المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٤١ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 541 - سورة البقرة الجزء الاول مؤثر، دعوى باطلة، وتفريق بين متماثلين، ومكابرة ظاىرة. وإنما يحصل التفضيل، بإخلاص الأعماؿ الصالحة لله وحده، وىذه الحالة، وصف المؤمنين وحدىم، فتعين أنهم أولى بالله من غيرىم؛ لأف الإخلاص، ىو الطريق إلى الخلاص، فهذا ىو الفرؽ بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطاف، بالأوصاؼ الحقيقية التي يسلمها أىل العقوؿ، ولا ينازع فيها إلا كل مكابر جهوؿ، ففي ىذه الآية، إرشاد لطيف لطريق المحاجة، وأف الأمور مبنية على الجمع بين المتماثلين، والفرؽ بين المختلفين. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- الإنكار على اليهود والنصارى الذين يحاجوف المسلمين في الله مع إقرارىم بأنو ربهم؛ لقولو تعالى{ :قل أتحاجوننا في الله وىو ربنا وربكم} ٕ- وجوب البراءة من أعماؿ الكفار؛ لقولو تعالى{ :ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم}؛ فإف المراد بذلك البراءة مما ىم عليو. ٖ- أنو ينبغي للمرء أف يفتخر بما ىو عليو من الحق؛ لقولو تعالى{ :ولنا أعمالنا}أي فنحن مفتخروف بها بريؤوف من أعمالكم. ٗ- أنو لا يجوز التشبو بأعداء الله؛ لأف المشابهة موافقة في العمل؛ لهذا قاؿ النبي : «من تشبو بقوـ فهو منهم» (ٔ) ؛ وىنا قاؿ تعالى{ :ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم}فنحن متميزوف عنكم، وأنتم متميزوف عنا. ٘-وجوب الإخلاص لله؛ لتقديم المعموؿ في قولو تعالى{ :ونحن لو مخلصوف}. أَـْ تػَقُولُوفَ إِفَّ إِبػْرَاىِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاؽَ وَيػَعْقُوبَ وَالأَْسْبَاطَ كَانُوا ىُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنػْتُمْ أَعْلَمُ أَـِ اللَّ وُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّوِ وَمَا اللَّوُ بِغَافِلٍ عَمَّا تػَعْمَلُوفَ (ٓٗٔ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُوفَ عَمَّا كَانُوا يػَعْمَلُوفَ (ٔٗٔ) قولو تعالى{ :أـ تقولوف إف إبراىيم } ...؛ {أـ} ىنا للإضراب؛ والمعنى: بل أتقولوف؛ وىو إضراب انتقاؿ؛ وليس إضراب إبطاؿ؛ والمعنى أنو انتقل من توبيخ ىؤلاء الذين يحاجوف في الله إلى توبيخ آخر؛ وىو دعواىم أف ىؤلاء الرسل الكراـ كانوا ىودا، أو نصارى؛ وىذه دعوى كاذبة؛ فليس ىؤلاء ىودا، ولا نصارى؛ بل إف الله سبحانو وتعالى ٔ- أخرجو أحمد ٕ/ٓ٘، حديث رقم ٗٔٔ٘، وأخرجو أبو داود صٛٔ٘ٔ، كتاب المباس، باب ٗ: في لبس الشيرة، حديث رقم ٖٔٓٗ، وأخرجو ابن أبي شيبة في المصنفين كتاب السير، باب ٜٚ: ما قالوا فيما ذكر من الرماح واتخاذىا، حديث رقم ٖٖٙٓٓ، قال الحافظ في الفتح ٓٔ/ٕٔٚ: أخرجو أبو داود بسند حسن؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح ٕ/ٗٓ٘، وقال في الإرواء: صحيح ٘/ٜٓٔ، حديث رقم ٜٕٙٔ.

عدد الصفحات ٥٤٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 541 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ موبخا لهؤلاء مبينا ضلالهم الذين ادعوا أف إبراىيم كاف يهوديا، أو نصرانيا {ما كاف إبراىيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كاف حنيفا مسلما وما كاف من المشركين [ }آؿ عمراف: ٚٙ]، وقاؿ تعالى{ :وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلوف[ }آؿ عمراف: ٘ٙ]؛ فكيف يكوف يهوديا أو نصرانيا وكتاب اليهود والنصارى لم ينزؿ إلا من بعد إبراىيم؟!!! قولو تعالى{ :وإسماعيل} ىو أكبر أولاد إبراىيم؛ وىو الذي أمر الله أباه أف يذبحو؛ والقصة مبسوطة في سورة الصافات. قولو تعالى{ :وإسحاؽ} ىو أخو إسماعيل؛ وىو الولد الثاني لإبراىيم ؛ {ويعقوب} :ىو ابن إسحاؽ؛ وىو الذي ينتمي إليو بنو إسراديل؛ {والأسباط} سبق الكلاـ على بيانهم . قولو تعالى{ :كانوا ىودا أو نصارى} يعني كانوا على ملة اليهودية، والنصرانية؛ وىذا من سفو ىؤلاء اليهود الذين يدعوف ذلك؛ لأف أصل اليهودية، والنصرانية حدثت بعد ىؤلاء؛ فكيف يكوف ىؤلاء ىودا، أو نصارى؟!!! قاؿ الطبري: وىذه الآية أيضًا احتجاجٌ من الله تعالى ذكره لنبيّو على اليهود والنصارى، الذين ذكر الله قَصَصهم. يقوؿ الله لنبيو محمد : قُلْ يا محمد -لهؤلاء اليهود والنصارى-: أتحاج وننا في الله، وتزعموف أف دينكم أفضلُ من ديننا، وأنكم على ىدى ونحنُ على ضَلالة، ببرىاف من الله تعالى ذكره، فتدعوننا إلى دينكم؟ فهاتوا برىانكم على ذلك فنتبعكم عليو، أـ تقولوف: إف إبراىيم وإسماعيل وإسحاؽ ويعقوبَ والأسباط كانوا ىودًا أو نَصَارَى على دينكم؟ فهاتُ وا -على دعواكم ما ادّعيتم من ذلك- برىانًا فنصدِّقكم، فإف الله قد جَعلهم أدمة يقتدى بهم. ثم قاؿ تعالى ذكره لنبيو : قُل لهم يا محمد - إف ادَّعوا أف إبراىيمَ وإسماعيل وإسحاؽ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا ىودًا أو نصَارَى: أأنتم أعلم بهم وبما كانوا عليو من الأدياف، أـ الله؟ قاؿ ابن العثيمين: ثم أبطل الله تعالى دعواىم بطريق آخر فقاؿ: {قل أأنتم أعلم أـ الله} ؛ ومن المعلوـ أنو لا أحد أعلم من الله عز وجل؛ ولكن الله سبحانو وتعالى قاؿ ذلك إلزاما للخصم حتى يتبين بطلاف ما ادعاه؛ وىو كقولو تعالى{ :آ خير أـ ما يشركوف }؛ ومن المعلوـ أف الله خير مما يشركوف؛ لكن من أجل إفحاـ الخصم، وإلزامو بما ىو ظاىر لا إشكاؿ فيو. قاؿ السعدي: زعموا أنهم أولى بهؤلاء الرسل المذكورين من المسلمين. فرد الله عليهم بقولو: {أأنتم أعلم أـ الله} فا يقوؿ{ :ما كاف إبراىيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كاف حنيفا مسلما وما كاف من المشركين }وىم يقولوف: بل كاف يهوديا أو نصرانيا. فإما أف يكونوا، ىم الصادقين العالمين، أو يكوف الله تعالى ىو الصادؽ العالم بذلك، فأحد الأمرين متعين لا محالة، وصورة الجواب مبهم، وىو في غاية الوضوح والبياف، حتى إنو - من وضوحو - لم يحتج أف يقوؿ بل الله أعلم وىو أصدؽ، ونحو ذلك، لانجلادو لكل أحد، كما إذا قيل: الليل أنور، أـ النهار؟ والنار أحر أـ الماء؟ والشرؾ أحسن أـ

عدد الصفحات ٥٤٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 542 - سورة البقرة الجزء الاول التوحيد؟ ونحو ذلك. وىذا يعرفو كل من لو أدنى عقل حتى إنهم بأنفسهم يعرفوف ذلك، ويعرفوف أف إبراىيم وغيره من الأنبياء، لم يكونوا ىودا ولا نصارى، فكتموا ىذا العلم وىذه الشهادة، فلهذا كاف ظلمهم أعظم الظلم. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} يعني لا أحد أظلم في كتماف الشهادة ممن كتم شهادة عنده من الله؛ وىؤلاء اليهود والنصارى كتموا الشهادة عندىم من الله؛ لأف الله - تبارؾ وتعالى - أخبر عن نبيو محمد ، وذكر أوصافو في التوراة، والإنجيل، كما قاؿ الله - تبارؾ وتعالى - في سورة الأعراؼ{ :الذين يتبعوف الرسوؿ النبي الأمي الذي يجدونو مكتوبا عندىم في التوراة والإنجيل يأمرىم بالمعروؼ وينهاىم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرـ عليهم الخبادث ويضع عنهم إصرىم والأغلاؿ التي كانت عليهم} [الأعراؼ: ٚ٘ٔ]؛ فهذه أوصاؼ النبي في التوراة والإنجيل معلومة لبني إسراديل؛ ولكنهم يكتموف ىذه الشهادة؛ ولا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله تعالى في كتماف الشهادة؛ وإف كاف المشرؾ أظلم الظالمين؛ لكن اسم التفضيل يختص بالشيء المعين الذي يشترؾ فيو المفضل، والمفضل عليو. قاؿ السعدي: فهي شهادة عندىم، مودعة من الله، لا من الخلق، فيقتضي الاىتماـ بإقامتها، فكتموىا، وأظهروا ضدىا، جمعوا بين كتم الحق، وعدـ النطق بو، وإظهار الباطل، والدعوة إليو، أليس ىذا أعظم الظلم؟ بلى والله، وسيعاقبهم عليو أشد العقوبة. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وما الله بغافل عما تعملوف} يعني أف الله عز وجل لا يغفل عما يعمل ىؤلاء؛ بل ىو جل وعلا عالم بو، وسوؼ يحاسبهم عليو. قاؿ السعدي: بل قد أحصى أعمالهم، وعدىا وادخر لهم جزاءىا، فبئس الجزاء جزاؤىم، وبئست النار، مثوى للظالمين، وىذه طريقة القرآف في ذكر العلم والقدرة، عقب الآيات المتضمنة للأعماؿ التي يجازى عليها. فيفيد ذلك الوعد والوعيد، والترغيب والترىيب، ويفيد أيضا ذكر الأسماء الحسنى بعد الأحكاـ، أف الأمر الديني والجزادي، أثر من آثارىا، وموجب من موجباتها، وىي مقتضية لو. قولو تعالى{ :تلك أمة قد خلت لها ما كسبت } ...الآية: تقدـ تفسيرىا، وكررىا ، لقطع التعلق بالمخلوقين، وأف المعوؿ عليو ما اتصف بو الإنساف، لا عمل أسلافو وآبادو، فالنفع الحقيقي بالأعماؿ، لا بالانتساب المجرد للرجاؿ . قاؿ الطبري: عن قتادة، و عن الربيع قولو تعالى: "تلك أمة قَد خَلت"، يعني: إبراىيمَ وإسماعيل وإسحاؽَ ويعقوبَ والأسباطَ . وقد بينا فيما مضى أف "الأمة"، الجماعة. فمعنى الآية إذًا: قلْ يا محمد لهؤلاء الذين يُجادلونك في الله من اليهود والنصارى، إف كتموا ما عندَىم من الشهادة في أمر إبراىيم ومن سَمَّينا مَعو، وأنهم كانوا مسلمين، وزعموا أنهم كانوا ىودًا أو نصارى، فكذبوا: إفّ إبراىيم

عدد الصفحات ٥٤٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 543 - سورة البقرة الجزء الاول وإسماعيل وإسحاؽَ ويعقوبَ والأسباطَ أمَّةٌ قد خَلتْ -أي مضت لسبيلها - فصارت إلى ربها، وخَلتْ بأعمالها وآمالها، لها عند الله ما كسبت من خير في أياـ حياتها، وعليها ما اكتسبت من شر، لا ينفعها غيرُ صالح أعمالها، ولا يضرىا إلا سيِّئها. فاعلموا أيها اليهود والنصارى ذلك، فإنكم، إفْ كاف ىؤلاء وىم الذين بهم تَفتخروف، وتزعموف أفّ بهم تَرجُوف النجاةَ من عذاب ربكم، مع سيئاتكم وعظيم خطيئاتكم - لا يَنفعهم عند الله غيرُ ما قدَّموا من صالح الأعماؿ، ولا يضرىم غير سيئها، فأنتم كذلك أحرَى أفْ لا ينفعكم عند الله غير ما قدمتم من صالح الأعماؿ، ولا يضرّكم غيرُ سَيئها. فاحذروا على أنفسكم، وبادروا خروجَها بالتوبة والإنابة إلى الله مما أنتم عليو من الكفر والضلالة والفِرية على الله وعلى أنبيادو ورُسُلو، ودَعُوا الاتكاؿَ على فَضَادل الآباء والأجداد، فإنما لكم ما كسبتم، وعليكم ما اكتسبتم، ولا تُسألوف عما كاف إبراىيم وإسماعيلُ وإسحاؽُ ويعقوبُ والأسباط يَعملوف من الأعماؿ، لأف كل نفس قَدِمت على الله يوـ القيامة، فإنما تُسأؿ عما كسبت وأسلفت، دوف ما أسلفَ غيرُىا. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- إبطاؿ دعوى ىؤلاء اليهود، والنصارى أف إبراىيم، وإسماعيل، وإسحاؽ، ويعقوب، والأسباط، كانوا ىودا أو نصارى؛ فهذه الدعوى باطلة؛ بل وصف ىؤلاء الإسلاـ؛ فإبراىيم، وإسماعيل، وإسحاؽ، ويعقوب، والأسباط ليسوا ىودا، ولا نصارى؛ بل ىم مسلموف لله سبحانو وتعالى. ٕ- رد علم ىذه الأشياء إلى الله؛ لقولو تعالى{ :أأنتم أعلم أـ الله} ٖ- الرد على أىل التحريف في أسماء الله، وصفاتو الذين يقولوف: «إف ىذا جادز عقلا على الله؛ فنقر بو؛ وىذا يمتنع عقلا على الله؛ فلا نقر بو» كالمعتزلة، والأشاعرة، ونحوىم؛ نقوؿ لهم كلهم في الجواب{ :أأنتم أعلم أـ الله}أأنتم أعلم بما يجوز على الله، ويمتنع عليو، ويجب لو، أـ الله أعلم بما يمتنع عليو، ويجب لو، ويجوز لو؟!!! وىذه في الحقيقة حجة ملزمة مفحمة مقحمة لهؤلاء الذين يتحكموف في صفات الله تعالى بعقولهم، فيقولوف: «يجب لله كذا؛ يمتنع عليو كذا» ؛ نقوؿ{ :أأنتم أعلم أـ الله} ٗ- عظم كتم العلم؛ لقولو تعالى{ :ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله}؛ فإف العالم بشريعة الله عنده شهادة من الله بهذه الشريعة، كما قاؿ الله تعالى{ :شهد الله أنو لا إلو إلا ىو والملادكة وأولو العلم[ }آؿ عمراف: ٛٔ]؛ فكل إنساف يكتم علما فقد كتم شهادة عنده من الله؛ ثم إف في ىذا عظم إثمو؛ لقولو تعالى{ :ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} ٘- كماؿ علم الله، ومراقبتو لعباده؛ لقولو تعالى{ :وما الله بغافل عما تعملوف}

عدد الصفحات ٥٤٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 544 - سورة البقرة الجزء الاول ٙ- ثبوت الصفات المنفية؛ وىي ما نفاه الله سبحانو وتعالى عن نفسو؛ لقولو تعالى{ :وما الله بغافل عما تعملوف}؛ فإف ىذه صفة منفية، وليست ثبوتية؛ والصفات المنفية متضمنة لإثبات كماؿ ضدىا؛ فلكماؿ مراقبتو، وعلمو سبحانو وتعالى ليس بغافل عما نعمل. ٚ- تخويف الإنساف، وإنذاره من المخالفة؛ لقولو تعالى{ :وما الله بغافل عما تعملوف}؛ فإياؾ والمخالفة؛ مثلما تهدد إنسانا بشيء تقوؿ: لست بغافل عنك. ٛ- إضافة العمل إلى العامل؛ ففيو رد على الجبرية الذين يقولوف: «إف الإنساف مجبر على عملو» ؛ لقولو تعالى{ :عما تعملوف}

عدد الصفحات ٥٤٦

تفسير سورة البقرة الجزء الثاني

عدد الصفحات ٥٤٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى -557 - سورة البقرة الجزء الثاني سىيػىقيوؿيُُالسُّفىهىاءيُُمًنىُُالنَّاسًُُمىاُكىلََّّىيمٍُ ُعىنٍُُقًبػٍلىتًهًميُُالَّتًيُكىانيواُعىلىيػٍهىاُقيلٍُُلًلَّوًُُالٍمىشٍرًؽيُُكىالٍمىغٍرًبيُُيػىهٍدًمُ مىنٍُُيىشىاءيُُإًلىىُصًرىاطوُُميسٍتىقًيموُُ(ُِْ) قاؿُالشيخُمقبلُفيُالصحيحُالمسند:ُقاؿُابنُإسحاؽ:ُحدثنيُإسماعيلُبنُأبيُخالدُعنُأبيُإسحاؽُعنُالبراءُ قاؿُكافُرسوؿُاللهُ ُيصليُنحوُبيتُالمقدسُكيكثرُالنظرُإلىُالسماءُينتظرُأمرُاللهُفأنزؿُاللهُ فًيُالسَّمىاءًُفػىلىنػيوىلّْيػىنَّكىُقًبػٍلىةنُتػىرٍضىاىىاُفػىوىؿُّْكىجٍهىكىُشىطٍرىُالٍمىسٍجًدًُالٍحىرىاـً ُرجاؿُمنُالمسلمينُكددناُلوُعلمناُعلمُمنُ ماتُقبلُأفُنصرؼُإلىُالقبلةُفأنزؿُاللهُلتيُُ كانواُعليهاُفأنزؿُاللهُ{ُإلىُآخرُالآيةُا.ُىػُمنقولَُّمنُلبابُالنقوؿُفيُأسبابُالنزكؿُللحاف ُ السيوطيُكمنُتفسيرُالحاف ُابنُكثير. ُ قاؿُابنُالعثيمين:ُقولوُتعالى:ُسيقوؿُالسفهاءُمنُالناس}؛ُ{سيقوؿ}:ُالسينُللتنفيس؛ُكإذاُدخلتُعلىُالمضارع ُ أخلصتوُللمستقبل؛ُالمضارع ُإذاُدخلتُعليوُ«لم»ُأخلصتوُللماضي؛ُكإذاُدخلتُعليوُالسينُأخلصتوُللمستقبل؛ُكإذاُ كافُمجرداُفهوُصالحُللحاضر،ُكالمستقبل؛ُك{سيقوؿ}ُتفيدُأيضاُمعُالَّستقباؿُتحقيقُكقوع ُىذاُالشيء،ُكتفيدُأيضاُ قربُىذاُالشيء؛ُبخلاؼُ«سوؼ»ُفإنهاُتدؿُعلىُالمستقبلُالبعيد؛ُك{السفهاء}ُجمعُسفيو؛ُكىوُالذمُلَُّيحسنُ التصرؼُلنفسو؛ُككل ُمنُخالفُالحكمةُفيُتصرفوُفهوُسفيو؛ُفهؤلَّءُالسفهاءُسفهاءُفيُدينهم؛ُكقدُيكونوفُفيُالماؿُ جيدين؛ُكسفوُالدينُبينوُاللهُسبحانوُكتعالىُبقولوُتعالى:ُكمنُيرغب ُعنُملةُإبراىيمُإلَُّمنُسفوُنفسو}[البقرة:َُُّ].ُُ كقولوُتعالى:ُمنُالناس}ُبيافُللسفهاء؛ُكىيُفيُموضعُنصبُعلىُالحاؿُ-ُيعنيُحاؿُكونهمُمنُالناس.ُ ُقاؿُابنُكثير: ُقًيلىُالٍميرىاديُبًالسُّفىهىاءًُىىاىينىا:ُالٍميشٍرًكيوفى؛ُميشٍرًكيوُالٍعىرىبً،ُقىالىويُالزَّجَّاجي.ُكىقًيلى:ُأىحٍبىاريُيػىهيودىُ ،ُقىالىويُميجىاىًده.ُ كىقًيلى:ُالٍمينىافًقيوفى،ُقىالىويُالسُّدّْمُّ.ُكىالآٍيىةيُعىامَّةهُفًيُىىؤيلَّىُ ءًُكيلّْهًمٍ،ُكىاللَّويُأىعٍلىميُُ.ُ قاؿُالقرطبي:ُأعلمُاللهُتعالىُأنهمُسيقولوفُفيُتحوُ يلُالمؤمنينُمنُالشاـُإلىُالكعبة،ُماُكلَّىم.ُك"سيقوؿ"ُبمعنىُقاؿُ،ُ جعلُالمستقبلُموضعُالماضي،ُدلَّلةُعلىُاستدامةُذلكُكأنهمُيستمركفُعلىُذلكُالقوؿ.ُكخصُبقولو:ُ"منُالناس"ُلأفُ السفوُيكوفُفيُجماداتُكحيوانات.ُكالمرادُمنُ"السفهاء"ُجميعُمنُقاؿ:ُ"ماُكلَّىم".ُكالسفهاءُجمع،ُكاحدهُسفيو،ُ كىوُالخفيفُالعقلُ.ُ قاؿُابنُالعثيمين :ُ{ماُكلَّىمُعنُقبلتهمُالتيُكانواُعليها}ُفيُموضعُنصبُعلىُأنهاُمقوؿُالقوؿ؛ُك{ما}اسمُ استفهاـ؛ُيعني:ُأمُشيءُصرفهمُ{عنُقبلتهم}ُأمُماُيستقبلوف؛ُفقبلةُالإنسافُماُيستقبلو؛ُكالمرادُبهاُبيتُالمقدس؛ُلأفُ

عدد الصفحات ٥٤٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى -558 - سورة البقرة الجزء الثاني الرسوؿُ ُأكؿُماُقدـُالمدينةُصارُمتجهاُإلىُبيتُالمقدسُستةُعشرُشهرا؛ُأكُسبعةُعشرُشهرا(ُ)-ُيعنيُإماُسنةُ كأربعةُأشهر؛ُأكُسنةُكخمسةُأشهر؛ُإذاُكافُمستقبلاُلبيتُالمقدسُتكوفُالكعبةُخلفوُتماما؛ُلهذاُيقوؿُابنُعمر:ُ «رأيتُالنبيُ ُيقضيُحاجتوُمستدبرُالقبلةُمستقبلُالشاـ»(ِ).ُ قولوُتعالى:ُالتيُكانواُعليها}ُأمُقبلُأفُيتجهواُإلىُالكعبة؛ُفأخبرُاللهُعزُكجلُبماُسيقوؿُىؤلَّءُالسفهاء.ُ قاؿُالقرطبي:ُكاختلفواُحينُفرضتُعليوُالصلاةُأكلَُّبمكة ،ُىلُُكانتُإلىُبيتُالمقدسُأكُإلىُمكة،ُعلىُقولين،ُ فقالتُطائفة:ُإلىُبيتُالمقدسُكبالمدينةُسبعةُعشرُشهرا،ُثمُصرفوُاللهُتعالىُإلىُالكعبة،ُقالوُابنُعباس.ُكقاؿُآخركف:ُ أكؿُم اُافترضتُالصلاةُعليوُإلىُالكعبة ،ُكلمُيزؿُيصليُإليهاُطوؿُمقاموُبمكةُعلىُماُكانتُعليوُصلا ةُإبراىيمُ كإسماعيل،ُفلماُقدـُالمدينةُصلىُإلىُبيتُالمقدسُستةُعشرُشهراُأكُسبعةُعشرُشهرا،ُعلىُالخلاؼ،ُثمُصرُ فوُاللهُ إلىُالكعبة.ُقاؿُأبوُعمر:ُكىذاُأصحُالقولينُعندم.ُقاؿُغيره:ُكذلكُأفُالنبيُ ُلماُقدـُالمدينةُأرادُأفُيستألفُ اليهودُفتوجوُإلىُقبلتهمُليكوفُذلك ُأدعىُلهم،ُفلماُتبينُعنادىمُكأيسُمنهمُأحبُأفُيحوؿُإلىُالكعبةُفكافُينظرُإلىُ السماء،ُككانتُمحبت وُإلىُالكعبةُلأنهاُقبلةُإبراىيم،ُعنُابنُعباس.ُكقيل:ُلأنهاُكانتُأدعىُللعربُإلىُالإسلاـ،ُكقيل:ُ مخالفةُلليهود،ُعنُمجاىد.ُكركمُعنُأبيُالعاليةُالرياحيُأنوُقاؿ:ُكانتُمسجدُصالحُعليوُالسلاـُكقبلتوُإلىُالكعبة ُ (ّ)،ُقاؿ:ُككافُموسىُعليوُال سلاـُيصليُإلىُالصخرةُنحوُالكعبة،ُكىيُقبلةُالأنبياءُكلهم ،ُصلواتُاللهُعليهمُأجمعين.ُ ُقاؿُالسعدم:ُكدلتُالآيةُعلىُأنوُلَُّيعترضُعلىُأحكاـُالله،ُإلَُّسفيوُجاىلُمعاند،ُكأماُالرشيدُالمؤمنُالعاقل،ُ فيتلقىُأحكاـُربوُبالقبوؿ،ُكالَّنقياد،ُكالتسليمُكماُقاؿُتعالى:ُ يكوفُلهمُالخيرةُمنُأمرىم،ُ{ دعواُإلىُاللهُكرسولوُليحكمُبينهمُأفُيقولواُسمعناُكأطعنا:ُ{لسفهاءُماُيغنيُعنُردُقولهم،ُكعدـُ المبالَّةُبو.ُ -ُ راجع البخارم صٓ، كتاب الإيماف، باب َّ: الصلبة مف الإيماف ... ، حديث رقـ َْ، كراجع صحيح مسمـ صٕٗٓ، كتاب المساجد، باب ِ: تحكيؿ القبمة مف المقدس إلى الكعبة، حديث رقـ ُُٕٕ [ُِ]ِٓٓ. -ِأخرجو البخارم صُٓ، كتاب الكضكء، باب ُْ: التبرز في البيكت، حديث رقـ ُْٖ، كأخرجو مسمـ صِّٕ - ِْٕ، كتاب الكضكء، باب ُٕ: الاستطابة، حديث رقـ ُِٔ [ِٔ]ِٔٔ. ّ- العبارة ىنا غير كاضحة كالذم في تفسير الطبرم ( ِ/ُِطبع بكلاؽ): ((....قاؿ الربيع: إف ييكد يان خاصـ أبا العالية فقاؿ: إف مكسى عميو السلبـ كاف يصمي الى صخرة بيت المقدس، فقاؿ أبك العالية: كاف يصمي عند الصخرة الى البيت الحراـ. قاؿ قاؿ: فبيني كبينؾ مسجد صالح فإنو نحتو مف الجبؿ، ق اؿ أبك العالية: قد صميت فيو كقبمتو الى البيت الحراـ، قاؿ الربيع: كأخبرن ي أبك العالية أنو مرٌ عمى مسجد ذم القرنيف كقبمتو الى الكعبة)).

عدد الصفحات ٥٤٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى -559 - سورة البقرة الجزء الثاني كلكنوُتعالىُمعُىذاُلمُيترؾُىذهُالشبهة،ُحتىُأزالهاُككشفهاُمماُسيعرضُلبعضُالقلوبُمنُالَّعتراض،ُفقاؿُتعالى:ُ {ُلهمُمجيبا:ُ{.ُ قاؿُابنُالعثيمين:ُ{قلُللهُالمشرؽُكالمغرب}؛ُ{لله}:ُخبرُمقدـ؛ُك{المشرؽ}ُمبتدأُمؤخر؛ُكتقديمُالخبرُكىوُحقوُ التأخيرُيفيدُالحصر؛ُيعني:ُللهُكحدهُالمشرؽ،ُكالمغرب؛ فهوُالذمُيوجو ُإفُشاءُإلىُالمشرؽ؛ُكإفُشاءُإلىُالمغرب؛ُ كإفُشاءُإلىُالشماؿ؛ُكإفُشاءُإلىُالجنوب؛ُكخصُالمشرؽ،ُكالمغرب؛ُلأفُمنهماُتطلعُالشمس،ُكتغرب؛ُك{المشرؽ}:ُ مكافُشركؽُالشمس،ُكالقمر،ُكالنجوـ؛ُك{المغرب}ُمحلُغركبها.ُ قاؿُالسعدم:ُأم:ُفإذاُكافُالمشرؽُكالمغربُملكاُلله،ُليسُجهةُمنُالجهاتُخارجةُعنُملكو،ُكمعُىذاُيهدمُمنُ يشاءُإلىُصراطُمستقيم،ُكمنوُىدايتكمُإلىُىذهُالقبلةُالتيُىيُمنُملةُأبيكمُإبراىيم،ُفلأمُشيءُيعترضُالمعترضُ بتوليتكمُقبلةُداخلةُتحتُملكُالله،ُلمُتستقبلواُجهةُليستُملكاُلو؟ُفهذاُيوجبُالتسليمُلأمره،ُبمجردُذلك،ُفكيفُ كىوُمنُفضلُاللهُعليكم،ُكىدايتوُكإحسانو،ُأفُىداكمُلذلكُفالمعترضُعليكم،ُمعترضُعلىُفضلُالله،ُحسداُلكمُ كبغيا.ُ قاؿُابنُالعثيمين:ُ{يهدمُمنُيشاء}ُأمُيدؿ،ُكيوفق؛ُك{منُيشاء}ُمفعوؿُ{يهدم}؛ُكىيُعامة؛ُكلكنُكلُشيءُقيدُ بمشيئةُاللهُفهوُمقركفُبالحكمة:ُيهدمُمنُيشاءُممنُىوُأىلُللهداية؛ُك«المشيئة»ُىيُالإرادةُالكونية:ُفماُشاءُاللهُ كاف؛ُكماُلمُيشأُلمُيكن.ُ قولوُتعالى:ُإلىُصراطُمستقيم}؛ُ«الصراط»ُالطريقُالواسعُالذمُيسهلُسلوكو؛ ُكالمرادُبوُىناُشريعةُاللهُالتيُشرعها ُ لعباده،ُك«المستقيم»ُالذمُلَُّاعوجاجُفيو.ُ قاؿُالقرطبي:ُفيُىذهُالآيةُدليلُكاضحُعلىُأفُفيُأحكاـُاللهُتعالىُككتابوُناسخاُكمنسوخا ،ُكأجمعتُعليوُالأمةُإلَُّمنُ شذ،ُكماُتقدـ.ُكأجمعُالعلماءُعلىُأفُالقبلةُأكؿُماُنس خُمنُالقرآف.ُ كدلتُأيضاُعلىُجوازُنسخُالسنةُبالقرآف،ُكذلكُأفُالنبيُ ُصلىُنحوُبيتُالمقدس،ُكليسُفيُذلكُقرآف،ُفلمُيكنُ الحكمُإلَُّمنُجهةُالسنةُثمُنسخُذلكُبالقرآف،ُكعلىُىذاُيكوف:ُ"كنتُعليها"ُبمعنىُأنتُعليها.ُكفيهاُدليلُعلىُأفُ منُلمُيبلغوُالناسخُإنوُمتعبدُبالحكمُالأكؿ،ُخلافاُلمنُقاؿ:ُإفُالحكمُالأكؿُيرتفعُبوجودُالناسخُلَُّبالعلمُبو،ُكالأكؿُ أصح،ُلأفُأىلُقباءُلمُيزالواُيصلوفُإلىُبيتُالمقدسُإلىُأفُأتاىمُالآتيُفأخبرىمُبالناسخُفمالواُنحوُالكعبة.ُفالناسخُ إذاُحصلُفيُالوجودُفهوُرافعُلَُّمحالةُلكنُبشرطُالعلمُبو،ُلأفُالناسخُخطاب،ُكلَُّيكوفُخطاباُفيُحقُمنُلمُيبلغو. كفيهاُدليلُعلىُقبوؿُخبرُالواحدُ،ُكىوُمجمعُعليوُمنُالسلفُمعلوـُبالتواترُمنُعادةُالنبيُ ُفيُتوجيهوُكلَّتوُكرسلوُ آحاداُللأفاؽ،ُليعلمواُالناسُدينهمُفيبلغوىمُسنةُرسولهمُ ُمنُالأكامرُكالنواىي.ُكفيهاُدليلُعلىُأفُالقرآفُكافُينزؿُ

عدد الصفحات ٥٥٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى -565 - سورة البقرة الجزء الثاني علىُرسوؿُاللهُ ُشيئاُبعدُشيءُكفيُحاؿُبعدُحاؿُ،ُعلىُحسبُالحاجةُإليو،ُحتىُأكملُاللهُدينو،ُكماُقاؿ :ُـىُ أىكٍمىلٍتيُلىكيمٍُدًينىكيمٍ [ّ]ُ ُ (الفوائد)ُ قاؿُابنُالعثيمين:ُمنُفوائدُالآية:ُُ-ُعلمُاللهُتعالىُبماُسيكوف؛ُلقولوُتعالى:ُ{سيقوؿُالسفهاء}.ُ ِ-ُتحققُكقوع ُخبرُاللهُعزُكجل؛ُلأنهمُقالواُذلك.ُ ّ-ُمنُاعترضُعلىُحكمُاللهُفهوُسفيو.ُ ْ-ُتسليةُالنبيُ ،ُكأصحابو،ُحيثُأخبرُاللهُتعالىُأنوُلَُّيعترضُعليوُفيُذلكُإلَُّسفيو.ُ ٓ-ُإعلاـُالمرءُبماُيتوقعُأفُيكوفُليستعدُلو؛ُكمنُذلكُأفُالنبيُ ُلماُبعثُمعاذُبنُجبلُإلىُاليمنُقاؿُلو:ُ«إنكُ تأتيُقوماُأىلُكتاب»؛ُليكوفُمستعدا(ُ).ُ ٔ-ُجوازُتعليلُالأحكاـُالشرعية ُبمقتضىُالربوبيةُلإسكاتُالناسُحتىُلَُّيحصلُمنازعة؛ ُإذاُقاؿُأحد:ُلماذاُكذا؟ُ قلت:ُاللهُربكُيفعلُماُيشاء،ُكيحكمُماُيريد؛ُ«لماذاُأحلُكذا،ُكحرـُكذا؟»ُتقوؿ:ُلأنوُربك؛ُ«لماذاُتوجو ُالناسُمنُ المشرؽُإلىُالمغرب؛ُمنُالمغربُإلىُالمشرؽ؛ُمنُبيتُالمقدسُإلىُالكعبة؟»ُقلت:ُلأفُذلكُبمقتضىُربوبيةُالله:ُ{للهُ المشرؽُكالمغرب}.ُ ٕ-ُأفُالعدكُيحتجُعلىُعدكهُبماُيثيرُنعرتو،ُكيلزمو؛ُلقولوُتعالى:ُ{عنُقبلتهم}؛ُلمُيقولوا:ُعنُالقبلة؛ُكأنهمُيقولوف:ُ كنتمُتتولوفُذلكُفماُالذمُصرفكمُعنو؟!!ُكىكذاُقدُيثيرُشعورُالإنسافُحتىُيبقىُعلىُماُىوُعليو،ُككأنهم ُقالوا:ُ بالأمسُتختاركنها،ُكاليوـُتنكركنها،ُكتنبذكنها؛ُفالخصمُدائماُيهيجُخصموُبماُيثيرُنعرتو؛ُليوافقوُفيماُذىبُإليو.ُ ٖ-ُعموـُملكُاللهُعزُكجل؛ُلقولوُتعالى:ُ{للهُالمشرؽُكالمغرب}؛ُفهوُالمالكُسبحانوُكتعالىُللجهاتُيصرؼُإليهاُ العبادُكيفُيشاء؛ُكنحنُليسُعليناُإلَُّالسمع،ُكالطاعة؛ُأينماُكجهناُتوجهنا؛ُىذاُالمهم؛ُلَُّأفُتتجوُإلىُكذا،ُأكُإلىُ كذا؛ُفالسجودُلغيرُاللهُشرؾ؛ُككاف ُبالنسبةُللملائكةُحينُأمرىمُاللهُبالسجودُلآدـُطاعة،ُكعبادة؛ُكقتلُالنفسُبغيرُحقُ كلَُّسيماُقتلُالولدُمنُأكبرُالكبائر؛ُكحين ُأمرُاللهُتعالىُإبراىيمُأفُيذبحُابنوُكافُقربة،ُكعبادة؛ُفالَّعتبارُبطاعةُاللهُ سبحانوُكتعالى.ُ -ُأخرجو البخارم صُُٖ، كتاب الزكاة، باب ّٔ: أخذ الصدقة مف الأغنياء ...، حديث رقـ ُْٔٗ؛ كأخرجو مسمـ صْٖٔ، كتاب الإيماف، باب ٕ: الدعاء إلى الشيادتيف كشرائع الإسلبـ، حديث رقـ ُُِ [ِٗ]ُٗ.

عدد الصفحات ٥٥١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى -565 - سورة البقرة الجزء الثاني ٗ-ُإثباتُمشيئةُالله؛ُلقولوُتعالى:ُ{يهدمُمنُيشاء}.ُ فإفُقاؿُقائل:ُىلُفيُذلكُحجةُللجبريةُفيُقولهم:ُإفُالعبدُمجبرُعلىُعملو؟ُ فالجواب:ُأنوُلَُّحجةُلهمُفيُذلك؛ُلأفُالَّحتجاجُببعضُالقرآفُدكفُبعضُكفرُبو؛ُفالقرآفُمنُمتكلمُكاحد؛ُفمطلقوُ فيُموضعُيقيدُفيُموضعُآخر؛ُبلُإفُسنةُالرسوؿُ ُتقيدُالقرآف،ُكتبينو،ُكتخصصو؛ُفإذاُلَُّدليلُفيُىذهُالآيةُللجبريةُ إلَُّمنُنظرُبعينُأعور؛ُلأفُالأعورُينظرُمنُجانبُالعينُالصحيحة؛ُلكنُمنُجانبُالعينُالعوراءُلَُّيرل؛ ُكالواجبُأفُ ينظرُالإنسافُإلىُالنصوصُبعينينُثاقبتين؛ُكليسُبعينُكاحدة؛ُكقدُدلتُالنصوصُمنُالكتاب،ُكالسنةُعلىُأفُالإنسافُلوُ إرادة،ُكاختيار،ُكقدرة،ُكأضافتُأعمالوُإليو؛ُكحينئذُلَُّيمكنُأفُيكوفُمجبرا.ُ َُ-ُأفُالهدايةُبيدُالله؛ُلقولوُتعالى:ُ{يهدمُمنُيشاء}.ُُ ُُ-ُأفُىدلُىذهُالأمةُإلىُالقبلةُالتيُيرضاىاُالرسوؿُ .ُ ُِ-ُالثناءُعلىُىذهُالأمة؛ُلأنهاُالتيُعلىُصراطُمستقيم؛ُلأفُأكؿُمنُيدخلُفيُقولوُتعالى:ُ{يهدمُمنُيشاءُإلىُ صراطُمستقيم}ُىؤلَّءُالذينُتولواُعنُبيتُالمقدسُإلىُالكعبة.ُ ُّ-ُأفُمعارضةُالشرع ُكماُأنوُسفو،ُفهوُأيضاُضلاؿ؛ُلأفُالشرع ُىوُالصراطُالمستقيمُكىوُالهداية؛ُكماُسواهُضلاؿ،ُ كاعوجاج.ُ ُْ-ُفضيلةُىذهُالأمة،ُحيثُىداىاُاللهُإلىُاستقباؿُبيتوُالذمُىوُأكؿُبيتُكضعُالناس.ُ ُ كىكىذىلًكىُُجىعىلٍنىاكيمٍُُأيمَّةنُُكىسىطناُلًتىكيونيواُشيهىدىُاءىُُعىلىىُالنَّاسًُُكىيىكيوفىُُالرَّسيوؿيُُعىلىيٍكيمٍُُشىهًيدناُكىمىاُجىعىلٍنىاُ الٍقًبػٍلىةىُُالَّتًيُكينٍتىُُعىلىيػٍهىاُإًلََُُّّلًنػىعٍلىمىُُمىنٍُُيػىتَّبًعيُُالرَّسيوؿىُُمًمَّنٍُُيػىنػٍقىلًبيُُعىلىىُعىقًبػىيٍوًُُكىإًفٍُُكىانىتٍُُلىكىبًيرىةنُُإًلََُُّّ عىلىىُالَّذًينىُُىىدىلُاللَّويُُكىمىاُكىافىُُاللَّويُُلًييضًيعىُُإًيمىانىكيمٍُُإًفَُُّاللَّوىُُبًالنَّاسًُُلىرىءيكؼهُُرىحًيمهُ ُ(ُّْ)ُُ ُ قاؿُالشيخُمقبلُفيُالصحيحُالمسند:ُقاؿُالإماـُالبخارمُرحموُاللهُفيُالتفسيرُج ُٗصُِّٕحدثناُأبوُنعيمُسمعُ زىيراُعنُأبيُإسحاؽُعنُالبراءُ ُأفُالنبيُ ُصلىُإلىُبيتُالمقدسُستةُعشرُشهراُأكُسبعةُعشرُشهرا.ُككافُ يعجبوُأفُتكوفُقبلتوُقبلُالبيتُكأنوُصلىُأكُصلاىاُصلاةُالعصرُكصلىُمعوُقوـُفخرجُرجلُممنُكافُصلىُمعوُفمرُ علىُأىلُالمسجدُكىمُراكعوفُقاؿ:ُأشهدُباللهُلقدُصليتُمعُالنبيُ ُقبلُمكةُفداركاُكماُىمُقبلُالبيتُككافُالذمُ

عدد الصفحات ٥٥٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى -565 - سورة البقرة الجزء الثاني ماتُعلىُالقبلةُقبلُالبيتُرجاؿُقتلواُفلمُندرُماُنقوؿُفيهمُفأنزؿُاللهُ { لىرىؤيكؼهُرىحًيمه .ُ الحديثُأخرجوُالبخارمُأيضاُفيُكتابُالإيمافُج ُُصَُُّكقاؿُالحاف ُفيُالفتحُج ُُصَُُْكالمصنفُفيُ التفسيرُمنُطريقُالثورمُع نُأبيُإسحاؽُسمعتُالبراءُفأمنُماُيخشىُمنُتدليسُأبيُإسحاؽ.ُكأخرجوُأبوُداكدُ الطيالسيُجُُصُٖٓكابنُسعدُقسمُُِمنُالمجلدُُُصُٓكابنُجريرُمنُحديثُالبراءُكابنُعباسُجُِصُٕ.ُ كمنُحديثُابنُعباسُأخرجوُالترمذمُج ُْصَُٕكقاؿُحسنُصحيحُكأبوُداكدُجُْصُّْٓكالطيالسيُجُِصُُِ كالحاكمُجُِصُِٗٔكقاؿُصحيحُالإسنادُكأقرهُالذىبي.ُ قاؿُابنُالعثيمين:ُ{ككذلك ُجعلناكمُأمةُكسطا}؛ُالكاؼُىناُاسمُبمعنىُ«مثل»ُفيُمحلُنصبُعلىُالمفعوليةُالمطلقةُ أم:ُمثلُذلك؛ُكالمشارُإليوُماُسبق؛ُكىوُجعلُالقبلةُإلىُالكعبة؛ُأم:ُمثلُىذاُالجعلُالذمُجعلناُلكمُكىوُاتجاىكمُ إلىُالقبلةُجعلناكمُأمةُكسطا.ُ كقولوُتعالى:ُجعلناكم}ُأمُصيرناكم؛ُكُالكاؼُمفعولوُالأكؿ؛ُك{أمة}ُمفعولوُالثاني؛ُك{أمة}ُىناُبمعنىُجماعة؛ُكتطلقُ فيُالقرآفُعلىُأربعةُمعاف،ُكسبقُبيانها(ُ)؛ُك{كسطا}ُأمُعدلَُّخيارا.ُ قاؿُالسعدم:ُكلماُكافُقولو:ُ {ُكُالمطلقُيحملُعلىُالمقيد،ُفإفُالهدايةُكالضلاؿ،ُ لهماُأسبابُأكجبتهاُحكمةُاللهُكعدلو،ُكقدُأخبرُفيُغيرُموضعُمنُكتابوُبأسبابُالهداية،ُالتيُإذاُأتىُبهاُالعبدُحصلُلوُ الهدلُكماُقاؿُتعالى:ُ ىذهُالأمةُ مطلقاُبجميعُأنواعُالهداية،ُكمنةُاللهُعليهاُفقاؿ: ُ{ُأم:ُعدلَُّخيارا،ُكماُعداُالوسط،ُفأطراؼُ داخلةُتحتُالخطر،ُفجعلُاللهُىذهُالأمة،ُكسطاُفيُكلُأمورُالدين،ُكسطاُفيُالأنبياء،ُبينُمنُغلاُفيهم،ُكالنصارل،ُ كبينُمنُجفاىم،ُكاليهود،ُبأفُ آمنواُبهمُكلهمُعلىُالوجوُاللائقُبذلك،ُككسطاُفيُالشريعة،ُلَُّتشديداتُاليهودُ كآصارىم،ُكلَُّتهاكفُالنصارل. ُ كفيُبابُالطهارةُكالمطاعم،ُلَُّكاليهودُالذينُلَُّتصحُلهمُصلاةُإلَُّفيُبيعهمُككنائسهم،ُكلَُّيطهرىمُالماءُمنُ النجاسات،ُكقدُحرمتُعليهمُالطيبات،ُعقوبةُلهم،ُكلَُّكال نصارلُالذينُلَُّينجسوفُشيئا،ُكلَُّيحرموفُشيئا،ُبلُأباحواُماُ دبُكدرج. ُبلُطهارتهمُأكملُطهارةُكأتمها،ُكأباحُاللهُلهمُالطيباتُمنُالمطاعمُكالمشاربُكالملابسُكالمناكح،ُكحرـُ عليهمُالخبائثُمنُذلك،ُفلهذهُالأمةُمنُالدينُأكملو،ُكمنُالأخلاؽُأجلها،ُكمنُالأعماؿُأفضلها.ُككىبهمُاللهُمنُالعلمُ كالحلم،ُكالعدؿُكالإحساف،ُماُلمُيهبوُلأمةُسواىم،ُفلذلكُكانواُ {كاملين.ُ -ُ(قمت): أنظر تفسير الآية (ُّْ) مف سكرة البقرة.

عدد الصفحات ٥٥٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى -565 - سورة البقرة الجزء الثاني قاؿُابنُالعثيمين:ُ{لتكونواُشهداءُعلىُالناس}؛ُاللاـُفيُقولو:ُ{لتكونوا}للتعليل؛ُكليستُللعاقبة؛ُكالفرؽُبينُلَّـُ العاقبة،ُكلَّـُالتعليل:ُأفُلَّـُالعاقبةُتدخلُعلىُأمرُغيرُمراد؛ُلكنُالنتيجةُآلتُإليو؛ُكلَّـُالتعليلُتدخلُعلىُأمرُمرادُ ليكوفُعلةُللحكم؛ُك{شهداء}ُجمعُشهيد؛ُأمُتشهدكفُعلىُالناسُبأفُالرسلُقدُبلغتهم؛ُفمنهمُمنُآمن،ُكمنهمُمنُ كفر.ُ قاؿُالسعدم:ُبسببُعدالتهمُكحكمهمُبالقسط،ُيحكموفُعلىُالناسُمنُسائرُأىلُالأدياف،ُكلَُّيحكمُعليهمُغيرىم،ُ فماُشهدتُلوُىذهُالأمةُبالقبوؿ،ُفهوُمقبوؿ،ُكماُشهدتُلوُبالرد،ُفهوُمردكد.ُفإفُقيل:ُكيفُيقبلُحكمهمُعلىُ غيرىم،ُكالحاؿُأفُكلُمختصمينُغيرُمقبوؿُقوؿُبعضهمُعلىُبعض؟ُقيل:ُإنماُلمُيقبلُقوؿُأحدُالمتخاصمين،ُلوجودُ التهمةُفأماُإذاُانتفتُالتهمة،ُكحصلتُالعدالةُالتامة،ُكماُفيُىذهُالأمة،ُفإنماُالمقصود،ُالحكمُبالعدؿُكالحق،ُكشرطُ ذلك،ُالعلمُكالعدؿ،ُكىماُموجودافُفيُىذهُالأمة،ُفقبلُقولها.ُ كمنُشهادةُىذهُالأمةُعلىُغيرىم،ُأنوُإذاُكافُيوـُالقيامة،ُكسأؿُاللهُالمرسلينُعنُتبليغهم،ُكالأممُالمكذبةُعنُذلك،ُ كأنكركاُأفُالأنبياءُبلغتهم،ُاستشهدتُالأنبياءُبهذهُالأمة،ُكزكاىاُنبيها. ُ قاؿُالقرطبي:ُكماُثبتُفيُصحيحُالبخارمُعنُأبيُسعيدُالخدرمُقاؿُقاؿُرسوؿُاللهُ :ُ"يدعىُنوحُعليوُالسلاـُيوـُ القيامةُفيقوؿُلبيكُكسعديكُياُربُفيقوؿُىلُبلغتُفيقوؿُنعمُفيقاؿُلأمتوُىلُبلغكمُفيقولوفُماُأتاناُمنُنذيرُفيقوؿُمنُ يشهدُلكُفيقوؿُمحمدُكأمتوُفيشهدكفُأنوُقدُبلغُكيكوفُالرسوؿُعليكمُشهيداُفذلكُقولوُعزُكجلُ{ أيمَّةنُكىسىطانُلًتىكيونيواُشيهىدىاءىُعىلىىُالنَّاسًُكىيىكيوفىُالرَّسيوؿيُعىلىيٍكيمٍُشىهًيدانُكيكوفُالرسوؿُعليكمُشهيدا ،ُكفيوُدليلُعلىُصحةُ الإجماعُككجوبُالحكمُبو ،ُلأنهمُإذاُكانواُعدكلَُّشهدكاُعلىُ الناس.ُفكلُعصرُشهيدُعلىُمنُبعده،ُفقوؿُالصحابةُ حجةُكشاىدُعلىُالتابعين،ُكقوؿُالتابعينُعلىُمنُبعدىم.ُكإذُجعلتُالأمةُشهداءُفقدُكجبُقبوؿُقولهم.ُكلَُّمعنىُلقوؿُ منُقاؿ:ُأريدُبوُجميعُالأمة،ُلأنوُحينئذُلَُّيثبتُمجمعُعليوُإلىُقياـُالساعة.ُكبيافُىذاُفيُكتبُأصوؿُالفقو .ُ قاؿُالسعدم: ُكفيُالآيةُدليلُعلىُأفُإجماعُىذهُالأمة،ُحجةُقاطعة،ُكأنهمُمعصوموفُعنُالخطأ،ُلإطلاؽُقولو:ُ {ُفلوُقدرُاتفاقهمُعلىُالخطأ،ُلمُيكونواُكسطا،ُإلَُّفيُبعضُالأمور،ُكلقولو:ُ {لناسُ يقتضيُأنهمُإذاُشهدكاُعلىُحكمُأفُاللهُأحلوُأكُحرموُأكُأكجبو،ُفإنهاُمعصومةُفيُذلك.ُكفيهاُاشتراطُالعدالةُفيُ الحكم،ُكالشهادة،ُكالفتيا،ُكنحوُذلك.ُ قاؿُابنُالعثيمين:ُ{:ُالنبيُ ُيشهدُعلىُأمتوُبأنوُبلغُالبلاغُالمبين.ُ

عدد الصفحات ٥٥٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى -565 - سورة البقرة الجزء الثاني قاؿُالسعدم:ُفإفُشكُشاؾُفيُفضلها،ُكطلبُمزكياُلها،ُفهوُأكملُالخلق،ُنبيهمُ ،ُفلهذاُقاؿُتعالى:ُ{ الرسوؿُعليكمُشهيدا.ُ ُقاؿُابنُالعثيمين:ُ{كماُجعلناُالقبلةُالتيُكنتُعليها}ُكىيُاستقباؿُبيتُالمقدسُ{إُلنعلمُمنُيتبعُالرسوؿُممنُ ينقلبُعلىُعقبيو}:ُالمرادُعلمُظهور،ُأكُعلمُيترتبُعليوُالجزاء؛ُلأفُعلمُاللهُالكائنُفيُالأزؿُلَُّيترتبُعليوُالجزاءُ حتىُيمتحنُالعبد،ُكينظر؛ُأكُعلمُظهورُأمُعلمُبأفُالشيءُحصل،ُفيعلموُأنوُحاصل؛ُكأماُالعلمُبوُقبلُكقوعوُفهوُعلمُ بأنوُسيحصل؛ُكفرؽُبينُالعلمُبالشيءُأنوُسيحصل،ُكالعلمُبأنوُقدُحصل؛ُكقدُقاؿُبعضُأىلُالمعاني:ُإفُ{لنعلم}ىناُ بمعنىُالماضيُأمُإلَُّلعلمنا؛ُكالمعنى:ُكماُجعلناُالقبلةُالتيُكنتُعليهاُإلَُّلعلمناُمنُيتبعُالرسوؿُممنُينقلبُعلىُ عقبيو؛ُكىذاُكإفُكافُلوُكجو ُمنُحيثُاللف ؛ُكىوُأفُيعبرُبالمضارع ُعنُالماضيُأحياناُلكنوُضعيفُىناُمنُحيثُ المعنى؛ُإذُلَُّحكمةُمنُذلك؛ُلأنوُيكوفُمعنىُالآية:ُكماُجعلناُىذاُإلَُّلأنناُقدُعلمناُمنُيتبعُالرسوؿُممنُينقلبُعلىُ عقبيو؛ُكحينئذ ُيقاؿ:ُإذاُماُالفائدة؟!ُلأنوُلَُّيناسبُأفُاللهُماُجعلُىذهُالقبلةُإلَُّلأنوُقدُعلمُمنُيبقىُعلىُدينو،ُكمنُلَُّ يبقى؛ُفالصوابُالوجهافُالأكلَّف؛ُكأحسنهماُأفُيكوفُالمرادُبالعلمُىناُالذمُيترتبُعليوُالجزاء؛ُلأنوُالواضحُكليسُفيوُ تكلف.ُ قاؿُالسعدم:ُ{أم:ُعلماُيتعلقُبوُالثوابُكالعقاب،ُكإلَُّفهوُتعالىُعالمُبكلُالأمورُقبلُكجودىا.ُ كلكنُىذاُالعلم،ُلَُّيعلقُعليوُثواباُكلَُّعقابا،ُلتماـُعدلو،ُكإقامةُالحجةُعلىُعباده،ُبلُإذاُكجدتُأعمالهم،ُترتبُعليهاُ الثوابُكالعقاب.ُ قاؿُشيخُالإسلاـُفيُمجموعُالفتاكلُج ٖصِِٗ:ُكىأىمَّاُقػىوٍلوُتػىعىالىى:َُ{ لًنػىعٍلىمىُمىنٍُيػىتَّبًعيُالرَّسيوؿىُمًمَُّ نٍُيػىنػٍقىلًبيُعىلىىُعىقًبػىيٍوً .ُكىقػىوٍليوي:ُعٍلىمىُأىمُُّالٍحًزٍبػىيٍنًُأىحٍصىىُلًمىاُلىبًثيواُأىمىدنا [كهف:ُُِ]،ُ كىنىحٍويُذىلًكىُ ،ُفػىهىذىاُىيوىُالٍعًلٍميُالَّذًمُيػىتػىعىلَّقيُبًالٍمىعٍليوـًُبػىعٍدىُكيجيودًهً،ُكىىيوىُالٍعًلٍميُالَّذًمُيػىتػىرىتَّبيُعىلىيٍوًُالٍُ مىدٍحيُكىالذَّـُُّ ،ُكىالثػَّوىابيُ كىالٍعًقىابيُ،ُكىالأٍىكَّؿيُىيوىُالٍعًلٍميُبًأىنَّويُسىيىكيوفيُ ،ُكىميجىرَّديُذىلًكىُالٍعًلٍمًُلَّىُيػىتػىرىتَّبيُعىلىيٍوًُمىدٍحهُكىلَّىُذىـُّّكىلَّىُثػىوىابهُكىلَّىُعًقىابهُ ،ُفىإًفَُّىىذىاُإنَّمىاُ يىكيوفيُبػىعٍدىُكيجيودًُالأٍىفػٍعىاؿً.ُكىقىدٍُريكًمىُعىنٍُابٍنًُعىبَّاسوُأىنَّويُ قىاؿىُفًيُىىذىا:ُلًنػىُ رىل،ُكىكىذىلًكىُالٍميفىسّْريكفىُقىاليوا:ُلًنػىعٍلىمىويُمىوٍجيودناُبػىعٍدىُأىفٍُُ كينَّاُنػىعٍلىميُأىنَّويُسىيىكيوفيُ،ُكىىىذىاُالٍميتىجىدّْديُفًيوًُقػىوٍلَّىفًُمىشٍهيورىافًُلًلنُّظَّارً:ُ ُ مًنػٍهيمٍُمىنٍُيػىقيوؿي:ُالٍميتىجىدّْديُىيوىُنًسٍبىةهُكىإًُ ضىافىةهُبػىيٍنىُالٍعًلٍمًُكىالٍمىعٍليوـًُفػىقىطٍُ ،ُكىتًلٍكىُنًسٍبىةهُعىدىمًيَّةه.ُ ُ كىمًنػٍهيمٍُمىنٍُيػىقيوؿي:ُبىلٍُالٍميتىجىدّْديُعًلٍمهُبًكىوٍفًُالشَّيٍءًُكىكيجيودًهًُ ،ُكىىىذىاُالٍعًلٍميُغىيػٍريُالٍعًلٍمًُبًأىنَّويُسىيىكيوفيُ ،ُكىىىذىاُكىمىاُفًيُقػىوٍلًوً:ُ اعٍمىليواُفىسىيػىرىلُاللَّويُعىمىلىكيمٍُكىرىسيوليويُكىالٍميؤٍمًنيوفى [توبة:َُُٓ]،ُفػىقىدٍُأىخٍبػىرىُبًتىجىدُّدًُالرُّؤٍيىةًُ ،ُفىقًيلىُنًسٍبىةهُعىدىمًيَّةهُ ،ُكىقًيلىُ الٍميتىجىدّْديُأىمٍرهُثػيبيوتًيّّ.ُكىالٍكىلاىـيُعىلىىُالٍقىوٍلىيٍنًُ ،ُكىمىنٍُقىاؿىُىىذىاُكىىىذىا ،ُكىحيجىجيُالٍفىرًيقىيٍنًُقىدٍُبيسًطىتٍُفًيُمىوٍضًعوُآخىرى.ُ ُ

عدد الصفحات ٥٥٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى -565 - سورة البقرة الجزء الثاني كىعىامَّةيُالسَّلىفًُكىأىئًمَّةيُالسُّنَّةًُكىالٍحىدًيثًُ ،ُعىلىىُأىفَُّالٍميتىجىدّْدىُأىمٍرهُثػيبيوتًيُّّكىمىاُدىؿَُّعىلىيٍوًُالنَّصُُّ ،ُكىىىذىاُمًمَّاُىىجىرىُأىحٍمىدُبٍنيُحىنٍبىلوُ الٍحىارًثىُالٍميحىُ اسًبًيَُّعىلىىُنػىفٍيًوًُ ،ُفىإًنَّويُكىافىُيػىقيوؿيُ ُبًقىوٍؿًُابٍنًُكيلاَّبوُفػىرَُّمًنٍُتىجىدُّدًُأىمٍروُثػيبيوتًي ُ ،ُكىقىاؿىُبًلىوىازًـًُذىلًكىُ .ُفىخىالىفىُمًنٍُ نيصيوصًُالٍكًتىابًُكىالسُّنَّةًُ ،ُكىآثىارًُالسَّلىفًُمىاُأىكٍجىبىُظيهيورىُبًدٍعىةوُاقػٍتىضىتٍُأىفٍُيػىُ هٍجيرىهيُالإًٍمىاـيُأىحٍمىد،ُكىييحىذّْرىُمًنٍويُ،ُكىقىدٍُقًيلى:ُإفَُّ الٍحىارًثىُرىجىعىُعىنٍُذىلًكى.ُ ُ كالمتأخركفُمًنٍُأىصٍحىابًُمىالًكوُكىالشَّافًعًيُّْكىأىحٍمىدُبٍنًُحىنٍبىلًُكىأىبًيُحىنًيفىةىُعىلىىُقػىوٍلىيٍنً:ُمًنػٍهيمٍُمىنٍُسىُ لىكىُطىرًيقىةىُابٍنًُكيلاَّبوُ ،ُ كىأىتػٍبىاعًوًُ،ُكىمًنػٍهيمٍُمىنٍُسىلىكىُطىرًيقىةىُأىئًمَُّ ةًُالسُّنَّةًُكىالٍحىدًيثًُ،ُكىىىذىاُمىبٍسيوطهُفًيُمىوٍضًعًوً.ُُ كىالٍمىقٍصيوديُىينىاُأىفَُّتػىقىدُّـىُعًلٍمًُاللَّوًُكىكًتىابىتًوًُلأًىعٍمىاؿًُالٍعًبىادًُحىقُّّ ،ُكىالٍقىوٍؿيُبًحيديكثًُذىلًكىُقػىوٍؿهُمىهٍجيُ ورهُ،ُُكىمىاُقىالىويُالنَّاظًميُإفٍُكىافىُقىدٍُ أىرىادىُذىلًكىُ،ُكىلىيٍسىُفًيُذىلًكىُمىاُيػينىافًيُأىمٍرىُاللَّوًُكىنػىهٍيىويُ ،ُفىإًفَُّكىوٍنىويُخىالًقناُلأًىفػٍعىاؿًُالٍعًبىادًُلَّىُيػينىافًيُالأٍىمٍرىُكىالنػَّهٍيى.ُفىكىيٍفىُالٍعًلٍميُ الٍميتػىقىدّْـيُ،ُكىلىيٍسىُفًيُذىُ لًكىُمىاُيػىقٍتىضًيُكىوٍفىُالٍعىبٍدًُمىجٍبيورناُلَّىُقيدٍرىةىُلىويُ .ُكىلَّىُفًعٍلىُكىمىاُتػىقيوليويُالٍجىهٍمًيَّةُالٍميجٍبًرىةي. ُ قاؿُابنُالعثيمين:ُ{ممنُينقلب}؛ُمثل:ُليميزُاللهُالخبيثُمنُالطيب}[الأنفاؿ:ُّٕ]؛ُفقالوا:ُإفُمثلُىذاُالتقييدُ يدؿُعلىُأفُىذاُالفعلُللتمييزُأمُلنميزُمنُيتبعُممنُينقلبُعلىُعقبيو؛ُكليسُىذاُببعيدُأفُيكوفُالفعلُضمنُمعنىُ «نميز»ُمعُأنوُداؿُعلىُالعلم؛ُإذُلَُّتمييزُإلَُّبعدُالعلم؛ُكالفعلُإذاُضمنُمعنىُفعلُآخرُفإنوُيدؿُعلىُمعناهُالأصلي،ُ كعلىُمعناهُالمضمن.ُ كقولوُتعالى:ُكماُجعلنا}:ُما}ُنافية؛ُك{جعلنا}ُيحتملُأفُتكوفُبمعنىُ«صيرنا»؛ُأكُبمعنىُ«شرعنا »؛ُفعلىُالَّحتماؿُ الأكؿُتحتاجُإلىُمفعولين؛ُكعلىُالثانيُلَُّتحتاجُإلىُمفعولين؛ُك«الجعل»ُيأتيُبمعنىُالشرع ُفيُالقرآفُالكريم،ُكماُفيُ قولوُتعالى:ُماُجعلُاللهُمنُبحيرةُكلَُّسائبةُكلَُّكصيلةُكلَُّحاـ}[المائدة:َُُّ]،ُأمُماُشرع؛ ُكعلىُىذاُالمعنىُلَُّ يبقىُفيُالآيةُأمُإشكاؿ؛ُيعني:ُماُشرعنا ُالقبلةُالتيُكنتُعليهاُكىيُاتجاىكُإلىُبيتُالمقدسُإلَُّلنعلمُمنُيتبعُ الرسوؿُإذاُصرفناؾُعنهاُممنُينقلبُعلىُعقبيو؛ُأماُعلىُاحتماؿُأفُتكوفُبمعنىُ«صيرنا»ُفإنهاُتحتاجُإلىُمفعولين؛ُ الأكؿ:ُ{القبلة}؛ُكالتقدير:ُكماُصيرناُالقبلةُالتيُكنتُعليهاُقبلة.ُ كقولوُتعالى:ُإلَُّلنعلمُمنُيتبعُالرسوؿ}؛ُ{إ}ُأداةُحصر؛ُكىذاُالَّستثناءُمنُأعمُالأحواؿ؛ُإذاُكافُالَّستثناءُمفرغا ُ يقولوف:ُإنوُاستثناءُمنُأعمُالأحواؿُيعني:ُماُجعلناُبأمُحاؿُمنُالأحواؿُىذهُالقبلةُإلَُّلهذهُالحاؿُفقطُلنعلمُمنُيتبع؛ُ كالمرادُبػُ{الرسوؿ}ُمحمدُ ؛ُكأظهرُكصفوُفيُموضعُالإضمارُتنويهاُبصدقو،ُكحثاُعلىُإتباعو؛ُإذُمقتضىُالسياؽُلولَُّ ذلكُأفُيقاؿ:ُإلَُّلنعلمُمنُيتبعو.ُ

عدد الصفحات ٥٥٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى -566 - سورة البقرة الجزء الثاني كالأصلُفيُ«الإتباع »ُالمشيُخلفُالإنساف؛ُكىوُيختلفُباختلاؼُالسياؽ:ُإفُتعلقُبأمورُحسيةُفمعناه:ُأنكُتمشيُ خلفوُفيُالشارع، ُكماُأشبوُذلك؛ُكإفُتعلقُبأمورُمعنويةُيكوفُالمرادُبوُالتأسيُبأفعالو،ُكأقوالو؛ُكىناُعلقُبأمورُمعنوية؛ُ فيكوفُالمرادُبوُالتأسيُبأقوالوُكأفعالو.ُ كقولوُتعالى:ُممنُينقلبُعلىُعقبيو}ُأشدُمماُلوُقاؿ:ُممنُلمُيتبعُالرسوؿ؛ُلأفُالَّنقلابُعلىُالعقبُأشدُنفورُ ا،ُ كاستنكاراُممنُكقف.ُ قاؿُالسعدم:ُأم:ُشرعناُتلكُالقبلةُلنعلمُكنمتحنُ{كيؤمنُبو،ُفيتبعوُعلىُكلُحاؿ،ُلأنوُعبدُمأمورُ مدبر،ُكلأنوُقدُأخبرتُالكتبُالمتقدمة،ُأنوُيستقبلُالكعبة،ُفالمنصفُالذمُمقصودهُالحق،ُمماُيزيدهُذلكُإيمانا،ُ كطاعةُللرسوؿ.ُ كأماُمنُانقلبُعلىُعقبيو،ُكأعرضُعنُالحق،ُكاتبعُىواه،ُفإنوُيزدادُكفراُإلىُكفره،ُكحيرةُإلىُحيرتو،ُكيدليُبالحجةُ الباطلة،ُالمبنيةُعلىُشبهةُلَُّحقيقةُلها.ُ قاؿُابنُالعثيمين:ُ{كإفُكانتُلكبيرة}؛ُالضميرُيعودُعلىُالواقعة؛ُيعني:ُكإفُكانتُىذهُالواقعةُكىيُتحويلُالقبلةُ لكبيرة؛ُك{إف}ُىناُمخففةُمنُالثقيلة؛ُكاسمهاُضميرُالشأف؛ُكالتقدير:ُكإنهاُكانتُلكبيرة؛ُكُاللاـُىناُللتوكيد؛ ُكيجوزُأفُ نقوؿ:ُإنهاُللفصلُبينُ«إف»ُالنافية،ُك«إف»ُالمخففة؛ُك{كبيرة}ُأمُعظيمةُشاقة؛ُفالكبرُيرادُبوُالشيءُالشاؽُالعظيم؛ُ كمنوُقولوُ ُفيُصاحبيُالقبرين:ُ«إنهماُليعذبافُكماُيعذبافُفيُكبير»(ُ)،ُأمُفيُأمرُشاؽُعليهما.ُ قولوُتعالى:ُإلَُّعلىُالذينُىدلُالله}؛ُ{الذين}ُاسمُموصوؿ؛ُكالعائدُضميرُمنصوبُمحذكؼ؛ُكالتقدير:ُإلَُّعلىُالذينُ ىداىمُالله؛ُكالمرادُبالهدايةُىناُىدايةُالعلم،ُكىدايةُالتوفيق؛ُأماُكونهاُىدايةُالعلمُفلأفُالذينُيخشوفُاللهُىمُالعلماء،ُ كماُقاؿُاللهُتعالى:ُإنماُيخشىُاللهُمنُعبادهُالعلماء}[فاطر:ُِٖ]،ُأمُالعلماءُبو،ُكبأسمائو،ُكصفاتو،ُكبأحكامو؛ُىذهُ ىيُىدايةُالعلم؛ُلأنهمُإذاُعلمواُخشواُاللهُسبحانوُكتعالى،ُكلمُيكرىواُشريعتو،ُكلمُيكبرُذلكُعليهم،ُكلمُيشق؛ُكذلكُ ىدايةُالتوفيقُكىيُالمهمة:ُإذاُكفقُالعبدُللانقيادُللهُسبحانوُكتعالىُسهلُعليوُدينو،ُكصارُأيسرُعليوُمنُكلُشيء،ُكماُ قاؿُتعالى:ُفأماُمنُأعطىُكاتقىُ*ُكصدؽُبالحسنىُ*ُفسنيسرهُلليسرل }[الليل:ُٓ-ٕ].ُ قولوُتعالى:ُىدلُالله}ُأضاؼُالفعلُإلىُنفسو؛ُلأفُكلُشيءُبقضاءُالله،ُكقدره.ُ -ُأخرجو البخارم صَِ، كتاب الكضكء، باب، حديث رقـ ُِٖ، كأخرجو مسمـ صِٕٕ، كتاب الطيارة، باب ّْ: الدليؿ عمى نجاسة البكؿ ككجكب الاستبراء منو، حديث رقـ ٕٕٔ [ُُُ]ِِٗ.

عدد الصفحات ٥٥٧