المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٦ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 58 - سورة الفاتحت توحيدىم. وىو توحيد الربوبية، الذي اعترؼ بو مشركو ا العرب، ولم يخرجوا بو من الشرؾ، كما قاؿ تعالى: ٖٗ: ٚٛ (وَلَئِنْ سَأَلْتػَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ؟ لَ يػَقُولُنَّ اللَّوُ ) وقاؿ تعالى: ٜٖ: ٖٛ (وَلَئِنْ سَأَلْتػَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَْرْضَ لَيػَقُولُنَّ اللَّوُ )ٕٖ-ٗٛ-ٜٛ (قُلْ لِمَنِ الأَْرْضُ وَمَنْ فِيها؟. سَيػَقُولُوفَ لِلَّوِ ) ولهذا يحتج عليهم بو على توحيد إلهيتو، وأنو لا ينبغي أف يعبد غيره، كما أنو لا خالق غيره ولا رب سواه. والاستعانة: تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليو، فإف العبد قد يثق بالواحد من الناس، ولا يعتمد عليو في أموره، مع ثقتو بو، لاستغنادو عنو. وقد يعتمد عليو، مع عدـ ثقتو بو لحاجتو إليو، ولعدـ من يقوـ مقامو. فيحتاج إلى اعتماده عليو. مع أنو غير واثق بو. والتّ وكل معنى يلتئم من أصلين: من الثقة، والاعتماد، وىو حقيقة«إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ » وىذاف الأصلاف- وىما التوكل والعبادة- قد ذكر في القرآف في عدة مواضع، قرف بينهما فيها، ىذا أحدىا. الثاني: [قولو تعالى في حكاية عن شعيب]«ٔ» :ٔٔ: ٛٛ(وَما تػَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّوِ عَلَيْوِ تػَوَكَّلْتُ وَإِلَيْوِ أُنِيبُ ). الثالث: قولو تعالى: ٔٔ: ٖٕٔ:(وَلِلَّوِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ وَإِلَيْوِ يػُرْجَعُ الأَْمْرُ كُل وُ، فَاعْبُدْهُ وَتػَوَكَّلْ عَلَيْوِ ). الرابع: قولو تعالى حكاية عن المؤمنين ٓٙ: ٗ (رَبَّنا عَلَيْكَ تػَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنػَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِير)ُ . الخامس: قولو تعالى: ٖٚ: ٛ و ٜ (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتػَبَتَّلْ إِلَيْوِ تػَبْتِيلاً، رَب الْمَشْرِؽِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلوَ إِلاَّ ىُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً ). السادس: قولو تعالى: ٖ: ٖٔ(قُلْ ىُوَ رَبِّي لا إِلوَ إِلاَّ ىُوَ، عَلَيْوِ تػَوَكَّلْتُ وَإِلَيْوِ أُنِيبُ ). فهذه ستة مواضع يجمع فيها بين الأصلين وىما «إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ ». وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسادل إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، ولأف «إياؾ نعبد» متعلق بألوىيتو واسمو «ا» و «إياؾ نستعين» متعلق بربوبيتو واسمو الرب. فقدـ «إياؾ نعبد» على «إياؾ نستعين» كما تقدـ اسم الله على الرب في أوؿ السورة، ولأف «إياؾ نعبد» قسم الرب. فكاف من الشطر الأوؿ الذي ىو ثناء على الله تعالى، لكونو أولى بو، و «إياؾ نستعين» قسم العبد، فكاف مع الشطر الذي لو، وىو «اىْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » إلى آخر السورة.ولأف العبادة المطلقة: تتضمّ ن الاستعانة، من غير عكس. فكل عابد لله عبودية تامة: مستعين بو، ولا ينعكس، لأف صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين بو على شهواتو. فكانت العبادة أكمل وأتمّ . ولهذا كانت قسمَ الرّ ب، ولأف الاستعانة جزء من العبادة، من غير عكس، ولأف الاستعانة طلب منو، والعبادة طلب لو، ولأف العبادة لا تكوف إلا من مخلص، والاستعانة تكوف من مخلص ومن غير مخلص، ولأف العبادة حقّ و الذي أوجبو عليك، والاستعانة طلب العوف على العبادة. وىو بياف صدقتو التي تصدّ ؽ بها عليك، وأداء حقّ و: أىم من التعرض لصدقتو. ولأف العبادة شكر نعمتو عليك، والله يجب أف يشكر، والإعانة فعلو بك

عدد الصفحات ٦٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 59 - سورة الفاتحت وتوفيقو لك. فإذا التزمت عبوديتو، ودخلت تحت رقّها أعانك عليها، فكاف التزامها والدخوؿ تحت رقّ ها سببا لنيل الإعانة. وكلما كاف العبد أتمّ عبودية كانت الإعانة من الله لو أعظم. والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقياـ بها، وإعانة بعدىا على عبودية أخرى، وىكذا أبدا، حتى يقضي العبد نحبو، ولأف «إياؾ نعبد» لو. و «إياؾ نستعين» بو، وما لو مقدـ على ما بو. لأف ما لو متعلق بمحبتو ورضاه. وما بو متعلق بمشيئتو، وما تعلق بمحبتو أكمل ممّ ا تتعلق بمشيئتو، فإف الكوف كلّ و متعلق بمشيئتو، والملادكة والشياطين والمؤمنوف والكفار، والطاعات والمعاصي. والمتعلق بمحبتو: طاعاتهم وإيمانهم. فالكفار أىل مشيئة، والمؤمنوف أىل محبتو. ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدا. وكل ما فيها فإنو بو تعالى وبمشيئتو. فهذه الأسرار يتبيّ ن بها حكمة تقديم «إياؾ نعبد» على «إياؾ نستعين» . وأما تقديم المعبود والمستعاف على الفعلين ففيو: أدبهم مع الله بتقديم اسمو على فعلهم وفيو الاىتماـ وشدة العناية بو، وفيو الإيذاف بالاختصاص المسمّ ى بالحصر. فهو في قوة: لا نعبد إلا إياؾ، ولا نستعين إلاّ بك، والحاكم في ذلك ذوؽ العربية والفقو فيها، واستقراء موارد استعماؿ ذلك مقدّ ما، وسيبويو نص على الاىتماـ، ولم ينف غيره. ولأنو يقبح من القادل: أف يعتق عشرة أعبد مثلا، ثم يقوؿ لأحدىم: إياؾ أعتقت، ومن سمعو أنكر ذلك عليو، وقاؿ: وغيره أيضا أعتقت. ولولا فهم الاختصاص لما قبح ىذا الكلاـ، ولا حسن إنكاره. وتأمل قولو تعالى: ٕ: ٓٗ (إِيَّايَ فَارْىَبُو فِ ) ٕ: ٔٗ (وَإِيَّايَ فَاتػَّقُوفِ ) كيف تجده في قوة: لا ترىبوا غيري، ولا تتّ قوا سواي؟ وكذلك «إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ » ىو في قوة: لا نعبد غيرؾ ولا نستعين بسواؾ، وكلّ ذي ذوؽ سليم يفهم ىذا الاختصاص من ىذا السياؽ، ولا عبرة بجدؿ من قلّ فهمو، وفتح عليو باب الشكّ والتّ شكيك، فهؤلاء ىم آفة العلوـ، وبليّ ة الأذىاف والفهوـ، مع أف في ضمير «إياؾ» من الإشارة إلى نفس الذات والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل، ففي «إياؾ قصدت، وأحببت» من الدِّ لالة على معنى حقيقتك وذاتك قصدي ما ليس في قولك: قصدتك وأحببتك. وإياؾ أعني: فيو معنى نفسك وذاتك وحقيقتك أعني.ومن ىاىنا قاؿ من قاؿ من النحاة: إف «إيّا» اسم ظاىر، مضاؼ إلى الضمير المتصل، ولم يردّ بردّ شاؼ. ولولا أنّا في شأف وراء ىذا لأشبعنا الكلاـ في ىذه المسألة، وذكرنا مذاىب النحاة فيها، ونصرنا الراجح، ولعل أف نعطف على ذلك بعو ف الله. وفي إعادة «إياؾ» مرة أخرى دلالة على تعلّ ق ىذه الأمور بكل واحد من الفعلين، ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفو، فإذا قلت لملك مثلا: إياؾ أحب، وإياؾ أخاؼ. كاف فيو من اختصاص الحب والخوؼ بذاتو، والاىتماـ بذكره ما ليس في قولك: إياؾ أحب وأخاؼ. إذا عرؼ ىذا: فالناس في ىذين الأصلين وىما العبادة والاستعانة أربعة أقساـ:

عدد الصفحات ٦١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 61 - سورة الفاتحت أجل ها وأفضلها: أىل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادىم وطلبهم منو أف يعينهم عليها ويوفّ قهم للقياـ بها، ولهذا كاف من أفضل ما يسأؿ الربّ تبارؾ وتعالى الإعانة على مرضاتو، وىو الذي علَّ مو النبي لحبّو معاذ بن جبل. فقاؿ «يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تنس أف تقوؿ في دبر كل صلاة: اللهم أعنّ ي على ذكرؾ وشكرؾ وحسن عبادتك» . فأنفع الدعاء طلب العوف على مرضاتو، وأفضل المواىب: إسعافو بهذا المطلوب وجميع الأدعية المأثور ة مدارىا على ىذا، وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميلو وتيسير أسبابو. فتأملها. وقاؿ شيخ الإسلاـ ابن تيمية قدس الله روحو: تأملت أنفع الدعاء: فإذا ىو سؤاؿ العوف على مرضاتو، ثم رأيتو في الفاتحة في «إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ » . ومقابل ىؤلاء: القسم الثاني: وىم المعرضوف عن عبادتو والاستعانة بو فلا عبادة ولا استعانة بل إف سألو أحدىم واستعاف بو فعلى حظوظو وشهواتو، لا على مرضاة ربو وحقوقو،فإنو سبحانو يسألو من في السموات والأرض: يسألو أولياؤه وأعداؤه ويمدّ ىؤلاء وىؤلاء، وأبغض خلقو: عدوه إبليس ومع ىذا فسألو حاجة فأعطاه إياىا، ومتّ عو بها، ولكن لمّ ا لم تكن عونا لو على مرضاتو: كانت زيادة لو في شقوتو، وبعده عن الله وطرده عنو، وىكذا كل من استعاف بو على أمر وسألو إياه، ولم يكن عونا على طاعتو، كاف مبعدا لو عن مرضاتو، قاطعا لو عنو ولا بد. وليتأمّ ل العاقل ىذا في نفسو و في غيره، وليعلم أف إجابة الله لسادليو ليست لكرامة كل سادل عليو، بل يسألو عبده الحاجة فيقضيها لو، وفيها ىلاكو وشقوتو، ويكوف قضاؤىا لو من ىوانو عليو وسقوطو من عينو، ويكوف منعو منها لكرامتو عليو ومحبّ تو لو، فيمنعو حماية وصيانة وحفظا لا بخلا، وىذا إنما يفعلو بعبده الذي يريد كرامتو ومحبتو، ويعاملو بلطفو: فيظن بجهلو أف الله لا يحبو ولا يكرمو، ويراه يقضي حوادج غيره، فيسيء ظنّ و بربّ و، وىذا حشو قلبو ولا يشعر بو، والمعصوـ من عصمو الله، والإنساف على نفسو بصيرة، وعلامة ىذا: حملو على الأقدار. وعتابو الباطن لها. كما قيل: وعاجز الرأي مضياع لفرصتو ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا فو الله لو كشف عن حاصلو وسرّ ه لرأى ىناؾ معاتبة القدر واتّ هامو، وأنو قد كاف ينبغي أف يكوف كذا وكذا، ولكن ما حيلتي؟ والأمر ليس إليّ، والعاقل خصم نفسو والجاىل خصم أقدار ربو، فاحذر كل الحذر أف تسألو شيئا معينا خيرتو وعاقبتو مغيبة عنك، وإذا لم تجد من سؤالو بدا، فعلقو على شرط علمو تعالى فيو الخيرة، وقدـ بين يدي سؤالك الاستخارة ولا تكن استخارة بالّ لساف بلا معرفة بل استخارة من لا علم لو بمصالحو ولا قدرة لو عليها، ولا اىتداء لو إلى تفاصيلها. ولا يملك لنفسو ضرّ ا ولا نفعا، بل إف وكِّ ل إلى نفسو ىلك كل الهلاؾ، وانفرط عليو أمره. وإذا أعطاؾ ما أعطاؾ بلا سؤاؿ: تسألو أف يجعلو عونا على طاعتو وبلاغا إلى مرضاتو، ولا يجعلو قاطعا لك عنو، ولا مبعدا عن مرضاتو. ولا تظن أف عطاءه كلّ ما أعطى لكرامة عبده عليو ولا منعو كل ما يمنعو لهواف عبده عليو، ولكن عطاءه ومنعو ابتلاء وامتحاف، يمتحن بهما عباده. قاؿ الله تعالى: ٜٛ: ٕ٘ و ٙٔ( فَأَمَّا الإِْنْسافُ إِذا مَا ابػْتَلاهُ رَب وُ فَأَكْرَمَوُ وَنػَعَّمَوُ، فػَيػَقُوؿُ :

عدد الصفحات ٦٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 61 - سورة الفاتحت رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذا مَا ابػْتَلاهُ فػَقَدَرَ عَلَيْوِ رِزْقَوُ فػَيػَقُوؿُ رَبِّي أَىانَنِ، كَلاَّ ) أي ليس كل من أعطيتو ونعّ متو وخوّ لتو: فقد أكرمتو، وما ذاؾ لكرامتو عليّ ولكنو ابتلاء مني وامتحاف لو: أيشكرني فأعطيو فوؽ ذلك، أـ يكفرني فأسلبو إياه، وأخوّ ؿ فيو غيره؟وليس كل من ابتليتو فضيّ قت عليو رزقو، وجعلتو بقدر لا يفضل عنو فذلك من ىوانو عليّ، ولكنو ابتلاء وامتحاف مني لو: أيصبر؟ فأعطيو أضعاؼ أضعاؼ ما فاتو من سعة الرزؽ، أـ يتسخط؟ فيكوف حظو السخط.فردّ الله سبحانو على من ظن أف سعة الرِّ زؽ إكراـ، وأف الفقر إىانة، فقاؿ: لم أبتل عبدي بالغنى لكرامتو عليّ، ولم أبتلو بالفقر لهوانو عليّ .فأخبر أف الإكراـ والإىانة لا يدوراف على الماؿ وسعة الرزؽ وتقديره، فإنو يوسّ ع على الكافر لا لكرامتو، ويقتّر على المؤمن لا لإىانتو، إنما يكرـ من يكرمو بمعرفتو ومحبتو وطاعتو، ويهين من يهينو بالإعراض عنو ومعصيتو. فلو الحمد على ىذا وعلى ىذا، وىو الغني الحميد. فعادت سعادة الدنيا والآخرة إلى «إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ » . القسم الثالث: من لو نوع عبادة بلا استعانة. وىؤلاء نوعاف. أحدىا: القدرية القادلوف بأنو قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاؼ، وأنو لم يبق في مقدوره إعانة لو على الفعل. فإنو قد أعانو بخلق الآلات وسلامتها وتعريف الطريق وإرساؿ الرسل، وتمكينو من الفعل. فلم يبق بعد ىذا إعانة مقدورة يسألو إياىا، بل قد ساوى بين أوليادو وأعدادو في الإعانة: فأعاف ىؤلاء كما أعاف ىؤلاء، ولكن أولياءه اختاروا لنفوسهم الإيماف، وأعداءه اختاروا لنفوسهم الكفر، من غير أف يكوف الله سبحانو وفّ ق ىؤلاء بتوفيق زادد، أوجب لهم الإيماف، وخذؿ ىؤلاء بأمر آخر، أوجب لهم الكفر. فعبادة ىؤلاء لهم نصيب منقوص من العبادة، لا استعانة معو: فهم موكولوف إلى أنفسهم مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد. قاؿ ابن عباس : الإيماف بالقدر نظاـ التوحيد، فمن آمن بالله وكذّ ب بقدره نقض تكذيبو توحيده. النوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد ولكن حظّ هم ناقص من التّ وكل والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وتلاشيها في ضمنو، وقيامها بو، وأنها بدوف القدر كالموات الذي لا تأثير لو، بل كالعدـ الذي لا وجود لو، وأف القدر كالرّ وح المحرّ ؾ لها، والمعوِّ ؿ على المحرِّ ؾ الأوؿ. فلم تنفذ قوى بصادرىم من المتحرِّ ؾ إلى المحرِّ ؾ، ومن السبب إلى المسبِّ ب، ومن الآلة إلى الفاعل. فضعفت عزادمهم وقصرت ىممهم، فقل نصيبهم من «إياؾ نستعين» ولم يجدوا ذوؽ التعبد بالتوك ل والاستعانة، وإف وجدوا ذوقو بالأوراد والوظادف فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير، بحسب استعانتهم وتوكلهم . ولو توكل العبد على الله حق توكلو في إزالة جبل عن مكانو، وكاف مأمورا بإزالتو، لأزالو. فإف قلت: فما معنى التوكل والاستعانة؟ قلت: ىو حاؿ للقلب ينشأ عن معرفتو بالله، وتفر ده بالخلق والتَّ دبير والضّ رّ والنّ فع، والعطاء والمنع، وأنو ما شاء كاف وإف لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن، وإف شاءه الناس، فيوجب لو ىذا اعتمادا عليو وتفويضا إليو وطمأنينة بو وثقة بو ويقينا بكفايتو لما توكِّ ل عليو فيو، وأنو مليّ بو، ولا يكوف إلا بمشيئتو، شاءه الناس أـ أبَ وه، فتشبو حالتو حالة الطفل مع

عدد الصفحات ٦٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 62 - سورة الفاتحت أبويو فيما ينوبو من رغبة ورىبة ىما مليّاف بهما. فانظر في تجر د قلبو عن الالتفات إلى غير أبويو، وحبس ىمّو على إنزاؿ ما ينويو بهما. فهذه حاؿ المتوكل، ومن كاف ىكذا مع الله، فالله كافيو ولا بد. قاؿ الله تعالى: ٘ٙ: ٖ( وَمَنْ يػَتػَوَكَّلْ عَلَى اللَّوِ فػَهُوَ حَسْبُوُ ) أي كافيو. والحسب: الكافي. فإف كاف مع ىذا من أىل التقوى كانت لو العاقبة الحميدة، وإف لم يكن من أىل التقوى فهو: القسم الرابع: وىو من شهد تفرّ د الله بالنّ فع والضّ رر، وأنو ما شاء كاف وما لم يشأ لم يكن، ولم يدر مع ما يحبو ويرضاه، فتوكل عليو، واستعاف بو على حظوظو وشهواتو وأغراضو، وطلبها منو، وأنزلها بو فقضيت لو وأسعف بها، ولكن لا عاقبة لو، سواء كانت أموالا أو رداسة أو جاىا عند الخلق أو أحوالا، من كشف وتأثير وقوة وتمكين. فإنها من جنس المُ لك الظاىر، والأمواؿ لا تستلزـ الإسلاـ، فضلا عن الولاية والقرب من الله. فإف الملك والجاه والماؿ والحاؿ معطاة للبػَ رّ والفاجر، والمؤمن والكافر. فمن استدؿّ بشيء من ذلك على محبة الله لمن آتاه إياه ورضاه عنو، وأنو من أوليادو المقرّ بين. فهو من أجهل الجاىلين، وأبعدىم معرفة بالله ودينو، والتمييز بين ما يحبو ويرضاه ويكرىو ويسخطو، فالحاؿ من الدنيا. فهو كالملك والماؿ، إف أعاف صاحبو على طاعة الله ومرضاتو، وتنفيذ أوامره، ألحقو بالملوؾ العادلين البررة، وإلا فهو وباؿ على صاحبو ومبعد لو عن الله، وملحق لو بالملوؾ الظلمة، والأغنياء الفجرة. إذا عرؼ ىذا: فلا يكوف العبد متحقّ قا بإياؾ نعبد إلا بأصلين عظيمين. أحدىما: متابعة الرسوؿ . والثاني: الإخلاص للمعبود. فهذا تحقيق «إياؾ نعبد» . والناس منقسموف بحسب ىذين الأصلين أيضا إلى أربعة أقساـ: أحدىا: أىل الإخلاص للمعبود والمتابعة. وىم أىل «إياؾ نعبد» حقيقة، فأعمالهم كل ها لله وأقوالهم لله، وعطاؤىم لله، ومنعهم لله، وحبهم لله، وبغضهم لله. فمعاملتهم ظاىرا وباطنا لوجو الله وحده. لا يريدوف بذلك من الناس جزاء ولا شكورا، ولا ابتغاء الجاه عندىم، ولا طلب المحمدة، والمنزلة في قلوبهم، ولا ىربا من ذمهم. بل قد عدّ وا الناس بمنزلة أصحاب القبور، لا يملكوف لهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. فالعمل لأجل ىؤلاء، وابتغاء الجاه والمنزلة عندىم، ورجادهم للضر والنفع منهم، لا يكوف من عارؼ بهم البتة، بل من جاىل بشأنهم، وجاىل بربو، فمن عرؼ الناس أنزلهم منازلهم. ومن عرؼ الله أخلص لو أعمالو وأقوالو، وعطاءه ومنعو وحبو وبغضو، ولا يعامل أحد الخلق دوف الله إلا لجهلو بالله وجهلو بالخلق، وإلا فإذا عرؼ الله وعرؼ الناس آثر معاملة الله على معاملتهم، وكذلك أعمالهم كلّ ها وعباداتهم موافقة لأمر الله، ولما يحبو ويرضاه، وىذا ىو العمل الذي لا يقبل الله من عامل سواه. وىو الذي بلا عباده بالموت والحياة لأجلو. قاؿ الله تعالى ٚٙ: ٕ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبػْلُوَكُمْ أَي كُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً )وجعل ما على الأرض زينة لها ليختبرىم أيهم أحسن عملا، قاؿ الفضيل بن عياض : ىو أخلصو وأصوبو. قالوا يا أبا على: ما أخلصو وأصوبو؟ قاؿ: إف العمل إذا كاف خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كاف صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكوف

عدد الصفحات ٦٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 63 - سورة الفاتحت خالصا صوابا، والخالص: ما كاف لله، والصواب: ما كاف على السنة. وىذا ىو المذكور في قولو تعالى ٛٔ: ٔٓٔ (فَمَنْ كافَ يػَرْجُوا لِقاءَ رَبِّوِ فػَلْيػَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً، وَلا يُشْرِؾْ بِعِبادَةِ رَبِّوِ أَحَداً ). وفي قولو ٗ: ٕ٘ٔ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَوُ لِلَّوِ وَىُوَ مُحْسِنٌ ) فلا يقبل الله من العمل إلا ما كاف خالصا لوجهو على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردود على عاملو، يعود عليو أحوج ما ىو إليو ىباء منثورا. وفي الصحيح عن النبي «كل عمل ليس عليو أمرنا فهو رد» وكل عمل بلا اقتداء فإنو لا يزيد عاملو من الله إلا بعدا. فإف الله تعالى إنما يعبد بأمره، لا بالآراء والأىواء. الضرب الثاني: من لا إخلاص لو ولا متابعة. فليس عملو موافقا للشّ رع، ولا ىو خالصا للمعبود، كأعماؿ المتزيِّ نين للناس المرادين لهم بما لم يشرِّ عو الله ورسولو. وىؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله . ولهم أوفر نصيب من قولو ٖ: ٛٛٔ( لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يػَفْرَحُوفَ بِما أَ تػَوْا وَيُحِب وفَ أَفْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يػَفْعَلُوا. فَلا تَحْسَبػَنػَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) يفرحوف بما أتوا من البدعة والضلالة والشرؾ، ويحبوف أف يحمدوا باتباع السنة والإخلاص.وىذا الضرب يكثر فيمن انحرؼ من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن الصراط المستقيم، فإنهم يرتكبوف البدع والضلالات، والرياء والسمعة ويحبوف أف يحمدوا بما لم يفعلوه من الاتباع والإخلاص والعلم. فهم أىل الغضب والضلاؿ. الضرب الثالث: من ىو مخلص في أعمالو، لكنَّ ها على غير متابعة الأمر، كجهّ اؿ العبّ اد، والمنتسبين إلى طريق الزّ ىد والفقر، وكل من عبد الله بغير أمره، واعتقده قربة إلى الله فهذا حالو، كمن يظن أف سماع المكاء والتصدية قربة، وأف الخلوة التي يترؾ فيها الجمعة والجماعة قربة، وأف مواصلة صوـ النهار بالليل قربة، وأف صياـ يوـ فطر الناس كلهم قربة.وأمثاؿ ذلك. الضرب الرابع: من أعمالو على متابعة الأمر، لكنها لغير الله. كطاعة المرادين، وكالرجل يقاتل رياء وحمية وشجاعة، ويحج ليقاؿ، ويقرأ القرآف ليقاؿ، فهؤلاء أعمالهم ظاىرىا أعماؿ صالحة مأمور بها، لكنَّ ها غير خالصة فلا تقبل ٜٛ: ٘ ( وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيػَعْبُدُوا اللَّوَ مُخْلِصِينَ لَوُ الدِّينَ )فكل أحد لم يؤمر إلا بعبادة الله بما أمر، والإخلاص لو في العبادة. وىم أىل «إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِ يَّاؾَ نَسْتَعِينُ » . فاعلم أف سرّ العبودية وغايتها وحكمتها: إنما يطّ لع عليها من عرؼ صفات الربّ ، ولم يعطِّ لها، وعرؼ معنى الإلهية وحقيقتها، ومعنى كونو إلها، بل ىو الإلو الحق، وكل إلو سواه فباطل، بل أبطل الباطل، وأف حقيقة الإلهية لا تنبغي إلا لو، وأف العبادة موجب إلهيتو وأثرىا ومقتضاىا، وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات بالصفات، وكارتباطو المعلوـ بالعلم والمقدور بالقدرة، والأصوات بالسمع، والإحساف بالرحمة، والعطاء بالجود. فمن أنكر حقيقة الإلهية ولم يعرفها كيف يستقيم لو معرفة حكمة العبادات وغاياتها ومقاصدىا وما شرعت لأجلو؟ وكيف يستقيم لو معرفة حكمة ىي الغاية المقصودة بالخلق، ولها خلقوا، ولها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولأجلها خلقت الجنة والنار؟ وأف فرض تعطيل الخليقة عنها: نسبة لله إلى ما لا يليق بو، ويتعالى عنو من خلق السموات والأرض بالحق، ولم يخلقهما باطلا. ولم يخلق

عدد الصفحات ٦٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 64 - سورة الفاتحت الإنساف عبثا ولم يتركو سدى مهملا، قاؿ تعالى(ٖٕ: ٘ٔٔ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تػُرْجَعُوفَ؟) أي لغير شيء ولا حكمة، ولا لعبادتي ومجازاتي لكم، وقد صرّ ح تعالى بهذا في قولو ٔ٘: ٙ٘( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْ نْسَ إِلاَّ لِيػَعْبُدُوفِ ) فالعبادة: ىي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلادق كلها. قاؿ الله تعالى: ٘ٚ: ٖٙ (أَيَحْسَبُ الإِْنْسافُ أَفْ يػُتػْرَؾَ سُدىً )؟ أي مهملا. قاؿ الشافعي: لا يؤمر ولا ينهى، وقاؿ غيره: لا يثاب ولا يعاقب، والصحيح: الأمراف. فإف الثو اب والعقاب مترتب على الأمر والنهي والأمر والنهي ىو طلب العبادة وإرادتها، وحقيقة العبادة امتثالهما. وقاؿ تعالى: ٖ: ٜٔٔ (وَيػَتػَفَكَّرُوفَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ : رَبَّنا ما خَلَقْتَ ىذا باطِلاً سُبْحانَكَ . فَقِنا عَذابَ النَّارِ ). وقاؿ ٘ٔ: ٘ٛ( وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَْرْضَ وَما بػَيػْنػَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ ) وقاؿ ٘ٗ: ٕٕ (وَخَلَقَ اللَّوُ السَّماواتِ وَالأَْرْضَ بِالْحَقِّ، وَلِتُجْزى كُل نػَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ). فأخبر أنو خلق السموات والأرض بالحق المتضمن: أمره ونهيو، وثوابو وعقابو. فإذا كانت السموات والأرض وما بينهما خلقت لهذا، وىو غاية الخلق، فكيف يقاؿ: إنو لا علّ ة لو، ولا حكمة مقصودة ىي غايتو؟ أو إف ذلك لمجرد استئجار العباد حتى لا ينكّد عليهم الثواب بالمنة، أو لمجرد استعداد النفوس للمعارؼ العقلية. وارتياضها بمخالفة العوادد؟. فليتأمل اللبيب الفرقاف بين ىذه الأقواؿ، وبين ما دؿّ عليو صريح الوحي يجد أف أصحاب ىذه الأقواؿ ما قدروا الله حق قدره، ولا عرفوه حق معرفتو. فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادتو الجامعة لكماؿ محبّ تو. مع الخضوع لو والانقياد لأمره. فأصل العبادة: محبة الله، بل إفراده بالمحبّ ة، وأف يكوف الحبّ كلّ و لله. فلا يحب معو سواه، وإنما يحب لأجلو وفيو، كما يحب أنبياءه ورسلو وملادكتو وأولياءه، فمحبّ تنا لهم من تماـ محبّ تو، وليست محبّ ة معو، كمحبّ ة من يتّ خذ من دوف الله أندادا يحبّ ونهم كحبو. وإذا كانت المحبّ ة لو حقيقة عبوديّ تو وسرّ ىا، فهي إنما تتحقّ ق باتِّ باع أمره، واجتناب نهيو. فعند اتّ باع الأمر واجتناب النهي تتبيّ ن حقيقة العبودية والمحبة. ولهذا جعل تعالى اتِّ باع رسولو علما عليها، وشاىدا لمن ادعاىا، فقاؿ تعالى: ٖ: ٖٔ (قُلْ إِفْ كُنْتُمْ تُحِب وفَ اللَّوَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّوُ ). فجعل اتباع رسولو مشروطا بمحبتهم لله، وشرطا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدوف وجود شرطو وتحقّ قوُ بتحقّ قوِ فعُ لم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة. فانتفاء محبتهم لله لازـ لانتفاء المتابعة لرسولو، وانتفاء المتابعة ملزوـ لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل إذاً ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم بدوف المتابعة لرسولو. ودؿّ على أف متابعة الرسوؿ : ىي حب الله ورسولو، وطاعة أمره، ولا يكفي ذلك في العبودية، حتى يكوف الله ورسولو أحبّ إلى العبد ممّ ا سواىما. فلا يكوف عنده شيء أحبّ إليو من الله ورسولو، ومتى كاف عنده شيء أحب إليو منهما فهذا ىو الشرؾ الذي لا يغفره الله لصاحبو البتة، ولا يهديو الله. قاؿ الله تعالى: ٜ: ٕٗ( قُلْ إِفْ كافَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْواؿٌ اقػْتػَرَفػْتُمُوىا وَتِجارَةٌ تَخْشَوْفَ كَسادَىا وَمَساكِ نُ تػَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّوِ وَرَسُولِوِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِوِ، فػَتػَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّوُ بِأَمْرِهِ . وَاللَّوُ لا يػَهْدِي الْقَوْـَ الْفاسِقِينَ ).

عدد الصفحات ٦٦

ضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّوِ وَرَسُولِوِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِوِ، فػَتػَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّوُ بِأَمْرِهِ . وَاللَّوُ لا يػَهْدِي الْقَوْـَ الْفاسِقِينَ ). فكل من قدّـ طاعة أحد من ىؤلاء على طاعة الله ورسولو، أو قوؿ أحد منهم على قوؿ الله ورسولو، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسولو، أو خوؼ أحد منهم ورجاءه والتوكل عليو على خوؼ الله ورجادو والتوكل عليو.أو معاملة أحدىم

عدد الصفحات ٦٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 65 - سورة الفاتحت على معاملة الله، فهو ممن ليس الله ورسولو أحب إليو مما سواىما، وإف قالو بلسانو فهو كذب منو، وإخبار بخلاؼ ما ىو عليو، وكذلك من قدَّ ـ حكم أحد على حكم الله ورسولو. فذلك المقدّـ عنده أحب من الله ورسولو، لكن قد يشتبو الأمر على من يقدـ قوؿ أحد أو حكمو أو طاعتو أو مرضاتو ظنا منو أنو لا يأمر ولا يحكم ولا يقوؿ إلا ما قالو الرسوؿ، فيطيعو، ويحاكم إليو، ويتلقى أقوالو كذلك، فهذا معذو ر إذا لم يقدر على غير ذلك. وأما إذا قدر على الوصوؿ إلى الرسوؿ، وعرؼ أف غير من اتّ بعو ىو أولى بو مطلقا، أو في بعض الأمور. ولم يلتفت إلى الرسوؿ ولا إلى من ىو أولى بو، فهذا الذي يخاؼ عليو. وىو داخل تحت الوعيد. فإف استحلّ عقوبة من خالفو وأذلّ و، ولم يوافقو على اتّ باع شيخو. فهو من الظلمة المعتدين. وقد جعل الله لكل شيء قدرا. وبنى «إياؾ نعبد» على أربع قواعد: التحقّ ق بما يحبو الله ورسولو ويرضاه من قوؿ اللساف، والقلب، وعمل القلب والجوارح . فالعبودية: اسم جامع لهذه المراتب الأربع. فأصحاب «إياؾ نعبد» حقاً ىم أصحابها. فقوؿ القلب: ىو اعتقاد ما أخبر الله سبحانو بو عن نفسو وعن أسمادو وصفاتو وأفعالو وملادكتو ولقادو على لساف رسلو. وقوؿ اللساف: الإخبار عنو بذلك، والدعوة إليو، والذبّ عنو، وتبيين بطلاف البدع المخالفة لو، والقياـ بذكره، وتبليغ أوامره. وعمل القلب: كالمحبة لو، والتو كل عليو، والإنابة إليو، والخوؼ منو والرجاء لو، وإخلاص الدين لو، والصبر على أوامره، وعن نواىيو وعلى أقداره، والرضى بو وعنو، والموالاة فيو، والمعاداة فيو، والذؿّ لو والخضوع، والإخبات إليو، والطمأنينة بو، وغير ذلك من أعماؿ القلوب التي فرضُ ها أفرض من أعماؿ الجوارح ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة. وأعماؿ الجوارح : كالصلاة والجهاد، ونقل الأقداـ إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحساف إلى الخلق ونحو ذلك. فإياؾ نعبد: التزاـ لأحكاـ ىذه الأربعة، وإقرار بها، و «إياؾ نستعين» طلب للإعانة عليها والتوفيق لها، و «اىْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » متضمّن للتّ عريف بالأمرين على التّ فصيل، وإلهاـ القياـ بهما، وسلوؾ طريق السالكين إلى الله بهما. وجميع الرسل إنما دعوا إلى «إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ » فإنهم كلهم دعوا إلى توحيد الله وعبادتو، من أولهم إلى آخرىم. فقاؿ نوح لقومو:ٚ:ٜ٘ (اعْبُدُوا اللَّوَ ما لَكُمْ مِنْ إِلوٍ غَيػْرُهُ ) .وكذلك قاؿ ىود وصالح وشعيب ٚ: ٘ٙ، ٖٚ، ٘ٛ وإبراىيم. قاؿ الله تعالى: ٙٔ: ٖٙ (وَلَقَدْ بػَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَفِ اعْبُدُ وا اللَّوَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ). وقاؿ ٕٔ: ٕ٘ (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قػَبْلِكَ مِنْ رَسُوؿٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْوِ أَنَّوُ لا إِلوَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُوفِ ) وقاؿ تعالى: ٖٕ: ٔ٘، ٕ٘( يا أَيػ هَا الر سُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِ نِّي بِما تػَعْمَلُوفَ عَلِيمٌ، وَإِفَّ ىذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَب كُمْ فَاتػَّقُوفِ ).و

عدد الصفحات ٦٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 66 - سورة الفاتحت في لزوـ «إياؾ نعبد» لكل عبد إلى الموت قاؿ الله تعالى لرسولو ٘ٔ: ٜٜ (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) وقاؿ أىل النار ٗٚ: ٙٗ، ٚٗ( وَكُنَّ ا نُكَذِّبُ بِيػَوْـِ الدِّينِ حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ) واليقين ىاىنا: ىو الموت بإجماع أىل التفسير.وفي الصحيح، في قصة موت عثماف بن مظعوف : أف النبي قاؿ «أما عثماف فقد جاءه اليقين من ربو»أي الموت وما فيو. فلا ينفك العبد من العبودية ما داـ في دار التّ كليف، بل عليو في البرزخ عبودية أخرى لما يسألو الملكاف «من كاف يعبد؟ وما يقوؿ في رسوؿ الله ؟» ويلتمساف منو الجواب. وعليو عبودية أخرى يوـ القيامة، يوـ يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود، فيسجد المؤمنوف، ويبقى الكفار والمنافقوف لا يستطيعوف السجود، فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف ىناؾ، وصارت عبودية أىل الثواب تسبيحا مقرونا بأنفاسهم لا يجدوف لو تعبا ولا نصبا.ومن زعم أنو يصل إلى مقاـ يسقط عنو التعبد فهو زنديق،كافر بالله ورسولو، وإنما وصل إلى مقاـ الكفر بالله، والانسلاخ من دينو، وكلما تمكّ ن العبد في منازؿ العبودية كانت عبوديتو أعظم، والواجب عليو منها أكثر من الواجب على من دونو. ولهذا كاف الواجب على رسوؿ الله ، بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم. والواجب على أولى العزـ:أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولى العلم:أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبتو. و في مراتب «إياؾ نعبد» علما وعملا ،للعبودية مراتب، بحسب العلم والعمل. فأما مراتبها العلمية فمرتبتاف: إحداىما: العلم بالله. والثانية: العلم بدينو. فأما العلم بو سبحانو، فخمس مراتب: العلم بذاتو، وصفاتو، وأفعالو، وأسمادو، وتنزيهو عمّ ا لا يليق بو. والعلم بدينو مرتبتاف. إحداىما: دينو الأمر الشرعي. وىو الصراط المستقيم الموصل إليو. والثانية: دينو الجزادي، المتضمن ثوابو وعقابو، وقد دخل في ىذا العلم العلم بملادكتو وكتبو ورسلو. وأما مراتبها العلمية فمرتبتاف: مرتبة لأصحاب اليمين، ومرتبة للسابقين المقربين. فأما مرتبة أصحاب اليمين: فأداء الواجبات، وترؾ المحرمات، مع ارتكاب المباحات وبعض المكروىات، وترؾ بعض المستحبات. وأما مرتبة المقرّ بين: فالقياـ بالواجبات والمندوبات، وترؾ المحرمات والمكروىات، زاىدين فيما لا ينفعهم في معادىم، متورِّ عين عمّ ا يخافوف ضرر ه. وخاصتهم: قد انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات بالنية فليس في حقهم مباح متساو الطرفين، بل كل أعمالهم راجحة، ومن دونهم يترؾ المباحات مشتغلا عنها بالعبادات، وىؤلاء يأتونها إطاعات وقربات، ولأىل ىاتين المرتبتين درجات لا يحصيها إلا الله.

عدد الصفحات ٦٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 67 - سورة الفاتحت ورحى العبودية على خمس عشرة قاعدة، من كمَّ لها كمَّ ل مراتب العبودية وبيانها: أف العبودية منقسمة على القلب، واللساف، والجوارح . وعلى كل منها عبودية تخص و. والأحكاـ التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحراـ، ومكروه، ومباح، وىي لكل واحد من القلب واللساف، والجوارح . فواجب القلب: منو متفق على وجوبو، ومختلف فيو. فالمتفق على وجوبو: كالإخلاص، والمحبة، والصبر، والإنابة، والخوؼ، والرجاء، والتصديق الجازـ، والنية في العبادة، وىذه قدر زادد على الإخلاص، فإف الإخلاص ىو إفراد المعبود عن غيره. ونية العبادة لها مرتبتاف: إحداىما: تمييز العبادة عن العادة. والثانية: تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض. والأقساـ الثلاثة واجبة. وكذلك الصِّ دؽ. والفرؽ بينو وبين الإخلاص: أف للعبد مطلوبا وطلبا، فالإخلاص: توحيد مطلوبو. والصِّ دؽ: توحيد طلبو. فالإخلاص: أف لا يكوف المطلوب منقسما. والصدؽ: أف لا يكوف الطلب منقسما، فالصِّ دؽ بذؿ الج هد، والإخلاص: إفراد المطلوب واتّ فقت الأمة على وجوب ىذه الأعماؿ على القلب من حيث الجملة. وكذلك النّ صح في العبودية. ومدار الدّ ين عليو، وىو بذؿ الجهد في إيقاع العبودية على الوجو المحبوب للرب المرضى لو. وأصل ىذا واجب وكمالو مرتبة المقرّ بين.وكذلك كل واحد من ىذه الواجبات القلبية لو طرفاف، واجب مستحق. وىو مرتبة أصحاب اليمين، وكماؿ مستحب. وىو مرتبة المقربين. وكذلك الصبر واجب باتفاؽ الأمة، قاؿ الإماـ أحمد: ذكر الله الصبر في تسعين موضعا من القرآف، أو بضعا وتسعين، ولو طرفاف أيضا: واجب مستحق، وكماؿ مستحب. [ثم ذكر القسم الواجب المختلف فيو- إلى أف قاؿ] . والمقصود: أف يكوف ملك الأعضاء- وىو القلب- قادما بعبوديتو لله ىو ورعيتو وأما المحرمات التي عليو: فالكبر، والرياء، والعجب، والحسد، والغفلة، والنفاؽ، وىي نوعاف: كفر ومعصية. فالكفر كالشك، والنفاؽ والشرؾ، وتو ابعها.والمعصية نوعاف: كبادر وصغادر.فالكبادر: كالرياء، والعجب، والكبر، والفخر، والخيلاء، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والفرح والسرور بأذى المسلمين، والشّ ماتة بمصيبتهم، ومحبة أف تشيع الفاحشة فيهم، وحسدىم على ما آتاىم الله من فضلو، وتمنّ ي زواؿ ذلك عنهم، وتوابع ىذه الأمور التي ىي أشدّ تحريما

عدد الصفحات ٦٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 68 - سورة الفاتحت من الزنا، وشرب الخمر، وغيرىما من الكبادر الظاىرة، ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا باجتنابها، والتوبة منها، وإلا فهو قلب فاسد، وإذا فسد القلب فسد البدف.وىذه الآفات إنما تنشأ من الجهل بعبودية القلب، وترؾ القياـ بها. فوظيفة «إياؾ نعبد» على القلب قبل الجوارح فإذا جهلها وترؾ القياـ بها امتلأ بأضدادىا ولا بد. وبحسب قيامو بها يتخلص من أضدادىا. وىذه الأمور ونحوىا قد تكوف صغادر في حقو، وقد تكوف كبادر بحسب قوتّ ها وغلظها وخفّ تها ودقّ تها. ومن الصغادر أيضا: شهوة المحرمات وتمنّ يها، وتفاوت درجات الشهوة في الكبر والصغر، بحسب تفاوت درجات المشتهي، فشهوة الكفر والشرؾ: كفر، وشهوة البدعة: فسق، وشهوة الكبادر: معصية، فإف تركها لله مع قدرتو عليها أثيب. وإف تركها عجزا عن بذلو مقدور ه في تحصيلها: استحق عقوبة الفاعل، لتنزّ لو منزلتو في أحكاـ الثواب والعقاب، وإف لم ينزؿ منزلتو في أحكاـ الشرع، ولهذا قاؿ النبي : «إذا تواجو المسلماف بسيفيهما، فالقاتل والمقتوؿ في النار، قالوا: ىذا القاتل يا رسوؿ الله، فما باؿ المقتوؿ؟ قاؿ: إنو كاف حريصا على قتل صاحبو» فنزّلو منزلة القاتل، لحرصو في الإثم دوف الحكم، ولو نظادر كثيرة في الثواب والعقاب.وقد علم بهذا مستحب القلب ومباحو. وأما عبوديات اللساف الخمس: فواجبها: النّ طق بالشهادتين، وتلاوة ما يلزمو تلاوتو من القرآف. وىو ما يتوقّ ف صحّ ة صلاتو عليو، وتلفّ ظو بالأذكار الواجبة في الصلاة التي أمر الله بها ورسولو، كما أمر بالتّ سبيح في الرّ كوع والسّ جود، وأمر بقوؿ: «ربنا ولك الحمد» بعد الاعتداؿ الواجبة بالتشهد، وأمر بالتكبير. ومن واجبو: ردّ السّ لاـ. وفي ابتدادو قولاف. ومن واجبو: الأمر بالمعروؼ والنهي عن المنكر، وتعليم الجّ اىل، وإرشاد الضّ اؿ، وأداء الشهادة المتعيّ نة، وصدؽ الحديث. وأما مستحبّ و: فتلاوة القرآف ودواـ ذكر الله، والمذاكرة في العلم النافع، وتوابع ذلك. وأما محرّ مو: فهو النّ طق بكل ما يبغضو الله ورسولو، كالنّ طق بالبدع المخالفة لما بعث الله بو رسولو، والدعاء إليها وتحسينها وتقويتها، وكالقذؼ وسبّ المسلم، وأذاه بكلّ قوؿ، والكذب، وشهادة الزّ ور، والقوؿ على الله بلا علم، وىو أشدّ ىا تحريما. ومكروىو: التكل م بما تركو خير من الكلاـ بو، مع عدـ العقوبة عليو. وقد اختلف السلف. ىل في حقِّ و كلاـ مباح متساوي الطّ رفين؟ على قولين. ذكرىما ابن المنذر وغيره. أحدىما: أنو لا يخلو كل ما يتكلم بو: إما أف يكوف لو أو عليو. وليس في حقِّ و شيء لا لو ولا عليو. واحتجّ وا بالحديث المشهور، وىو ((كل كلاـ ابن آدـ عليو لا لو، إلا ما كاف من ذكر الله وما والاه)).واحتجّ وا بأنو يكتب عليو كلامو كلّ و. ولا يكتب إلا بالخير والشر. وقالت طادفة: بل ىذا الكلاـ مباح لا لو ولا عليو كما في حركات الجوارح . قالوا: لأفّ كثيرا من الكلاـ لا يتعلّ ق بو أمر ولا نهي. وىذا شأف المباح.

عدد الصفحات ٧٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 69 - سورة الفاتحت والتحقيق: أف حركة اللّ ساف بالكلاـ لا تكوف متساوية الطرفين، بل إما راجحة وإما مرجوحة . لأف للّ ساف شأناً ليس لسادر الجوارح، وإذا أصبح ابن آدـ فإف الأعضاء كلها تكفر اللّ ساف، تقوؿ: اتّ ق الله فإنما نحن بك، فإف استقمت استقمنا، وإف اعوججت اعوججنا. وأكثر ما يكبّ الناس على مناخرىم في النار حصادد ألسنتهم، وكل ما يتلفّ ظ بو اللّ ساف فإما أف يكوف مما يرضي الله ورسولو أولا، فإف كاف كذلك فهو الراجح، وإف لم يكن كذلك فهو المرجوح . وىذا بخلاؼ حركات سادر الجوارح، فإف صاحبها ينتفع بتحريكها في المباح المستوي الطرفين، لما لو في ذلك من الراحة والمنفعة، فأبيح لو استعمالها فيما فيو منفعة لو، ولا مضرّ ة عليو فيو في الآخرة، وأما حركة اللّ ساف بما لا ينتفع بو فلا يكوف إلا مضرّ ة. فتأملو. فإف قيل: فقد يتحرّ ؾ بما فيو منفعة دنيوية مباحة مستوية الطرفين، فيكوف حكم حركتو حكم ذلك الفعل. قيل: حركتو بها عند الحاجة إليها راجحة، وعند عدـ الحاجة إليها مرجوحة لا تفيده. فتكوف عليو لا لو. فإف قيل: فإذا كاف الفعل متساوي الطرفين كانت حركة اللّ ساف الوسيلة إليو كذلك، إذ الوسادل تابعة للمقصود في الحكم. قيل: لا يلزـ ذلك. فقد يكوف الشيء مباحا، بل واجبا، ووسيلتو مكروىة كالوفاء بالطاعة المنذورة: ىو واجب، مع أف وسيلتو، وىو النذر مكروه منهي عنو، وكذلك الحلف المكروه مرجوح، مع وجوب الوفاء بو أو الكفار ة، وكذلك سؤاؿ الخلق عند الحاجة مكروه. ويباح لو الانتفاع بما أخرجتو لو المسألة، وىذا كثير جدا. فقد تكوف الوسيلة متضمّ نة مفسدة تكره أو تحرـ لأجلها، وما جعلت وسيلة إليو ليس بحراـ ولا مكروه. وأما المعبودات الخمس على الجوارح : فعلى خمس وعشرين مرتبة أيضا: إذ الحو اس خمسة. وعلى كل حاسة خمس عبوديّ ات، فعلى السمع: وجوب الإنصات، والاستماع لما أوجبو الله ورسولو عليو، من استماع الإسلاـ والإيماف وفروضهما، وكذلك استماع القراءة في الصلاة إذا جهر بها الإماـ، واستماع الخطبة للجمعة في أصح قولي العلماء. ويحرـ عليو استماع الكفر و البدع، إلا حيث يكوف في استماعو مصلحة راجحة. من ردّه، أو الشهادة على قادلو، أو زيادة قوة الإيماف والسنة بمعرفة ضدىما من الكفر والبدعة ونحو ذلك، وكاستماع أسرار من يهرب عنك بسرّ ه، ولا يجب أف يطلعك عليو، ما لم يكن متضمّ نا لحق الله يجب القياـ بو، أو لأذى مسلم يتعيّ ن نصحو، وتحذيره منو. وكذلك استماع أصوات النّ ساء الأجانب التي تخشى الفتنة بأصواتهن، إذا لم تدع إليو حاجة، من شهادة، أو معاملة، أو استفتاء، أو محاكمة، أو مداواة ونحوىا. وكذلك استماع المعازؼ وآلات الطرب واللهو، كالعود والطنبور واليراع ونحوىا. ولا يجب عليو سدّ أذنو إذا سمع الصوت، وىو لا يريد استماعو، إلا إذا خاؼ السكوف إليو والإنصات، فحينئذ يجب تجنّ ب سماعها وجوب سدّ الذّ رادع. ونظير ىذا المحرّ ـ: لا يجوز لو تعمّ د شمّ الطّ يب، وإذا حملت الريح رادحتو وألقتها في مشامّو لم يجب عليو سد أنفو، ونظير ىذا: نظرة الفجأة لا تحرـ على النّ اظر، وتحرـ عليو النّ ظرة الثانية إذا تعمّ دىا.

عدد الصفحات ٧١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 71 - سورة الفاتحت وأما السّ مع المستحب: فكاستماع المستحب من العلم، وقراءة القرآف، وذكر الله، واستماع كل ما يحبو الله، وليس بفرض. والمكروه: عكسو، وىو استماع كل ما يكرىو ولا يعاقب عليو، والمباح ظاىر. وأما النّ ظر الواجب: فالنّ ظر في المصحف وكتب العلم عند تعين تعلّ م الواجب منها، والنّ ظر إذا تعين لتمييز الحلاؿ من الحراـ في الأعياف التي يأكلها وينفقها ويستمتع بها، والأمانات التي يؤدّ يها إلى أربابها ليميّ ز بينها. ونحو ذلك. والنظر الحراـ: النظر إلى الأجنبيات بشهوة مطلقا، وبغيرىا إلاّ لحاجة، كنظر الخاطب، والمستاـ والمعامل، والشاىد، والحاكم، والطبيب، ذي المحرـ. والمستحب: النظر في كتب العلم والدين التي يزداد بها الرجل إيمانا وعلما والنظر في المصحف ووجوه العلماء الصالحين، الوالدين، والنظر في آيات الله المشهودة، ليستدؿّ بها على تو حيده ومعرفتو وحكمتو. والمكروه: فضوؿ النظر الذي لا مصلحة فيو. فإف لو فضولا كما للّ ساف فضولا، وكم قاد فضولها إلى فضوؿ عزّ التّ خلص منها، وأعيي دواؤىا. وقاؿ بعض السلف: كانوا يكرىوف فضوؿ النظر كما يكرىوف فضوؿ الكلاـ. والمباح: النظر الذي لا مضرّ ة فيو في العاجل و الآجل ولا منفعة.ومن النظر الحراـ: النظر إلى العورات. وىي قسماف.عورة وراء الثياب، وعورة وراء الأبواب.ولو نظر في العورة التي وراء الأبواب فرماه صاحب العورة ففقأ عينو لم يكن عليو شيء، وذىبت ىدرا، بنص رسوؿ الله في الحديث المتفق على صحتو. وإف ضعّ فو بعض الفقهاء، لكونو لم يبلغو النص، أو تأوّ لو، وىذا إذا لم يكن للناظر سبب يباح لأجلو، كعورة لو ىناؾ ينظرىا. أو ريبة ىو مأمور أو مأذوف لو في اطلاعها. وأما الذوؽ الواجب: فتناوؿ الطعاـ والشراب عند الاضطرار إليو ، وخوؼ الموت، فإف تركو حتى مات، مات عاصيا قاتلا لنفسو. قاؿ الإماـ أحمد وطاوو س: من اضطرَّ إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات، دخل النار. ومن ىذا: تناوؿ الدواء إذا تيقن بو من الهلاؾ، على أصح القولين. وإف ظن الشفاء بو، فهل ىو مستحب مباح، أو الأفضل تركو؟ فيو نزاع معروؼ بين السلف والخلف. والذوؽ الحراـ: كذوؽ الخمر والسموـ القاتلة. والذوؽ الممنوع منو للصوـ الواجب. وأما المكروه: فكذوؽ المشتبهات، والأكل فوؽ الحاجة، وذوؽ طعاـ الفجاءة، وىو الطعاـ الذي تفجأ آكلو، ولم يرد أف يدعوؾ إليو، وكأكل أطعمة المرادين في الولادم والدعوات ونحوىا،وفي السنن: أف رسوؿ الله :«نهى عن طعاـ المتبارين» وذوؽ طعاـ من يطعمك حياء منك لا بطيبة نفس. والذّ وؽ المستحب: أكل ما يعينك على طاعة الله ، مما أذف الله فيو. والأكل مع الضّ يف ليطيب لو الأكل، فيناؿ منو غرضو. والأكل من طعاـ صاحب الدعوة الواجب إجابتها أو المستحب.

عدد الصفحات ٧٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 71 - سورة الفاتحت وقد أوجب بعض الفقهاء الأكل من الوليمة الواجب إجابتها، للأمر بو عن الشارع . والذوؽ المباح: ما لم يكن فيو إثم ولا رجحاف . وأما تعلق العبوديات الخمس بحاسة الشّ م، فالشّ م الواجب: كل شمّ تعين طريقا للتّ مييز بين الحلاؿ والحراـ، كالشّ م الذي يعلم بو ىذه العين ىل ىي خبيثة أو طيّ بة؟ وىل ىي سم قاتل أو لا مضرّ ة فيو؟ أو يميّ ز بو بين ما يملك الانتفاع بو، وما لا يملك؟ ومن ىذا شم المقوّـ وربّ الخبرة عند الحكم بالتقويم، والعبيد ونحو ذلك. وأما الشم الحراـ: فالتعمّ د لشمّ الطّ يب في الإحراـ، وشمّ الطّ يب المغصوب والمسروؽ، وتعمد شمّ الطّ يب من النساء الأجنبيات للافتتاف بما ور اءه. وأما الشم المستحب: فشم ما يعينك على طاعة الله ويقوي الحواس، ويبسط النفس للعلم والعمل. ومن ىذا: ىدية الطيب والريحاف إذا أىديت لك. ففي صحيح مسلم عن النبي : «من عرض عليو ريحاف فلا يرده.فإنو طيّ ب الريح، خفيف المحمل» . والمكروه: كشم الظّلمة، وأصحاب الشبهات، ونحو ذلك. والمباح: ما لا منع فيو من الله ولا تبعة، ولا فيو مصلحة دينية ولا تعلق لو بالشرع . وأما تعلق ىذه الخمسة بحاسة اللّ مس. فاللّ مس الواجب: كلمس الزوجة حين يجب جماعها، والأمة الواجب إعفافها. والحراـ: لمس ما لا يحل من الأجنبيات. والمستحب: إذا كاف فيو غضّ بصره وكفّ نفسو عن الحراـ وإعفاؼ أىلو. والمكروه: لمس الزوجة في الإحراـ للذّ ة، وكذلك في الاعتكاؼ. وفي الصياـ إذا لم يأمن على نفسو. ومن ىذا لمس بدف الميت- لغير غاسلو- لأف بدنو قد صار بمنزلة عورة الحي تكريما لو، ولهذا يستحب ستره عن العيوف وتغسيلو في قميص في أحد القولين، ولمس فخذ الرجل، إذا قلنا: ىو عورة. والمباح: ما لم يكن فيو مفسدة ولا مصلحة دينية. وىذه المراتب أيضا مرتّبة على البطش باليد والمشي بالرجل . وأمثالها لا تخفى. فالتّ كسب المقدور للنفقة على نفسو وأىل عيالو: واجب. وفي وجوبو لقضاء دَ ينو خلاؼ، والصحيح: وجوبو ليمكِّ نو من أداء دَ ينو، ولا يجب لإخراج الزكاة وفي وجوبو لأداء فريضة الحج نظر، والأقوى في الدليل: وجوبو لدخولو في الاستطاعة، وتمك نو بذلك من أداء النسك. والمشهور عدـ وجوبو. ومن البطش الواجب: إعانة المضطّ ر ورمي الجمار، ومباشرة الوضوء والتيم م. والحراـ: كقتل النفس التي حرـ الله، ونهب الماؿ المغصوب، وضرب من لا يحل ضربو ونحو ذلك، وكأنواع اللّ عب المحرـ بالنّ ص كالنّرد، أو ما ىو أشدّ تحريما منو عند أىل المدينة كالشّ طرنج، أو مثلو عند فقهاء الحديث كأحمد

عدد الصفحات ٧٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 72 - سورة الفاتحت وغيره، أو دونو عند بعضهم. ونحو كتابة البدع المخالفة للسنة تصنيفا أو نسخا، إلا مقرونا بردّ ىا ونقضها، وكتابة الزّ ور والظلم، والحكم الجادر، والقذؼ والتّ شبيب بالنساء الأجانب، وكتابة ما فيو مضرّ ة على المسلمين في دينهم أو دنياىم، ولا سيما إف كسبت عليو مالا:ٕ-ٜٚ ( فػَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُوفَ ) وكذلك كتابة المفتي على الفتوى ما يخالف حكم الله ورسولو، إلا أف يكوف مجتهدا مخطئا، فالإثم موضوع عنو. وأما المكروه: فكالعبث واللعب الذي ليس بحراـ، وكتابة ما لا فاددة في كتابتو، ولا منفعة فيو في الدنيا والآخرة. والمستحب: كتابة كل ما فيو منفعة في الدين، أو مصلحة لمسلم، والإحساف بيده بأف يعين صانعا، أو يصنع لأخرؽ، أو يفرغ من دلوه في دلو المستسقي، أو يحمل لو على دابتو، أو يمسكها حتى يحمل عليها، أو يعاونو بيده فيما يحتاج إليو ونحو ذلك، ومنو: لمس الرّ كن بيده في الطواؼ، وفي تقبيلها بعد اللمس قولاف. والمباح: ما لا مضرّ ة فيو ولا ثواب. وأما المشي الواجب: فالمشي إلى الجمعات والجماعات، في أصح القولين لبضعة وعشرين دليلا، مذكورة في غير ىذا الموضع. والمشي حوؿ البيت للطواؼ الواجب، والمشي بين الصفا والمروة بنفسو أو بمركوبو، والمشي إلى حكم الله ورسولو إذا دعي إليو، والمشي إلى صلة رحمو، وبرّ والديو، والمشي إلى مجالس العلم الواجب طلبو وتعلّ مو، والمشي إلى الحج إذا قربت المسافة ولم يكن عليو فيو ضرر. والحراـ: المشي إلى معصية الله، وىو من رجل الشيطاف. قاؿ تعالى: ٚٔ: ٗٙ (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ ) قاؿ مقاتل :استعن عليهم بركباف جندؾ ومشاتهم. فكل راكب وماش في معصية الله فهو من جند إبليس.(1) وكذلك تعلق ىذه الأحكاـ الخمس بالرّ كوب أيضا: فواجبو في الرّ كوب في الغزو والجهاد والحج الواجب. ومستحبو: في الركوب المستحب من ذلك، ولطلب العلم، وصلة الرحم، وبرّ الوالدين، وفي الوقوؼ بعرفة نزاع : ىل الركوب فيو أفضل، أـ على الأرض؟ والتحقيق: أف الركوب أفضل إذا تضمن مصلحة: من تعليم للمناسك، واقتداء بو، وكاف أعوف على الدعاء ولم يكن فيو ضرر على الدابة. وحرامو: الركوب في معصية الله . ومكروىو: الركوب للهو واللعب، وكل ما تركو خير من فعلو. ومباحو: الركوب لما لم يتضمّ ن فوت أجر، ولا تحصيل وزر.فهذه خمسوف مرتبة على عشرة أشياء: القلب، واللساف،والسمع، والبصر، والأنف، والفم، واليد، والرجل، والفرج(ٕ) والاستواء على ظهر الدابة.(ٖ) ٔ- (قمت): لم يذكر ابن القيم العبوديات الثلاث الأخرى عمى المشي في مدارج السالكين الذي نقل منو المؤلف. ٕ- (قمت): ولم يذكر أيضاً العبوديات الخمس عمى الفرج . ٖ- (قمت): انظر كلام شيخ الإسلام عن العبادة في الآية(ٕٔ) من سورة البقرة.

عدد الصفحات ٧٤