المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التعليقات السنية على الفتوى الحموية

عبدالله بن محمد الجهني

صفحة ٤ من ١٠

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 43 ثمذكر ربضو الله أف ابؼعطل بؼا عطل الصفة تضم ن تعطيلو أصل الصفة , إذ أنو لا يرل ىذا النص من نصوص الصفات , كأما ابؼمثل بؼا مثل الصفة بصفة ابؼخلوؽ حصر معتٌ الصفة بابؼعتٌ الباطل الذم ىو صفة ابؼخلوؽ , كىذا معتٌ قولو ( فإف كليهما مثل , ككليهما عطل حقيقة ما كصف الله بو نفسو , كامتاز الأكؿ بتعطيل كل اسم للا ستواء ابغقيقي , كامتاز الثاني بإثبات استواء ىو من خصائص ابؼخلوقتُ ) . ك القوؿ الفصل ىو ما ذىب إليو أىل السنة من إثبات استواء يليق بجلالو , لا يشبو استواء ابؼخلوقتُ . كعمدتهم في ذلك قولو تعالى ( ليس كمثلو شيء كىو السميع البصتَ ) كالقاعدة التي بواجوف بها ابؼ خالف أف الكلاـ في الصفات فرع عن الكلاـ في الذات , فكما أف لله ذاتان لا تشبو ذكات ابؼخلوقتُ , فكذلك صفاتو لا تشبو صفات ابؼخلوقتُ . كيقاؿ أيضان : إذا كانت صفة العلم , كالقدرة لله لائقة بو , كلا يلزـ من إثباتها ما يلزـ لعلم ابؼخلوؽ , كقدرتو(1) , فكذلك استواء الرب على العرش لائق بو , كلا يلزـ عليو ما يلزـ من استواء ابؼخلوؽ , كىكذا باقي الصفات . كىذا ىو معتٌ قاعدة ( الكلاـ في بعض الصفات كالكلاـ في البعض الآخر ) . وقولو ( فإنو إذا قاؿ القائل : لو كاف الله فوؽ العرش للزـ إما أف يكوف أكبر من العرش , أو أصغر , أو مساوياً , وكل ذلك من المحاؿ , ونحو ذلك من الكلاـ ) . ىذه من شبو ابؼعطلة ابعهمية , كخلاصة الشبهة أنهم يقولوف : لو فرضنا أف الله تعالى مستوو على العرش للزـ أف يكوف أكبر من العرش , أك أصغر , أك مساكو لو , ككل ىذا باطل . كذلك أنو لو كاف الله أ صغر من العرش لكاف ىذا نقص في حق الله إذ يكوف في بـلوقاتو من ىو أكبر منو . كلو كاف مساكيان للعرش كضممنا السماكت كالأرض لكاف في بـلوقاتو من ىو أكبر منو , كىذا نقص كما سبق ذكره . كلو كاف أكبر من العرش للزـ أف يكوف فيو زيادة على العرش . كصدؽ الدارمي ربضو الله حتُ كصف ىذه الشبهة بأنو كفعل الصبياف العمياف . كأما بكن فنقوؿ : الله أكبر من العرش , كمن كل ابػلق , لأنو سبحانو الكبتَ الذم لا أكبر منو , ثم لا بلوض في مثل ىذا ابؽذياف , لأنا بقهل ذات الله فكذلك صفاتو , كلأف ىذا من التكلف كالتنطع الذم نهيينا عنو . (ُ) كذلك أف علم ابؼخلوؽ مسبوؽ بجهل , كما قاؿ تعالى ( كالله أخرجكم من بطوف أمهاتكم لا تعلموف شيئان ) كموصف بالنقص , كما قاؿ تعالى ( كما أيتيتم من العلم إلا قليلان ) بخلاؼ علم ابػالق سبحانو , فهو علم أزلي , أبدم , شامل لكل شيء , كما قاؿ تعالى ( كأف الله قد أحاط بكل شيء علمان ) . ككذلك يقاؿ في قدرة ابؼخلوؽ , فهي قدرة مكتسبة , بؿدكدة , بخلاؼ قدرة الله الشاملة لكل شيء ( كالله على كل شيء قدير ) .

عدد الصفحات ٤٣

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 44 واعلم أنو ليس في العقل الصريح , ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلاً , لكن ىذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق , فمن كاف في قلبو شبهة وأحب حلها فذلك سهل يسير . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ بعد أف ذكر ابؼصنف في بداية ىذا الفصل طريقة أىل السنة كابعماعة من سلف الأمة في باب الأبظاء كالصفات , ذكر ىنا أف ىذه الطريقة لا بزالف النصوص الصحيحة , كلا العقوؿ الصربوة , بل ىي م وافقة للنقل الصحيح , كالعقل الصريح . كذكر أف الشبهات التي ييشغب بها البعض على طريقة السلف كلها شبهات ساقطة , كابعواب عليها يستَ , لكن موضوع الفتول ليس في ىذا الأمر , كلكنو ربضو الله أجاب على أكثر ىذه الشبهات في كتبو الأخرل .

عدد الصفحات ٤٤

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 45 ثم المخالفوف للكتابوالسنة , وسلف الأمة - من المتأولين لهذا الباب - في أمر مريج , فإف من أنكر الرؤية يزعم أف العقل يحيلها , وأنو مضطر فيها إلى التأويل . ومن يحيل أف لله علماً , وقدرة , وأف يكوف كلامو غير مخلوؽ , ونحو ذلك , يقوؿ : إف العقل أحاؿ ذلك فاضطر إلى التأويل . بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد , والأكل , والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أف العقل أحاؿ ذلك , وأنو مضطر إلى التأويل . ومن يزعم أف الله ليس فوؽ العرش , يزعم أف العقل أحاؿ ذلك , وأنو مضطر إلى التأويل . ويكفيك دليلاً على فساد قوؿ ىؤلاء أنو ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيلو العقل , بل منهم من يزعم أف العقل جوز , وأوجب ما يدعي الآخر أف العقل أحالو . فيا ليت شعري بأي عقل يوزف الكتاب والسنة ؟! فرضي الله عن الإماـ مالك بن أنس حيث قاؿ : أوكلما جاءنا رجل أجدؿ من رجل تركنا ما جاء بو جبريل إلى محمد صلى الله عليو وسلم لجدؿ ىؤلاء . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ بعد أف بتُ ابؼصنف أف طريقة ال سلف ىي الطريقة ابؼوافقة للمنقوؿ كابؼعقوؿ , بتُ ىنا أف ابؼخالفتُ بؽذه الطريقة قد خالفوا النقل كالعقل , كىم مضطربوف في اعتقادىم , ليس بؽم قاعدة مستمرة . أما بـالفتهم لظواىر النصوص فشيء لا ينكركنو , كما سبق بيانو في طريقتهم في التعامل مع نصوص الصفات . كأما بـالفتهم للعقل فلأف كل فريق من ىؤلاء يوجب على العقل أشياء , كبويل عليو أشياء خلاؼ الآخر , فالأشاعرة مث لان يثبتوف الصفات السبع بدلالة العقل , بينما ابؼعتزلة ينفوف ذلك بدلالة العقل ! بل إف الشخص الواحد من ىؤلاء يتناقض في ىذا الباب , كما ىو معركؼ بؼن يطالع كلامهم , كصدؽ الله حتُ قاؿ ( بل كذبوا بابغق بؼا جاءىم فهم في أمر مريج ) . كالسؤاؿ الذم يي طرح : بعقل من يوزف الكتاب كالسنة ؟! ثم ذكر ابؼصنف بعض الأمثلة بؽذا التناقض بتُ الفرؽ , كمن ذلك : 1. رؤية اتعالى في الآخرة : أنكر ابعهمية , ك ابؼعتزلة , كابػوارج رؤية الله في الآخرة , لأف العقل بويلها , إذ يلزـ من الرؤية إثبات ابعهة , كابعهة بفتنعة في حق الله , لأنو يلزـ منها التحييز بزعمهم . بينما بقد الأشاعرة يثبتوف الرؤية , لأف العقل لا بويلها (1) . 2. العلم , والقدرة, والكلاـ : أنكر ابعهمية , كابؼعتزلة ا لعلم , كالقدرة , كالكلاـ لله تعالى , لأف العقل بويلها(2). بينما الأشاعرة يثبتوف ذلك , لأف العقل بويلها . (ُ) كإف كاف إثبات الأشاعرة للرؤية ليس على الطريقة ابؼرضية , كما سبق بياف ذلك في شرح الواسطية . كيأتي في شرح التدمرية إف شاء الله تعالى ذكر الأدلة العقلية ابؼوجبة للرؤية , كابػلاؼ في ذلك . (ِ) كالدليل العقلي ابؼانع لذلك عند ابؼعتزلة ( دليل تعدد القدماء ) كيأتي الكلاـ عليو إف شاء الله في ملحق الشرح .

عدد الصفحات ٤٥

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 46 3. حشر الأبداف في الآخرةأنكر الفلاسفة حشر الأبداف في الآخرة , لأف العقل بويل ذلك(1) . بينماسائر الطوائف يثبتوف ذلك , لأف العقل لا بويلو . 4. علو الله على العرشأنكر أكثر ابؼتكلمتُ علو الله على العرش لشبو عقلية ساقطة , بينما بقد قدماء الأشعر ية مثلان لا ينكركف ذلك , لأف العقل لا بويلو . فرضي الله عن الإماـ مالك بن أنس حيث قاؿ : أككلما جاءنا رجل أجدؿ من رجل تركنا ما جاء بو جبريل إلى بؿمد  بعدؿ ىؤلاء . (ُ) قاؿ ابن تيمية : ابؼتفلسفة الدىرية كالفارابي , كابن سينا يزعموف أف العقل بويل معاد الأبداف .

عدد الصفحات ٤٦

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 47 وكلٌ من ىؤلاء مخصوـ بما خصم بو الآخر , وىو من وجوه : أحدىا : بياف أف العقل لا يحيل ذلك . والثاني : أف النصوص الواردة لا تحتمل التأويل . والثالث : أف عامة ىذه الأمور قد عُ لم أف الرسوؿ صلى الله عليو وسلم جاء بها بالاضطرار , كما أنو جاء بالصلوات الخمس , وصوـ شهر رمضاف . فالتأويل الذي يحيلها عن ىذا بمنزلة تأويل القرامطة والباطنية في الحج , والصلاة , والصوـ , وسائر ما جاءت بو النبوات . الرابع : أف يبين أف العقل الصريح يوافق ما جاءت بو النصوص , وإف كاف في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درؾ التفصيل , وإنما يعلمو مجملاً , إلى غير ذلك من الوجوه . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ بعد أف بتُ ابؼصنف تناقض ىؤلاء فيما يوجبو العقل , أك بهوزه , أك بينعو , بتُ ىنا الرد على ىؤلاء الذين بهعلوف العقل مرجعان بؽم , كإف خالف النصوص , كبتُ أنو يي رد على كل فريق بنفس الرد الذم يرد بو ىذا الفريق على الفريق الآخر . فإذا قاؿ ابؼعتزلي للأشعرم : أنت مشبو , لأنك تثبت بعض صفات ابؼخلوقتُ لله . يقوؿ ابعهمي للمعتزلي : كأنت مشبو , لأنك تثبت أبظاء ابؼخلوقتُ لله . كيقوؿ من ينكر ابؼغيبات من الفلاسفة بؼن يثبتها , كابعهمية , كابؼعتزلة , كالأشاعرة : العقل بينع عذاب القبر , كنعيمو , كىكذا . فما كاف جوابان بؽذا يكوف جوابان بػصمو , كيأتي الكلاـ عن ذلك في شرح التدمرية إف شاء الله . قاؿ ابن تيمية في كتابو ( درء تعارض العقل كالنقل ) : كبؽذا بهعل كل فريق ابؼشكل من نصوصو غتَ ما بهعل الفريق الآخر مشكلان , فمنكر الصفات ابػبرية الذم يقوؿ : إنها لا تعلم بالعقل . يقوؿ : نصوصها مشكلة , متشابهة , بخلاؼ الصفات ابؼعلومة بالعقل عنده بعقلو فإنها عنده بؿكمة بينة , ككذلك يقوؿ من ينكر العلو , كالرؤية : نصوص ىذه مشكلة . كمنكر الصفات مطلقان بهعل ما يثبتها مشكلان دكف ما يثبت أبظاءه ابغستٌ , كمنكر معاني الأبظاء بهعل نصوصها مشكلة , كمنكر معاد الأبداف , كما كصفت بو ابعنة , كالنار بهعل ذلك مشكلان أيضان ...فقد يستشكل كل فريق ما لا يستشكلو غتَه أ.ق كذكر ابؼصنف ىنا أف ىؤلاء بهيب بعضهم على بعض من كجوه : ُ. من زعم أف العقل أحاؿ شيئان كرد في النص , أجابو من يثبتو بأف العقل لا بويل ذلك . فلو قاؿ ابؼعتزلي : العقل بويل أف الله يتكلم , أك ييرل , أك غتَ ذلك . لقاؿ الأشعرم مثلان : بل العقل لا بويل ذلك , بل يوجبو . كىكذا . كأىل السنة يقولوف : العقل الصريح السالم من الشبهات لا بويل ما جاءت بو النصوص أبدان , بل إما يدؿ عليو , أك لا بينعو . ِ. من أثبت شيئان كرد في النص , كخالفو غتَه في إثباتو , كسعى في تأكيلو , لقاؿ ابؼثبت : النص لا بوتمل ىذا التأكيل . فلو قاؿ الأشعرم للمعتزلي : النصوص في الرؤية لا برتمل التأكيل . لقاؿ لو الستٍ : كالنصوص في إثبات اليدين لله , أك في نزكؿ الله سبحانو لا برتمل التأكيل الذم تذكركنو . كىكذا .

عدد الصفحات ٤٧

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 48 ومما ينبو عليو ىنا أف ابؼؤكلة بعد ردىم لدلالة النصوص التي ينكركف دلالتها على الصفة يبحثوف عن تفستَ للنص بأم كجو , كيستدلوف بغرائب اللغة , كلا يفرقوف بتُ دلالة اللفظ منفردة , كدلالتو بالتًكيب كالسياؽ , كلا يراعوف القرائن ابؼتصلة بالنص , كلا القرائن ابؼنفصلة عنو . فمثلان يؤكلوف ( اليد ) ابؼضافة لله في النصوص بالنعمة , أك القوة في كل موضع . فيقاؿ بؽم : بكن لا ننكر أف اليد في اللغة تطلق كيراد بها النعمة , أك يراد بها القوة , لكن بؾيء اليد مثناة مضافة , كقولو تعالى ( بؼا خلقتي بيدمَّ ) كقولو تعالى ( بل يداه مبسوطتاف ) لا بيكن بضلو على النعمة , أك القوة , كىذا مثاؿ ( للقرينة ابؼتصلة ) . ثم يقاؿ : جاء في النصوص ذكر الكف , كالأصابع , كالقبض , كالطي , كالبسط , كابؼسح , كىذا مثاؿ ( للقرينة ابؼنفصلة ) ككل ىذا يدؿ أنها يد حقيقية . كقل مثل ذلك في صفة العلو , كرد على عدة كجوه : العلو , كال فوقية , كأنو في السماء , كأنو على العرش , كصعود الأشياء إليو , كرفعها إليو , كنزكبؽا من عنده , بفا يدؿ على حقيقة علو الذات . كقل مثل ذلك في سائر نصوص الصفات . ّ. أف النبي  جاء بآيات الصفات , كما جاء بآيات ابؼعاد , كما جاء بآيات الأحكاـ , ك الصلاة , كالزكاة , كالصوـ , كابغج . فالذم يتعامل بالظاىر في باب ابؼعاد , كالأحكاـ , كبينع الظاىر في باب الصفات , كييعمل فيو التأكيل , يقاؿ لو : ىذا تناقض , لأف زعمك أف العقل بويل بعض الصفات , كزعم الفلاسفة الذين يقولوف : العقل بويل أف تيعاد الأبداف , ككزعم القرامطة الذين يؤكلوف آيات الأحكاـ . فإذا قبلتم التأكيل في آيات الصفات , فلم تنكركف على القرامطة الذين تأكلوا آيات الصلاة , كالزكا ة , كغتَىا ؟ كابغق أف ىؤلاء باطنية في سائر نصوص القرآف , كىؤلاء باطنية في نصوص الصفات . ْ. أف العقل الصريح يوافق ما جاءت بو النصوص , كإف كاف في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درؾ التفصيل , كإبما يعلمو بؾملان . فمثلان العقل بيكن أف يستدؿ على عقوبة ابؼسيء , كبؾازاة المحسن , كما قاؿ تعالى ( أفنجعل ابؼسلمتُ كالمجرمتُ مالكم كيف بركموف ) كقاؿ تعالى ( أـ حسب الذين اجتًحوا السيئات أف يسبقونا ساء ما بوكموف ) لكن العقل لا بيكن أف يعرؼ تفاصيل ابعزاء , كالعقاب . قاؿ شيخنا ابن عثيمتُ في تلخيص ابغموية : فصل : فيما يعتمد عليو النفاة من الشبهات . يعتمد نفاة الصفات على شبهات باطلة يعرؼ بطلانها كل من رزقو الله علمان صحيحان , كفهمان سليمان . كغالب ما يعتمدكف عليو ما يأتي : ُ. دعول كاذبة , مثل أف يدعي الإبصاع على قولو , أك أنو ىو التحقيق , أك أنو قوؿ المحققتُ , أك أف قوؿ خصمو خلاؼ الإبصاع , كبكو ذلك . ِ. شبهة مركبة من قياس فاسد , مثل قوبؽم : إثبات الصفات لله يستلزـ التشبيو , لأف الصفات أعراض كالعرض لا يقوـ إلا بجسم , كالأجساـ متماثلة .

عدد الصفحات ٤٨

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 49 ّ. بسسك بألفاظ مشتًكة بتُ معاف يصح نسبتها إلى الله تعالى , كمعاف لا يصح نسبتها إليو , مثل : ابعسم , كابغيز , كابعهة , فهذه الألفاظ المجملة يتوصلوف بإطلاؽ نفيها عن الله إلى نفي صفاتو عنو . ثم ىم يصوغوف ىذه الشبهات بعبارات مزخرفة طويلة غريبة بوسبها ابعاىل بها حقان بدا كسيتو من زخارؼ القوؿ , فإذا حقق الأمر تبتُ لو أنها شبهات باطلة , كما قيل : حجج تهافت كالزجاج بزابؽا حقان ككل كاسر مكسور كالرد على ىؤلاء من كجوه : الأكؿ : نقض شبهاتهم كحججهم , كأنو يلزمهم فيما أثبتوه نظتَ ما فركا منو فيما نفوه . الثاني : بياف تناقض أقوابؽم كاضطرابها , حيث كاف كل طائفة منهم تدعي أف العقل يوجب ما تدعي الأخرل أنو بينعو , كبكو ذلك , بل الواحد منهم ربدا يقوؿ قولان يدعي أف العقل يوجبو , ثم ينقضو في بؿل آخر , كتناقض الأقواؿ من أقول الأدلة على فسادىا . الثالث : بياف ما يلزـ على نفيهم من اللوازـ الباطلة , فإف فساد اللازـ يدؿ على فساد ابؼلزكـ . الرابع : أف النصوص الواردة في الصفات لا برتمل التأكيل , كلئن احتملو بعضها فليس فيو ما بينع إرادة الظاىر , فتعتُ ابؼصتَ إليو . ابػامس : أف عامة ىذه الأمور من الصفات يعلم بالضركرة من دين الإسلاـ أف الرسوؿ  جاء بها , فتأكيلها بدنزلة تأكيل القرامطة كالباطنية للصلاة , كالصوـ , كابغج , كبكو ذلك . السادس : أف العقل الصريح - أم السالم من الشبهات , كالشهوات - لا بويل ما جاءت بو النصوص من صفات الله , بل إنو يدؿ على ثبوت صفات الكماؿ لله في ابعملة , كإف كاف في النصوص من التفاصيل في ىذا الباب ما تعجز العقوؿ عن إدراكو كالإحاطة بو . كقد اعتًؼ الفحوؿ من ىؤلاء أف العقل لا بيكنو الوصوؿ إلى اليقتُ في عامة ابؼطالب الإبؽية , كعلى ىذا فالواجب تلقي ذلك من النبوات على ما ىو عليو من غتَ برريف , كالله أعلم أ.ىػ

عدد الصفحات ٤٩

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 50 على أف الأساطين من ىؤلاء الفحوؿ معترفوف بأف العقل لا سبيل لو إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية وإذا كاف ىكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما ىو عليو , ومن المعلوـ للمؤمنين أف الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليو وسلم بالهدى , ودين الحق ليظهره على الدين كلو , وكفى بالله شهيداً , وأنو بين للناس ما أخبرىم بو من أمور الإيماف بالله , واليوـ الآخر . والإيماف بالله , واليوـ الآخر يتضمن الإيماف بالمبدأ , والمعاد , وىو الإيماف بالخلق , والبعث , كما جمع بينهما في قولو تعالى ( ومن الناس من يقوؿ آمنا بالله وباليوـ الآخر وما ىم بمؤمنين ) وقاؿ تعالى ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) وقاؿ تعالى ( وىو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ) وقد بين الله على لساف رسولو صلى الله عليو وسلم من أمر الإيماف بالله , واليوـ الآخر ما ىدى الله بو عباده , وكشف بو مراده . ومعلوـ للمؤمنين أف رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم أعلم من غيره بذلك , وأنصح من غيره للأمة , وأفصح من غيره عبارة وبياناً , بل ىو أعلم الخلق بذلك , وأنصح الخلق للأمة , وأفصحهم , فقد اجتمع في حقو : كماؿ العلم , والقدرة , والإرادة . ومعلوـ أف المتكلم , أو الفاعل إذا كمل علمو , وقدرتو , وإرادتو , كمل كلامو , وفعلو , وإنما يدخل النقص إما من نقص علمو , وإما من عجزه عن بياف علمو , وإما لعدـ إرادتو البياف . والرسوؿ ىو الغاية في كماؿ العلم , والغاية في كماؿ إرادة البلاغ المبين , والغاية في قدرتو على البلاغ المبين . ومع وجود القدرة التامة , والإرادة الجازمة , يجب وجود المراد , فعلم قطعاً أف ما بينو من أمر الإيماف بالله , واليوـ الآخر حصل بو مراده من البياف , وما أراده من البياف فهو مطابق لعلمو , وعلمو بذلك أكمل العلوـ . فكل من ظن أف غير الرسوؿ أعلم بهذا منو , أو أكمل بياناً منو , أو أحرص على ىدي الخلق منو فهو من الملحدين لا من المؤمنين . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ بعد أف بتُ ابؼصنف أف العقل لا بيكن أف يكوف مرجعان , خاصة في الأمور الغيبية , بتُ ىنا أف ىذه ابغقيقة يقر بها أكابرىم , فقاؿ ىنا : على أف الأساطتُ من ىؤلاء الفحوؿ معتًفوف بأف العقل لا سبيل لو إلى اليقتُ في عامة ابؼطالب الإبؽية . كقاؿ في كتاب ( الاستقامة ) : كقد اعتًؼ أكثر أئمة أىل الكلاـ , كالفلسفة من الأكلتُ كالآخرين بأف أكثر الطرائق التي سلكوىا في أمور الربوبية بالأقيسة التي ضربوىا لا تفضي بهم إلى العلم كاليقتُ , كفي الأمور الإبؽية مثل تكلمهم بابعنس , كالعرض في دلائلهم , كمسائلهم . فأما الأكؿ فقد ذكرنا في غتَ ىذا ابؼوضع مقالة أساطتُ الفلسفة من الأكائل أنهم قالوا : العلم الإبؽي لا سبيل فيو إلى اليقتُ , كإبما يتكلم فيو بالأكلى , كالأحرل , كالأخلق , كبؽذا اتفق كل من خبر مقالة ىؤلاء ابؼتفلسفة في العلم الإبؽي أف غالبو ظنوف كاذبة , كأقيسة فاسدة , كأف الذم فيو من العلم ابغق قليل . كأما اعتًاؼ ابؼتكلمة من الإسلاميتُ فكثتَ قد بصع العلماء فيو شيئان , كذكركا رجوع أكابرىم عما كانوا يقولونو , كتوبتهم إما عند ابؼوت , كإما قبل ابؼوت أ.ىػ كإذا كاف ذلك ف وجب اتباع الأنبياء , كابؼرسلتُ فيما جاءكا بو من ابغقائق العلمية , كالعملية .

عدد الصفحات ٥٠

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 51 كقد ختم الله الرسالات برسالة بؿمد  كقد تضمنترسالتو بصيع ما بوتاجو العباد في الدنيا كالآخرة , كمن ذلك ما يتعلق بالله كصفاتو , كما يتعلق باليوـ الآخر , فلا حاجة لطلب ذلك من غتَه . كقد اجتمع في النبي  ما يوجب اتباعو , كمن ذلك ُ. أنو أعلم الناس بربو , كما قالت عائشة أف النبي  كاف يقوؿإف أتقاكم , كأعلمكم بالله أنا . ركاه البخارم ِ. أنو أنصح الناس لأمتو , كما ىو ظاىر من أحاديث كثتَة , كقد كصفو الله بقولو ( حريص عليكم ) . ّ. أنو أفصح الناس , كأقدرىم على بياف ابؼراد , كمن ذلك ما أيتي من جوامع الكلم  . قاؿ ابؼصنففقد اجتمع في حقو : كماؿ العلم , كالقدرة , كالإرادة . كمعلوـ أف ابؼتكلم , أك الفاعل إذا كمل علمو , كقدرتو , كإرادتو , كمل كلامو , كفعلو , كإبما يدخل النقص إما من ن قص علمو , كإما من عجزه عن بياف علمو , كإما لعدـ إرادتو البياف . كالرسوؿ ىو الغاية في كماؿ العلم , كالغاية في كماؿ إرادة البلاغ ابؼبتُ , كالغاية في قدرتو على البلاغ ابؼبتُ . كمع كجود القدرة التامة , كالإرادة ابعازمة , بهب كجود ابؼراد , فعلم قطعان أف ما بينو من أمر الإبياف بالله كاليوـ الآخر حصل بو مراده من البياف , كما أراده من البياف فهو مطابق لعلمو , كعلمو بذلك أكمل العلوـ . فكل من ظن أف غتَ الرسوؿ أعلم بهذا منو , أك أكمل بيانان منو , أك أحرص على ىدم ابػلق منو فهو من ابؼلحدين لا من ابؼؤمنتُ أ.ىػ كبعد أف بتُ ابؼصنف ذلك , أردؼ ذلك بالكلاـ عن سلامة الواسطة بيننا كبتُ النبي  فقاؿ : كالصحابة, كالتابعوف بؽم بإحساف , كمن سلك سبيلهم في ىذا الباب على سبيل الاستقامة .

عدد الصفحات ٥١

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 52 والصحابة, والتابعوف لهم بإحساف , ومن سلك سبيلهم في ىذا الباب على سبيل الاستقامة . وأما المنحرفوف عن طريقهم فهم ثلاث طوائف : أىل التخييل , وأىل التأويل , وأىل التجهيل . فأىل التخييل : ىم المتفلسفة , ومن سلك سبيلهم من متكلم , ومتصوؼ , ومتفقو . فإنهم يقولوف : إف ما ذكره الرسوؿ من أمر الإيماف بالله , واليوـ الآخر إنما ىو تخييل للحقائق لينتفع بو الجمهور , لا أنو بين بو الحق , ولا ىدى بو الخلق , ولا أوضح بو الحقائق . ثم ىم على قسمين : منهم من يقوؿ : إف الرسوؿ لم يعلم الحقائق على ما ىي عليو . ويقولوف : إف من الفلاسفة الإلهية من علمها , وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم الأولياء من علمها , ويزعموف أف من الفلاسفة , والأولياء من ىو أعلم بالله , واليوـ الآخر من المرسلين . وىذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة , والباطنية : باطنية الشيعة , وباطنية الصوفية . ومنهم من يقوؿ : بل الرسوؿ علمها لكن لم يبينها , وإنما تكلم بما يناقضها , وأراد من الخلق فهم ما يناقضها , لأف مصلحة الخلق في ىذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق . ويقوؿ ىؤلاء : يجب على الرسوؿ أف يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنو باطل , وإلى اعتقاد معاد الأبداف مع أنو باطل , ويخبرىم بأف أىل الجنة يأكلوف , ويشربوف مع أف ذلك باطل . قالوا : لأنو لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد . فهذا قوؿ ىؤلاء في نصوص الإيماف بالله , واليوـ الآخر . وأما الأعماؿ فمنهم من يقرىا , ومنهم من يجريها ىذا المجرى , ويقوؿ : إنما يؤمر بها بعض الناس دوف بعض , ويؤمر بها العامة دوف الخاصة , فهذه طريقة الباطنية الملاحدة , والإسماعيلية , ونحوىم . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ المبحث السادس : بياف أصناؼ المنحرفين عن سبيل السلف في ىذا الباب , وىم في الجملة ثلاثة أصناؼ : أىل التخييل , وأىل التأويل , وأىل التجهيل . يبتُ ابؼصنف أف الصحابة كمن سار على نهجهم على طريق الاستقامة , كأما من ابكرؼ عن طريقهم فهم ثلاثة أصناؼ : أىل التخييل الذين ىم الفلاسفة كمن تأثر بهم , كأىل التأكيل الذين ىم ابؼتكلموف , كأىل التجهيل الذين ىم ابؼفوضة . فأىل التخييل : ىم الفلاسفة , كمن تأثر بهم من غلاة الصوفية , كبعض ابؼتكلمتُ , كبعض ابؼتفقهة ابؼنتسبتُ للأئمة , كابن رشد ابغفيد . كىؤلاء يقولوف : إ ف الرسل لم يأتوا لأقوامهم بابغقائق , كإبما جاءكا بؽم بابػيالات , فما ذكركه من صفات الله , كمن أنواع النعيم , كالعذاب في الآخرة , كغتَ ذلك كل ىذا لا حقيقة لو , كىؤلاء اختلفوا على قولتُ : ُ. منهم من يقوؿ : إف الأنبياء لم يعلموا ذلك , كأف من الفلاسفة , كالأكلياء من كقعوا على ابغقائق كعلموىا , بخلاؼ الأنبياء . كىذا قاؿ بو غلاة الفلاسفة , كغلاة الصوفية , كغلاة الشيعة . كىؤلاء كصفوا الأنبياء بابعهل .

عدد الصفحات ٥٢

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 53 ِ. كمنهم من يقوؿ : بل الأنبياء عرفوا ابغقائق كالفلاسفة , كالأكلياء , ك لكنهم أخفوىا عن الناس , كبينوا بؽم خلاؼ ذلك , لأف مصالح الناس لا تستقيم إلا بذلك , من التًغيب كالتًىيب , كبكو ذلك . كىؤلاء كصفوا الأنبياء بالتضليل . كجعلوا التخييل في خطاب الأنبياء لا في علمهم , كما بينو ابؼصنف في موضع . كىؤلاء الفلاسفة يعتقدكف أف ظواىر النصوص على ظاىرىا - خلافان للمتكلمتُ - لكنو ييراد منها التخييل . قاؿ ابن تيمية : كىؤلاء يقولوف : الأنبياء قصدكا بهذه الألفاظ ظواىرىا , كقصدكا أف يفهم ابعمهور منها ىذه الظواىر , كإف كانت الظواىر في نفس الأمر كذبان , كباطلان , كبـالفة للحق , فقصدكا إفهاـ ابعمهور بالكذب كالباطل للمصلحة أ.ق كبفن سلك ذلك ابن سينا , كابن رشد ابغفيد , كما نص ابن تيمية في ( بياف تلبيس ابعهمية ) . ىذا ىو قوبؽم في نصوص الإبياف بالله , كاليوـ الآخر , كأما الأعماؿ , كالصلاة , كالصوـ , كابغج , كبكو ذلك , فهم على فريقتُ أيضان : ُ. منهم من يقوؿ : إف الأنبياء بينوىا كما ىي . كقد ذكر ابؼصنف في ( بياف تلبيس ابعهمية ) أف ىذا قوؿ العقلاء من الطائفة الباطنية , كالفلاسفة ابؼنتسبتُ إلى الإسلاـ , كابن سينا , كابن رشد ابغفيد , كغتَبنا , إذ ىم في ابعملة يركف موافقة الشريعة العملية أكلى من بـالفتها . ِ. كمنهم من يقوؿ : بل خيلوا على الناس ذلك , كحرفوا ابؼراد بتلك النصوص , كبعضهم جعلها من الفرائض على العامة , أما ابػاصة فتسقط عنهم . كىذا الصنف لم يطل ابؼصنف في الرد عليو , لأف ضلالو كاضح , كىو من الكفر الذم لا يستًيب فيو مسلم .

عدد الصفحات ٥٣

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 54 وأما أىل التأويل فيقولوف : إف النصوص الواردة فيالصفات لم يقصد بها الرسوؿ أف يعتقد الناس الباطل , ولكن قصد بها معاني , ولم يبين لهم تلك المعاني , ولا دلهم عليها , ولكن أراد أف ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم , ثم يجتهدو ا في صرؼ تلك النصوص عن مدلولها . ومقصوده : امتحانهم , وتكليفهم , وإتعاب أذىانهم , وعقولهم في أف يصرفوا كلامو عن مدلولو ومقتضاه , ويعرؼ الحق من غير جهتو . وىذا قوؿ المتكلمة : الجهمية , والمعتزلة , ومن دخل معهم في شيء من ذلك . والذين قصدنا الرد في ىذه الفتيا عليهم ىم ىؤلاء , إذ كاف نفور الناس عن الأولين مشهوراً بخلاؼ ىؤلاء , فإنهم تظاىروا بنصر السنة في مواضع كثيرة , وىم في الحقيقة لا للإسلاـ نصروا , ولا للفلاسفة كسروا , لكن أولئك الملاحدة ألزموىم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات . فقالوا لهم : نحن نعلم بالاضطرار أف الرسل جاءت بمعاد الأبداف , وقد علمنا فساد الشبو المانعة منو . وأىل السنة يقولوف لهم : ونحن نعلم بالاضطر ار أف الرسل جاءت بإثبات الصفات , ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر , وأعظم من نصوص المعاد . ويقولوف لهم : معلوـ أف مشركي العرب وغيرىم كانوا ينكروف المعاد , وقد أنكروه على الرسوؿ , وناظروه عليو , بخلاؼ الصفات فإنو لم ينكر شيئاً منها أحد من العرب . فعُ لم أف إقرار العقوؿ بالصفات أعظم من إقرارىا بالمعاد , وأف إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات , فكيف يجوز مع ىذا أف يكوف ما أخبر بو من الصفات ليس كما أخبر بو , وما أخبر بو من المعاد ىو على ما أخبر بو . وأيضاً فقد علم أنو صلى الله عليو وسلم قد ذـ أىل الكتاب على ما حرفوه وبدلوه , ومعلوـ أف التوراة مملوءة من ذكر الصفات , فلو كاف ىذا مما بُ دؿ وحرؼ لكاف إنكار ذلك عليهم أولى , فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديو الصفات يضحك تعجباً منهم , وتصديقا لهاً , ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة أىل الإثبات , مثل لفظ ( التجسيم ) و( التشبيو ) ونحو ذلك , بل عابهم بقولهم ( يد الله مغلولة ) وقولهم ( إف الله فقير ونحن أغنياء ) وقولهم : إنو استراح لما خلق السموات والأرض , فقاؿ تعالى ( ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أياـ وما مسنا من لغوب ) . والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآف والحديث , وليس ف يها تصريح بالمعاد كما في القرآف . فإذا جاز أف تتأوؿ الصفات التي اتفق عليها الكتاباف , فتأويل المعاد الذي انفرد بو أحدىما أولى , والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسوؿ أنو باطل , فالأوؿ أولى بالبطلاف . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ يتكلم ابؼصنف ىنا عن الصنف الثاني من الأصناؼ التي خالفت السلف في اعتقادىم , كىم أىل التأويل , الذين يزعموف أف آيات الصفات ليست على ظاىرىا , كأف ابؼراد بها غتَ ذلك , كأف الرسل لم يقصدكا التلب يس على الناس , كلا أف يعتقد الناس الباطل , كإبما أرادكا أف بهتهد الناس , كيي عملوا عقوبؽم في التوصل إلى حقيقة ابؼراد بتلك النصوص !

عدد الصفحات ٥٤

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 55 كىؤلاء ىم طوائف أىل الكلاـ , كعلى رأسهم ابعهمية , كابؼعتزلة , ككذا الأشاعرة , كابؼاتريدية , كالكلابية كغتَىم , كىم الذين قصد ابؼصنف الرد عليهم في ىذه الفتول , لأنهم تظاىركا بنصر السنة , كفيهم من أفاضل أىل العلم الذين يغتً ابؼسلم باتباعهم في ىذه ابؼسائل , أعتٍ الصفاتية منهم . ك كل ما سبق في مقدمة ىذه الفتول ىو رد على ىؤلاء , كبياف لضلاؿ طريقتهم , كلازـ قوبؽم ىذا : ال قدح في الر سالات , إذ لو كاف العقل يستقل بدعرفة الصفات , فلا حاجة إذف للوحي , بل نزكؿ الوحي فيو مضرة بابػلق , إذ أنو يوىم خلاؼ الظاىر , فيحصل اللبس للخلق , كما سبق بيانو . كابؼصنف ذكر ىنا أف ىؤلاء كقعوا في حرج بتُ طائفتتُ : طائفة ابؼلاحدة من الفلاسفة الذين حرفوا نصوص ابؼعاد , كابغساب , كبتُ السلف الصالح , كذلك أف ىؤلاء ينكركف على الفلاسفة إنكارىم للمعاد , كبرريفهم لنصوصو , فيقوؿ بؽم الفلاسفة : كأنتم فعلتم في آيات الصفات كما فعلنا في آيات ابؼعاد , فكما قلنا : إف آيات ابؼعاد يراد بها غتَ ظاىرىا , قلتم أنتم في آيات الصفا ت : ابؼراد منها غتَ ظاىرىا . كأىل السنة بينوا بؽم أف إنكار ابؼعاد أىوف من إنكار الصفات , كذلك من عدة كجوه : ُ. أف آيات الصفات في القرآف , كباقي الكتب السماكية أكثر من آيات ابؼعاد . ِ. أف آيات الصفات في القرآف , كباقي الكتب السماكية أعظم قدران من آيات ابؼعاد , كلذا كانت آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله , ككانت سورة الإخلاص تعدؿ ثلث القرآف , بؼا فيهما من صفات الله عز كجل . ّ. أف مشركي العرب كانوا ينكركف ابؼعاد , كلم يرد عنهم أنهم أنكركا شيئان من الصفات , فدؿ أف إقرار العقوؿ بالصفات أعظم من إقرارىا بابؼعاد (1) . ْ. أف النبي  أنكر على أىل الكتاب برريفهم لكتابهم , كلم ينقل عنهم إنكار شيء من الصفات , بل آيات الصفات كثتَة كتبهم , كمع ذلك لم يتعرضوا لتحريفها , بل كانوا يقركنها على ما ىي (2) . كقد جاء في الصحيحتُ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنو قاؿ : جاء حبران من الأحبار إلى النبي  فقاؿ : يا بؿمد , إنا بقد أف الله بهعل السماكات على إصبع , كالأرضتُ على إصبع , كالشجر على إصبع , كابؼاء على أصبع , كالثرل على أصبع , كسائر ابػلق على إصبع , فيقوؿ : أنا ابؼلك . فضحك النبي  حتى بدت نواجذه , تصديقان لقوؿ ا, ثم قرأ ( كما قدركا الله حق قدره كالأرض بصيعان قبضتو يوـ القيامة ) . كفي ركاية بؼسلم : كابعباؿ , كالشجر على أصبع , ثم يهزىن , فيقوؿ : أنا ابؼلك , أنا الله . كلم يقل لو : أنت مشبو , أك انت بؾسم , بنحو ما يقولو ىؤلاء لأىل الإثبات . (ُ) كقوؿ ابؼصنف ىنا ( إنكار ابؼعاد أعظم من إنكار الصفات ) لعل ىذا خطأ من النساخ , كاستقامة الكلاـ أف يقاؿ ( كإنكار الصفات أعظم من إنكار ابؼعاد ) كقد قاؿ ابؼصنف في درء التعارض ( إنكار صفات الله أعظم إبغادان في دين الرسل من إنكار معاد الأبداف ) . (ِ) كقد ذكر ابن تيمية أف قدماء اليهود لم يكونوا ينكركف ما في التوراة من الصفات , كإبما حدث فيهم بعد ذلك بؼا صار فيهم جهمية , إما متفلسفة مثل : موسى بن ميموف كأمثالو , كإما معتزلة مثل : أبي يعقوب البصتَ كأمثالو .

عدد الصفحات ٥٥

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 56 كابػلاصة أف يقاؿ : إذاكانت نصوص ابؼعاد لا بهوز تأكيلها فنصوص الصفات من باب أكلى . يقوؿ ابن حزـ : كلا بول لأحد أف بويل آية عن ظاىرىا , كلا خبران عن ظاىره , لأف الله يقوؿ ( بلساف عربي مبتُ ) كقاؿ تعالى ذامان لقوـ ( بورفوف الكلم عن مواضعو ) كمن أحاؿ نصان عن ظاىره في اللغة بغتَ برىاف من آخر , أك إبصاع فقد ادعى أف النص لا بياف فيو . ك قاؿ ابن تيمية في درء التعارض : الواجب الأخذ بظواىر النصوص , كأنو ليس ىناؾ باطن بىالف الظاىر , فالباطن ابغق عند السلف موافق للظاىر ابغق , ككل معتٌ بىالف ظاىر الكتاب كال سنة فهو خياؿ , كجهل , كضلاؿ . ك قاؿ ابن القيم في النونية : ىذا كػلاـ الله ثم رسػولػو كأئػمة التفػستَ للػقرآف تأكيلو ىو عنػدىم تفسػتَه بالظػاىر ابؼفهػوـ للأذىاف ما قاؿ منهم قط شخص كاحد تأكيلو صػرؼ عن الرجحاف كلا كلا نفي ابغق ػيقة لا كلا عزؿ النصوص عن اليقتُ فذاف تأكيل أىل البػاطل ابؼػردكد عند أئػمة الػعرفاف كالإبياف كىو الذم لا شك في بطلانو كالله يقضػي فيو بالبػطلاف

عدد الصفحات ٥٦

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 57 وأما الصنف الثالث, وىم أىل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة , واتباع السلف . يقولوف : إف الرسوؿ صلى الله عليو وسلم لم يعرؼ معاني ما أنزؿ الله إليو من آيات الصفات , ولا جبريل يعرؼ معاني الآيات , ولا السابقوف الأولوف عرفوا ذلك . وكذلك قولهم في أحاديث الصفات : إف معناىا لا يعلمو إلا الله , مع أف الرسوؿ تكلم بها ابتداء , فعلى قولهم تكلم بكلاـ لا يعرؼ معناه . وىؤلاء يظنوف أنهم اتبعوا قولو تعالى ( وما يعلم تأويلو إلا الله ) فإنو وقف أكثر السلف على قولو ( وما يعلم تأويلو إلا الله ) وىو وقف صحيح , لكن لم يفرقوا بين معنى الكلاـ وتفسيره , وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعلمو , وظنوا أف التأويل المذكور في كلاـ الله تعالى ىو التأويل المذكور في كلاـ المتأخرين , وغلطوا في ذلك . فإف لفظ ( التأويل ) يراد بو ثلاث معاف : فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين ىو : صرؼ اللفظ عن الاحتماؿ الراجح إلى الاحتماؿ المرجوح لدليل يقترف بذلك . فلا يكوف معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاىره تأويلاً على اصطلاح ىؤلاء , وظنوا أف مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك , وأف للنصوص تأويلاً يخالف مدلولها , لا يعلمو إلا الله , ولا يعلمو المتأولوف . ثم كثير من ىؤلاء يقولوف : تُجرى على ظاىرىا , فظاىرىا مراد , مع قولهم : إف لها تأويلاً بهذا المعنى لا يعلمو إلا الله . وىذا تناقض وقع فيو كثير من ىؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة , وغيرىم . والمعنى الثاني : أف التأويل ىو تفسير الكلاـ - سواء وافق ظاىره , أو لم يوافقو - و ىذا ىو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرىم . وىذا التأويل يعلمو الراسخوف في العلم , وىو موافق لوقف من وقف من السلف عند قولو ( وما يعلم تأويلو إلا الله والراسخوف في العلم ) كما نُ قل ذلك عن ابن عباس , ومجاىد , ومحمد بن جعفر بن الزبير , ومحمد بن إسحاؽ , وابن قتيبة , وغيرىم . وكلا القولين حق باعتبار , كما قد بسطناه في موضع آخر , ولهذا نقل عن ابن عباس ىذا وىذا , وكلاىما حق . والمعنى الثالث : أف التأويل ىو الحقيقة التي يؤوؿ الكلاـ إليها - وإف وافقت ظاىره - فتأويل ما أخبر الله بو في الجنة من الأكل , والشرب , واللباس , والنكاح , وقياـ الساعة , وغير ذلك , ىو الحقائق الموجودة أنفسها , لا ما يتصور من معانيها في الأذىاف , ويعبر عنو باللساف , وىذا ىو التأويل في لغة القرآف , كما قاؿ تعالى عن يوسف أنو قاؿ ( يا أبت ىذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً ) وقاؿ تعالى ( ىل ينظروف إلا تأويلو يوـ يأتي تأويلو يقوؿ الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ) وقاؿ تعالى ( فإف تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسوؿ إف كنتم تؤمنوف بالله واليوـ الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً ) وىذا التأويل ىو الذي لا يعلمو إلا الله . وتأويل الصفات ىو الحقيقة التي انفرد الله تعالى بعلمها , وىو الكيف المجهوؿ الذي قاؿ فيو السلف - كمالك وغيره - : الاستواء معلوـ , والكيف مجهوؿ . فالاستواء معلوـ - يُ علم معناه , ويفسر , ويترجم بلغة أخرى - وىو من التأويل الذي يعلمو الراسخوف في العلم , وأما كيفية ذلك الاستو اء فهو التأويل الذي لا يعلمو إلا الله تعالى .

عدد الصفحات ٥٧

التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 58 وقد روي عن ابن عباس ما ذكره عبد الرزاؽ وغيره في تفسيرىم عنو أنو قاؿ : تفسير القرآف على أربعة أوجو : تفسير تعرفو العرب من كلامها , وتفسير لا يعذر أحد بجهالتو , وتفسير يعلمو العلماء , وتفسير لا يعلمو إلا الله عز وجل , فمن ادعى علمو فهو كاذب . وىذا كما قاؿ تعالى ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملوف ) وقاؿ النبي صلى الله عليو وسلم : يقوؿ الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت , ولا أذف سمعت , ولا خطر على قلب بشر . وكذلك علم وقت ا لساعة , ونحو ذلك , فهذا من التأويل الذي لا يعلمو إلا الله تعالى . وإف كنا نفهم معاني ما خوطبنا بو , ونفهم من الكلاـ ما قصد إفهامنا إياه , كما قاؿ تعالى ( أفلا يتدبروف القرآف أـ على قلوب أقفالها ) وقاؿ ( أفلم يدبروا القوؿ ) فأمر بتدبر القرآف لا بتدبر بعضو . وقاؿ أبو عبد الرحمن السلمي : حدثنا الذين كانوا يقرؤو ننا القرآف - عثماف بن عفاف , وعبد الله بن مسعود , وغيرىما - أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليو وسلم عشر آيات , لم يتجاوزوىا حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل . قالوا : فتعلمنا القرآف , والعلم , والعمل جميعاً . وقاؿ مجاىد : عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما من فاتحتو إلى خاتمتو , أقف عند كل آية , وأسألو عنها . وقاؿ الشعبي : ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها . وقاؿ مسروؽ : ما سئل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمو في القرآف , ولكن علمنا قصر عنو . وىذا باب واسع قد بسط في موضعو . والمقصود ىنا : التنبيو على أصوؿ المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم , والإيماف بما جاء بو الرسوؿ صلى الله عليو وسلم , وأف من جعل الرسوؿ غير عالم بمعاني القرآف الذي أنزؿ إليو , ولا جبريل جعلو غير عالم بالسمعيات , لم يجعل القرآف ىدى , ولا بياناً للناس . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ يتكلم ابؼصنف ىنا عن الصنف الثالث من الأصناؼ التي خالفت السلف في اعتقادىم , كىم أىل التجهيل , وىم المفوضة , الذين يفوضوف علم معاني نصوص الصفات , كيزعموف أف آيات الصفات لا يعلم معناىا إلا الله تعالى , فالنبي  لا يعلم معا آيات الصفات , كلا جبريل , فضلان عن غتَبنا , كجعلوا ذلك من باب ابؼتشابو الذم استأثر الله بو , مستدلتُ بقولو تعالى ( كما يعلم تأكيلو إلا الله ) . كقد تقلد ىذا القوؿ طوائف من ابؼنتسبتُ للسلف , كالأئمة الأربعة , كنسبوا ىذا ابؼذىب الساقط ل لسلف . فجمعوا بتُ ابعهل بدنهج السلف , كالظلم بؽم بنسبة ىذا القوؿ إليهم . كىذا القوؿ فيو بذهيل للرسل , إذ أنهم يتلفظوف بألفاظ لا يعلموف معناىا , كلذا ذكر ابن تيمية أف ىذا القوؿ من شر أقواؿ أىل البدع .

عدد الصفحات ٥٨