , فكيف العالي فوؽ الأشياء , لا يخفى عليو شيء من الأشياء يدبره , فهو إلو فيهما إذ كاف مدبراً لهما , وىو على عرشو , وفوؽ كل شيء , تعالى عن الأشباه والأمثاؿ أ.ىػ ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ ذكر ابؼصنف كلاـ ابغارث المحاسبي , كىو من أىل العلم كالتعبد , كمن أىل الزىد كالورع , كلد بالبصرة عاـ ُٓٔق , كانتقل إلى بغداد كعاش فيها , لو صلة بأىل ابغديث كتلقى عنهم , كلكنو ربضو الله خلط ذلك بشيء من التصوؼ , كعلم الكلاـ , كىو من أشهر من يينسب إلى عبدالله بن سعيد بن كيلاَّب , كلذا أغلظ عليو الإماـ أبضد كىجره رحم الله ابعميع .
عدد الصفحات ٨٧التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 88 كينبو أنو لم يقع في التصوؼ الغالي , بل لو ردكد على متصوفة عصره الذين ابكرفوا كثتَان عن ابعادة , كإبما كافتصوفو في الإغراؽ في شأف النيات , كخطرات النفوس , كدقائق الورع , كما أشبو ذلك . ككذلك يقاؿ في شأف اشتغالو بعلم الكلا ـ , فإنو لم يسلك طريق ابعهمية كابؼعتزلة , بل كاف ربضو الله شديد ابؼعارضة بؽم , كلو ردكد عليهم في مسألة ( خلق القرآف ) كغتَىا , كبؿل ابػطأ عنده ىو في إنكاره لصفات الأفعاؿ بناء على إنكار حلوؿ ابغوادث . قاؿ الذىبي : المحاسبي كبتَ القدر , كقد دخل في شيء يستَ من الكلاـ فنيقم عليو , ككرد أف الإماـ أبضد أثتٌ على حاؿ ابغارث من كجو , كحذر من كجو أ.ق توفي ربضو الله عا ـ ِّْق كفي بداية كلامو الذم نقلو ابن تيمية ىنا الكلاـ عن مسألة ( النسخ ) كذكر أف الأخبار لا تينسخ , ك ذكر أف نصوص الصفات من باب الأخبار , فيجب أف ييعتقد معناىا على ما ىو عليو . ثم ذكر عدة أمثلة بؽذه ابؼسألة , ابؼثاؿ الأكؿ قولو تعالى في شأف فرعوف ( حتى إذا أدركو الغرؽ قاؿ آمنت أنو لا إلو إلا الذم آمنت بو بنو إسرائيل كأنا من ابؼسلمتُ ) حيث زعم بعض غلاة ابؼتصوفة أف فرعوف لم بيت كافران , بل آمن قبل غرقو , كاستدلوا بهذه الآية , كأجابوا عن قولو تعالى ( فاليوـ ننجيك ببدنك لتكوف بؼن خلفك آية ) بأف ابؼراد ننجيك ببدنك من النار , كأجابوا عن قولو تعالى ( فأكردىم النار ) أف الله لم يذكر أنو دخلها , كعن قولو تعالى ( كحاؽ بآؿ فرعوف سوء العذاب ) أف الله لم يقل : بفرعوف . كبفن تبتٌ ىذا القوؿ ابن عربي . كيذكر المحاسبي ىنا أف ىذا ىو الكذب على الله , لأف الله أخبرنا أنو أخذه نكاؿ أعمالو , فقاؿ تعالى ( فأخذه الله نكاؿ الآخرة كالأكلى ) كىذا خبر لا ينسخ . كقد ناقش ابن تيمية ىذا القوؿ كبتُ أف كفر فرعوف معلوـ بالاضطرار من دين ابؼسلمتُ , كاليهود , كالنصارل , كذكر أف القرآف بفلوء بالدلالات على ذلك في بكوو من أربعتُ موضعان (ُ) . كأما ابؼثاؿ الثاني فهو قولو تعالى ( فليعلمن الله الذين صدقوا ) كبكوىا من الآيات التي ظاىرىا بذدد العلم لله تعالى , فإنها لا بي كن أف تنسخ قولو تعالى ( ألا يعلم من خلق كىو اللطيف ابػبتَ ) الداؿ على أف ابػلق لا يكوف إلا بعد العلم , كذلك أف ابػلق لا يصدر إلا بإرادة كقدرة , كالإرادة لا تكوف إلا بعلم بابؼراد , كعليو يكوف العلم سابقه للخلق . ك أىل السنة على أف علم الله بؿيط بكل شيء أزلان , كأبدان , كأنو سبحانو لا يستحدث لو علم . قاؿ ابن تيمية : إف علم الله السابق بؿيط بالأشياء على ما ىي عليو , لا بؿو فيو , كلا تغي تَ , كلا زيادة , كلا نقص أ.ىػ كأما قوؿ الله تعالى ( فليعلمن الله الذين صدقوا ) كقولو تعالى ( حتى نعلم المجاىدين ) كبكوىا من الآيات التي قد ييفهم منها استحداث علم لله , فقد أجاب أىل العلم عنها بعدة أجوبة , كمنها : ُ. ابؼعتٌ ظهور العلم السابق , فقولو ( حتى نعلم المجاىدين ) حتى يظهر علمنا السابق فيهم , كقولو ( كما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسوؿ ) أم : إلا ليظهر علمنا السابق , كتقوـ بو ابغجة على من يتبع , كمن بىالف . ِ. الفرؽ بتُ العلم السابق , كالعلم بعد الوقوع , فعلم الله الس ابق علم بأف الشيء سيقع , كأما علمو بعد كقوعو فهو علم بأنو كاقع . (ُ) انظر جامع الرسائل لابن تيمية ( ُ/َِِ-ُِٔ ) .
عدد الصفحات ٨٨التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 89 ّ. العلم السابق لا يتًتب عليو الثواب , كالعقاب , بخلاؼ العلم بعد كقوع ابؼعلوـ يتًتب عليو الثواب , كالعقاب , كىذا فرع عن القوؿ السابق . كمن ذلك الآيات التي فيها بذدد السمع , كالبصر , كقولو تعالى ( إنا مع كم مستمعوف ) كقولو ( فستَل الله عملكم ) كقولو تعالى ( إنتٍ معكما أبظع كأرل ) كبكوىا , جعلها المحاسبي في باب كاحد , كىو أف الله لا يتجدد لو علم , كلا بظع , كلا بصر , كزعم أف ابؼتجدد ىو ابؼسموع كابؼبصىر , ككل ىذا إبيانان منو بقانوف حلوؿ ابغوادث , كألزـ من يق وؿ بتجدد السمع كالبصر بأنو يصف الله بابعهل بابؼسموع كابؼبصر قبل ذلك . كأما أىل السنة فيقولوف : لا مانع من بذدد السمع كالبصر لله , كلكنو لا يتجدد لو علم بسبب ذلك , فالله عالم بهذا ابؼسموع , كىذا ابؼبصىر قبل حدكثو , كمع ىذا يقولوف : علم الله بالشيء قبل حدكثو بىتلف عن علمو بو بعد حدكثو , فعلمو بو قبل حدكثو علمو بو معدكمان , كعلمو بو بعد حدكثو علمو بو موجودان , كعليو فيحدث لله علم بالشيء بعد ابغدكث , كىذا ما خالف فيو المحاسبي كغتَه . كابؼثاؿ الثالث : الآيات الدالة على علو الله كاستواءه على خلقو لا بيكن أف تنسخ بدثل قولو تعالى ( كىو الله في السموات كفي الأرض ) أك بقولو ( كىو الذم في السماء إلو كفي الأرض إلو ) أك بدثل قولو ( كىو معكم أينما كنتم ) . كيكوف معتٌ قولو تعالى ( كىو الله في السموات كفي الأرض ) ىو معتٌ قولو تعالى ( كىو الذم في السماء إلو كفي الأرض إلو ) أم : إلو معبود في السماء , كمعبود في الأرض . يقوؿ المحاسبي ( يعتٍ إلو أىل السماء , كإلو أىل الأرض , كذلك موجود في اللغة , تقوؿ : فلاف أمتَ في خراساف , كأمتَ في بلخ , كأمتَ في بظرقند , كإبما ىو في موضع كاحد , كبىفى عليو ما كراؤه , فكيف العالي فوؽ الأشياء , لا بىفى عليو شيء من الأشياء يدبره , فهو إلو فيهما إذ كاف مدبران بؽما , كىو على عرشو , كفوؽ كل شيء , تعالى عن الأشباه كالأمثاؿ ) . كأما قولو تعالى ( كىو معكم أينما كنتم ) أم : بعلمو , كما فسرىا السلف بذلك , كليس ىذا من باب التأكيل ابؼذموـ , لأف سياؽ الآية يدؿ على ذلك , حيث افتتحت بذكر العلم , كختمت بذكره , كسيأتي مزيد بياف بؽذه ابؼسألة في آخر الرسالة إف شاء الله تعالى. ثم ذكر المحاسبي - من باب التنزؿ - أف الآية لا تيسعف ابغلولية كالابرادية , لأف ابؼعية الذاتية لا تدؿ على ابغلوؿ أك الابراد , فقاؿ ( فإف أبوا إلا ظاىر التلاكة , كقالوا : ىذا منكم دعول . خرجوا عن قوبؽم في ظاىر التلاكة , لأف من ىو مع الاثنتُ فأكثر , ىو معهم لا فيهم , كمن كاف مع شيء خلا جسمو , كىذا خركج من قوبؽم . ككذلك قولو تعالى ( كبكن أقرب إليو من حبل الو ريد ) لأف ما قرب من الشيء ليس ىو في الشيء , ففي ظاىر التلاكة على دعواىم أنو ليس في حبل الوريد ) .
عدد الصفحات ٨٩التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 90 وقاؿ الإماـ أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابو الذي سماه ( اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات ) قاؿ في آخر خطبتو : فاتفقت أقواؿ المهاجرين , والأنصار في توحيد الله عز وجل , ومعرفة أسمائو وصفاتو , وقضائو قولاً واحداً , وشرعاً ظاىراً , وىم الذين نقلوا عن رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم ذلك , حتى قاؿ ( عليكم بسنتي ) وذكر الحديث , وحديث ( لعن الله من أحدث حدثاً ) (ُ) قاؿ : فكانت كلمة الصحابة على الا تفاؽ من غير اختلاؼ - وىم الذين أمرنا بالأخذ عنهم , إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكاـ التوحيد , وأصوؿ الدين من الأسماء والصفات , كما اختلفوا في الفروع , ولو كاف منهم في ذلك اختلاؼ لنقل إلينا , كما نقل سائر الاختلاؼ , فاستقر صحة ذلك عند خاصتهم وعامتهم , حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحساف , فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين , حتى نقلوا ذلك قرناً بعد قرف , لأف الاختلاؼ كاف عندىم في الأصل كفر (ِ) , ولله المنة . ثم إني قائل - وبالله أقوؿ - إنو لما احدثوا في أحكاـ التوحيد , وذكر الأسماء والصفات على خلاؼ منهج المتقدمين من الصحابة , والتابعين فخاضوا في ذلك من لم يُ عرفوا بعلم الآثار , ولم يعقلوا قولهم بذكر الأخب ار , وصار معولهم على أحكاـ ىواجس النفس المستخرجة من سوء الظن بو , على مخالفة السنة , والتعلق منهم بآيات لم يسعدىم فيها ما وافق النفوس , فتأولوا على ما وافق ىواىم , وصححوا بذلك مذىبهم , احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين , ومأخذ المؤمنين , ومنهاج الأولين , خوفاً من الوقوع في جملة أقاويلهم التي حذر رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم أمتو , ومنع المستجيبين لو حتى حذرىم . ثم ذكر أبو عبد الله خروج النبي صلى الله ع ليو وسلم وىم يتنازعوف في القدر وغضبو(ّ) , وحديث ( لا ألفين أحدكم.... ) (ْ) وحديث ( ستفترؽ أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ....)(ُ) فإف الناجية ما كاف عليو ىو وأصحابو , ثم قاؿ : فلزـ الأمة (ُ) متفق عليو . (ِ) ربدا يقصد : الاختلاؼ في أصوؿ الدين , كالإبياف , أك القدر , كبكو ذلك . كمع ىذا فإطلاقو غتَ صحيح . (ّ) عن عمرك بن شعيب عن أبيو عن جده قاؿ : خرج رسوؿ الله على أصحابو كىم بىتصموف في القدر . فكأبما ييفقأ في كجهو حب الرماف من الغضب , فقاؿ : بهذا أيمرتم ؟ كبؽذا خيلقتم ؟ تضربوف القرآف بعضو ببعض , بهذا ىلكت الأمم . ركاه ابن ماجو كغتَه , كحسنو الألباني . (ْ) عن أبي رافع قاؿ : قاؿ رسوؿ ا لله : لا أيلف أحدكم متئكان على أريكتو يأتيو الأمر من أمرم بفا أمرتي بو , أك نهيتي عنو , فيقوؿ : لا ندرم , ما كجدنا في كتاب الله اتبعناه . ركاه أبو داكد , كالتًمذم , كابن ماجو , كصححو الألباني .
عدد الصفحات ٩٠