المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٥ من ١٠٦

يو ىذه الصفة. ََ قاؿ ابن كثير: اسْمُوُ تػَعَالَى الرَّحْمَنُ خَاص بِوِ لَمْ يُسمّ بِوِ غَيػْرُهُ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :قُلِ ادْعُوا اللَّوَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فػَلَوُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى}وَقَاؿَ تػَ عَالَى{ :وَاسْأَؿْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قػَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُوفِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يػُعْبَدُوفَ } وَلَمَّا تَجَهْرَـَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابِ وَتَسَمَّى بِرَحْمَنِ الْيَمَامَةِ كَسَاهُ اللَّوُ جِلْبَابَ الْكَذِبِ وَشُهِرَ بِوِ؛ فَلاَ يػُقَاؿُ إِلاَّ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، فَصَارَ يُضرب بِوِ الْمَثَلُ فِي الْكَذِبِ بػَيْنَ أَىْلِ الْحَضَرِ مِنْ أَىْلِ الْمَدَرِ، وَأَىْلِ الْوَبَرِ مِنْ أَىْلِ الْبَادِيَةِ وَالأَْعْرَابِ . -ٔ صحيح: الألباني في صحيح الجامع (ٖٗٔٔ) ٕ- صحيح: الألباني في صحيح الجامع (ٕٛٔٗ).

عدد الصفحات ٤٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 47 - سورة الفاتحت وَقَدْ زَعَمَ بػَعْضُهُمْ أَفَّ الرَّحِيمَ أَشَد مُبَالَغَةً مِنَ الرَّحْمَنِ؛ لأَِنَّوُ أَكَّدَ بِوِ، وَالمؤكِّد لاَ يَكُوفُ إِلاَّ أَقػْوَى مِنَ المؤكَّد، وَالْجَوَابُ أَفَّ ىَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّ أكِيدِ، وَإِنَّمَا ىُوَ مِنْ بَابِ النَّعت وَلاَ يػَلْزَـُ فِيوِ مَا ذَكَرُوهُ، وَعَلَى ىَذَا فػَيَكُوفُ تػَقْدِيرَ اسْمِ اللَّوِ الَّ ذِي لَمْ يُسَمّ بِوِ أَحَدٌ غَيػْرُهُ، وَوَصْفَوُ أَوَّلاً بِالرَّحْمَنِ الَّذِي مَنَعَ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِوِ لِغَيْرِهِ، كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :قُلِ ادْعُوا اللَّوَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّ ا تَدْعُوا فػَلَوُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى[ }الإِْسْرَاءِ: ٓٔٔ]وَإِنَّمَا تَجَهْرَـَ مُسَيْلِمَةُ الْيَمَامَةِ فِي التَّسَمِّي بِوِ وَلَمْ يػُتَابِعْوُ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ مَنْ كَافَ مَعَوُ فِي الضَّلاَلَةِ . وَأَمَّا الرَّحِيمُ فَإِنَّوُ تػَعَالَى وَصَفَ بِوِ غَيػْرَهُ حَيْثُ قَاؿَ { :لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوؿٌ مِنْ أَنػْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْوِ مَا عَنِت مْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوؼٌ رَحِيمٌ [ }التػَّوْبَةِ: ٕٛٔ]كَمَا وَصَفَ غَيػْرَهُ بِذَلِكَ مِنْ أَسْمَادِوِ فِي قػَوْلِوِ { :إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَافَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نػَبْتَلِيوِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا[ }الإِْنْسَافِ: ٕ] وَالْحَاصِلُ: أَفَّ مِنْ أَسْمَادِوِ تػَعَالَى مَا يُسَمَّى بِوِ غَيػْرُهُ، وَمِنػْهَا مَا لاَ يُسَمَّى بِوِ غَيػْرُهُ، كَاسْمِ اللَّوِ وَالرَّحْمَنِ وَالْخَالِقِ وَالرَّزَّاؽِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَلِهَذَا بَدَأَ بِاسْمِ اللَّوِ، وَوَصَفَوُ بِالرَّحْمَنِ؛ لأَِنَّوُ أَخَص وَأَعْرَؼُ مِنَ الرَّحِيمِ؛ لأَِفَّ التَّسْمِيَةَ أَوَّلاً إِنَّمَا تَكُوفُ بِأَشْرَؼِ الأَْسْمَاءِ، فَلِهَذَا ابػْتَدَأَ بِالأَْخَصِّ فَالأَْخَصِّ . فَإِفْ قِيلَ : فَإِذَا كَافَ الرَّحْمَنُ أَشَد مُبَالَغَةً؛ فػَهَلاَّ اكْتُفِيَ بِوِ عَنِ الرَّحِيمِ؟ فػَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ مَا مَعْنَاهُ : أَنَّوُ لَمَّا تَسَمَّى غَيػْرُهُ تػَعَالَى بِالرَّحْمَنِ، جِيءَ بِلَفْظِ الرَّحِيمِ لِيػَقْطَعَ الوَىم بِذَلِكَ، فَإِنَّوُ لاَ يُوصَفُ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِلاَّ اللَّوُ تػَعَالَى. كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ . وَوَجَّهَوُ بِذَلِكَ، وَاللَّوُ أَعْلَمُ . وَقَدْ زَعَمَ بػَعْضُهُمْ أَفَّ الْعَرَبَ لاَ تػَعْرِؼُ الرَّحْمَنَ، حَتَّى رَدَّ اللَّوِ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِوِ { :قُلِ ادْعُوا اللَّ وَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فػَلَوُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى[ }الإِْسْرَاءِ: ٓٔٔ]؛ وَلِهَذَا قَاؿَ كُفَّارُ قػُرَيْشٍ يػَوْـَ الْحُدَيْبِيَةَ لَمَّا قَاؿَ رَسُوؿُ اللَّوِ لعَلي: "اكْتُبْ ((بِسْمِ اللَّوِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )) "، فػَقَالُ وا: لاَ نػَعْرِؼُ الرَّحْمَنَ وَلاَ الرَّحِيمَ . رَوَاهُ الْبُخَارِي ، وَفِي بػَعْضِ الرِّوَايَاتِ : لاَ نػَعْرِؼُ الرَّحْمَنَ إِلاَّ رَحْمَنَ الْيَمَامَةِ . وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِ مَا تَأْمُرُنَا وَزَادَىُمْ نػُفُورًا[ }الفرقاف: ٓٙ] وَالظَّاىِرُ أَفَّ إِنْكَارَىُمْ ىَذَا إِنَّمَا ىُوَ جُحود وَعِنَادٌ وَتػَعَن تٌ فِي كُفْرِىِمْ؛ فَإِنَّوُ قَدْ وُجِدَ فِي أَشْعَارِىِمْ فِي الْجَاىِلِيَّةِ تَسْمِيَةُ اللَّوِ تػَعَالَى بِالرَّحْمَنِ، قَاؿَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَقَدْ أُنْشِدَ لِبػَعْضِ الْجَاىِلِيَّةِ الجُهَّاؿ: ألاَ ضَرَبَتْ تِلْكَ الفتاةُ ىَجِينَها ... أَلاَ قَضَبَ الرحمنُ رَبى يَمِينػَهَا

عدد الصفحات ٤٩

عَالَى بِالرَّحْمَنِ، قَاؿَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَقَدْ أُنْشِدَ لِبػَعْضِ الْجَاىِلِيَّةِ الجُهَّاؿ: ألاَ ضَرَبَتْ تِلْكَ الفتاةُ ىَجِينَها ... أَلاَ قَضَبَ الرحمنُ رَبى يَمِينػَهَا وَقَاؿَ سَلاَمَةُ بن جندب الط هَوِي : عَجِلتم عَلَيػْنَا عَجْلَتينَا عليكُمُ ... وَمَا يَشَأ الرّحْمَن يػَعْقِد ويُطْلِقِ وقاؿ ابن جرير: عَنْ عَبْدِ اللَّوِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَاؿَ : الرَّحْمَنُ : الْفِعْلاَفِ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَىُوَ مِنْ كَلاَـِ الْعَرَبِ، وَقَاؿَ { :الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ }الْفَاتِحَةِ: ٖ]الرَّقِيقُ الرَّفِيقُ بِمَنْ أَحَبَّ أَفْ يػَرْحَمَوُ، وَالْبَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ أَحَبَّ أَفْ يػُعَنِّفَ عَلَيْوِ، وَكَذَلِكَ أَسْمَاؤُهُ كُل هَا وقاؿ أيضاً عَنِ الْحَسَنِ، قَاؿَ :الرَّحْمَنُ اسْمٌ مَمْنُو ع. وَقَاؿَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : عَنْ الْحَسَنِ، قَاؿَ : الرَّحْمَنُ : اسْمٌ لاَ يَسْتَطِيعُ النَّاسُ أَفْ يػَنْتَحِلُوهُ، تَسَمَّى بِوِ تػَبَارَؾَ وَتػَعَالَى . وَقَاؿَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ىُمَا اسْمَافِ رَقِيقَافِ، أَحَدُىُمَا أَرَؽ مِنَ الآْخَرِ، أَيْ أَكْثػَرُ رَحْمَةً، ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ : أَنػَّهُمُ اسْتَشْكَلُوا ىَذِهِ

عدد الصفحات ٤٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 48 - سورة الفاتحت الصِّفَةَ، وَقَالُوا: لَعَلَّوُ أَرْفَقُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : "إِفَّ اللَّوَ رَفِيقٌ يُحِب الرِّفْقَ فِي الأَْمْرِ كُلِّوِ وَإِنَّوُ يػُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يػُعْطِ ي عَلَى الْعُنْفِ " (ٔ). قاؿ السعدي:{الرحمن الرحيم } اسماف دالاف على أنو تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حيّ ، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيادو ورسلو. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداىم فلهم نصيب منها. واعلم أف من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأدمتها، الإيماف بأسماء الله وصفاتو، وأحكاـ الصفات. فيؤمنوف مثلا بأنو رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوـ . فالنِّ عم كل ها، أثر من آثار رحمتو، وىكذا في سادر الأسماء. يقاؿ في العليم: إنو عليم ذو علم، يعلم كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء. قاؿ ابن العثيمين: والرحمة التي أثبتها الله لنفسو رحمة حقيقية دؿّ عليها السمع، والعقل؛ أما السمع فهو ما جاء في الكتاب، والسنّة من إثبات الرحمة لله. وىو كثير جداً؛ وأما العقل: فكل ما حصل من نعمة، أو اندفع من نقمة فهو من آثار رحمة الله.. ىذا وقد أنكر قوـ وصف الله تعالى بالرحمة الحقيقية، وحرّفوىا إلى الإنعاـ، أو إرادة الإنعاـ، زعماً منهم أف العقل يحيل وصف الله بذلك؛ قالوا: "لأف الرحمة انعطاؼ، ولين، وخضوع، ورقة؛ وىذا لا يليق بالله "؛ والرد عليهم من وجهين:. الوجو الأوؿ: منع أف يكوف في الر حمة خضوع، وانكسار، ورقة؛ لأننا نجد من الملوؾ الأقوياء رحمة دوف أف يكوف منهم خضوع، ورقة، وانكسار.. الوجو الثاني: أنو لو كاف ىذا من لوازـ الرحمة، ومقتضياتها فإنما ىي رحمة المخلوؽ؛ أما رحمة الخالق سبحانو وتعالى فهي تليق بعظمتو، وجلالو، وسلطانو؛ ولا تقتضي نقصاً بوجو من الوجوه.. ثم نقوؿ: إف العقل يدؿ على ثبوت الرحمة الحقيقية لله ، فإف ما نشاىده في المخلوقات من الرحمة بػَيْنها يدؿ على رحمة الله ؛ ولأف الرحمة كماؿ؛ والله أحق بالكماؿ؛ ثم إف ما نشاىده من الرحمة التي يختص الله بها. كإنزاؿ المطر، وإزالة الجدب، وما أشبو ذلك. يدؿ على رحمة الله. والعجب أف منكري وصف الله بالرحمة الحقيقية بحجة أف العقل لا يدؿ عليها، أو أنو يحيلها، قد أثبتوا لله إرادة حقيقية بحجة عقلية أخفى من الحجة العقلية على رحمة الله، حيث قالوا: إف تخصيص بعض المخلوقات بما تتميز بو يدؿ عقلاً على الإرادة؛ ولا شك أف ىذا صحيح؛ ولكنو بالنسبة لدلالة آثار الرحمة عليها أخفى بكثير؛ لأنو لا يتفطن لو إلا أىل النّ بّ اىة؛ وأما آثار الرحمة فيعرفو حتى العواـ، فإنك لو سألت عامياً صباح ليلة المطر: "بِمَ مطرنا؟ "، لقاؿ: "بفضل الله، ورحمتو ".. ٔ- صحيح مسمم (ٖٜٕ٘)

عدد الصفحات ٥٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 49 - سورة الفاتحت الْحَمْدُ لِلَّوِ رَبِّ الْعَ الَمِينَ (ٕ) قاؿ السعدي :{الحمد لله} ىو الثناء على الله بصفات الكماؿ، وبأفعالو الدادرة بين الفضل والعدؿ، فلو الحمد الكامل، بجميع الوجوه. قاؿ ابن كثير :وَقَاؿَ ابْنُ جَرِيرٍ : {الْحَمْدُ لِلَّوِ } ثػَنَاءٌ أَثػْنَى بِوِ عَلَى نػَفْسِوِ وَفِي ضِمْنِوِ أَمَرَ عِبَادَهُ أَفْ يػُثػْنُوا عَلَيْوِ فَكَأَنَّوُ قَاؿَ : قُولُوا: {الْحَمْدُ لِلَّوِ } قَاؿَ: وَقَدْ قِيلَ : إِفَّ قػَوْؿَ الْقَادِلِ : الْحَمْدُ لِلَّوِ، "ثػَنَاءٌ عَلَيْوِ بِأَسْمَادِوِ وَصِفَاتِوِ الْحُسْنَى ، وَقػَوْلُوُ : الش كْرُ لِلَّوِ ثػَنَاءٌ عَلَيْوِ بِنِعَمِوِ وَأَيَادِيوِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي رَدِّ ذَلِكَ بِمَا حَاصِلُوُ أَفَّ جَمِيعَ أَىْلِ الْمَعْرِفَةِ بِلِسَافِ الْعَرَبِ يُوقِعُوفَ كُلاًّ مِنَ الْحَمْدِ وَالش كْرِ مَكَافَ الآْخَرِ . وَقَدْ نػَقَلَ الس لَمِي ىَذَا الْمَذْىَبَ أَنػَّهُمَا سَوَاءٌ و ىذا فِيوِ نَظَرٌ؛ لأَِنَّوُ اشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَفَّ الْحَمْدَ ىُوَ الثػَّنَاءُ بِالْقَوْؿِ عَلَى الْمَحْمُودِ بِصِفَاتِوِ اللاَّزِمَةِ وَالْمُتػَعَدِّيَةِ، وَالش كْرُ لاَ يَكُوفُ إِلاَّ عَلَى الْمُتػَعَدِّيَةِ، وَيَكُوفُ بِالْجَنَافِ وَاللِّسَافِ وَالأَْرْكَافِ . وَلَكِنػَّهُمُ اخْتػَلَفُوا: أَيػ هُمَا أَعَم ، الْحَمْدُ أَوِ الش كْرُ؟ عَلَى قػَوْلَيْنِ، وَالتَّحْقِيقُ أَفَّ بػَيػْنػَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَالْحَمْدُ أَعَم مِنَ الش كْرِ مِنْ حَيْثُ مَا يػَقَعَافِ عَلَيْ وِ؛ لأَِنَّوُ يَكُوفُ عَلَى الصِّفَاتِ اللاَّزِمَةِ وَالْمُتػَعَدِّيَةِ، تػَقُوؿُ : حَمدتو لِفُرُوسِيَّتِوِ وَحَمِدْتُوُ لِكَرَمِوِ . وَىُوَ أَخَص لأَِنَّوُ لاَ يَكُوفُ إِلاَّ بِالْقَوْؿِ، وَالش كْرُ أَعَم مِنْ حَيْثُ مَا يػَقَعَافِ عَلَيْوِ، لأَِنَّوُ يَكُ وفُ بِالْقَوْؿِ وَالْعَمَلِ وَالنػِّيَّةِ، كَمَا تػَقَدَّـَ، وَىُوَ أَخَص لأَِنَّوُ لاَ يَكُوفُ إِلاَّ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُتػَعَدِّيَةِ، لاَ يػُقَاؿُ : شَكَرْتُوُ لِفُرُوسِيَّتِوِ، وَتػَقُوؿُ : شَكَرْتُوُ عَلَى كَرَمِوِ وَإِحْسَانِوِ إِلَيَّ . ىَذَا حَاصِلُ مَ ا حَرَّرَهُ بػَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَاللَّوُ أَعْلَمُ . قاؿ القرطبي: الصحيح أف الحمد ثناء على الممدوح بصفاتو من غير سبق إحساف ، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحساف. وعلى ىذا الحد قاؿ علماؤنا : الحمد أعم من الشكر ، لأف الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر ، والجزاء مخصوص إنما يكوف مكافأة لمن أولاؾ معروفا فصار الحمد أعم في الآية لأنو يزيد على الشكر. ويذكر الحمد بمعنى الرضا يقاؿ : بلوتو فحمدتو ، أي رضيتو. ومنو قولو تعالى { :مَقَاماً مَحْمُوداً [ }الإسراء : ٜٚ] وقاؿ عليو السلاـ : "أحمد إليكم غسل الإحليل" (ٔ)أي أرضاه لكم. ويذكر عن جعفر الصادؽ في قولو {الْحَمْدُ لِلَّوِ } من حمده بصفاتو كما وصف نفسو فقد حمد . قاؿ الشنقيطي: قػَوْلُوُ تػَعَالَى: (الْحَمْدُ لِلَّوِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) . لَمْ يَذْكُرْ لِحَمْدِهِ ىُنَا ظَرْفًا مَكَانِيًّا وَلاَ زَمَانِيًّا، وَذَكَرَ فِي سُورَةِ الر وـِ أَفَّ مِنْ ظُرُوفِوِ الْمَكَانِيَّةِ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ فِي قػَوْلِوِ : (وَلَوُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ ) وَذَكَرَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ أَفَّ مِنْ ظُرُوفِوِ الزَّمَانِيَّةِ : الد نػْيَا وَالآْخِرَةَ فِي قػَوْلِوِ : (وَىُوَ اللَّوُ لاَ إِلَوَ إِلاَّ ىُوَ لَوُ الْحَمْدُ فِي الأُْولَى وَالآْخِرَةِ ) ، وَقَاؿَ فِي أَوَّؿِ سُورَةِ سَبَأٍ : (وَلَوُ الْحَمْدُ فِي الآْخِرَةِ وَىُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) ،

عدد الصفحات ٥١

َوُ لاَ إِلَوَ إِلاَّ ىُوَ لَوُ الْحَمْدُ فِي الأُْولَى وَالآْخِرَةِ ) ، وَقَاؿَ فِي أَوَّؿِ سُورَةِ سَبَأٍ : (وَلَوُ الْحَمْدُ فِي الآْخِرَةِ وَىُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) ، -ٔ (قمت): ذكر ابن ابي شيبة في مصنفو ىذا الأثر موقوفاً عمى ابن عباس رضي الله عنيما .

عدد الصفحات ٥١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 51 - سورة الفاتحت وَالأَْلِفُ وَاللاَّـُ فِي (الْحَمْدُ ) لاِسْتِغْرَاؽِ جَ مِيعِ الْمَحَامِدِ . وَىُوَ ثػَنَاءٌ أَثػْنَى بِوِ تػَعَالَى عَلَى نػَفْسِوِ وَفِي ضِمْنِوِ أَمَرَ عِبَادَهُ أَفْ يػُثػْنُوا عَلَيْوِ بِوِ . قاؿ ابن العثيمين:{الحمد} وصف المحمود بالكماؿ مع المحبة، والتعظيم؛ الكماؿ الذاتي، والوصفي، والفعلي؛ فهو كامل في ذاتو، وصفاتو، وأفعالو؛ ولا بد من قيد وىو "المحبة، والتعظيم"؛ قاؿ أىل العلم: "لأف مجرد وصفو بالكماؿ بدوف محبة، ولا تعظيم: لا يسمى حمداً؛ وإنما يسمى مدحاً "؛ ولهذا يقع من إنساف لا يحب الممدوح؛ لكنو يريد أف يناؿ منو شيئاً؛ تجد بعض الشعراء يقف أماـ الأمراء، ثم يأتي لهم بأو صاؼ عظيمة لا محبة فيهم؛ ولكن محبة في الماؿ الذي يعطونو، أو خوفاً منهم؛ ولكن حمدنا لربنا حمدَ محبةٍ، وتعظيمٍ؛ فلذلك صار لا بد من القيد في الحمد أنو وصف المحمود بالكماؿ مع المحبة، والتعظيم . قاؿ ابن القيم في التفسير القيم: فإف الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كمالو، ونعوت جلالو، مع محبتو والرضا عنو والخضوع لو، فلا يكوف حامدا من جحد صفات المحمود، ولا من أعرض عن محبتو والخضوع لو. وكلما كانت صفات كماؿ المحمود أكثر كاف حمده أكمل، وكلما نقص من صفات كمالو نقص من حمده بحسبها. ولهذا كاف الحمد كلو لله حمدا لا يحصيو سواه، لكماؿ صفاتو وكثرتها . ولأجل ىذا لا يحصى أحد من خلقو ثناء عليو، لما لو من صفات الكماؿ، ونعوت الجلاؿ التي لا يحصيها سواه. ولهذا ذـّ الله تعالى آلهة الكفار، وعابها بسلب أوصاؼ الكماؿ عنها. فعابها بأنها لا تسمع ولا تبصر، ولا تتكلم ولا تهدى، ولا تنفع ولا تضر. وىذا أمر معقوؿ بالفطر والعقوؿ السليمة والكتب السماوية: أف فاقد صفات الكماؿ لا يكوف إلها، ولا مدبّ را، ولا ربّا، بل ىو مذموـ معيب ناقص، ليس لو الحمد لا في الأولى، ولا في الآخرة. وإنما الحمد في الأولى والآخرة لمن لو صفات الكماؿ، ونعوت الجلاؿ، التي لأجلها استحق الحمد. والمحمود لا يحمد على العدـ والسكوت البتّ ة، إلا إذا كانت سلب عيوب ونقادص تتضمن إثبات أضدادىا من الكمالات الثبوتية، وإلا فالسّ لب المحض لا حمد فيو ولا مدح ولا كماؿ. وكذلك حمده لنفسو على عدـ اتّ خاذ الولد المتضمِّ ن لكماؿ صمديّ تو وغناه وملكو، وتعبّ د كل شيء لو، فاتّ خاذ الولد ينافي ذلك، كما قاؿ تعالى: ٓٔ: ٛٙ( قالُوا اتَّخَذَ اللَّوُ وَلَداً، سُبْحانَوُ، ىُوَ الْغَنِي ، لَوُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَْ رْضِ ). وحمد نفسو على عدـ الشّ ريك، المتضمِّ ن تفر ده بالربوبية والإلهية، وتوحده بصفات الكماؿ التي لا يوصف بها غيره، فيكوف شريكا لو. فلو عدمها لكاف كل موجود أكمل منو. لأف الموجود أكمل من المعدوـ. ولهذا لا يحمد نفسو سبحانو بعدـ إلا إذ كاف متضمِّ نا ثبوت كماؿ. كما حمد نفسو بكونو لا يموت لتضم نو كماؿ حياتو، وحمد نفسو بكونو لا تأخذه سنة ولا نوـ، لتضم ن ذلك قيّ وميّ تو وحمد نفسو بأنو لا يعزب عن علمو مثقاؿ ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، لكماؿ علمو وإحاطتو. وحمد نفسو بأنو لا يظلم أحدا، لكماؿ عدلو وإحسانو. وحمد نفسو بأنو لا تدركو الأبصار، لكماؿ عظمتو، يُ رى ولا يُ درؾ، كما أنو يُ علم ولا يُ حاط بو علما. وإلا فمجرد نفي الرؤية ليس بكماؿ. لأف العدـ لا يُ رى، فليس في كوف الشيء لا يُ رى كماؿ البتّ ة. وإنما الكماؿ في كونو لا يحاط بو

عدد الصفحات ٥٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 51 - سورة الفاتحت رؤية ولا إدراكا، لعظمتو في نفسو، وتعاليو عن إدراؾ المخلوؽ لو. وكذلك حمد نفسو بعدـ الغفلة والنسياف، لكماؿ علمو. فكل سلب في القرآف حمد بو نفسو فلمضادّ تو لثبوت ضدّ ه، ولتضم نو كماؿ ثبوت ضدّ ه. فعلمت أف حقيقة الحمد تابعة لثبوت أوصاؼ الكماؿ، وأف نفيها نفي لحمده، ونفي الحمد مستلزـ لثبوت ضده. قاؿ السعدي: الرب، ىو المربي جميع العالمين -وىم من سوى الله- بخلقو إيّ اىم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامو عليهم بالنِّ عم العظيمة، التي لو فقدوىا، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنو تعالى. وتربيتو تعالى لخلقو نوعاف: عامة وخاصة. فالعامة: ىي خلقو للمخلوقين، ورزقهم، وىدايتهم لما فيو مصالحهم، التي فيها بقاؤىم في الدنيا. والخاصة: تربيتو لأوليادو، فيربّ يهم بالإيماف، ويوفِّ قهم لو، ويكمِّ لو لهم، ويدفع عنهم الصَّ وارؼ، والعوادق الحادلة بينهم وبينو، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر. ولعل ىذا المعنى ىو السرّ في كوف أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرّ ب. فإف مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيتو الخاصة. فدؿ قولو {رب العالمين}على انفراده بالخلق والتدبير، والنِّ عم، وكماؿ غناه، وتماـ فقر العالمين إليو، بكل وجو واعتبار. قاؿ ابن العثيمين: "الرب": ىو من اجتمع فيو ثلاثة أوصاؼ: الخلق، والملك، والتدبير؛ فهو الخالق المالك لكل شيء المدبر لجميع الأمور. قاؿ الشنقيطي : وَقػَوْلُوُ تػَعَالَى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ ) لَمْ يػُبػَيِّنْ ىُنَا مَا الْعَالَمُوفَ، وَبػَيَّنَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِقَوْلِوِ : (قَاؿَ فِرْعَوْفُ وَمَا رَب الْعَالَمِينَ قَاؿَ رَب السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَا بػَيػْنػَهُمَا[ )ٕٙ \ ٖٕ، ٕٗ] قَاؿَ بػَعْضُ الْعُلَمَاءِ : اشْتِقَاؽُ الْعَالَمِ مِ نَ الْعَلاَمَةِ ؛ لأَِفَّ وُجُودَ الْعَالَمِ عَلاَمَةٌ لاَ شَكَّ فِيهَا عَلَى وُجُودِ خَالِقِوِ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَاؿِ وَالْجَلاَؿِ، قَاؿَ تػَعَالَى: (إِفَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَاخْتِلاَؼِ اللَّيْلِ وَالنػَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُِولِي الأَْلْبَابِ [ )ٖ \ ٜٓٔ]، وَالآْيَةُ فِي الل غَةِ : الْعَلاَمَةُ . قاؿ ابن العثيمين قاؿ العلماء: كل ما سوى الله فهو من العالَم؛ وُصفوا بذلك؛ لأنهم عَلَم على خالقهم سبحانو وتعالى؛ ففي كل شيء من المخلوقات آية تدؿ على الخالق: على قدرتو، وحكمتو، ورحمتو، وعزتو، وغير ذلك من معاني ربوبيتو.. قاؿ ابن القيم في التفسير القيم: وتضمنت إثبات النبوّ ات كونو رب العالمين. فلا يليق بو أف يترؾ عباده سدى ىملا، لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادىم وما يضرّ ىم فيهما. فهذا ىضم للربوبية، ونسبة الرب تعالى إلى ما لا يليق بو. وما قدر ه حق قدره من نسبو إليو.

عدد الصفحات ٥٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 52 - سورة الفاتحت (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- إثبات الحمد الكامل لله ، وذلك من "أؿ" في قولو تعالى{ :الحمد}؛ لأنها دالة على الاستغراؽ.. ٕ- أف الله تعالى مستحق مختص بالحمد الكامل من جميع الوجوه؛ ولهذا كاف النبي إذا أصابو ما يسره قاؿ: "الحمد لله الذي بنعمتو تتم الصالحات"؛ وإذا أصابو خلاؼ ذلك قاؿ: " الحمد لله على كل حاؿ". ٖ- تقديم وصف الله بالألوىية على وصفو بالربوبية؛ وىذا إما لأف "الله" ىو الاسم العَلَم الخاص بو، والذي تتبعو جميع الأسماء؛ وإما لأف الذين جاءتهم الرسل ينكروف الألوىية فقط.. ٗ- عموـ ربوبية الله تعالى لجميع العالم؛ لقولو تعالى: (العالمين..) {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (ٖ} ) قاؿ القرطبي وصف نفسو تعالى بعد {رَب الْعَالَمِينَ } بأنو {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } لأنو لمّ ا كاف في اتصافو بػ "رب العالمين" ترىيب قرنو بػ "الرحمن الرحيم " لما تضمّ ن من التّ رغيب ، ليجمع في صفاتو بين الرّ ىبة منو والرّ غبة إليو ، فيكوف أعوف على طاعتو وأمنع ،كما قاؿ { :نػَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَفَّ عَذَابِي ىُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [ }الحجر : ٜٗ ، ٓ٘]وقاؿ { :غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التػَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْؿِ [ }غافر : ٖ]وفي صحيح مسلم عن أبي ىريرة أف رسوؿ الله قاؿ : "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنّ تو أحد ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنّ تو أحد" . قاؿ ابن القيم: فصفات الجلاؿ والجماؿ أخصّ باسم «ا» وصفات الفعل والقدرة، والتّ فرد بالضرّ والنّ فع، والعطاء والمّ نع، ونفوذ المشيئة وكماؿ القوة، وتدبير أمر الخليقة أخص باسم «الرب» . وصفات الإحساف والجود والبر، والحناف والمنة والرأفة واللطف، أخص باسم «الرحمن » وكرر إيذانا بثبوت الوصف، وحصوؿ أثره، وتعل قو بمتعلقاتو. فالرحمن : الذي الرحمة وصفو. والرحيم : الراحم لعباده. ولهذا يقوؿ تعالى: ٖٖ: ٖٗ وَكافَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ٜ: ٚٔٔ إِنَّوُ بِهِمْ رَؤُؼٌ رَحِيمٌ ولم يجيء رحماف بعباده، ولا رحماف بالمؤمنين، مع ما في اسم «الرحمن » الذي ىو على وزف فعلاف من سعة ىذا الوصف، وثبوت جميع معناه الموصوؼ بو.

عدد الصفحات ٥٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 53 - سورة الفاتحت ألا ترى أنهم يقولوف: غضباف: للممتلئ غضبا، وندماف وحيراف وسكراف ولهفاف لمن ملئ بذلك؟ فبناء فعلاف للسعة والشموؿ. ولهذا يقرف استواؤه على العرش بهذا الاسم كثيرا كقولو تعالى: ٕٓ: ٘ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ٕ٘: ٜ٘ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فاستوى على عرشو باسم الرحمن، لأف العرش محيط بالمخلوقات، قد وسعها. والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم، كما قاؿ تعالى: ٚ: ٙ٘ٔ( وَرَحْمَتِي وَسِ عَتْ كُلَّ شَيْءٍ )فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات. فلذلك وسعت رحمتو كل شيء. وفي الصحيح من حديث أبي ىريرة قاؿ: قاؿ رسوؿ الله : «لما قضى الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده موضوع على العرش: إف رحمتي تغلب غضبي» وفي لفظ «فهو وضع عنده على العرش» . فتأمل اختصاص ىذا الكتاب بذكر الرّ حمة، ووضعو عنده على العرش، وطابق بين ذلك وبين قولو: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى وقولو: ٕٙ: ٙ٘ٔ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِوِ خَبِيراً ينفتح لك باب عظيم من معرفة الرب تبارؾ وتعالى إف لم يغلقو عنك التعطيل والتجه م. واسمو (الرّحمن) يتضمّن إثبات النبوّات، فإف رحمتو تمنع إىماؿ عباده، وعدـ تعريفهم ما ينالوف بو غاية كمالهم. فمن أعطى اسم «الرحمن » حقو عرؼ أنو متضِّ من لإرساؿ الرّ سل، وإنزاؿ الكتب، أعظم من تض منو علم إنزاؿ الغيث وإنبات الكلأ ، وإخراج الحب. فاقتضاء الرحمة لما تحصل بو حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضادها لما تحصل بو حياة الأبداف والأشباح، لكن المحجوبوف إنما أدركوا من ىذا الاسم حظ البهادم والدواب . وأدرؾ منو أولو الألباب أمرا وراء ذلك. (الفوادد) . قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- إثبات ىذين الاسمين الكريمين{ .الرحمن الرحيم }لله ؛ وإثبات ما تضمناه من الرحمة التي ىي الوصف، ومن الرحمة التي ىي الفعل.. ٕ- أف ربوبية الله مبنية على الرحمة الواسعة للخلق الواصلة؛ لأنو تعالى لما قاؿ{ :رب العالمين}كأف سادلاً يسأؿ: "ما نوع ىذه الربوبية؟ ىل ىي ربوبية أخذ، وانتقاـ؛ أو ربوبية رحمة، وإنعاـ؟ " قاؿ تعالى{ :الرحمن الرحيم } {مَالِكِ يػَوْـِ الدِّينِ (ٗ} ) قػَرَأَ بػَعْضُ الْقُرَّاءِ : {مَلِك يػَوْـِ الدِّينِ }وَقػَرَأَ آخَرُوفَ : {مَالِكِ} .وَكِلاَىُمَا صَحِيحٌ مُتػَوَاتِرٌ فِي السَّبْعِ . وَيػُقَاؿُ : مَلِيكٌ أَيْ ضًا، وَأَشْبَعَ نَافِعٌ كَسْرَةَ الْكَاؼِ فػَقَرَأَ : "مَلَكِي يػَوْـِ الدِّينِ " وَقَدْ رَجَّحَ كُلاًّ مِنَ الْقِرَاءَتػَيْنِ مُرَجِّحُوفَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَكِلاَىُمَا صَحِيحَةٌ حَسَنَةٌ، وَرَجَّحَ الزَّمَخْشَرِي مَلِكِ؛ لأَِنػَّهَا قِرَاءَةُ أَىْلِ الْحَرَمَيْنِ وَلِقَوْلِوِ { :لِمَنِ الْمُلْكُ الْيػَوْـَ }وَقػَوْلُوُ:

عدد الصفحات ٥٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 54 - سورة الفاتحت {قػَوْلُوُ الْحَق وَلَوُ الْمُلْكُ }.و روى الزىري أف رسوؿ اللّو قرأىا كذلك بالألف و كذلك قرأىا أبوبكر و عمرو عثماف وعلي وابن مسعود وأبي ابن كعب و معاذ بن جبل وطلحة والزبير . وحكى أبو علي: في حجة من قرأ (مالك يوـ الدين) أنو قد يدخل في المالك مالا يدخل في الملك فيقاؿ: مالك الدنانير، والدراىم، والطير، والبهادم، ولا يقاؿ ملكها، و مالك في صفة اللّو تعالى يعم ملك أعياف الأشياء وملك الحكم فيها، وقد قاؿ اللّو تعالى(قل اللهم مالك الملك). قاؿ ابن كثير: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : {مَالِكِ يػَوْـِ الدِّينِ } يػَقُوؿُ: لاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ الْيػَوْـِ مَعَوُ حُكْمًا، كَمِلْكِهِمْ فِي الد نػْيَا. و في زبدة التفسير: والحق أف الفرؽ بين الوصفين بالنسبة إلى الرّب سبحانو وتعالى أف الملك صفة لذاتو و المالك صفة لفعلو. قاؿ الشنقيطي :وَقػَوْلُوُ : (مَالِكِ يػَوْـِ الدِّينِ ): لَمْ يػُبػَيػِّنْوُ ىُنَا، وَبػَيػَّنَوُ فِي قػَوْلِوِ : (وَمَا أَدْرَاؾَ مَا يػَوْـُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاؾَ مَا يػَوْـُ الدِّينِ يػَوْـَ لاَ تَمْلِكُ نػَفْسٌ لِنػَفْسٍ شَيْئًا) الآْيَةَ [ٕٛ \ ٚٔ، ٛٔ، ٜٔ] قاؿ السعدي المالك: ىو من اتصف بصفة الملك التي من آثارىا أنو يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويتصرؼ بمماليكو بجميع أنواع التصرفات، وأضاؼ الملك ليوـ الدين، وىو يوـ القيامة، يوـ يداف الناس فيو بأعمالهم، خيرىا وشرىا، لأف في ذلك اليوـ، يظهر للخلق تماـ الظّ هو ر، كماؿ ملكو وعدلو وحكمتو، وانقطاع أملاؾ الخلادق. حتى إنو يستوي في ذلك اليوـ، الملوؾ والرّ عايا والعبيد والأحرار.كلهم مذعنوف لعظمتو، خاضعوف لعزّ تو، منتظروف لمجازاتو، راجوف ثوابو، خادفوف من عقابو، فلذلك خصَّ و بالذِّ كر، وإلا فهو المالك ليوـ الدين ولغيره من الأياـ. قاؿ ابن القيم: فصفات الجلاؿ والجماؿ أخص باسم «ا» وصفات الفعل والقدرة، والتفرد بالضّ ر والنّ فع، والعطاء والمنع، ونفوذ المشيئة وكماؿ القوة، وتدبير أمر الخليقة أخص باسم «الرب» . وصفات العدؿ، والقبض والبسط. والخفض والرّ فع. والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلاؿ، والقهر والحكم، ونحوىا: أخص باسم «الملك» وخصو بيوـ الدين، وىو الجزاء بالعدؿ، لتفرده بالحكم فيو وحده، ولأنو اليوـ الحق، وما قبلو كساعة. ولأنو الغاية، وأياـ الدنيا مراحل إليو. وتأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة. وىي: «الله، والرب، والرحمن » كيف نشأ عنها الخلق، والأمر، والثواب، والعقاب؟ وكيف جمعت الخلق وفرقتهم؟ فلها الجمع والفرؽ. فاسم «الرب» لو الجمع الجامع لجميع المخلوقات. فهو رب كل شيء وخلقو، والقادر عليو لا يخرج شيء عن ربوبيتو. وكل من في السموات والأرض عبد لو في قبضتو، وتحت قهره. فاجتمعوا بصفة الربوبية، وافترقوا بصفة الإلهية، فألّهو وحده السعداء، وأقروا لو طوعا بأنو الله الذي لا إلو إلا ىو، الذي لا تنبغي العبادة والتوكل، والرجاء والخوؼ،

عدد الصفحات ٥٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 55 - سورة الفاتحت والحب والإنابة والإخبات والخشية، والتذل ل والخضوع إلا لو. وىاىنا افترؽ الناس وصاروا فريقين: فريقا مشركين في السعير، وفريقا موحدين في الجنة. فالإلهية ىي التي فرقتهم، كما أف الربوبية ىي التي جمعتهم فالدين والشرع، والأمر والنهي، مظهره وقيامو: من صفة الإلهية، والخلق والإيجاد والتّ دبير والفعل: من صفة الربوبية. والجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار: من صفة الملك. وىو ملك يوـ الدين. فأمرىم بإلهيتو، وأعانهم ووفقهم وىداىم وأضلَّ هم بربوبيتو. وأثابهم وعاقبهم بملكو وعدلو. وكل واحدة من ىذه الأمور لا تنفك عن الأخرى. وأما الرحمة فهي التعلق والسبب الذي بين الله وبين عباده. فالتّ أليو منهم لو، والربوبية منو لهم. والرحمة سبب واصل بينو وبين عباده، بها أرسل إليهم رسلو، وأنزؿ عليهم كتبو، وبها ىداىم، وبها أسكنهم دار ثوابو، وبها رزقهم وعافاىم وأنعم عليهم. فبينهم وبينو سبب العبودية، وبينو وبينهم سبب الرحمة . واقتراف ربوبيتو برحمتو كاقتراف استوادو على عرشو برحمتو، فالرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْ شِ اسْتَوى مطابق لقولو: رَبِّ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإف شموؿ الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى شموؿ الرحمة وسعتها، فوسع كل شيء برحمتو وربوبيتو، مع أف في كونو ربّ ا للعالمين ما يدؿ على علوه على خلقو، وكونو فوؽ كل شيء. وتضمّنت إثبات النبوات من ذكر «يوـ الدّ ين» فإنو اليوـ الذي يدين الله العباد فيو بأعمالهم، فيثيبهم على الخيرات، ويعاقبهم على المعاصي والسيئات وما كاف الله ليعذِّ ب أحدا قبل إقامة الحجة عليو. والحجة إنما قامت برسلو وكتبو . وبهم استحق الثواب والعقاب. وبهم قاـ سوؽ يوـ الدين. وسيق الأبرار إلى النعيم. والفجار إلى الجحيم. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- إثبات ملك الله ، وملكوتو يوـ الدين؛ لأف في ذلك اليوـ تتلاشى جميع الملكيات، والملوؾ.. فإف قاؿ قادل: أليس مالك يوـ الدين، والدنيا؟ فالجواب: بلى؛ لكن ظهور ملكوتو، وملكو، وسلطانو، إنما يكوف في ذلك اليوـ؛ لأف الله تعالى ينادي{ :لمن الملك اليوـ[ }غافر: ٙٔ]ف يجيب أحد؛ فيقوؿ تعالى{ :لله الواحد القهار[ }غافر: ٙٔ]؛ في الدنيا يظهر ملوؾ؛ بل يظهر ملوؾ يعتقد شعوبهم أنو لا مالك إلا ىم؛ فالشيوعيوف مثلاً لا يروف أف ىناؾ رباً للسموات، والأرض؛ يروف أف الحياة: أرحاـ تدفع، وأرض تبلع؛ وأف ربهم ىو رديسهم.. ٕ- إثبات البعث، والجزاء؛ لقولو تعالى: (مالك يوـ الدين) ٖ- حث الإنساف على أف يعمل لذلك اليوـ الذي يُداف فيو العاملوف..

عدد الصفحات ٥٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 56 - سورة الفاتحت ايّ اؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ (٘) قاؿ الشنقيطي :أَشَارَ فِ ي ىَذِهِ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ إِلَى تَحْقِيقِ مَعْنَى لاَ إِلَوَ إِلاَّ اللَّوُ ؛ لأَِفَّ مَعْنَاىَا مُرَكَّبٌ مِنْ أَمْرَيْنِ : نػَفْيٌ وَإِثػْبَاتٌ . فَالنػَّفْيُ : خَلْعُ جَمِيعِ الْمَعْبُودَاتِ غَيْرِ اللَّوِ تػَعَالَى فِي جَمِيعِ أَنػْوَاعِ الْعِبَادَاتِ . وَ الإِْثػْبَاتُ : إِفػْرَادُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَحْدَهُ بِجَمِيعِ أَنػْوَاعِ الْعِبَادَاتِ عَلَى الْوَجْوِ الْمَشْرُوعِ . وَقَدْ أَشَارَ إِلَى النػَّفْيِ مِنْ لاَ إِلَوَ إِلاَّ اللَّوُ بِتػَقْدِيمِ الْمَعْمُوؿِ الَّذِي ىُوَ (إِيَّاؾَ ) وَقَدْ تػَقَرَّرَ فِي الأُْصُوؿِ فِي مَبْحَثِ دَلِيلِ الْخِطَابِ الَّذِي ىُوَ مَفْهُوـُ الْمُخَالَفَةِ . وَفِي الْمَعَانِي فِي مَبْحَثِ الْقَصْرِ : أَفَّ تػَقْدِيمَ الْمَعْمُوؿِ مِنْ صِيَغِ الْحَصْرِ . وَأَشَارَ إِلَى الإِْثػْبَاتِ مِنػْهَا بِقَوْلِوِ : (نػَعْبُدُ ) . وَقَدْ بػَيَّ نَ مَعْنَاىَا الْمُشَارَ إِلَيْوِ ىُنَا مُفَصَّلاً فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِوِ : (يَا أَيػ هَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ) الآْيَةَ [ٕ \ ٕٔ]، فَصَرَّحَ بِالإِْثػْبَاتِ مِنػْهَا بِقَوْلِوِ : (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ )، وَصَرَّحَ بِالنػَّفْيِ مِنػْ هَا فِي آخِرِ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ بِقَوْلِوِ : (فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّوِ أَنْدَادًا وَأَنػْتُمْ تػَعْلَمُوفَ [ )ٕ \ ٕٕ]، وَكَقَوْلِوِ : (وَلَقَدْ بػَعَثػْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَفِ اُعْبُدُوا اللَّوَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) فَصَرَّحَ بِالإِْثػْبَاتِ بِقَوْلِوِ : (أَفِ اعْبُدُوا اللَّوَ ) وَبِالنػَّفْيِ بِقَوْلِوِ : (وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) ، وَكَقَوْلِوِ : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيػُؤْمِنْ بِاللَّوِ فػَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثػْقَى[ )ٕ \ ٕٙ٘]فَصَرَّحَ بِالنػَّفْيِ مِنػْهَا بِقَوْلِوِ : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ) ، وَبِالإِْثػْبَاتِ بِقَوْلِوِ : (وَيػُؤْمِنْ بِاللَّوِ )، وَكَقَوْلِوِ : (وَإِذْ قَاؿَ إِبػْرَاىِيمُ لأَِبِيوِ وَقػَوْمِوِ إِنَّنِي بػَرَاءٌ مِمَّا تػَعْبُدُوفَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي[ )ٖٗ \ ٕٙ، ٕٚ]، وَكَقَوْلِوِ : (وَمَا أَرْسَ لْنَا مِنْ قػَبْلِكَ مِنْ رَسُوؿٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْوِ أَنَّوُ لاَ إِلَوَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُوفِ [ )ٕٔ \ ٕ٘]وَقػَوْلِوِ: (وَاسْأَؿْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قػَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُوفِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يػُعْبَدُوفَ [ )ٖٗ \ ٘ٗ]إِلَى غَيْ رِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ . قو لُوُ تػَعَالَى: (وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ ) أَيْ : لاَ نَطْلُبُ الْعَوْفَ إِلاَّ مِنْكَ وَحْدَؾَ ؛ لأَِفَّ الأَْمْرَ كُل وُ بِيَدِؾَ وَحْدَؾَ لاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنْوُ مَعَكَ مِثػْقَاؿَ ذَرَّةٍ . وَإِتػْيَانُوُ بِقَوْلِوِ : (وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ ) بػَعْدَ قػَوْلِوِ : (إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ ) فِيوِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّوُ لاَ يػَنْبَغِي أَفْ يػُتػَوَكَّلَ إِلاَّ عَلَى مَنْ يَسْتَحِق الْعِبَادَةَ ؛ لأَِفَّ غَيػْرَهُ لَيْسَ بِيَدِهِ الأَْمْرُ . وَىَذَا الْمَعْنَى الْمُشَارُ إِلَيْوِ ىُنَا جَاءَ مُبػَ يػَّنًا وَاضِحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِوِ : (فَاعْبُدْهُ وَتػَوَكَّلْ عَلَيْوِ ) الآْيَةَ [ٔٔ \ ٖٕٔ]، وَقػَوْلِوِ : (فَإِفْ تػَوَلَّوْا فػَقُلْ حَسْبِيَ اللَّوُ لاَ إِلَوَ إِلاَّ ىُوَ عَلَيْوِ تػَوَكَّلْتُ ) الآْيَةَ [ٜ \ ٜٕٔ]وَقػَوْلِوِ: (رَب الْمَشْرِؽِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَوَ إِلاَّ ىُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً [ )ٖٚ \ ٜ]وَقػَوْلِوِ: (قُلْ ىُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِوِ وَعَلَيْوِ

عدد الصفحات ٥٨

الآْيَةَ [ٜ \ ٜٕٔ]وَقػَوْلِوِ: (رَب الْمَشْرِؽِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَوَ إِلاَّ ىُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً [ )ٖٚ \ ٜ]وَقػَوْلِوِ: (قُلْ ىُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِوِ وَعَلَيْوِ تػَوَكَّلْنَا[ )ٚٙ \ ٜٕ]وَإِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ . قاؿ ابن كثير: وَالدِّينُ يػَرْجِعُ كُل وُ إِلَى ىَذَيْنِ الْمَعْنػَيػَ يْنِ، وَىَذَا كَمَا قَاؿَ بػَعْضُ السَّلَفِ : الْفَاتِحَةُ سِر الْقُرْآفِ، وَسِر ىَا ىَذِهِ الْكَلِمَةُ : {إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ } [الْفَاتِحَةِ: ٘]فالأَْوَّؿُ تػَبػَر ؤٌ مِنَ الشِّرْؾِ، وَالثَّانِي تػَبػَر ؤٌ مِنَ الْحَوْؿِ والقوة، والتّ فويض إِلَى اللَّوِ . وَتَحَو ؿُ الْكَلاَـِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْمُوَاجَهَةِ (ٔ) بِكَاؼِ الْخِطَابِ، وَىُوَ مُنَاسَبَةٌ ، لأَِنَّوُ لَمَّا أَثػْنَى عَلَى اللَّوِ فَكَأَنَّوُ اقػْتػَرَبَ وَحَضَرَ بػَيْنَ يَدَيِ اللَّوِ تػَعَالَى؛ فَلِهَذَا قَاؿَ : {إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ } وَفِي ىَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَفَّ أَوَّؿَ الس ورَةِ ٔ- المواجية: يعني المؤلف ىنا التكمّم الى الحاضر.

عدد الصفحات ٥٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 57 - سورة الفاتحت خَبػَرٌ مِنَ اللَّوِ تػَعَالَى بِالثػَّنَاءِ عَلَى نػَفْسِوِ الْكَرِيمَةِ بِجَمِيلِ صِفَاتِوِ الْحُسْنَى، وَإِرْشَادٌ لِعِبَادِهِ بِأَفْ يػُثػْنُوا عَلَيْوِ بِذَلِكَ؛ وَلِهَذَا لاَ تَصِح صَلاَةُ مَنْ لَمْ يػَقُلْ ذَلِكَ، وَىُوَ قَادِرٌ عَلَيْوِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَفَّ رَسُوؿَ اللَّوِ قَاؿَ : "لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يػَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " . عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : {إِيَّاؾَ نػَ عْبُدُ }يػَعْنِي: إِيَّاؾَ نػُوَحِّدُ وَنَخَاؼُ وَنػَرْجُو يَا رَبػَّنَا لاَ غَيػْرَؾَ {وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ } عَلَى طَاعَتِكَ وَعَلَى أُمُورِنَا كُلِّهَا. وَقَاؿَ قػَتَادَةُ : {إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ } يَأْمُرُكُمْ أَفْ تُخْلِصُوا لَوُ الْعِبَادَةَ وَأَفْ تَسْتَعِينُوهُ عَلَى أَمْرِكُمْ . وَإِنَّمَا قَدَّـَ : {إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ } عَلَى {وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ } لأَِف الْعِبَادَةَ لَوُ ىِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَالاِسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إِلَيػْهَا، وَالاِىْتِمَاـُ وَالْحَزْـُ ىُوَ أَفْ يػُقَدَّـَ مَا ىُ وَ الأَْىَم فَالأَْىَم ، وَاللَّوُ أَعْلَمُ . فَإِفْ قِيلَ : فَمَا مَعْنَى الن وفِ فِي قػَوْلِوِ : {إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ } فَإِفْ كَانَتْ لِلْجَمْعِ فَالدَّاعِي وَاحِدٌ، وَإِفْ كَانَتْ لِلتػَّعْظِيمِ فَلاَ تػُنَاسِبُ ىَذَا الْمَقَاـَ؟ وَ قَدْ أُجِيبَ : بِأَفَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ الإِْخْبَارُ عَنْ جِنْسِ الْعِبَادِ وَالْمُصَلِّي فػَرْدٌ مِنػْهُمْ، وَلاَ سِيَّمَا إِفْ كَافَ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ إِمَامَهُمْ، فَأَخْبػَرَ عَنْ نػَفْسِوِ وَعَنْ إِخْوَانِوِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعِبَادَةِ الَّتِي خُلِ قُوا لأَِجْلِهَا، وَتػَوَسَّطَ لَهُمْ بِخَيْر.ٍ وَقَدْ سَمَّى اللَّوُ رَسُولَوُ بِعَبْدِهِ فِي أَشْرَؼِ مَقَامَاتِوِ فػَقَاؿَ :{الْحَمْدُ لِلَّوِ الَّذِي أَنزؿَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [ }الْكَهْفِ: ٔ{ ]وَأَنَّوُ لَمَّا قَاـَ عَبْدُ اللَّوِ يَدْعُوهُ [ }الْجِنِّ : ٜٔ{ ]سُبْحَافَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا[ }الإِْسْرَاءِ: ٔ]فَسَمَّاهُ عَبْدًا عِنْدَ إِنػْزَالِوِ عَلَيْوِ وَقِيَامِوِ فِي الدَّعْوَةِ وَإِسْرَادِوِ بِوِ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْقِيَاـِ بِالْعِبَادَةِ فِي أَوْقَاتٍ يَضِيقُ صَدْرُهُ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُخَالِفِينَ لَوُ . قاؿ ابن القيم: وتضمّنت إثبات النبوّات من قولو إِيَّاؾَ نػَعْبُدُ فإف ما يعبد بو تعالى لا يكوف إلا على ما يحبو ويرضاه. وعبادتو: ىي شكره وحبو وخشيتو، فطري ومعقوؿ للعقوؿ السليمة. لكن طريق التعبّ د وما يعبد بو لا سبيل إلى معرفتو إلا برسلو. وفي ىذا بياف أف إرساؿ الرّ سل أمر مستقر في العقوؿ، يستحيل تعطيل العالم عنو، كما يستحيل تعطيلو عن الصّ انع. فمن أنكر الرسوؿ فقد أنكر المرسل. ولم يؤمن بو، ولهذا جعل سبحانو الكفر برسلو كفرا بو. وسرّ الخلق و الأمر والكتب والشرادع والثواب والعقاب: انتهى إلى ىاتين الكلمتين، وعليهما مدار العبودية والتوحيد. حتى قيل: أنزؿ الله مادة كتاب وأربعة كتب: جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآف، وجمع معاني ىذه الكتب الثلاثة في القرآف. وجمع معاني القرآف في المفصل، وجمع معاني المفصل في الفاتحة، ومعاني الفاتحة في «إِيَّاؾَ نػَ عْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ » وىما الكلمتاف المقسومتاف بين الرب وبين عبده نصفين: فنصفها لو تعالى وىو «إيّاؾ نعبد» ونصفهما لعبده وىو «إيّاؾ نستعين» وسيأتي سرّ ىذا ومعناه إف شاء الله في موضعو. والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذّ ؿ والخضوع . والعرب تقو ؿ: طريق معبّ د أي مذلّل، والتعبّ د: التذلّ ل

عدد الصفحات ٥٩

بده وىو «إيّاؾ نستعين» وسيأتي سرّ ىذا ومعناه إف شاء الله في موضعو. والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذّ ؿ والخضوع . والعرب تقو ؿ: طريق معبّ د أي مذلّل، والتعبّ د: التذلّ ل والخضوع، فمن أحببتو ولم تكن خاضعا لو، لم تكن عابدا لو، ومن خضعت لو بلا محبة، لم تكن عابدا لو، حتى تكوف محبّ ا خاضعا، ومن ىاىنا كاف المنكروف محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية، والمنكروف لكونو محبوبا لهم، بل ىو غاية مطلوبهم ووجهو الأعلى نهاية بغيتهم: منكرين لكونو إلها، وإف أقروا بكونو ربّ ا للعالمين وخالقا لهم، فهذا غاية

عدد الصفحات ٥٩