التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 30 ثم عامة ىذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرىا عن طاغوت من طواغيت المشركين , أو الصابئين , أو بعض ورثتهم الذين أُ مروا أف يكفروا بهم , مثل فلاف , وفلاف , أو عمن قاؿ كقولهم , لتشابو قلوب هم , قاؿ الله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنوف حتى يحكموؾ فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) ( كاف الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزؿ معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيو وما اختلف فيو ) الآية . ولازـ ىذه المقالة : أف لا يكوف الكتاب ىدى للناس , ولا بياناً , ولا شفاء لما في الصدور , ولا نوراً , ولا مرداً عند التنازع , لأنا نعلم بالاضطرار أف ما يقولو ىؤلاء المتكلفوف أنو الحق الذي يجب اعتقاده , لم يدؿ عليو الكتاب والسنة , لا نصاً , ولا ظاىراً . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ يذكر ابؼصنف ىنا كجهان آخر في فساد الاعتماد على العقل في باب الصفات , كخلاصتو : أف ىذه الشبهات التي يسمونها دلائل عقلية , كيعظمونها ىذا التعظيم , حتى إنهم ردكا بها الكتاب كالسنة , إبما ىي مستقاة من اليهود , كالنصارل , كابؼش ركتُ , كما سيبتُ ابؼصنف قريبان . ثم عاد ابؼصنف ليبتُ أف اتباع طريقة ىؤلاء يلزـ عليها أف لا يكوف الكتاب ىدل للناس , كلا بيانان , كلا شفاء بؼا في الصدكر , كلا نوران , كلا مردان عند التنازع , كذلك لأنو إذا حصل التنازع كالاختلاؼ كاف ابغق الذم بهب اتباعو إبما ىو ما جاء بو ىؤلاء , كإف خالف القرآف ! كالقاعدة أف اللوازـ الباطلة تدؿ على فساد القوؿ .
عدد الصفحات ٣٠التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 31 وإنما غاية المتحذلق(ُ) أف يستنتج ىذا من قولو ( ولم يكن لو كفواً أحد ) ( ىل تعلم لو سمياً ) وبالاضطرار يعلم كل عاقل أف من دؿ الخلق على أف الله ليس على العرش , ولا فوؽ السموات , ونحو ذلك بقولو ( ىل تعلم لو سمياً ) لقد أبعد النجعة(ِ) , وىو إما ملغز , وإما مدلس لم يخاطبهم بلساف عربي مبين . ولازـ ىذه المقالة : أف يكوف ترؾ الناس بلا رسالة خيراً لهم في أصل دينهم , لأف مردىم قبل الرسالة وبعدىا واحد , وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالة . يا سبحاف الله! كيف لم يقل الرسوؿ يوماً من الدىر , ولا أحد من سلف الأمة : ىذه الآيات , والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليو , ولكن اعتقدوا الذي تقتضيو مقاييسكم , أو اعتقدوا كذا وكذا , فإنو الحق , وما خا لف ظاىره فلا تعتقدوا ظاىره , و انظروا فيها , فما وافق قياس عقولكم فاقبلوه , وما لا فتوقفوا فيو , أو انفوه . ثم رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم قد أخبر أف أمتو ستفترؽ على ثلاث وسبعين فرقة , فقد علم ما سيكوف , ثم قاؿ ( إني تارؾ فيكم ما إف تمسكتم بو لن تضلوا : كتاب الله ) وروي عنو أنو قاؿ في صفة الفرقة الناجية ( ىم من كاف على مثل ما أنا عليو اليوـ وأصحابي ) فهلا قاؿ : من تمسك بالقرآف , أو بدلالة القرآف , أو بمفهوـ القرآف , أو بظاىر القرآف في باب الاعتقادات , فهو ضاؿ ؟ وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم , وما يحدثو المتكلموف منكم بعد القروف الثلاثة - في ىذه المقالة - وإف كاف قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ يبتُ ابؼصنف ىنا أف عمدة بعض ىؤلاء في نفي الصفات من النصوص الشرعية , ىو قولو تعالى ( ىل تعلم لو بظيان ) كقولو تعالى ( كلم يكن لو كفوان أحد ) كقولو تعالى ( ليس كمثلو شيء ) ككجو الدلالة على زعمهم : أف إثبات الصفات يستلزـ التشبيو , كالله عز كجل نفى عن نفسو التشبيو بهذه الآيات . ككأنو كالله أعلم يقصد أنو لو قيل بؽؤلاء : أنتم لا تعتمدكف في باب الصفات على الكتاب كالسنة . لقالوا : بل عمدتنا في ذلك قوؿ الله تعالى ( ليس كمثلو شيء ) كقولو تعالى ( ىل تعلم لو بظيان ) كقولو تعالى ( كلم يكن لو كفوان أحد ) . ثم بتُ ابؼصنف بطلاف ىذا الاستدلاؿ , كذكر أنو لا يعقل أف الله يريد نفي الصفات , كالعلو كبكوه بدثل ىذه الآيات , كلا يأتي بآيات صربوة كاضحة في النفي , كذكر أف نفي الصفات بدثل ىذه الآيات يعتبر من الإلغاز , أك من التدليس , ككل ىذا من تفو عن كتاب الله الذم كصفو الله بالبياف , كابؽدل , كالنور . كاستدؿ أيضان ببطلاف مذىبهم في نفي الصفات بأف النبي , ككذا ركاة الأحاديث , كأئمة السلف لم يقولوا في نصوص الصفات لا تعتقدكا ظاىرىا , كإبما ارجعوا إلى عقولكم . كاستدؿ أيضان ببطلاف ذلك بأف النبي أخبر عن افتًاؽ الأمة إلى ثلاث كسبعتُ فرق ة , كمع ذلك حث على التمسك بالكتاب كالسنة , كما كاف عليو أصحابو , كلم بول إلى العقل . (ُ) ابؼتحذلق : ىو من يدعي ابؼعرفة - بطريقة علمية فيما يظهر للجاىل - كىو بعيد عنها . (ِ) النيجعة : من الانتجاع , كىو طلب الكلأ كالعشب . كقوبؽم ( أبعد النيجعة ) أم : أبعد عن الطريق الصحيح .
عدد الصفحات ٣١التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 32 وخلاصة ىذا المبحث أف الاعتماد على العقل في إثبات الصفات لله , أو نفيها عنو باطل لوجوه ُ. أنو يلزـ من ذلك أف الكتاب كالسنة لم يدلا الناس على أعظم أبواب الدين , كىو معرفة صفات الله , بل دلتهم على خلاؼ ذلك . ِ. أنو يلزـ من ذلك أف كجود الكتاب كالسنة ضرر على الناس , لأنهما دلا الناس على خلاؼ ابغق الذم دلت عليو العقوؿ . ّ. أنو يلزـ من ذلك أف الناس عند التنازع في ىذا الباب لا يرجعوف إلى الكتاب كالسنة , بل يرجعوف إلى عقوبؽم . ْ. أف ىؤلاء القوـ ليس بؽم قانوف ثابت فيما يثبتونو , أك ينفونو عن الله , بل ما يثبتو بعضهم بالعقل , ينفيو بعضهم بالعقل , بل ربدا يثبت بعضهم شيئان , ثم ينفيو بعد ذلك . ٓ. أف ىذه الدلائل العقلية مستوحاة من ضي لاؿ اليهود , كالمجوس , كالصابئة . ٔ. أف الله سبحانو لم يرشد إلى العقوؿ في فهم ىذا الباب , ككذلك رسولو . وينبو ىنا أف طريقة ابؼتكلمتُ في كجوب تأكيل نصوص الصفات - التي تنفيها عقوبؽم - أك تفويض معناىا مبنية على افتًاض تعارض العقل , كالنقل , كىذا من أكبر ابؼزالق التي سببت بؽم الابكراؼ , كإلا فابغق أنو لا بيكن أف يوجد تعارض بتُ النقل الصحيح , كالعقل السليم . وينبو أيضاً أف بصيع طوائف ابؼعطلة لا يعتمدكف في إثبات ما يثبتونو لله , أك ينفونو عنو على النصوص الشرعية , بل عمدتهم على القواعد العقلية التي كضعوىا , كإذا استدلوا بالنصوص الشرعية فذلك على سبيل الاستئناس كالتبع .
عدد الصفحات ٣٢التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 33 ثم أصل ىذه المقالة- مقالة التعطيل للصفات - إنما ىو مأخوذ عن تلامذة اليهود , والمشركين , وضلاؿ الصابئين , فإف أوؿ من حفظ عنو أنو قاؿ ىذه المقالة في الإسلاـ - أعني أف الله سبحانو وتعالى ليس على العرش حقيقة , وأف معنى استوى بمعنى استولى , ونحو ذلك - ىو الجعد بن درىم , وأخذىا عنو الجهم بن صفواف , وأظهرىا فنسبت مقالة الجهمية إليو , وقد قيل : إف الجعد أخذ مقالتو عن أباف بن سمعاف , وأخذىا أباف عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم , وأخذىا طالو ت من لبيد بن الأعصم : اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليو وسلم . وكاف الجعد بن درىم ىذا - فيما قيل - من أىل حراف , وكاف فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة - بقايا أىل دين نمرود , والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرىم(1) - ونمرود ىو ملك الصابئة الكنعانيين(2) المشركين , كما أف كسرى ملك الفرس والمجوس , وفرعوف ملك مصر , والنجاشي ملك الحبشة , وبطليموس ملك اليوناف , وقيصر ملك الروـ . فهو اسم جنس , لا اسم علم , فكانت الصابئة - إلا قليلاً منهم - إذ ذاؾ على الشرؾ , وعلماؤىم ىم الفلاسفة , وإف كاف الصابئ قد لا يكوف مشركاً , بل مؤمناً بالله واليوـ الآخر , كما قاؿ الله تعالى ( إف الذين آمنوا والذين ىادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوـ الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرىم عند ربهم ولا خوؼ عليهم ولا ىم يحزنوف ) وقاؿ ( إف الذين آمنوا والذين ىادوا والصابئوف والنصارى من آمن بالله واليوـ الآخر وعمل صالحاً فلا خوؼ عليهم ولا ىم يحزنوف ) لكن كثيراً منهم , أو أكثرىم كانوا كفاراً , أو مشركين , كما أف كثيراً من اليهود والنصارى بدلوا وحرفوا , وصاروا كفاراً , أو مشركين , فأولئك الصابئوف - الذين كانو ا إذ ذاؾ - كانوا كفاراً , أو مشركين , وكانوا يعبدوف الكواكب , ويبنوف لها الهياكل , ومذىب النفاة من ىؤلاء في الرب : أنو ليس لو إلا صفات سلبية , أو إضافية , أو مركبة منهما , وىم الذين بعث إليهم إبراىيم الخليل صلى الله عليو وسلم . فيكوف الجعد قد أخذىا عن الصابئة الفلاسفة . وكذلك أبو نصر الفارابي (3) دخل حراف, وأخذ عن فلاسفة الصابئين تماـ فلسفتو . وأخذىا الجهم أيضاً - فيما ذكره الإماـ أحمد وغيره - لما ناظر ( السُ منية )(4) بعض فلاسفة الهند- وىم الذين يجحدوف من العلوـ ما سوى الحسيات - . فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود , والصابئين , والمشركين . والفلاسفة الضالوف ىم إما من الصابئين , وإما من المشركين . ثم لما عُ ربت الكتب الرومية , واليونانية في حدود المائة الثانية زاد البلاء , مع ما ألقى الشيطاف في قلوب الضلاؿ ابتداء من جنس ما ألقاه في قلوب أشباىهم . (ُ) مصنف ىذا الكتاب ىو الفخر الرازم , ككتابو ىو ( السر ابؼكتوـ ) قاؿ ابن تيمية : صنف الرازم كتابو في عبادة الكواكب كالأصناـ , كأقاـ الأدلة على حيسن ذلك كمنفعتو , كرغب فيو , كىذه ردة عن الإسلاـ باتفاؽ ابؼسلمتُ , كإف كاف قد يكوف تاب منو كعاد إلى الإسلاـ . (ِ) كفي نسخة ( الكلدانيتُ ) كالكنعانيوف نسبة إلى كنعاف بن ساـ بن نو ح , ككانوا بأرض الشاـ , ككانوا يعبدكف الكواكب . (ّ) كابظو بؿمد بن بؿمد بن طرخاف التًكي , فيلسوؼ مشهور , يلقب بابؼعلم الثاني , باعتبار أف أرسطو ابؼعلم الأكؿ , كعلى كتبو تتلمذ ابن سينا أشهر فلاسفة الإسلاـ , كلد سنة ِٕٓ ق كتوفي سنة ّّٗق . كلو اعتقادات كفرية م نها : قولو بقدـ العالم , كإنكاره ابؼعاد ابعسماني , كىو بفن يفضل الفيلسوؼ على النبي , كيزعم أف الأنبياء لم يأتوا بابغقائق , كإ بما خيلوا للناس ما قالوه , لأف مصلحة ابعمهور لا تكوف إلا بذلك , كما يأتي بياف ذلك عند الكلاـ على ( أىل التخييل ) ككاف بارعان في ابؼوسيقى . قاؿ الذىبي : لو تصانيف مشهورة , من ابتغى منها ابؽدل ضل كحار .
عدد الصفحات ٣٣, لأف مصلحة ابعمهور لا تكوف إلا بذلك , كما يأتي بياف ذلك عند الكلاـ على ( أىل التخييل ) ككاف بارعان في ابؼوسيقى . قاؿ الذىبي : لو تصانيف مشهورة , من ابتغى منها ابؽدل ضل كحار . (ْ) السيمنية : فرقة في ابؽند لا تؤمن إلا بابغسيات , كبؽم اعتقادات كثتَة باطلة , كاعتقادىم بقدـ العالم , كاعتقادىم بتناسخ الأجساد .
عدد الصفحات ٣٣التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 34 ولما كاف في حدود المائة الثالث ة(1) انتشرت ىذه المقالة التي كاف السلف يسمونها ( مقالة الجهمية ) بسبب بشر بن غياث المريسي(2) وطبقتو. وكلاـ الأئمة مثل مالك , وسفياف بن عيينة , وابن المبارؾ , وأبي يوسف , والشافعي , وأحمد , وإسحاؽ , والفضيل بن عياض , وبشر الحافي , وغيرىم كثير في ذمهم , وتضليلهم . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ المبحث الرابع : بياف سند مقالة التعطيل , وسبب انتشارىا . يبتُ ابؼصنف ىنا أصل كنشأة مقالة التعطيل , كذكر أف منشأىا من اليهود , كالصابئة , كالمجوس , كابؼشركتُ , فأكؿ من عيرؼ بالتعطيل ىو ابععد بن درىم (ّ) , كابععد أخذ ىذه ابؼقالة عن أباف , أك بياف بن بظعاف , كأخذىا أباف عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم , كأخذىا طالوت من لبيد بن الأعصم : اليهودم الساحر الذم سحر النبي . ككاف ابععد بن درىم من أ ىل ( حراف ) (ْ) ككاف فيهم خلق كثتَ من الصابئة , كأكثر الصابئة مشركتُ , كعلمائهم ىم الفلاسفة , فيكوف الجعد أخذىا من طريقين : من اليهود(ٓ) , ومن الصابئة الفلاسفة . ثم أخذ ىذه ابؼقولة من ابععد : ابعهم بن صفواف(ٔ) , كىو الذم تنسب إليو ابعهمية , لأنو ىو الذم نشر ابؼذىب , كذكر الإماـ أبضد أف ابعهم أخذ مقالتو من ( السي منية ) كىم فلاسفة ابؽند الذين لا يؤمنوف بالغيبيات , لا يؤمنوف إلا بابغسيات(ٕ) . فيكوف الجهم أخذىا أيضاً من طريقين : من السمنية فلاسفة الهند , ومن الجعد بن درىم . ىذه ىي أسانيد مقالة التعطيل , فكيف تطيب نفس بهذه ابؼقالة ! ثم ذكر سبب انتشار ىذه ابؼقالة , كىو عندما تربصت كتب اليوناف , كتبنت السلطة بفثلة في ابػليفة العباسي ابؼأموف تلك ابؼقالة , ككاف كزيره بشر ابؼريسي ابؼعتزلي ابعهمي , فتنوا الناس بهذه ابؼقالة . كقد تصدل الأئمة بؽذه ابؼقالة , كبينوا للناس ضلاؿ ىذه الشبهة , كحصلت بؽم بذلك فتنة عظيمة , كأظهر ذلك ما حصل للإماـ أبضد من الفتنة ابؼشهورة . (ُ) كفي نسخة : ابؼائة الثانية . كلعلها في نهاية الثانية كبداية الثالثة , لأف بشر ابؼريسي توفي عاـ ُِٖ أك ُِٗق . (ِ) بشر بن غياث ابؼريسي , مبتدع ضاؿ , جدد القوؿ بخلق القرآف , كقد طلبو ىاركف الرشيد فتوارل عنو بكوان من عشرين سنة , ركل ابن ابعوز م في ( مناقب الإماـ أبضد ) عن بؿمد بن نوح قاؿ : بظعتي ىاركف الرشيد أمتَ ابؼؤمنتُ يقوؿ : بلغتٍ أف بشران ابؼريسي زعم أف القرآف بـلوؽ , علي إف أظفر بو لأقتلنو قتلة ما قتلتها أحدان قط . كجاء في ( مناقب الإماـ أبضد ) عن أبضد : كاف بشر متواريان أياـ ىاركف بكوان من عشرين سنة حتى مات ىاركف فظهر كدعا إلى الضلالة . توفي عاـ ُِٖق . قاؿ الذىبي : مقتو أىل العلم , ككفره عدة , كلم يدرؾ جهم بن صفواف , بل تلقف مقالاتو من أتباعو . (ّ) ذكر ذلك غتَ كاحد من أىل العلم , بل ذكر اللالكائي أنو لا خلاؼ بتُ الأمة في ذلك . كابععد بن درىم أصلو من خرساف , ككاف مؤدب مركاف ابغمار آخر خلفاء بتٍ أمية , مبتدع ضاؿ , قيتل يوـ الأضحى على يد خالد بن عبد الله القىسٍرم سنة ُِْىػ في الكوفة . (ْ) كىي مدينة في العراؽ يسكنها الصابئة . (ٓ) كاليهود كانوا مشبهة ثم برولوا إلى التعطيل بعد تأثرىم بدذىب ابعهمية كابؼعتزلة , كقد ذكر ابن تيمية أف اليهود كانوا يقرأكف الأصوؿ ابػمسة للمعتزلة . (ٔ) ابعهم بن صفواف من بظرقند , مبتدع ضاؿ , كرث ابععد بن درىم في الضلاؿ كزاد عليو , كلو تينسب ابعهمية , قيتل على يد سلٍم بن أحوز سنة ُِٖىػ . كقد قاؿ البخارم في كتابو ( خلق أفعاؿ العباد ) : قاؿ قتيبة : بلغتٍ أف جهمان كاف يأخذ الكلاـ من ابععد بن درىم . كذكر ابن كثتَ أنو لقي ابععد في الكوفة كأخذ عنو , بؼا ىرب ابععد من دمشق إلى الكوفة بؼا طلبو بنو أمية بعد إظهاره القوؿ بخلق القرآف .
عدد الصفحات ٣٤تٍ أف جهمان كاف يأخذ الكلاـ من ابععد بن درىم . كذكر ابن كثتَ أنو لقي ابععد في الكوفة كأخذ عنو , بؼا ىرب ابععد من دمشق إلى الكوفة بؼا طلبو بنو أمية بعد إظهاره القوؿ بخلق القرآف . (ٕ) كانظر رد ابن تيمية على ىؤلاء في كتابو ( التسعينية ) ُ/ِْٕ كما بعدىا .
عدد الصفحات ٣٤التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 35 وقولو ( ومذىب النفاة من ىؤلاء في الرب : أنو ليس لو إلا صفات سلبية , أو إضافية , أو مركبة منهما ) . يقصد ابؼصنف أف الفلاسفة , كىم علماء الصابئة مذىبهم في الصفات : إنكار بصيع الصفات , كلا يثبتوف إلا الوجود ابؼطلق بشرط الإطلاؽ , أم : بشرط أف لا تيضاؼ إليو أم صفة ثبوتية , كإبما يوصف بالسلوب , أك الإضافات , أك بالصفات ابؼركبة منهما . كالصفات السلبية لا يكوف فيها إضافة صفة للذات , بل فيها سلب للصفة , مثل قوبؽم : ليس بجاىل(1) , ليس بعاجزكىكذا . كالصفات الإضافية أيضان لا يكوف فيها إضافة صفة للذات , بل ىي صفات اعتبارية نسبية , مثل قوبؽم في كصف الله : إنو مبدأ الكائنات , أك العلة الأكلى , أك العلة الفاعلة , أك علة ابؼوجودات , كما يصفو ابؼتكلموف بالقدـ , كالبقاء . كالصفات الإضافية عندىم ىي الصفات ابؼتقابلة التي لا تعقل إلا بتعقل ما يقابلها , كبيثلوف لذلك بالأبوة كالبنوة , كالقبلية كالبعدية , كالفوقية كالتحتية , فإذا قيل فوؽ عيلم أف برتو شيء , كإذا قيل أب عيلم أف لو ابنان , كىكذا . كالصفة الإضافية ليست صفة ملازمة لل موصوؼ , بل يوصف بها باعتبار غتَه , فالقبلية ليست صفة ملازمة للشيء ابؼوصوؼ بها , كلكنو كصف بها باعتبار ما بعده , ككذا الأبوة ليست صفة ملازمة بؼن كصف بها , كلكنو كصف بها باعتبار ابنو . فالصفات الإضافية ليست صفات كجودية , كإبما ىي صفات نسبية اعتبارية . كيأتي الكلاـ عن ذلك في شرح ( التدمرية ) إف شاء الله تعالى . (ُ) كما كاف يقوؿ بشر ابؼريسي حتُ ناظره عبدالعزيز ابؼكي عن علم الله . قاؿ : أقوؿ : لا بههل .
عدد الصفحات ٣٥التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 36 وىذه التأويلات الموجودة اليوـ بأيدي الناس- مثل أكثر التأويلات التي ذكرىا أبو بكر بن فورؾ في كتاب ( التأويلات ) (1) وذكرىا أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابو الذي سماه ( تأسيس التقديس (2) ويوجد كثير منها في كلاـ خلق كثير غير ىؤلاء , مثل : أبي علي الجبائي(3) ,وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني(4) ,وأبي الحسين البصري(5) ,وأبي الوفاء بن عقيل(6) ,وأبي حامد الغزالي(7) ,وغيرىم- ىي بعينها تأويلات بشر المريسي التي ذكرىا في كتابو . وإف كاف قد يوجد في كلاـ بعض ىؤلاء رد التأويل وإبطالو أيضاً , ولهم كلاـ حسن في أشياء . فإنما بينت أف عين تأويلاتهم ىي عين تأويلات بشر المريسي , ويدؿ على ذلك كتاب الرد الذي صنفو عثماف بن سعيد الدارمي(8) أحد الأئمة المشاىير في زماف البخاري, صنف كتاباً سماه ( رد عثماف بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد ) حكى فيو ىذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي , بكلاـ يقتضي أف المريسي أقعد بها , وأعلم بالمنقوؿ والمعقوؿ من ىؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهتو وجهة غيره , ثم رد ذلك عثماف بن سعيد بكلاـ إذا طالعو العاقل الذكي علم حقيقة ما كاف عليو السلف , وتبين لو ظهور الحجة لطريقهم , وضعف حجة من خالفهم . ثم إذا رأى الأئمة - أئمة الهدى - قد أجمعوا على ذـ المريسية , وأكثرىم كفروىم , أو ضللوىم , وعلم أف ىذا القوؿ الساري في ىؤلاء المتأخرين ىو مذىب المريسي , تبين الهدى لمن يريد الله ىدايتو , ولا حوؿ ولا قوة إلا بالله . والفتوى لا تحتمل البسط في ىذا الباب , وإنما أشير إشارة إلى مبادئ الأمور , والعاقل يسير وينظر . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ يبتُ ابؼصنف ىنا أف التأكيلات ابؼوجودة عند ابؼتأخرين من الصفاتية , كغتَىم , إبما ىي مأخوذة من تلك التأكيلات ابعهمية فاسدة ابؼصدر . كىذا ىو ابغق الذم ينبغي أف يدركو ىؤلاء , كىو أف طريقتهم ىي امتداد لطريقة ابؼعتزلة , كابعهمية . (ُ) ىو بؿمد بن ابغسن بن فيورىؾ , من متقدمي الأشعرية , تتلمذ على أبي ابغسن الباىلي تلميذ أبي ابغس الأشعرم , ككاف لو عناية بابغديث , من أشهر تلاميذه : الإماـ البيهقي , ككاف يثبت الصفات ابػبرية , كالوجو , كاليدين , كالعتُ , توفي عاـ َْٔق . ككتابو ( التأكيلات ) بصع فيو أحاديث عدة كقاـ بتأكيلها على طريقة ابؼتكلمتُ . قاؿ ابن تيمية عنو : كأبو بكر بن فورؾ بصع في كتابو من تأكيلات بشر ابؼري سي كمن بعده ما يناسب كتابو . (ِ) ىو بؿمد بن عمر الرازم , صاحب تصانيف كثتَة في فنوف متنوعة , كىو عمدة ابؼتأخرين من الأشعرية , توفي ع اـ َٔٔق . (ّ) ىو بؿمد بن عبد الوىاب البصرم , أحد أشهر معتزلة البصرة , تتلمذ عليو أبو ابغسن الأشعرم , لأنو كاف زكجان لأمو , توفي عاـ َّّق . (ْ) ىو عبد ابعبار بن أبضد ابؽمذاني , ابؼشهور بالقاضي عبد ابعبار , من مشاىتَ ابؼعتزلة , توفي عاـ ُْٓق . (ٓ) ىو بؿمد بن علي البصرم , من شيوخ ابؼعتزلة , بل قاؿ ابن تيمية : إماـ ابؼتأخرين من ابؼعتزلة , كلو من العقل كالفضل ما ليس لأكثر نظرائو , لكن ىو قليل ابؼعرفة بالسنن , كمعاني القرآف , كطريقة السلف أ.ق توفي عاـ ّْٔق . (ٔ) ىو على بن عقيل ابغنبلي , صاحب التصانيف الكثتَة , من متكلمة ابغنابلة , كابؼتكلموف في ابغنابلة قليل جدان . يقوؿ ابن تيمية عنو : لو في كتابو ( إثبات التنزيو ) كفي غتَه كلاـ يضاىي كلاـ ابؼريسي كبكوه , لكن لو في الإثبات كلاـ كثتَ حسن , كعليو استقر أمره في كتاب ( الإرشاد ) مع أنو قد يزيد في الإثبات , لكن مع ىذا فمذىبو في الصفات قريب من مذىب قدماء الأشعرية كالكلابية , في أنو ييقر ما دؿ عليو القرآف , كابػبر ابؼتواتر , كيتأكؿ غتَه , كبؽذا يقوؿ بعض ابغنبلية : أنا أثبت متوسطان بتُ تعطيل ابن عقيل , كتشبيو ابن حامد أ.
عدد الصفحات ٣٦مذىب قدماء الأشعرية كالكلابية , في أنو ييقر ما دؿ عليو القرآف , كابػبر ابؼتواتر , كيتأكؿ غتَه , كبؽذا يقوؿ بعض ابغنبلية : أنا أثبت متوسطان بتُ تعطيل ابن عقيل , كتشبيو ابن حامد أ.ق توفي عاـ ُّٓق . (ٕ) ىو بؿمد بن بؿمد بن بؿمد الغزالي , من كبار الأشاعرة , سلك طريقة ابؼتكلمتُ , كابؼتصوفة , كىو أشهر تلاميذ إماـ ابغرمتُ ابعويتٍ , تقلب في منهجو , كذكر ابن تيمي ة أنو استقر في آخر حياتو على التلقي على طريقة أىل ابغديث , توفي عاـ َٓٓق . (ٖ) ىو عثماف بن سعيد الدارمي من أئمة أىل ابغديث , كلو رد كد قوية على ابؼعطلة , ككاف خبتَان بشبههم , ككتابو ( الرد على ابؼريسي ) ك( الرد على ابعهمية ) من أنفع الكتب , قاؿ ابن القيم : ككتاباه من أجل الكتب ابؼصنفة في السنة كأنفعها , كينبغي لكل طالب سينة مراده الوقوؼ على ما كاف عليو الصحابة كالتابعوف كالأئمة أف يقرأ كتابيو , ككاف شيخ الإسلاـ يوصي بهذين الكتابتُ أشد الوصية , كيعظمهما جدان , كفيهما من تقرير التوحيد , كالأبظاء كالصفات بالعقل كالنقل ما ليس في غتَبنا أ.ق توفي عاـ َِٖق .
عدد الصفحات ٣٦التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 37 كمن كاف معظمان للسلف , مدعيان اتباعهم , فلينظر رد السلف على ابؼريسية أتباع بشر ابؼريسي , فسيجد أف تأكيلات بشر التي رد السلف عليها ىي بعينها تأكيلات ابؼتأخرين من الصفاتية كغتَ ىم , بل إف بشران كاف أفهم منهم بقواعد تلك التأكيلات , كأعلم منهم بابؼنقوؿ , كابؼعقوؿ . كمن أراد ابغق فليطالع كتاب الدارمي في الرد على ابؼريسي , كيرل بنفسو قوة ابغق ككضوحو , كضعف الباطل كىشاشتو .
عدد الصفحات ٣٧التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 38 وكلاـ السلف في ىذا الباب موجود في كتب كثيرة لا يمكن أف نذكر ىهنا إلا قليلاً منو , مثل كتاب السنن للالكائي والإبانة لابن بطة , والسنة لأبي ذر الهروي , والأصوؿ لأبي عمرو الطلمنكي , وكلاـ أبي عمر بن عبد البر , والأسماء والصفات للبيهقي . وقبل ذلك السنة للطبراني , ولأبي الشيخ الأصبهاني , ولأبي عبد الله بن منده , ولأبي أحمد العساؿ الأصبهاني . وقبل ذلك السنة للخلاؿ , والتوحيد لابن خزيمة , وكلاـ أبي العباس بن سريج , والرد على الجهمية لجماعة , مثل البخاري , وشيخو عبد الله بن محمد بن عبد الله الجُ عفي . وقبل ذلك السنة لعبد الله بن أحمد , والسنة لأبي بكر بن الأثرـ , والسنة لحنبل , وللمروذي , ولأبي داود السجستاني , ولابن أبي شيبة , والسنة لأبي بكر بن أبي عاصم , وكتاب خلق أفعاؿ العباد للبخاري , وكتاب الرد على الجهمية لعثماف بن سعيد الدارمي , وغيرىم . وكلاـ أبي العبا س عبد العزيز المكي صاحب ( الحيدة ) في الرد على الجهمية , وكلاـ نعيم بن حماد الخزاعي , وكلاـ غيرىم . وكلاـ الإماـ أحمد بن حنبل , وإسحاؽ بن راىويو , ويحيى بن سعيد , ويحيى بن يحيى النيسابوري , وأمثالهم . وقبل ذلك لعبد الله بن المبارؾ , وأمثالو , وأشياء كثيرة . وعندنا من الدلائل السمعية , والعقلية ما لا يتسع ىذا الموضع لذكره . وأنا أعلم أف المتكلمين النفاة لهم شبهات موجودة , ولكن لا يمكن ذكرىا في الفتوى , فمن نظر فيها وأراد إبانة ما ذكروه من الشبو فإنو يسير . فإذا كاف أصل ىذه المقالة - مقالة التعطيل , والتأويل - مأخوذاً عن تلامذة المشركين , والصابئين , واليهود , فكيف تطيب نفس مؤمن - بل نفس عاقل - أف يأخذ سبيل ىؤلاء المغضوب عليهم , أو الضالين , ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم , من النبيين , والصديقين , والشهداء , والصالحين ! ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ سرد ابؼصن ف ىنا بصلة من كتب السلف , تبتُ ضلاؿ منهج ابؼتأخرين , كبـالفتهم لطريقهم , ككل ىذه الكتب على اختلاؼ أصحابها , كاختلاؼ طبقاتهم , كاختلاؼ بلدانهم متفقة على نهج كاحد , كىذا الأمر أكبر دلالة عل ابغق الذم فيها . ثم ختم ذلك بدقارنة عقلية بؼن كاف لو قلب : كيف تطيب نفس مسلم , أك نفس عاقل أف تأخذ بطريقة مصدرىا اليهود , كالنصارل , كالمجوس , كابؼشركتُ , كنتيجتها الاضطراب , كابغتَة , كالتًدد , كيدع طريقة مصدرىا ابؽديتُ , ككلاـ الأتقياء , كنتيجتها الطمأنينة , كالسلامة !
عدد الصفحات ٣٨التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 39 فصل : ثم القوؿ الشامل في جميع ىذا الباب : أف يوصف الله بما وصف بو نفسو , أو وصفو بو رسولو , وبما وصفو بو السابقوف الأولوف , لا يتجاوز القرآف , والحديث . قاؿ الإماـ أحمد رضي الله عنو : لا يوصف الله إلا بما وصف بو نفسو , أو وصفو بو رسولو صلى الله عليو وسلم , لا يتجاوز القرآف , والحديث . ومذىب السلف : أنهم يصفوف الله بما وصف بو نفسو , وبما وصفو بو رسولو , من غير تحريف , ولا تعطيل , ومن غير تكييف , ولا تمثيل . ونعلم أف ما وصف الله بو من ذلك فهو حق ليس فيو لغز , ولا أحاجي , بل معناه يعرؼ من حيث يعرؼ مقصود المتكلم بكلامو , لا سيما إذا كاف المتكلم أعلم الخلق بما يقوؿ , وأفصح الخلق في بياف العلم , وأنصح الخلق في البياف والتعريف , والدلالة والإرشاد . وىو سبحانو مع ذلك ليس كمثلو شيء , لا في نفسو المقدسة المذكورة بأسمائو وصفاتو , ولا في أفعالو , فكما نتيقن أف الله سبحانو لو ذات حقيقة , ولو أفعاؿ حقيقة , فكذلك لو صفات حقيقة , وىو ليس كمثلو شيء , لا في ذاتو , ولا في صفاتو , ولا في أفعالو . وكل ما أوجب نقصاً , أو حدوثاً فإف الله منزه عنو حقيقة , فإنو سبحانو مستحق للكماؿ الذي لا غاية فوقو , ويمتنع عليو الحدوث , لامتناع العدـ عليو , واستلزاـ ال حدوث سابقة العدـ , ولافتقار المحدَ ث إلى محدِ ث , ولوجوب وجوده بنفسو سبحانو وتعالى . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ المبحث الخامس : بياف مذىب السلف في باب الصفات , وأنو مذىب منضبط , موافق للأدلة الشرعية , والعقلية , وبياف أف مذىب الخلف في ىذا الباب مذىب مضطرب , مخالف للأدلة الشرعية , والعقلية . بعد أف بتُ ابؼصنف صحة مذىب السلف كطريقتهم في التعامل مع نصوص الصفات , ك بتُ ضلاؿ مذىب ابؼتأخرين في ذلك , عقد فصلان جديدان لبياف طريقة السلف في التعامل مع النصوص الواردة في الأبظاء كالصفات . كخلاصة ذلك أنهم لا يثبتوف لله أم صفة إلا أف تكوف ىذه الصفة كاردة في القرآف , أك ابغديث , قاؿ الإماـ أبضد : لا يوصف الله إلا بدا كصف بو نفسو في كتابو , أك كصفو بو رسولو لا يتجاكز القرآف, كابغديث . قاؿ الشيخ بؿمد بن إبراىيم : كىذا الذم قاؿ الإماـ أبضد ىو الذم عليو بصيع الأئمة من أىل السنة . كىذه الصفات الواردة في النصوص يثبتونها على حقيقة معناىا ابؼعركؼ في لغة العرب , لأف الكلاـ إذا كاف لو معتٌ ظاىر كقصد بو ابؼتكلم معتٌ آخر , دؿ ذلك على جهل ابؼتكلم , أك عجزه عن البياف , أك تدليسو , كىذا الأمر يينزه عنو كلاـ الله , ككلاـ رسولو لأفالرسوؿ أعلم الناس بدا يقوؿ , كأفصح الناس بدا ينطق , كأنصح الناس في بياف ابغق , فمحاؿ أف يتكلم بكلاـ كيريد غتَه كأىل السنة مع إثباتهم للصفات على حقيقتها ينزىوف الله عن مشابهة ابؼخلوقتُ , كلا بهعلوف لوازـ صفات ابؼخلوقتُ لوازـ لصفات ابػالق , بل يعتقدكف أف الله ( أحد ) في ذاتو , كصفاتو , كأفعالو , ليس كمثلو شيء سبحانو كتعالى , كذلك أف الصفات فرع عن الذات , فكما أف ذات الله لا تشبو ذكات ابؼخلوقتُ - باتفاؽ الناس – فكذلك صفاتو لا تشبو صفات ابؼخلوقتُ .
عدد الصفحات ٣٩التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 40 كىو سبحانو لو الكماؿ ابؼطلق في ذاتو , كصفاتو , كأفعالو , ككل ما أكجب نقصان , أك حدكثان فالله منزه عنو وقوؿ المصنف ىنا ( ويمتنع عليو الحدوث , لامتناع العدـ عليو , واستلزاـ الحدوث سابقة العدـ , ولافتقار المحدَ ث إلى محدِ ث , ولوجوب وجوده بنفسو سبحانو وتعالى ) . ابؼعتٌ أف ابغدكث نقص يينزه الله عنو , لعدة أسباب : ُ. لأف ابغدكث يسبقو العدـ , كالعدـ نقص . ِ. لأف ابغادث مفتقر إلى بؿدث , كىذا أيضان نقص . ّ. لأف الله كاجب الوجود , ككاجب الوجود من لم ييسبق بعدـ . قاؿ ابن تيمية : فقوبؽم - يعتٍ : أىل السنة - في الصفات مبتٌ على أصلتُ : أحدبنا أف الله سبحانو كتعالى منزه عن صفات النقص مطلقان , كالسنة , كالنوـ , كالعجز , كابعهل , كغتَ ذلك . كالثاني : أنو متصف بصفات الكماؿ التي لا نقص فيها على كجو الاختصاص بدا لو من الصفات , فلا بياثلو شيء من ابؼخلوقات في شيء من الصفات .
عدد الصفحات ٤٠التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 41 ومذىب السلف بين التعطيل , والتمثيل , فلا يمثلوف صفات الله بصفات خلقو , كما لا يمثلوف ذاتو بذات خلقو , ولا ينفوف عنو ما وصف بو نفسو , ووصفو بو رسولو , فيعطلوا أسماءه الحسنى , وصفاتو العليا , ويحرفوا الكلم عن مواضعو , ويلحدوا في أسماء الله وآياتو . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ بعد أف بتُ ابؼصنف في الكلاـ السابق منهج السلف في باب الصفات , بتُ ىنا أف السلف بطريقتهم ىذه فارقوا ابؼعطلة , كابؼشبهة , فبإثباتهم الصفات فارقوا ابؼعطلة الذين عطلوا صفات الله كلها , أك بعضها , كبنفيهم التشبيو فارقوا ابؼشبهة الذين يثبتوف الصفات لله كيشبهونها بصفات ابؼخلوقتُ . كىذه الطريقة موافقة لقوؿ الله تعالى ( ليس كمثلو شيء كىو السميع البصتَ ) ففي قولو ( ليس كمثلو شيء ) رد على ابؼشبهة , كفي قولو ( كىو السميع البصتَ ) رد على ابؼعطلة . كموافقة للعقل الصريح , كذلك أف اختلاؼ الذات يلزـ منو اختلاؼ الصفات . ككل من ابؼعطل , كابؼشبو بؿرؼ لكلاـ الله , ملحده في أبظاء الله كصفاتو , مائل بها عن مراد الله .
عدد الصفحات ٤١التعليقات السَنية على الفتوى الحموية 42 وكل واحد من فريقي التعطيل , والتمثيل , فهو جامع بين التعطيل , والتمثيل أما المعطلوف فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاتو إلا ما ىو اللائق بالمخلوؽ , ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات , فقد جمعوا بين التعطيل , والتمثيل , مثلوا أولاً , وعطلوا آخراً , وىذا تشبيو وتمثيل منهم للمفهوـ من أسمائو وصفاتو بالمفهوـ من أسماء خلقو وصفاتهم , وتعطيل لما يستحقو ىو سبحانو من الأسماء والصفات اللائقة بالله سبحانو وتعالى . فإنو إذا قاؿ القائل : لو كاف الله فوؽ العرش للزـ إما أف ي كوف أكبر من العرش , أو أصغر , أو مساوياً , وكل ذلك من المحاؿ , ونحو ذلك من الكلاـ , فإنو لم يفهم من كوف الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كاف على أي جسم كاف , و ىذا اللازـ تابع لهذا المفهوـ . أما استواء يليق بجلاؿ الله تعالى , ويختص بو فلا يلزمو شيء من اللوازـ الباطلة التي يجب نفيها , كما يلزـ من سائر الأجساـ . وصار ىذا مثل قوؿ الممثل : إذا كاف للعالم صانع فإما أف يكوف جوىراً , أو عرضاً , وكلاىما محاؿ , إذ لا يعقل موجود إلا ىذاف . وقولو : إذا كاف مستوياً على العرش فهو مماثل لاستواء الإنساف على السرير , أو الفلك , إذ لا يعلم الاستواء إلا ىكذا . فإف كليهما مثل , وكليهما عطل حقيقة ما وصف الله بو نفسو . وامتاز الأوؿ بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي , وامتاز الثاني بإثبات استواء ىو من خصائص المخلوقين . والقوؿ الفاصل ىو ما عليو الأمة الوسط , من أف الله مستو على عرشو استواء يليق بجلالو , ويختص بو , فكما أنو موصوؼ بأنو بكل شيء عليم , وعلى كل شيء قدير , وأنو سميع بصير , ونحو ذلك . ولا يجوز أف يثبت للعلم , والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين , وقدرتهم , فكذلك ىو سبحانو فوؽ العرش , ولا يثبت لفوقيتو خصائص فوقية المخلوؽ على المخلوؽ ولوازمها . ػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػػ بعد أف ذكر ابؼصنف أف أىل السنة كسط في باب أبظاء الله كصفاتو بتُ ابؼعطلة , كابؼمثلة , ذكر أف كلان من ابؼعطلة , كابؼمثلة قد بصع بتُ التعطيل , كالتمثيل . ووجو التمثيل عند المعطلة : أف ابؼعطلة ما عطلوا الصفات إلا بعد أف مثلوا تلك الصفات في أذىانهم , كجعلوا لوازـ صفات ابؼخلوؽ لوازـى لصفات ابػالق , لأنهم لم يفهموا من الصفات الثابتة لله إلا الصفات الثابتة للمخلوؽ . ووجو التعطيل عند الممثلة : أنهم بؼا مثلوا صفات الله بصفات ابػلق عطلوا الله عن صفاتو ابغقيقية الكاملة اللائقة بو , كما أنهم عطلوا النص عن معناه ابغقيقي . ثم ذكر ابؼصنف مثالان لذلك , كىو صفة الاستواء على العرش : فابؼعطلة ينكركف ىذه الصفة الثابتة في النصوص , كشبهتهم أنهم يعتقدكف أف إثبات ىذه الصفة يلزـ منو تشبيو ابػالق بابؼخلوؽ , إذ إنهم لا يعقلوف من الاستواء إلا الاستواء ابؼعركؼ من ابؼخلوقتُ . كقالوا : لو كاف الله مستويان على العرش للزـ أف يكوف بؿتاجان إليو , معتمدان عليو , كىذا ينافي الغتٌ . فحقيقة أمرىم أنهم شبهوا أكلان ثم عطلوا . كأما ابؼمثلة فأثبتوا لله استواء كاستواء ابؼخلوؽ , إذ لا يعلم الاستواء إلا ىكذا . كحقيقة أمرىم أنهم عطلوا الله عن الاستواء اللا ئق بو
عدد الصفحات ٤٢