تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 73 - سورة الفاتحت (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- إخلاص العبادة لله؛ لقولو تعالى{ :إياؾ نعبد}؛ وجو الإخلاص: تقديم المعموؿ.. ٕ- إخلاص الاستعانة بالله ؛ لقولو تعالى{ :وإياؾ نستعين}، حيث قدـ المفعوؿ.. فإف قاؿ قادل: كيف يقاؿ: إخلاص الاستعانة لله وقد جاء في قولو تعالى{ :وتعاونوا على البر والتقوى[ }الماددة: ٕ] إثبات المعونة من غير الله ، وقاؿ النبي : " تعين الرجل في دابتو، فتحملو عليها، أو ترفع لو عليها متاعو صدقة"؟(ٔ) .. فالجواب: أف الاستعانة نوعاف: استعانة تفويض؛ بمعنى أنك تعتمد على الله ، وتتبرأ من حولك، وقوتك؛ وىذا خاص بالله ؛ واستعانة بمعنى المشاركة فيما تريد أف تقوـ بو: فهذه جادزة إذا كاف المستعاف بو حياً قادراً على الإعانة؛ لأنو ليس عبادة؛ ولهذا قاؿ الله تعالى{ :وتعاونوا على البر والتقوى}الماددة:(ٕ) فإف قاؿ قادل: وىل الاستعانة بالمخلوؽ جادزة في جميع الأحواؿ؟ فالجواب: لا؛ الاستعانة بالمخلوؽ إنما تجوز حيث كاف المستعاف بو قادراً عليها؛ وأما إذا لم يكن قادراً فإنو لا يجوز أف تستعين بو: كما لو استعاف بصاحب قبر فهذا حراـ؛ بل شرؾ أكبر؛ لأف صاحب القبر لا يغني عن نفسو شيئاً؛ فكيف يعينو!!! وكما لو استعاف بغادب في أمر لا يقدر عليو، مثل أف يعتقد أف الوليّ الذي في شرؽ الدنيا يعينو على مهمتو في بلده: فهذا أيضاً شرؾ أكبر؛ لأنو لا يقدر أف يعينو وىو ىناؾ.. فإف قاؿ قادل: ىل يجوز أف يستعين المخلوؽَ فيما تجوز استعانتو بو؟ فالجواب: الأولى أف لا يستعين بأحد إلا عند الحاجة، أو إذا علم أف صاحبو يُسَر بذلك، فيستعين بو من أجل إدخاؿ السرور عليو؛ وينبغي لمن طلبت منو الإعانة على غير الإثم والعدواف أف يستجيب لذلك.. {اىْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (ٙ} ) قاؿ السعدي: أي: دلّ نا وأرشدنا، ووفّ قنا للصّ راط المستقيم، وىو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنتو، وىو معرفة الحق والعمل بو، فاىدنا إلى الصراط واىدنا في الصراط. فالهداية إلى الصراط: لزوـ دين الإسلاـ، وترؾ ما سواه ٔ- أخرجو البخاري صٕٖٕ، كتاب الجياد، باب ٕٚ: فضل من حمل متاع صاحبو في السفر حديث رقم ٜٕٔٛ؛ وأخرجـو مسـمم صٖٚٛ، كتـاب الزكـاة، بـاب ٙٔ: بيان أن اسم الصدقة يقع عمى كل نوع من المعروف، حديث رقم ٖٖٕ٘ [ٙ٘]ٜٓٓٔ، والمفظ لمسمم.
عدد الصفحات ٧٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 74 - سورة الفاتحت من الأدياف، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علما وعملا. فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنساف أف يدعو الله بو في كل ركعة من صلاتو، لضرورتو إلى ذلك. قاؿ ابن القيم: وذكر الصراط المستقيم منفردا، معرفا تعريفين: تعريفا باللاـ، وتعريفا بالإضافة. وذلك يفيد تعيّنو واختصاصو، وأنو صراط واحد. وأما طرؽ أىل الغضب والضلاؿ فإنو سبحانو يجمعها ويفردىا، كقولو: ٙ:ٗ٘ٔ (وَأَفَّ ىذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تػَتَّبِعُوا الس بُلَ فػَتػَفَرَّؽَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِوِ ) فوحّد لفظ الصراط وسبيلو. وجمع الس بل المخالفة لو. وقاؿ ابن مسعود: «خطّ لنا رسوؿ الله خطّا، وقاؿ: ىذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينو وعن يساره، وقاؿ: ىذه سبل، وعلى كل سبيل شيطاف يدعو إليو، ثم قرأ قولو تعالى:( وَأَفَّ ىذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تػَتَّبِعُوا الس بُلَ فػَتػَفَرَّؽَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِوِ . ذلِكُمْ وَصَّاكُ مْ بِوِ لَعَلَّكُمْ تػَتػَّقُوفَ ) وىذا لأف الطريق الموصل إلى الله واحد. وىو ما بعث بو رسلو وأنزؿ بو كتبو. لا يصل إليو أحد إلا من ىذه الطريق. ولو أتى الناس من كل طريق، واستفتحوا من كل باب، فالطرؽ عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة، إلا من ىذا الطريق الواحد. فإنو متصل بالله، موصل إلى الله، قاؿ الله تعالى:٘ٔ: ٔٗ (ىذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ) قاؿ الحسن معناه: صراط إليّ مستقيم. وىذا يحتمل أمرين: أف يكوف أراد بو أنو من باب إقامة الأدوات بعضها مقاـ بعض، فقامت أداة «على» مقاـ «إلى» والثاني: أنو أراد التفسير على المعنى. وىو الأشبو بطريق السلف. أي صراط موصل إلي وقاؿ مجاىد : الحق يرجع إلى الله، وعليو طريقو، لا يعرج على شيء. وىذا مثل قوؿ الحسن وأبين منو. وىو من أصح ما قيل في الآية. قيل: في أداة «على» سر لطيف. وىو الإشعار بكوف السالك على ىذا الصراط على ىدى. وىو حق. كما قاؿ في حق المؤمنين: ٕ: ٘( أُولئِكَ عَلى ىُدىً مِنْ رَبِّهِمْ )وقاؿ لرسولو : ٕٚ: ٜٚ (فػَتػَوَكَّلْ عَلَى اللَّوِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ) والله ىو الحق، وصراطو حق، ودينو حق. فمن استقاـ على صراطو فهو على الحق والهدى. فكاف في أداة «على» على ىذا المعنى ما ليس في أداة «إلى» فتأملو، فإنو سريع بديع. فإف قلت: فما الفاددة في ذكر «على» في ذلك أيضا. وكيف يكوف المؤمن مستعليا على الحق، وعلى الهدى؟. قلت: لما فيو من استعلادو وعلوه بالحق والهدى، مع ثباتو عليو واستقامتو إليو. فكاف في الإتياف بأداة «على» ما يدؿ على علوه وثبوتو واستقامتو. وىذا بخلاؼ الضلاؿ والرّيب. فإنو يؤتي فيو بأداة «في» الدالة على انغماس صاحبو، وانقماعو وتدسّ سو فيو، كقولو تعالى: ٜ: ٘ٗ (فػَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يػَتػَرَدَّدُوفَ ) وقولو: ٙ: ٜٖ (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُم وَبُكْمٌ فِي الظ لُماتِ )وقولو: ٖٕ: ٕ٘ (فَذَرْىُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) وقولو: ٕٗ: ٗٔ (إِنػَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْوُ مُرِيبٍ ) وتأمل قولو تعالى: ٖٗ: ٕٗ (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى ىُدىً أَوْ فِي ضَلاؿٍ مُبِينٍ ) فإف طريق الحق تأخذ علوّ ا صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير، وطريق الضلاؿ تأخذ سفلا، ىاوية بسالكها في أسفل سافلين. ولمّ ا كاف سؤاؿ الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجلّ المطالب ونيلو أشرؼ المواىب: علّم الله عباده كيفية سؤالو، وأمرىم أف يقدموا بين يديو حمده والثناء عليو،
عدد الصفحات ٧٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 75 - سورة الفاتحت وتمجيده ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدىم، فهاتاف و سيلتاف إلى مطلوبهم. توسّ ل إليو بأسمادو وصفاتو. وتوسل إليو بعبوديتو. وىاتاف الوسيلتاف لا يكاد يردّ معهما الدعاء. ويؤيدىما الوسيلتاف المذكورتاف في حديثي الاسم الأعظم اللذين رواىما ابن حباف في صحيحو، والإماـ أحمد والترمذي. أحدىما:حديث عبد الله بن بريدة عن أبيو قاؿ: «سمع النبي رجلا يدعو، ويقوؿ: ((اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك الله الذي لا إلو إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن لو كفوا أحد)).فقاؿ: ((والذي نفسي بيده، لقد سأؿ الله باسمو الأعظم، الذي إذا دعي بو أجاب، وإذا سئل بو أعطى)) قاؿ الترمذي: حديث صحيح . فهذا توسل إلى الله بتوحيده، وشهادة الداعي لو بالوحدانية. وثبوت صفاتو المدلوؿ عليها باسم «الصمد» وىو كما قاؿ ابن عباس «العالم الذي كمل علمو، القادر الذي كملت قدرتو» وفي رواية عنو «ىو السيد الذي قد كمل فيو جميع أنواع السؤدد» وقاؿ أبو وادل: «ىو السيد الذي انتهى سؤدده» وقاؿ سعيد بن جبير: «ىو الكامل في جميع صفاتو وأفعالو وأعمالو» وبنفي التمثيل والتشبيو عنو بقولو «وَلَمْ يَكُنْ لَوُ كُفُواً أَحَدٌ » وىذه ترجمة عقيدة أىل السنة والتوسل بالإيماف بذلك، والشهادة بو ىو الاسم الأعظم. والثاني: حديث أنس: «أف رسوؿ الله سمع رجلا يدعو: اللهم إني أسألك بأف لك الحمد، لا إلو إلا أنت، المنّاف، بديع السموات والأرض يا ذا الجلاؿ والإكراـ، يا حي يا قيوـ. فقاؿ: لقد سأؿ الله باسمو الأعظم» فهذا توسل إليو بأسمادو وصفاتو. وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين، وىما التوسل بالحمد والثناء عليو، وتمجيده، والتوسل إليو بعبوديتو وتوحيده. ثم جاء سؤاؿ أىم المطالب، وأنجح الرّ غادب، وىو الهداية، بعد الوسيلتين، فالدّ اعي بو حقيق بالإجابة. ونظير ىذا: دعاء النبي الذي كاف يدعو بو إذا قاـ يصلّي من الليل،رواه البخاري في صحيحو من حديث ابن عباس: «اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيوـ السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدؾ الحق، ولقاؤؾ حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيوف حق، والساعة حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت. فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إلو إلا أنت» .فذكر التوسل إليو بحمده والثناء عليو وبعبوديتو لو. ثم سألو المغفرة. وتضمّنت إثبات النبوّات من قولو اىْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فالهداية: ىي البياف والدّ لالة، ثم التوفيق والإلهاـ، وىو بعد البياف والدلالة. ولا سبيل إلى البياف والدلالة إلا من جهة الرسل. فإذا حصل البياف والدلالة والتعريف ترتب عليو ىداية التوفيق. وجعل الإيماف في القلب وتحبيبو إليو، وتزيينو في قلبو، وجعلو مؤثرا لو، راضيا بو، راغبا فيو. ىما ىدايتاف مستقلّ تاف، لا يحصل الفلاح إلا بهما. وىما متضمّ نتاف تعريف ما لم نعلمو من الحق تفصيلا وإجمالا، وإلهامنا لو، وجعلنا مريدين لاتّ باعو ظاىرا و باطنا. ثم خلق القدرة لنا على القياـ لنا على القياـ بموجب الهدى بالقوؿ والعمل والعزـ. ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليو إلى الوفاة. ومن ىاىنا يعلم اضطرار العبد إلى سؤاؿ ىذه الدعوة فوؽ كل ضرورة، وبطلاف قوؿ من يقوؿ: إذا كنّ ا مهتدين، فكيف نسأؿ الهداية؟ فإف المجهوؿ لنا، من الحق
عدد الصفحات ٧٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 76 - سورة الفاتحت أضعاؼ المعلوـ. وما لا نريد فعلو تهاونا وكسلا مثل ما نريده أو أكثر منو أو دونو، وما لا نقدر عليو مما نريده كذلك. وما نعرؼ جملتو ولا نهتدي لتفاصيلو، فأمر يفوتو الحصر. ونحن محتاجوف إلى الهداية التامة.فمن كملت لو ىذه الأمور كاف سؤاؿ الهداية لو سؤاؿ التّ ثبيت والدواـ. وللهداية مرتبة أخرى- وىي آخر مراتبها- وىي الهداية يوـ القيامة إلى طريق الجنة. وىو الصراط الموصل إليها. فمن ىدى في ىذه الدار إلى صراط الله المستقيم الذي أرسل بو رسلو، وأنزؿ بو كتبو، ىدي ىناؾ إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى جنتو ودار ثوابو. وعلى قدر ثبوت قدـ العبد على ىذا الصراط الذي نصبو الله لعباده في ىذه الدار، يكوف ثبوت قدمو على الصراط المنصوب على متن جهنم. وعلى قدر سيره على ىذا الصراط يكوف سيره على ذاؾ الصراط. فمنهم من يمر كالبرؽ، ومنهم من يمر كالطّرؼ،ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشدّ الركاب، ومنهم من يسعى سعيا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يحبو حبوا، ومنهم المخدوش المسلّم، ومنهم المكردس في الناس. فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على ىذا، حذو القذّة بالقذة جزاء وفاقا ىَلْ تُجْزَوْفَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تػَعْمَلُوفَ . ولينظر الشبهات والشهوات التي تعوقو عن سيره على ىذا الصراط المستقيم. فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاؾ الصراط، تخطفو وتعوقو عن المرور عليو. فإف كثرت ىنا وقويت فكذلك ىي ىناؾ وَما رَب كَ بِظَلاَّـٍ لِلْعَبِيدِ . فسؤاؿ الهداية متضمن لحصوؿ كل خير،والسلامة من كل شر.وكذلك يتضمّن إثبات النبوّات من معرفة نفس المسؤوؿ، وىو الصراط المستقيم. ولا تكوف الطريق صراطا حتى تتضمن خمسة أمور: الاستقامة، والإيصاؿ إلى المقصود، والقرب، وسعتو للمارين عليو، وتعيّنو طريقا للمقصود. ولا يخفى تضمن الصراط المستقيم لهذه الأمور الخمسة. فوصفو بالاستقامة يتضمن قربو، لأف الخط المستقيم ىو أقرب خط فاصل بين نقطتين. وكلما تعوج طاؿ وبعد. واستقامتو تتضمن إيصالو إلى المقصود ونصبو لجميع من يمر عليو يستلزـ سعتو. وإضافتو إلى المنعم عليهم، ووصفو بمخالفة صراط أىل الغضب والضلاؿ يستلزـ تعينو طريقا. والصراط: تارة يضاؼ إلى الله، إذ ىو الذي شرعو ونصبو، كقولو تعالى: ٙ: ٖ٘ٔ( وَأَفَّ ىذا صِراطِي مُسْتَقِيماً ) وقولو: ٕٗ: ٕ٘( وَإِنَّكَ لَتػَهْدِي إِلى صِ راطٍ مُسْتَقِيمٍ : صِراطِ اللَّوِ ) وتارة يضاؼ إلى العباد، كما في الفاتحة لكونهم أىل سلوكو . وىو المنسوب لهم. وىم المارّ وف عليو. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- لجوء الإنساف إلى الله بعد استعانتو بو على العبادة أف يهديو الصراط المستقيم؛ لأنو لا بد في العبادة من إخلاص؛ يدؿ عليو قولو تعالى{ :إياؾ نعبد}؛ ومن استعانة يتقوى بها على العبادة؛ يدؿ عليو قولو تعالى{ :وإياؾ نستعين}؛ ومن أتباع للشريعة؛ يدؿ عليو قولو تعالى{ :اىدنا الصراط المستقيم}؛ لأف {الصراط المستقيم}ىو الشريعة التي جاء بها الرسوؿ .
عدد الصفحات ٧٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 77 - سورة الفاتحت ٕ- بلاغة القرآف، حيث حذؼ حرؼ الجر من {اىدنا}؛ والفاددة من ذلك: لأجل أف تتضمن طلب الهداية: التي ىي ىداية العلم، وىداية التوفيق؛ لأف الهداية تنقسم إلى قسمين: ىداية علم، وإرشاد؛ وىداية توفيق، و عمل؛ فالأولى ليس فيها إلا مجرد الدلالة؛ والله قد ىدى بهذا المعنى جميع الناس، كما في قولو تعالى{ :شهر رمضاف الذي أنزؿ فيو القرآف ىدًى للناس[ }البقرة: ٘ٛٔ]؛ والثانية فيها التوفيق للهدى، واتباع الشريعة، كما في قولو تعالى{ :ذلك الكتاب لا ريب فيو ىدًى للمتقين[ }البقرة: ٕ]وىذه قد يحرمها بعض الناس، كما قاؿ تعالى{ :وأما ثمود فهديناىم فاستحبوا العمى على الهدى[ }فصلت: ٚٔ{ : ]فهديناىم}أي بيػّنّا لهم الحق، ودَلَلْناىم عليو؛ ولكنهم لم يوفقوا.. ٖ- أف الصراط ينقسم إلى قسمين: مستقيم، ومعوج؛ فما كاف موافقاً للحق فهو مستقيم، كما قاؿ الله تعالى{ :وأف ىذا صراطي مستقيماً فاتبعوه[ }الأنعاـ: ٖ٘ٔ]؛ وما كاف مخالفاً لو فهو معوج .. {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنػْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (ٚ} ) قاؿ الشنقيطي: وَقػَوْلُوُ تػَعَالَى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنػْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ): لم يػُبػَيِّنْ ىُنَا مَنْ ىَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَنػْعَمَ عَلَيْهِمْ . وَبػَيَّنَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِقَوْلِوِ : (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنػْعَمَ اللَّوُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالش هَدَاءِ وَالصَّالِ حِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) . قاؿ ابن القيم :ولما كاف طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبوف عنو، مريد لسلوؾ طريق مرافقو فيها غاية العزة. والنفوس مجبولة على وحشة التفرؽ، وعلى الأنس بالرفيق، نبو الله سبحانو على الرفيق في ىذه الطريق، وأنهم مع الذين أَنػْعَمَ اللَّوُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالش هَداءِ وَالصَّالِحِينَ . وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فأضاؼ الصراط إلى الرفيق السالكين لو. وىم الذين أنعم الله عليهم، ليزوؿ عن الطالب للهداية وسلوؾ الصراط وحشة تفرّ ده عن أىل زمانو وبني جنسو. وليعلم أف رفيقو في ىذا الصراط ىم الذين أنعم الله عليهم. فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنو لو. فإنّ هم ىم الأقلّوف قدرا، وإف كانوا الأكثرين عددا، كما قاؿ بعض السلف: عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلّ ة السالكين. وإياؾ وطريق الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين. وكلّ ما استوحشت في تفرّ دؾ فانظر إلى الرفيق السابق، واحرص على اللّ حاؽ بهم. وغضّ الطرؼ عمّ ن سواىم. فإنّ هم لن يغنوا عنك من الله شيئا. وإذا صاحوا بك في طريق سيرؾ، فلا تلتفت إليهم. فإنك متى التفتّ إليهم أخذوؾ وعاقوؾ. وقد ضربت لك مثلين، فليكونا منك على باؿ. المثل الأوؿ: رجل خرج من بيتو إلى الصلاة، لا يريد غيرىا. فعرض لو في طريقو شيطاف من شياطين الإنس، فألقى عليو كلاما يؤذيو. فوقف ورد عليو، وتماسكا. فربما كاف شيطاف الإنس أقوى منو، فقهره، ومنعو عن الوصوؿ إلى المسجد، حتى فاتتو الصلاة. وربما كاف الرجل أقوى من شيطاف الإنس، ولكن اشتغل بمهاوشتو عن الصف الأوؿ، وكماؿ إدراؾ الجماعة. فإف التفت إليو أطمعو في نفسو. وربما فترت عزيمتو. فإف كاف لو معرفة وعلم زاد في السعي
عدد الصفحات ٧٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 78 - سورة الفاتحت والجمز «ٔ» بقدر التفاتو أو أكثر، فإف أعرض عنو واشتغل بما ىو بصدده، وخاؼ فوت الصلاة أو الوقت: لم يبلغ عدوه منو ما شاء. المثل الثاني: الظبي أشد سعيا من الكلب، ولكنو إذا أحس بو التفت إليو فيضعف سعيو، فيدركو الكلب فيأخذه. والقصد: أف في ذكر ىذا الرفيق: ما يزيل وحشة التفرد، ويحث على السير والتشمير للّ حاؽ بهم. وىذه إحدى الفوادد في دعاء القنو ت «اللهم اىدني فيمن ىديت» أي أدخلني في ىذه الزمرة، واجعلني رفيقا لهم ومعهم. والفاددة الثانية: أنو توسل إلى الله بنعمو وإحسانو إلى من أنعم عليو بالهداية أي قد أنعمت بالهداية على من ىديت، وكاف ذلك نعمة منك. فاجعل لي نصيبا من ىذه النعمة، واجعلني واحدا من ىؤلاء المنعم عليهم. فهو توسل إلى الله بإحسانو. والفاددة الثالثة: كما يقوؿ السادل للكريم: تصدؽ عليّ في جملة من تصدّ قت عليهم، وعلِّ مني في جملة من علَّ متو. وأحسن إلي في جملة من شملتو إحسانك. و يتضمّن إثبات النبوّات من ذكر المنعم عليهم، وتمييزىم عن طادفتي الغضب والضلاؿ فانقسم الناس بحسب معر فة الحق والعمل بو إلى الأقساـ الثلاثة. لأف العبد إما أف يكوف عالما بالحق، أو جاىلا بو. والعالم بالحق إما أف يكوف عاملا بموجبو أو مخالفا لو. فهذه أقساـ المكلفين. لا يخرجوف عنها البتّ ة. فالعالم بالحق العامل بو: ىو المنعم عليو. وىو الذي زكّى نفسو بالعلم النافع والعمل الصالح. وىو المفلح ٜٔ:ٜ(قَدْ أَفػْلَحَ مَنْ زَكَّاىا) والعالم بو المتبع ىواه ىو المغضوب عليو. والجاىل بالحق: ىو الضاؿ. والمغضوب عليو ضاؿ عن ىداية العمل. والضاؿ مغضوب عليو لضلالو عن العلم الموجب للعمل. فكل منهما ضاؿ مغضوب عليو، ولكن تارؾ العمل بالحق بعد معرفتو بو أولى بوصف الغضب وأحق بو. ومن ىاىنا كاف اليهود أحقّ بو. وىو متغلظ في حقهم. كقولو تعالى في حقهم ٕ: ٜٓ (بِئْسَمَا اشْتػَرَوْا بِوِ أَنػْفُسَهُمْ : أَفْ يَكْفُرُوا بِما أَنػْزَؿَ اللَّوُ بػَغْياً أَفْ يػُنػَزِّؿَ اللَّوُ مِنْ فَضْلِوِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، فَباؤُ ا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ) قاؿ تعالى: ٘: ٓٙ (قُلْ ىَلْ أُنػَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّوِ مَنْ لَعَنَوُ اللَّوُ وَغَضِبَ عَلَيْوِ، وَجَعَلَ مِنػْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَر مَكاناً وَأَضَل عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ). والجاىل بالحق: أحق باسم الضلاؿ. ومن ىنا وصفت النصارى بو في قولو تعالى: ٘: ٚٚ( قُلْ يا أَىْلَ الْكِتابِ لا تػَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيػْرَ الْحَقِّ، وَلا تػَتَّبِعُوا أَىْواءَ قػَوْـٍ قَدْ ضَل وا مِنْ قػَبْلُ وَأَضَل وا كَثِيراً، وَضَل وا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) فالأولى: في سياؽ الخطاب مع اليهود. والثانية: في سياقو مع النصارى. وفي الترمذي وصحيح ابن حبّاف: من حديث عدي بن حاتم قاؿ: قاؿ رسوؿ الله : «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالوف» .ففي ذكر المنعم عليهم- وىم من عرؼ الحق واتبعو- والمغضوب عليهم- وىم من عرفو واتبع ىواه- والضالين- وىم من جهلو-: ما يستلزـ ثبوت الرسالة والنبوة. لأف انقساـ الناس إلى ذلك ىو الواقع المشهود. وىذه القسمة إنما أوجبها ثبوت الرسالة. وأضاؼ النعمة إليو، وحذؼ فاعل الغضب لوجوه: ٔ- جمز الإنسان والبعير وغير ه يجمز جمزا وجمزي وىو عدو دون الحضر وفوق العنيد، وبعير جماز وناقة جمازة . يقال: حمار جمّاز: وثاب، وجمزي : سريع.
عدد الصفحات ٨٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 79 - سورة الفاتحت منها: أف النعمة ىي الخير والفصل. والغضب من باب الانتقاـ والعدؿ. والرحمة تغلب الغضب، فأضاؼ إلى نفسو أكمل الأمرين، وأسبقهما وأقواىما. وىذه طريقة القرآف في إسناد الخيرات والنعم إليو. وحذؼ الفاعل في مقابلتهما، كقوؿ مؤمني الجن ٕٚ: ٓٔ( وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَر أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَْرْ ضِ أَـْ أَرادَ بِهِمْ رَبػ هُمْ رَشَداً )ومنو قولو الخضر في شأف الجدار واليتيمين ٛٔ: ٕٛ( فَأَرادَ رَب كَ أَفْ يػَبػْلُغا أَشُدَّىُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَىُما )وقاؿ في خرؽ السفينة ٛٔ: ٜٚ( فَأَرَدْتُ أَفْ أَعِيبَها ثم قاؿ بعد ذلك وَما فػَعَلْتُوُ عَنْ أَمْرِي )وتأمل قولو تعالى: ٕ: ٚٛٔ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيػْلَةَ الصِّياـِ الرَّفَثُ إِلى نِسادِكُمْ )وقولو: ٘: ٗ (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّـُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ) وقولو: ٗ: ٕٗ (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ )- ثم قاؿ- وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِ كُمْ . وفي تخصيصو لأىل الصراط المستقيم بالنّ عمة ما دؿّ على أف النعمة المطلقة ىي الموجبة للفلاح الدادم. وأما مطلق النعمة فعلى المؤمن والكافر. فكل الخلق في نعمو. وىذا فصل النزاع في مسألة: ىل لله على الكافر من نعمة أـ لا؟. فالنعمة المطلقة لأىل الإيماف. ومطلق النعمة يكوف للمؤمن والكافر، كما قاؿ تعالى: ٗٔ: ٖٗ (وَإِفْ تػَعُد وا نِعْمَتَ اللَّوِ لا تُحْصُوىا إِفَّ الإِْنْسافَ لَظَلُوـٌ كَفَّارٌ ). والنعمة من جنس الإحساف، بل ىي الإحساف. والرب تعالى إحسانو على البر والفاجر. والمؤمن والكافر. وأما الإحساف المطلق فللّ ذين اتّ قوا والذين ىم محسنوف. الوجو الثاني: أف الله سبحانو ىو المنفرد بالنعم: ٙٔ: ٖ٘ (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّوِ ) فأضيف إليو ما ىو منفرد بو. وإف أضيف إلى غيره فلكونو طريقا ومجرى للنعمة. وأما الغضب على أعدادو فلا يختص بو تعالى، بل ملادكتو وأنبياؤ ه ورسلو وأولياؤه يغضبوف لغضبو. فكاف في طلبو «المغضوب عليهم» بموافقة أوليادو لو: من الدِّ لالة على تفردّ ه بالإنعاـ، وأف النعمة المطلقة منو وحده، ىو المنفرد بها- ما ليس في لفظو «المنعم عليهم» . الوجو الثالث: أف في حذؼ فاعل الغضب من الإشعار بإىانة المغضوب عليو وتحقيره، وتصغير شأنو، ما ليس في ذكر فاعل النعمة، من إكراـ المنعم عليو والإشادة بذكره، ورفع قدره: ما ليس في حذفو. فإذا رأيت من قد أكرمو ملك وشرفو، ورفع قدره، فقلت: ىذا الذي أكرمو السلطاف، وخلع عليو وأعطاه ما تمناه. كاف أبلغ في الثناء والتعظيم من قولك: ىذا الذي أكرـ وخلع عليو وشرؼ وأعطي. وتأمل سرا بديعا في ذكر السبب والجزاء للطوادف الثلاثة بأوجز لفظ وأخصره. فإف الإنعاـ عليهم يتضمن إنعامو بالهداية التي ىي العلم النافع والعمل الصالح. وىي الهدى ودين الحق. ويتضمن كماؿ الإنعاـ بحسن الثواب والجزاء. فهذا تماـ النعمة. ولفظ «أنعمت عليهم» يتضمن الأمرين. وذكر غضبو على المغضوب عليهم يتضمن أيضا أمرين: الجزاء بالغضب الذي موجبو غاية العذاب والهواف، والسبب الذي استحقوا بو غضبو سبحانو. فإنو أرحم وأرأؼ من أف يغضب بلا جناية منهم ولا ضلاؿ. فكأف الغضب عليهم مستلزـ لضلالهم. وذكر الضالين مستلزـ لغضبو عليهم وعقابو لهم. فإف من ضل استحق العقوبة التي ىي موجب ضلالة وغضب الله عليو. فاستلزـ وصف كل واحد من الطوادف الثلاث للسبب
عدد الصفحات ٨١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 81 - سورة الفاتحت والجزاء أبين استلزاـ، واقتضاه أكمل اقتضاء، في غاية الإيجاز والبياف والفصاحة، مع ذكر الفاعل في أىل السعادة، وحذفو في أىل الغضب. وإسناد الفعل إلى السبب في أىل الضلاؿ. وتأمل المقابلة بين الهداية والنعمة، والغضب والضلاؿ. فذكر المغضوب عليهم والضالين في مقابلة المهتدين المنعم عليهم. وىذا كثير في القرآف: يقرف بين الضلاؿ والشقاء، وبين الهدى والفلاح. فالثاني كقولو: ٕ: ٘ (أُولئِ كَ عَلى ىُدىً مِنْ رَبِّهِمْ، وَأُولئِكَ ىُمُ الْمُفْلِحُوفَ ) وقولو:ٙ: ٕٛ (أُولئِكَ لَهُمُ الأَْمْنُ وَىُمْ مُهْتَدُوفَ )والأوؿ كقولو تعالىٗ٘:ٚٗ:( إِفَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاؿٍ وَسُعُرٍ ) وقولو: ٕ: ٚ (خَتَمَ اللَّوُ عَلى قػُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ، وَ عَلى أَبْصارِىِمْ غِشاوَةٌ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) وقد جمع سبحانو بين الأمور الأربعة في قولو: ٕٓ: ٕٗٔ (َ إِمَّا يَأْتِيػَنَّكُمْ مِنِّي ىُدىً، فَمَنِ اتػَّبَعَ ىُدايَ فَلا يَضِل وَلا يَشْقى )فهذا الهدى والسعادة. ثم قاؿ: ٕٓ: ٕ٘ٔ (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِفَّ لَوُ مَعِيشَةً ضَنْكاً . وَنَحْشُرُهُ يػَوْـَ الْقِيامَةِ أَعْمى. قاؿَ : رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى، وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً؟ قاؿَ :كَذلِكَ أَتػَتْكَ آياتُنا فػَنَسِيتَها، وَكَذلِكَ الْيػَوْـَ تػُنْسى). فذكر الضلاؿ والشقاء.فالهدى والسعادة متلازماف. والضلاؿ والشقاء متلازماف. قاؿ السعدي: فهذه السورة على إيجازىا، قد احتوت على ما لم تحتو عليو سورة من سور القرآف، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قولو: {رب العالمين}. وتوحيد الإلهية وىو إفراد الله بالعبادة، يؤخذ من لفظ: {ا} ومن قولو: {إياؾ نعبد} وتوحيد الأسماء والصفات، وىو إثبات صفات الكماؿ لله تعالى، التي أثبتها لنفسو، وأثبتها لو رسولو من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيو، وقد دؿ على ذلك لفظ {الحمد}كما تقدـ. وتضمنت إثبات النبوة في قولو: {اىدنا الصراط المستقيم}لأف ذلك ممتنع بدوف الرسالة. وإثبات الجزاء على الأعماؿ في قولو: {مالك يوـ الدين} وأف الجزاء يكوف بالعدؿ، لأف الدين معناه الجزاء بالعدؿ. وتضمنت إثبات القدر، وأف العبد فاعل حقيقة، خلافا للقدرية والجبرية. بل تضمنت الرد على جميع أىل البدع والضلاؿ في قولو: {اىدنا الصراط المستقيم} لأنو معرفة الحق والعمل بو. وكل مبتدع وضاؿ فهو مخالف لذلك. وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى، عبادة واستعانة في قولو: {إياؾ نعبد وإياؾ نستعين} فالحمد لله رب العالمين. قاؿ ابن القيم في بياف اشتماؿ الفاتحة على الشفاءين: شفاء القلوب، وشفاء الأبداف فأما اشتمالها على شفاء القلو ب: فإنها اشتملت عليو أتم اشتماؿ. فإف مدار اعتلاؿ القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم. وفساد القصد. ويترتب عليها داءاف قاتلاف، وىما الضلاؿ والغضب، فالضلاؿ نتيجة فساد العلم، والغضب ينتجو فساد القصد، وىذاف المرضاف ىما ملاؾ أمراض القلوب جميعها، فهداية الصراط المستقيم: تتضمن الشفاء من مرض الضلاؿ، ولذلك كاف سؤاؿ ىذه الهداية: أفرض دعاء على كل عبد،وأوجبو عليو كل يوـ وليلة. في كل صلاة، لشدة ضرورتو وفاقتو إلى الهداية المطلوبة، ولا يقوـ غير ىذا السؤاؿ مقامو.
عدد الصفحات ٨٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 81 - سورة الفاتحت والتحقق ب إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ علما ومعرفة وعملا وحالا: يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد، فإف فساد القصد يتعلق بالغايات والوسادل. فمن طلب غاية منقطعة مضمحلة فانية، وتوسل إليها بأنواع الوسادل الموصلة إليها كاف كلا نوعي قصده فاسدا، وىذا شأف كل من كاف غاية مطلوبة غير الله وعبوديتو، من المشرك ين ومتّ بعي الشهوات، الذين لا غاية لهم وراءىا، وأصحاب الرياسات المتبعين لإقامة رداستهم بأي طريق كاف من حق أو باطل. فإذا جاء الحق معارضا في طريق رداستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم . فإف عجزوا عن ذلك دفعوه دفع الصادل. فإف عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق، وحادوا عنو إلى طريق أخرى، وىم مستعدوف لدفعو بحسب الإمكاف، فإذا لم يجدوا منو بدا أعطوه السكة والخطبة(ٔ) وعزلوه عن التصرؼ والحكم والتنفيذ، وإف جاء الحق ناصرا لهم وكاف لهم صالوا وجالوا، وأتوا إليو مذعنين، لا لأنو حق، بل لموافقتو غرضهم وأىواءىم وانتصارىم بو: ٕٗ: ٛٗ: ٜٗ: ٓ٘ (وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّوِ وَرَسُولِوِ لِيَحْكُمَ بػَيػْنػَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنػْهُمْ مُعْرِضُوفَ . وَإِفْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَق يَأْتُوا إِلَيْوِ مُذْعِنِينَ . أَفِي قػُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أَـِ ارْتابُوا؟ أَـْ يَخافُوفَ أَفْ يَحِيفَ اللَّوُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُ وُ؟ بَلْ أُولئِكَ ىُمُ الظَّالِمُوفَ ). والمقصود: أف قصد ىؤلاء فاسد في غاياتهم ووسادلهم، وىؤلاء إذا بطلت الغايات التي طلبوىا، واضمحلت وفنيت حصلوا على أعظم الخسراف والحسرات. وىم أعظم الناس ندامة وتحسرا، إذا حق الحق وبطل الباطل، وتقطّ عت بهم أسباب الوصل التي كانت بينهم، وتيقنوا انقطاعهم عن ركب الفلاح والسعادة. وىذا يظهر كثيرا في الدنيا، ويظهر أقوى من ذلك عند الرحيل منها والقدوـ على الله، ويشتدّ ظهوره وتحقّ قو في البرزخ، وينكشف كل الانكشاؼ يوـ اللقاء، إذا حققت الحقادق. وفاز المحقّ وف وخسر المبطلوف، وعلموا أنهم كانوا كاذبين، وكانوا مخدوعين مغروين، فيا لو ىناؾ من علم لا ينفع عالمو، ويقين لا ينجى مستيقنو. بالوسيلة الموصلة لو وإليو، بل توسل إليو بوسيلة ظنها موصلة إليو، وىي من أعظم القواطع عنو. فحالو أيضا كحاؿ ىذا، وكلاىما فاسد القصد، ولا شفاء من ىذا المرض إلا بدواء «إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ » . فإف ىذا الدواء مركّ ب من ستة أجزاء: [ٔ]عبودية الله لا غيره. [ٕ] بأمره وشرعو. [ٖ]لا بالهوى. [ٗ] و بآراء الرجاؿ وأوضاعهم، ورسومهم، وأفكارىم. [٘] بالاستعانة على عبوديتو بو. -ٔ السكة: المراد منيا الاسم يضرب عمى النقود، ويقصد بذلك ما كان عميو الخمفاء في وقتو، حيـث لـم يكـن ليـم مـن الخلافـة إلاّ الصـورة، والحكـم النافـذ فـي الأمـور لغيره.
عدد الصفحات ٨٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 82 - سورة الفاتحت [ٙ]لا بنفس العبد وقوتو وحولو ولا بغيره. فهذه ىي أجزاء إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ فإذا ركبها الطبيب اللطيف، العالم بالمرض، واستعملها المريض، حصل بها الشفاء التاـ، وما نقص من الشفاء فهو لفوات جزء من أجزادها أو اثنين أو أكثر. ثم إف القلب يعرض لو مرضاف عظيماف، إف لم يتداركهما تراميا بو إلى التلف ولا بد: وىما الرياء، والكبر، فدواء الرياء ب إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ ودواء الكبر ب إِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ . وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلاـ ابن تيمية- قدس الله روحو- يقوؿ إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ تدفع الرياء وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ تدفع الكبرياء. فإذا عوفي من مر ض الرياء ب إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ ومن مرض الكبر والعجب ب إِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ ومن مرض الضلاؿ والجهل ب اىْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ عوفي من أمراضو وأسقامو، ورفل في أثواب العافية، وتمت عليو النعمة، وكاف من المنعم عليهم، غير المغضوب عليهم، وىم أىل فساد القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنو، والضالين. وىم أىل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه. وحق لسورة تشتمل على ىذين الشفاءين أف يستشفى بها من كل مرض، ولهذا لما اشتملت على ىذا الشفاء الذي ىو أعظم الشفاءين، كاف حصوؿ الشفاء الأدنى بها أولى، كما سنبينو. فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت الله وكلامو، وفهمت عنو فهما خاصا، اختصّ ها بو، من معاني ىذه السورة. قاؿ الشنقيطي :(تػَنْبِيهَافِ ): الأَْوَّؿُ : يػُؤْخَذُ مِنْ ىَذِهِ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ صِحَّةُ إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؛ لأَِنَّوُ دَاخِلٌ فِيمَنْ أَمَرَنَ ا اللَّوُ فِي السَّبْعِ الْمَثَانِي وَالْقُرْآفِ الْعَظِيمِ - أَعْنِي الْفَاتِحَةَ - بِأَفْ نَسْأَلَوُ أَفْ يػَهْدِيػَنَا صِرَاطَهُمْ . فَدَؿَّ ذَلِكَ عَلَى أَفَّ صِرَاطَهُمْ ىُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ . وَذَلِكَ فِي قػَوْلِوِ : (اىْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَ قِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنػْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) وَقَدْ بػَيَّنَ الَّذِينَ أَنػْعَمَ عَلَيْهِمْ، فػَعَدَّ مِنػْهُمُ الصِّدِّيقِينَ . وَقَدْ بػَيَّنَ أَفَّ أَبَا بَكْرٍ - - مِنَ الصِّدِّيقِينَ، فَاتَّضَحَ أَنَّ وُ دَاخِلٌ فِي الَّذِينَ أَنػْعَمَ اللَّوُ عَلَيْهِمْ، الَّذِينَ أَمَرَنَا اللَّوُ أَفْ نَسْأَلَوُ الْهِدَايَةَ إِلَى صِرَاطِهِمْ، فػَلَمْ يػَبْقَ لَبْسٌ فِي أَفَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - - عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَأَفَّ إِمَامَتَوُ حَق . الثَّ انِي: قَدْ عَلِمْتَ أَفَّ الصِّدِّيقِينَ مِنَ الَّذِينَ أَنػْعَمَ اللَّوُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ صَرَّحَ تػَعَالَى بِأَفَّ مَرْيَمَ ابػْنَةَ عِمْرَافَ صِدِّيقَةٌ فِي قػَوْلِوِ : (وَأُم وُ صِدِّيقَةٌ [ )٘ \ ٘ٚ]وَإِذَفْ فػَهَلْ تَدْخُلُ مَرْيَمُ فِي قػَوْلِوِ تػَعَالَ ى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنػْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) أَوْ لاَ؟ الْجَوَابُ : أَفَّ دُخُولَهَا فِيهِمْ يػَتػَفَرَّعُ عَلَى قَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ مُخْتػَلَفٍ فِيهَا مَعْرُوفَةٍ، وَىِيَ : ىَلْ مَا فِي الْقُرْآفِ الْعَظِيمِ وَالس نَّةِ مِنَ الْجُمُوعِ الصَّحِيحَةِ الْمُذَ كَّرَةِ وَنَحْوِىَا مِمَّا يَخْتَص بِجَمَاعَةِ الذ كُورِ تَدْخُلُ فِيوِ الإِْنَاثُ أَوْ لاَ يَدْخُلْنَ فِيوِ إِلاَّ بِدَلِيلٍ مُنػْفَصِلٍ؟ فَذَىَبَ قػَوْـٌ إِلَى أَنػَّهُنَّ يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ، وَعَلَيْوِ : فَمَرْيَمُ دَاخِلَةٌ فِي الآْيَةِ، وَاحْتَجَّ أَ ىْلُ ىَذَا الْقَوْؿِ بِأَمْرَيْنِ : الأَْوَّؿُ : إِجْمَاعُ أَىْلِ اللِّسَافِ الْعَرَبِيِّ عَلَى تػَغْلِيبِ الذ كُورِ عَلَى الإِْنَاثِ فِي الْجَمْعِ .
عدد الصفحات ٨٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 83 - سورة الفاتحت وَالثَّانِي: وُرُودُ آيَاتٍ تَدُؿ عَلَى دُخُولِهِنَّ فِي الْجُمُوعِ الصَّحِيحَةِ الْمُذَكَّرَةِ وَنَحْوِىَ ا، كَقَوْلِوِ تػَعَالَى فِي مَرْيَمَ نػَفْسِهَا : (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبػِّهَا وَكُتُبِوِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [ )ٙٙ \ ٕٔ]، وَقػَوْلِوِ فِي امْرَأَةِ الْعَزِيزِ : (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ ىَذَا وَاسْتػَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِ ينَ [ )ٕٔ \ ٜٕ]، وَقػَوْلِوِ فِي بِلْقِيسَ : (وَصَدَّىَا مَا كَانَتْ تػَعْبُدُ مِنْ دُوفِ اللَّوِ إِنػَّهَا كَانَتْ مِنْ قػَوْـٍ كَافِرِينَ [ )ٕٚ \ ٖٗ]، وَقػَوْلِوِ فِيمَا كَالْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ : (قػُلْنَا اىْبِطُوا مِنػْهَا جَمِيعًا) الآْيَةَ [ٕ \ ٖٛ]فَإِنَّوُ تَدْخُلُ فِيوِ حَوَّاءُ إِجْمَاعًا. وَذَىَبَ كَثِيرٌ إِلَى أَنػَّهُنَّ لاَ يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ إِلاَّ بِدَلِيلٍ مُنػْفَصِلٍ . وَاسْتَدَل وا عَلَى ذَلِكَ بِآيَاتٍ كَقَوْلِوِ : ( إِفَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَ اتِ ) إِلَى قػَوْلِوِ : (أَعَدَّ اللَّوُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا[ )ٖٖ \ ٖ٘]، وَقػَوْلِوِ تػَعَالَى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يػَغُض وا مِنْ أَبْصَارِىِمْ وَيَحْفَظُوا فػُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ [ )ٕٗ \ ٖٔ]، ثُمَّ قَاؿَ : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يػَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِىِنَّ وَيَحْفَظْنَ فػُرُوجَهُنَّ ) الآْيَةَ [ٕٗ \ ٖٔ]، فػَعَطْفُهُنَّ عَلَيْهِمْ يَدُؿ عَلَى عَدَـِ دُخُولِهِنَّ . وَأَجَابُوا عَنْ حُجَّةِ أَىْلِ الْقَوْؿِ الأَْوَّؿِ بِأَفَّ تػَغْلِيبَ الذ كُورِ عَلَى الإِْنَاثِ فِي الْجَمْعِ لَ يْسَ مَحَلَّ نِزَاعٍ . وَإِنَّمَا النػِّزَاعُ فِي الَّذِي يػَتَبَادَرُ مِنَ الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ وَنَحْوِهِ عِنْدَ الإِْطْلاَؽِ . وَعَنِ الآْيَاتِ بِأَفَّ دُخُوؿَ الإِْنَاثِ فِيهَا إِنَّمَا عُلِمَ مِنْ قَرِينَةِ السِّيَاؽِ وَدَلاَلَةِ اللَّفْظِ، وَدُخُولُهُنَّ فِي حَالَةِ الاِقْتِرَافِ بِمَا يَدُؿ عَلَى ذَلِكَ لاَ نِزَاعَ فِيوِ . وَعَلَى ىَذَا الْقَوْؿِ : فَمَرْيَمُ غَيػْرُ دَاخِلَةٍ فِي الآْيَةِ وَإِلَى ىَذَا الْخِلاَؼِ أَشَارَ فِي «مَرَاقِي الس عُودِ » بِقَوْلِوِ[ :الرَّجَزُ] :وَمَا شُمُوؿُ مَنْ لِلأُْنػْثَى جَنَفُ ... وَفِي شَبِيوِ الْمُسْلِمِينَ اخْتػَلَفُوا (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيتين:ٔ- ذكر التفصيل بعد الإجماؿ؛ لقولو تعالى{ :اىدنا الصراط المستقيم}وىذا مجمل؛ (صراط الذين أنعمت عليهم) : وىذا مفصل؛ لأف الإجماؿ، ثم التفصيل فيو فاددة: فإف النفس إذا جاء المجمل تترقب، وتتشوؼ للتفصيل، والبياف؛ فإذا جاء التفصيل ورد على نفس مستعدة لقبولو متشوفة إليو؛ ثم فيو فاددة ثانية ىنا: وىو بياف أف الذين أنعم الله عليهم على الصراط المستقيم.. ٕ- إسناد النعمة إلى الله تعالى وحده في ىداية الذين أنعم عليهم؛ لأنها فضل محض من الله.. ٖ- انقساـ الناس إلى ثلاثة أقساـ: قسم أنعم الله عليهم؛ وقسم مغضوب عليهم؛ وقسم ضالوف؛ وقد سبق بياف ىذه الأقساـ..وأسباب الخروج عن الصراط المستقيم: إما الجهل؛ أو العناد؛ والذين سببُ خروجهم العناد ىم المغضوب عليهم. وعلى رأسهم اليهو د؛ والآخروف الذين سبب خروجهم الجهل كل من لا يعلم الحق. وعلى رأسهم النصارى؛ وىذا بالنسبة لحالهم قبل البعثة. أعني النصارى؛ أما بعد البعثة فقد علموا الحق، وخالفوه؛ فصاروا ىم، واليهود سواءً . كلهم مغضوب عليهم.. ٗ- بلاغة القرآف، حيث جاء التعبير عن المغضوب عليهم باسم المفعوؿ الداؿ على أف الغضب عليهم حاصل من الله تعالى، ومن أوليادو..
عدد الصفحات ٨٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 84 - سورة الفاتحت ٘- أنو يقدـ الأشد، فالأشد؛ لأنو تعالى قدـ المغضوب عليهم على الضالين؛ لأنهم أشد مخالفة للحق من الضالين؛ فإف المخالف عن علم يصعب رجوعو . بخلاؼ المخالف عن جهل.. وعلى كل حاؿ السورة ىذه عظيمة؛ ولا يمكن لا لي، ولا لغيري أف يحيط بمعانيها العظيمة؛ لكن ىذا قطرة من بحر؛ ومن أراد التوسع في ذلك فعليو بكتاب "مدارج السالكين" لابن القيم رحمو الله.. تمّ تفسير سورة الفاتحة بعوف اللّو و فضلو
عدد الصفحات ٨٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 85 - سورة البقرة الجزء الاول تفسير سورة البقرة الجزء الاول
عدد الصفحات ٨٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 86 - سورة البقرة الجزء الاول تفسير سورة البقرة (الْكَلاَـُ فِي نػُزُولِهَا وَفَضْلِهَا وَمَا جَاءَ فِيهَا) قاؿ ابن العثيمين: نزلت سورة البقرة بعد الهجرة؛ ولذلك فهي مدنية؛ فإف كل ما نزؿ بعد الهجرة فهو مدني؛ وما نزؿ قبلها فهو مكي؛ ىذا ىو الصحيح؛ لأف العبرة بالزمن. لا بالمكاف.. وغالب السور المدنية يكوف فيها تفصيل أكثر من السور المكية؛ ويكوف التفصيل فيها في فروع الإسلاـ دوف أصولو؛ وتكوف غالباً أقل شدة في الزجر، والوعظ، والوعيد؛ لأنها تخاطب قوماً كانوا مؤمنين موحدين قادمين بأصوؿ الدين، ولم يبق إلا أف تػُبػَيَّن لهم فروع الدين ليعملوا بها؛ وتكوف غالباً أطوؿ آيات من السور المكية.. قاؿ القرطبي: وَىَكَذَا كُل سُورَةٍ إِفْ وَجَدْنَا لَهَا ذَلِكَ، فػَنػَقُوؿُ : سُورَةُ الْبػَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ، نػَزَلَتْ فِي مُدَدٍ شَتَّى. وَقِيلَ : ىِيَ أَوَّؿُ سُورَةٍ نػَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، إِلاَّ قػَوْلَوُ تػَعَالَى:" وَاتػَّقُوا يػَوْ ماً تػُرْجَعُوفَ فِيوِ إِلَى اللَّوِ [ "البقرة: ٕٔٛ]فَإِنَّوُ آخِرُ آيَةٍ نػَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ، وَنػَزَلَتْ يػَوْـَ النَّحْرِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى، وَآيَاتُ الرِّبَا أَيْضًا مِنْ أَوَاخِرِ مَا نػَزَؿَ مِنَ الْقُرْآفِ . وَىَذِهِ الس ورَةُ فَضْلُهَ ا عَظِيمٌ وَثػَوَابػُهَا جَسِيمٌ . وَيػُقَاؿُ لَهَا: فُسْطَاطُ الْقُرْآفِ، قَالَوُ خَالِدُ بْنُ مَعْدَافَ . وَذَلِكَ لِعِظَمِهَا وَبِهَادِهَا، وَكَثػْرَةِ أَحْكَامِهَا وَمَوَاعِظِهَا. وَتػَعَلَّمَهَا عُمَرُ بِفِقْهِهَا وَمَا تَحْتَوِي عَلَيْوِ فِي اثػْنَتَيْ عَ شْرَةَ سَنَةً، وَابػْنُوُ عَبْدُ اللَّوِ فِي ثَمَانِي سِنِينَ كَمَا تػَقَدَّـَ . قَاؿَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : سَمِعْتُ بػَعْضَ أَشْيَاخِي يػَقُوؿُ : فِيهَا أَلْفُ أَمْرٍ وَأَلْفُ نػَهْيٍ وَأَلْفُ حُكْمٍ وَأَلْفُ خَبَرٍ . وَبػَعَثَ رَسُوؿُ اللَّوِ بػَعْثًا وَىُمْ ذَوُ و عَدَدٍ وَقَدَّـَ عَلَيْهِمْ أَحْدَثػَهُمْ سِنًّا لِحِفْظِوِ سُورَةَ الْبػَقَرَةِ، وَقَاؿَ لَوُ : (اذْىَبْ فَأَنْتَ أَمِيرُىُمْ ) أَخْرَجَوُ التػِّرْمِذِي عَنْ أَبِي ىُرَيػْرَةَ وَصَحَّحَوُ . وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي أمامو الْبَاىِلِيِّ قَاؿَ سَمِعْتُ رَسُو ؿَ اللَّوِ يػَقُوؿُ : (اقػْرَءُوا سُورَةَ الْبػَقَرَةِ فَإِفَّ أَخْذَىَا بػَرَكَةٌ وَتػَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ )، قَاؿَ مُعَاوِيَةُ : بػَلَغَنِي أَفَّ الْبَطَلَةَ : السَّحَرَةُ . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي ىُرَيػْرَةَ أَفَّ رَسُوؿَ اللَّوِ قَاؿَ : (لاَ تَجْعَلُوا بػُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِفَّ الشَّيْطَافَ يػَنْفِرُ مِنَ الْبػَيْتِ الَّذِي تػُقْرَأُ فِيوِ سُورَةُ الْبػَقَرَةِ ). وَرَوَى الدَّارِمِي عَنْ عَبْدِ اللَّوِ قَاؿَ : مَا مِنْ بػَيْتٍ يػُقْرَأُ فِيوِ سُورَةُ الْبػَقَرَةِ إِلاَّ خَرَجَ مِنْوُ الشَّيْطَافُ وَلَوُ ضُرَاطٌ . وَقَاؿَ : إِفَّ لِكُلِ شي سَنَامًا وَإِفَّ سَنَاـَ الْقُرْآفِ سُورَةُ الْبػَقَرَةِ، وَإِفَّ لكل شي لُبَابًا وَإِفَّ لُبَابَ الْقُرْآفِ الْمُفَصَّلُ . قَاؿَ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِي . الل بَابُ : الْخَالِصُ . وَفِي صَحِيحِ الْ بَسْتِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَاؿَ قَاؿَ رَسُوؿُ اللَّوِ : (إِفَّ لِكُلِ شي سَنَامًا وَإِفَّ سَنَاـَ الْقُرْآفِ سُورَةُ الْبػَقَرَةِ وَمَنْ قػَرَأَىَا فِي بػَيْتِوِ لَيْلاً لَمْ يَدْخُلِ الشَّيْطَافُ بػَيْتَوُ ثَلاَثَ لَيَاؿٍ وَمَنْ قػَرَأَىَا نػَهَارًا لَ مْ يَدْخُلِ الشَّيْطَافُ بػَيْتَوُ ثَلاَثَةَ أَيَّاـٍ (. قَاؿَ أَبُو حَاتِمٍ الْبَسْتِي : قػَوْلُوُ
عدد الصفحات ٨٨َدْخُلِ الشَّيْطَافُ بػَيْتَوُ ثَلاَثَ لَيَاؿٍ وَمَنْ قػَرَأَىَا نػَهَارًا لَ مْ يَدْخُلِ الشَّيْطَافُ بػَيْتَوُ ثَلاَثَةَ أَيَّاـٍ (. قَاؿَ أَبُو حَاتِمٍ الْبَسْتِي : قػَوْلُوُ :) لَمْ يَدْخُلِ الشَّيْطَافُ بػَيْتَوُ ثَلاَثَةَ أَيَّاـٍ ) أَرَادَ : مَرَدَةَ الشَّيَاطِينِ . وَرَوَى الدَّارِمِي فِي مُسْنَدِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَاؿَ قَاؿَ عَبْدُ اللَّوِ : مَنْ قػَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الْبػَقَرَةِ فِي لَيػْلَةٍ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ الْبػَيْتَ شَيْطَافٌ تِلْكَ اللَّيػْلَةَ حَتَّى يُصْبِحَ، أَرْبػَعًا مِنْ أَوَّلِهَا وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَآيػَتػَيْنِ بػَعْدَىَا وَثَلاَثًا خَوَاتِيمَهَا، أَ وَّلُهَا:" لِلَّوِ مَا فِي السَّماواتِ [ "البقرة: ٕٗٛ]وَعَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْوُ : لَمْ يػَقْرَبْوُ وَلاَ أَىْلَوُ يومئذ شيطاف ولا شي يَكْرَىُوُ، وَلاَ يػُقْرَأْفَ عَلَى مَجْنُوفٍ إِلاَّ أَفَاؽَ . وَقَاؿَ
عدد الصفحات ٨٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 87 - سورة البقرة الجزء الاول الْمُغِيرَةُ بْنُ سُبػَيْعٍ وَكَافَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْ دِ اللَّوِ : لَمْ يػَنْسَ الْقُرْآفَ . وَقَاؿَ إِسْحَاؽُ بْنُ عِيسَى: لَمْ يػَنْسَ مَا قَدْ حَفِظَ . قَاؿَ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِي : مِنػْهُمْ مَنْ يػَقُوؿُ : الْمُغِيرَةُ بْنُ سُمَيْعٍ . وَفِي كِتَابِ الاِسْتِيعَابِ لاِبْنِ عَبْدِ الْبػَرِّ : وَكَافَ لَبِيَدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عامر بن مالك بن جعفر ابن كِلاَبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ مِنْ شُعَرَاءِ الْجَاىِلِيَّةِ، أَدْرَؾَ الإِْسْلاَـَ فَحَسُنَ إِسْلاَمُوُ وَتػَرَؾَ قػَوْؿَ الشِّعْرِ فِي الإِْسْلاَـِ، وَسَأَلَوُ عُمَرُ فِي خِلاَفَتِوِ عَنْ شِ عْرِهِ وَاسْتػَنْشَدَهُ، فػَقَرَأَ سُورَةَ الْبػَقَرَةِ، فػَقَاؿَ : إِنَّمَا سَأَلْتُكَ عَنْ شِعْرِؾَ، فػَقَاؿَ : مَا كُنْتُ لأَِقُوؿَ بػَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ بػَعْدَ إِذْ عَلَّمَنِي اللَّوُ الْبػَقَرَةَ وَآؿَ عِمْرَافَ، فَأَعْجَبَ عُمَرَ قػَوْلُوُ، وَكَافَ عَطَاؤُهُ أَلْفَيْنِ فػَزَادَهُ خَمْسَمِادَةٍ . وَقَدْ قَاؿَ كَثِيرٌ مِنْ أَىْلِ الأَْخْبَارِ : إِفَّ لَبِيدًا لَمْ يػَقُلْ شِعْرًا مُنْذُ أَسْلَمَ . وَقَاؿَ بػَعْضُهُمْ : لَمْ يػَقُلْ فِي الإِْسْلاَـِ إِلاَّ قػَوْلَوُ : الْحَمْدُ لِلَّوِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإِْسْلاَـِ سربالا قَاؿَ ابْنُ عَبْدِ الْبػَرِّ : وَقَدْ قِيلَ إِفَّ ىَذَا الْبػَيْتَ لِقَرَدَةَ بْنِ نػُفَاثَةَ السَّلُولِيِّ، وَىُوَ أَصَح عِنْدِي. وَقَاؿَ غَيػْرُهُ : بَلِ الْبػَيْتُ الَّذِي قَالَوُ فِي الإِْسْلاَـِ : مَا عَاتَبَ الْمَرْءَ الْكَرِيمَ كَنػَفْسِوِ وَالْمَرْءُ يُصْلِحُوُ الْقَرِينُ الصَّالِحُ وَسَيَأْتِي مَا وَرَدَ فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَخَوَاتِيمِ الْبػَقَرَةِ ، وَيَأْتِي فِي أَوَّؿِ سُورَةِ آؿِ عِمْرَافَ زِيَادَةُ بػَيَافٍ لِفَضْلِ ىَذِهِ الس ورَةِ، إف شاء الله تعالى. الم (ٔ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :الم} حروؼ ىجادية: ثلاثة أحرؼ: ألِف، ولاـ، وميم؛ تقرأ لا على حسب الكتابة: "أَلَمْ "؛ ولكن على حسب اسم الحرؼ: "ألِفْ لاـْ ميمْ ".. ىذه الحروؼ الهجادية اختلف العلماء فيها، وفي الحكمة منها على أقواؿ كثيرة يمكن حصرىا في أربعة أقواؿ: القوؿ الأوؿ: أف لها معنًى؛ واختلف أصحاب ىذا القوؿ في تعيينو: ىل ىو اسم لله عزّ وجلّ؛ أو اسم للسورة؛ أو أنو إشارة إلى مدة ىذه الأمة؛ أو نحو ذلك؟ القوؿ الثاني: ىي حروؼ ىجادية ليس لها معنًى إطلاقاً .. القوؿ الثالث: لها معنًى الله أعلم بو؛ فنجزـ بأف لها معنً ى؛ ولكن الله أعلم بو؛ لأنهم يقولوف: إف القرآف لا يمكن أف ينزؿ إلا بمعنى.. القوؿ الرابع: التوقف، وألا نزيد على تلاوتها؛ ونقوؿ: الله أعلم: أَلَها معنًى، أـ لا؛ وإذا كاف لها معنًى فلا ندري ما ىو.. وأصح الأقواؿ فيها القوؿ الثاني؛ وىو أنها حروؼ ىجادية ليس لها معنًى على الإطلاؽ؛ وىذا مروي عن مجاىد؛ وحجة ىذا القوؿ: أف القرآف نزؿ بلغة العرب؛ وىذه الحروؼ ليس لها معنًى في اللغة العربية، مثل ما تقوؿ: ألِف؛ باء؛ تاء؛ ثاء؛ جيم؛ حاء ... ؛ فهي كذلك حروؼ ىجادية.. أما كونو تعالى اختار ىذا الحرؼ دوف غيره، ورتبها ىذا الترتيب فهذا ما لا علم لنا بو.. ىذا بالنسبة لذات ىذه الحروؼ؛ أما بالنسبة للحكمة منها فعلى قوؿ من يعين لها
عدد الصفحات ٨٩