المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٤٠ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 524 - سورة البقرة الجزء الاول والختاف، وغير ذلك من شرادع الإسلاـ، تعب دًا بو أبدًا إلى قياـ الساعة. وجعل ما سنّ من ذلك عَلَمًا مميػّزًا بين مؤمني عباده وكفارىم، والمطيعِ منهم لو والعاصي. فسمِّي الحنيفُ من الناس "حنيفًا" بإتباعو ملتو، واستقامتو على ىديو ومنهاجو، وسُمِّي الضاؿ من ملتو بسادر أسماء الملل، فقيل: "يهودي، ونصرانيّ، ومجوسيّ "، وغير ذلك من صنوؼ الملل. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وما كاف من المشركين } :ىذا توكيد لقولو تعالى: {حنيفا}؛ لأف «الحنيف» المادل عما سوى التوحيد؛ مأخوذ من حنف الذدب أي ميلو؛ فهو مادل عن كل ما سوى التوحيد؛ إذا {وما كاف من المشركين } يكوف توكيدا لهذه الحاؿ توكيدا معنويا لا إعرابيا؛ يعني أنو ما كاف فيما مضى من المشركين، ولا فيما يستقبل؛ لأف «كاف» لا تدؿ على الحدث؛ تدؿ على اتصاؼ اسمها بخبرىا، مثل{ :وكاف الله غفورا رحيما [ }النساء: ٜٙ]؛ فقولو تعالى: {وما كاف} يعني أف ىذا الوصف منتف عنو؛ وقولو تعالى: {من المشركين } يعم انتفاء الشرؾ الأصغر والأكبر عنو؛ ىذه ىي الملة التي يتبعها الرسوؿ ، ونتبعها نحن إف شاء الله سبحانو وتعالى؛ ونرجو الله عز وجل أف نموت عليها؛ ىذه ىي الملة الحنيفية الحقيقية التي توصل العبد إلى ربو، كما قاؿ تعالى{ :وأف ىذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرؽ بكم عن سبيلو[ }الأنعاـ: ٖ٘ٔ]. قاؿ شيخ الإسلاـ في تفسير آيات أشكلتٔ\ٕٔٛ-ٕٚٛ): وأما اليهودية والنصرانية المتضمنة للمنسوخ المبدؿ وىي التي عليها اليهود والنصارى الذين كذبوا محمدًا فهذه ليست دين أحدٍ من الأنبياء لا موسى ولا عيسى ولا غيرىما فإذا قاؿ أىل الكتاب للمسلمين {كُونُوا ىُودًا أَوْ نَصَارَى}فقد أمرىم الله أف يقولوا {بَلْ مِلَّةَ إِبػْرَاىِيمَ حَنِيفًا}ف يجوز لنا إتباع ما اختص بو أىل التوراة والإنجيل من الشرع المنسوخ فكيف بالمبدؿ بل نتبع ملة إبراىيم وىي عبادة الله وحده بما أمر بو وىي التي كاف عليها موسى وعيسى لكن كاف لهم شرع اختصوا بو دوف إبراىيم وكاف من الدين في حق أولئك الذين أمروا بو خاصة وإبراىيم ومن كاف قبلو لم يؤمروا بو وكذ لك محمد ومن آمن بو لم يؤمروا بتلك الآصار والأغلاؿ بل رفعت عنهم كما كانت مرفوعة عن إبراىيم ولهذا قاؿ عليو السلاـ بُعِثت بالحنيفية السمحة. وقاؿ لا رىبانية في الإسلاـ. وقاؿ إياكم والغلو في الدين فإنما أىلك من كاف قبلكم الغلو في الدين. ولما رأى بيد عمر ورقة من التوراة قاؿ والذي نفسي بيده لو كاف موسى حيًّا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم. وقاؿ كفى بقوـٍ ضلالة أف يتبعوا كتابًا غير كتابهم أنزِؿَ إلى نبي غير نبيهم. ورُوي عنو أيضًا لو كاف موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي. فقد تبين أف اليهود والنصارى فيهم سعيد وىم المتبعوف شرع التوراة والإنجيل قبل النسخ والتبديل وفيهم من ىو مستحق العذاب ومع ىذا نحن منهيوف أف نتبع اليهودية والنصرانية مطلقًا فإف ما اختص بو السعداء منهم قد نسخ وأما ما اختص بو الأشقياء فهو مبدؿ أو منسوخ تمسكوا بو بعد النسخ وما كاف مشروعًا كاف داخلاً في مسمى الإسلاـ والحنيفية لما كاف مشروعًا فلما نسخ لم يبق داخلاً في الإسلاـ ولا في الحنيفية ملة إبراىيم والمُبَدَّؿ بطريق الأولى.

عدد الصفحات ٥٢٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 525 - سورة البقرة الجزء الاول ولهذا قاؿ الله تعالى {وَقَالُوا كُونُوا ىُودًا أَوْ نَصَارَى تػَهْتَدُوا}إلى قولو {وَإِفْ تػَوَلَّوْا فَإِنَّمَا ىُمْ فِي شِقَاؽٍ }وقاؿ {أَـْ تػَقُولُوفَ إِفَّ إِبػْرَاىِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاؽَ وَيػَعْقُوبَ وَالأَْسْبَاطَ كَانُوا ىُودًا أَوْ نَصَارَى} فلم ينكر أف يكوف موسى وىاروف من اليهود ولا أف يكوف المسيح والحواريوف نصارى لكن نهى عن إتباع ما تختص بو اليهودية والنصرانية مطلقً ا وأمر بإتباع ملة إبراىيم لأف ما تختص بو إما منسوخ وإما مبدؿ والذي لا يجوز نسخو ملة إبراىيم وىو عبادة الله وحده بما أمر بو ففي كل زماف يعبده بما أمر بو في ذلك الزماف وىذا ىو دين الإسلاـ الذي لا يقبل الله لا من الأولين ولا من الآخرين دينًا سواه وعليو الأنبياء جميعهم وأتباعهم وىذا العمل ىو العمل الصالح المذكور في قولو {بػَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَوُ لِلَّوِ وَىُوَ مُحْسِنٌ }وقد قاؿ {وَمَنْ يػَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنػْثَى وَىُوَ مُؤْمِنٌ }الآية. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف أىل الباطل يدعوف إلى ضلالهم، ويدعوف فيو الخير؛ {كونوا ىودا أو نصارى} ىذه دعوة إلى ضلاؿ؛ {تهتدوا} :ادعاء أف ذلك خير؛ وىكذا أيضا قد ورث ىؤلاء اليهود من ضل من ىذه الأمة، كأىل البدع في العقيدة، والقدر، والإيماف الذين ادعوا أنهم على حق، وأف من سلك طريقهم فقد اىتدى؛ قاؿ النبي : «لتركبن سنن من كاف قبلكم» (ٔ) . ٕ- أف كل داع إلى ضلاؿ ففيو شبو من اليهود، والنصارى؛ دعاة السفور الآف يقولوف: اتركوا المرأة تتحرر؛ اتركوىا تبتهج في الحياة؛ لا تقيدوىا بالغطاء، وترؾ التبرج، ونحو ذلك؛ أعطوىا الحرية؛ وىكذا كل داع إلى ضلالة سوؼ يطلي ىذه الضلالة بما يغر البليد فهو شبيو باليهود، والنصارى. ٖ- مقابلة الباطل بالحق؛ لقولو تعالى{ :بل ملة إبراىيم حنيفا}؛ إذ لابد للإنساف من أف يسير على طريق؛ لكن ىل ىو حق، أو باطل؟! بين الله أف كل ما خالف الحق فهو باطل في قولو تعالى{ :بل ملة إبراىيم حنيفا} ٗ- الثناء على إبراىيم عليو السلاـ من وجوه ثلاثة: أولا: إمامتو؛ ووجهها: أننا أمرنا بإتباعو؛ والمتبوع ىو الإماـ. ثانيا: أنو حنيف؛ والحنيف ىو المادل عن كل دين سوى الإسلاـ. ثالثا: أنو ليس فيو شرؾ في عملو ؛ لقولو تعالى{ :وما كاف من المشركين } ٘- أف الشرؾ ممتنع في حق الأنبياء؛ لقولو تعالى{ :وما كاف من المشركين } ٙ- أف ملة إبراىيم أفضل الملل؛ وىي التوحيد، والحنيفية السمحة؛ لقولو تعالى{ :بل ملة إبراىيم حنيفا} ٔ- أخرجو أحمد ٘/ٕٛٔ، حديث رقم ٕٕٕٕٗ؛ وأخرجو الترمذي صٔٚٛٔ، كتاب الفتن، باب ٛٔ: ما جاء لتركبن سنن من كان قبمكم، حديث رقم ٕٓٛٔ؛ وأخرجو ابن حبان في صحيحو ٛ/ٕٛٗ، باب: ذكر الأخبار عن إتباع ىذه الأمة سنن من قبميم من الأمم، حديث رقم ٚٙٙٙ، وقال الألباني في صحيح التر مذي: صحيح ٕ/ٖٕ٘، حديث رقم ٔٚٚٔ.

عدد الصفحات ٥٢٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 526 - سورة البقرة الجزء الاول ٚ- أف اليهودية والنصرانية نوع من الشرؾ؛ لأف قولو تعالى{ :وما كاف من المشركين }في مقابل دعوتهم إلى اليهودية والنصرانية يدؿ على أنهما نوع من الشرؾ؛ كل من كفر بالله ففيو نوع من الشرؾ؛ لكن إف اتخذ إلها فهو شرؾ حقيقة، وواقعا؛ وإلا فإنو شرؾ باعتبار إتباع الهوى. قُولُوا آمَنَّا بِاللَّوِ وَمَا أُنْزِؿَ إِلَيػْنَا وَمَا أُنْزِؿَ إِلَى إِبػْرَاىِيمَ وَإِ سْمَاعِيلَ وَإِسْحَاؽَ وَيػَعْقُوبَ وَالأَْسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِي وفَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نػُفَرِّؽُ بػَيْنَ أَحَدٍ مِنػْهُمْ وَنَحْنُ لَوُ مُسْلِمُوفَ (ٖٙٔ) قاؿ البغوي: وَأَخْبػَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِي أَنَ ا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّوِ النَّعِيمِي أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا محمد بن إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ أَنَا عُثْمَافُ بْنُ عُمَرَ، أَنَا عَلِي بْنُ الْمُبَارَؾِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِ ي ىُرَيػْرَةَ قَاؿَ : كاف أىل الكتاب يقرؤوف التػَّوْرَاةَ بِالْعِبػْرَانِيَّةِ وَيػُفَسِّرُونػَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَِىْلِ الإِْسْلاَـِ، فػَقَاؿَ رَسُوؿُ اللَّوِ : «لاَ تُصَدِّقُوا أَىْلَ الْكِتَابِ وَلاَ تُكَذِّبُوىُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّوِ » الآْيَةَ (ٔ). قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :قولوا آمنا بالله} الخطاب للرسوؿ ، وأمتو جميعا؛ والمراد بالقوؿ ىنا القوؿ باللساف، وبالقلب؛ فالقوؿ باللساف: نطقو؛ والقوؿ بالقلب: اعتقاده؛ و «الإيماف» كما سبق ىو التصديق المستلزـ للقبوؿ، والإذعاف؛ والإيماف بالله يتضمن أربعة أمور: الإيماف بوجوده؛ والإيماف بانفراده بالربوبية؛ والألوىية؛ والأسماء، والصفات. قاؿ السعدي: ىذه الآية الكريمة، قد اشتملت على جميع ما يجب الإيماف بو. واعلم أف الإيماف الذي ىو تصديق القلب التاـ، بهذه الأصوؿ، وإقراره المتضمن لأعماؿ القلوب والجوارح، وىو بهذا الاعتبار يدخل فيو الإسلاـ، وتدخل فيو الأعماؿ الصالحة كلها، فهي من الإيماف، وأثر من آثاره، فحيث أطلق الإيماف، دخل فيو ما ذكر، وكذلك الإسلاـ، إذا أطلق دخل فيو الإيماف، فإذا قرف بينهما، كاف الإيماف اسما لما في القلب من الإقرار والتصديق، والإسلاـ، اسما للأعماؿ الظاىرة وكذلك إذا جمع بين الإيماف والأعماؿ الصالحة، فقولو تعالى: {قولوا} أي: بألسنتكم، متواطئة عليها قلوبكم، وىذا ىو القوؿ التاـ، المترتب عليو الثواب والجزاء، فكما أف النطق باللساف، بدوف ٔ- إسناده صحيح. عمى شرط البخاري . وىو في «شرح السنة» ٕ٘ٔ بيذا الإسناد. خرّجو المصنف من طريق البخاري، وىو في «صحيحو» ٘ٛٗٗ عن محمد بن بشار بيذا الإسناد. وأخرجو البخاري ٘ٛٗٗ وٕٖٙٚ وٕٗ٘ٚ والنسائي في «الكبرى » ٖٚٛٔٔ والبييقي في «الشعب» ٕٚٓ٘ من حديث أبي ىريرة . - وفي الباب من حديث أبي نممة عند أبي داود ٖٗٗٙ وعبد الرزاق ٜٕ٘ٓٓ وأحمد (ٗ/ ٖٙٔ) وابن حبان ٕٚ٘ٙ والطبراني في «الكبير» (ٕٕ/ ٗٚٛ- ٜٚٛ) والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (ٔ/ ٖٓٛ) وابن الأثير في «أسد الغابة» (ٙ/ ٖ٘ٔ) والمزي في «تيذيب الكمال» في ترجمة أبي نممة.

عدد الصفحات ٥٢٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 527 - سورة البقرة الجزء الاول اعتقاد القلب، نفاؽ وكفر، فالقوؿ الخالي من العمل عمل القلب، عديم التأثير، قليل الفاددة، وإف كاف العبد يؤجر عليو، إذا كاف خيرا ومعو أصل الإيماف، لكن فرؽ بين القوؿ المجرد، والمقترف بو عمل القلب. وفي قولو{ :قولوا} إشارة إلى الإعلاف بالعقيدة، والصدع بها، والدعوة لها، إذ ىي أصل الدين وأساسو. وفي قولو{ :آمنا} ونحوه مما فيو صدور الفعل، منسوبا إلى جميع الأمة، إشارة إلى أنو يجب على الأمة، الاعتصاـ بحبل الله جميعا، والحث على الادتلاؼ حتى يكوف داعيهم واحدا، وعملهم متحدا، وفي ضمنو النهي عن الافتراؽ، وفيو: أف المؤمنين كالجسد الواحد. وفي قولو{ :قولوا آمنا بالله} إلخ دلالة على جواز إضافة الإنساف إلى نفسو الإيماف، على وجو التقييد، بل على وجوب ذلك، بخلاؼ قولو: "أنا مؤمن "ونحوه، فإنو لا يقاؿ إلا مقرونا بالاستثناء بالمشيئة، لما فيو من تزكية النفس، والشهادة على نفسو بالإيماف. فقولو{ :آمنا بالله}أي: بأنو موجود، واحد أحد، متصف بكل صفة كماؿ، منز ه عن كل نقص وعيب، مستحق لإفراده بالعبادة كلها، وعدـ الإشراؾ بو في شيء منها، بوجو من الوجوه. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وما أنزؿ إلينا} يعني وآمنا بما أنزؿ إلينا؛ فػ {ما} اسم موصوؿ مبني على السكوف في محل جر عطفا على لفظ الجلالة: {ا}؛ وقولو تعالى: {وما أنزؿ إلينا} يشمل القرآف وىو منزؿ ؛ ويشمل السنة أيضا؛ لقولو تعالى{ :وأنزؿ الله عليك الكتاب والحكمة[ }النساء: ٖٔٔ]فإف {الحكمة[ }البقرة: ٜٕٙ] ىي السنة. قاؿ السعدي: فيدخل فيو الإيماف بما تضمنو كتاب الله وسنة رسولو، من صفات الباري، وصفات رسلو، واليوـ الآخر، والغيوب الماضية والمستقبلة، والإيماف بما تضمنو ذلك من الأحكاـ الشرعية الأمرية، وأحكاـ الجزاء وغير ذلك. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وما أنزؿ إلى إبراىيم وإسماعيل وإسحاؽ ويعقوب والأسباط}؛ {إبراىيم} منزؿ إليو؛ لأنو نبي رسوؿ؛ والذي أنزؿ إليو ىي الصحف التي ذكرىا الله تعالى في موضعين من القرآف{ :صحف إبراىيم وموسى[ }الأعلى: ٜٔ]، {أـ لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراىيم الذي وفى[ }النجم: ٖٙ، ٖٚ]؛ و {إسماعيل} نبي منزؿ إليو قطعا؛ ولم نعلم ما الذي أنزؿ إليو بالتحديد؛ و {إسحاؽ ويعقوب} أيضا منزؿ إليهما؛ لكن لم يذكر لنا ما الذي أنزؿ إليهما؛ و {الأسباط} جمع سبط؛ قيل: إنهم أولاد يعقوب، ومنهم يوسف؛ وقيل: ىم الأنبياء الذين بعثوا في أسباط بني إسراديل الذين لم يذكروا بأسمادهم. قاؿ القرطبي: والأسباط: ولد يعقوب عليو السلاـ ، وىم اثنا عشر ولدا ، ولد لكل واحد منهم أمة من الناس ، واحدىم سبط. والسبط في بني إسراديل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل. وسموا الأسباط من السبط وىو التتابع ، فهم جماعة متتابعوف. وقيل : أصلو من السبط "بالتحريك" وىو الشجر ، أي ىم في الكثرة بمنزلة الشجر ، الواحدة

عدد الصفحات ٥٢٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 528 - سورة البقرة الجزء الاول سبطة. قاؿ أبو إسحاؽ الزجاج : ويبين لك ىذا ما حدثنا بو محمد بن جعفر الأنباري قاؿ حدثنا أبو نجيد الدقاؽ قاؿ حدثنا الأسود بن عامر قاؿ حدثنا إسراديل عن سماؾ عن عكرمة عن ابن عباس قاؿ : كل الأنبياء من بني إسراديل إلا عشرة : نوحا وشعيبا وىودا وصالحا ولوطا وإبراىيم وإسحاؽ ويعقوب وإسماعيل ومحمدا ولم يكن أحد لو اسماف إلا عيسى ويعقوب. والسبط : الجماعة والقبيلة الراجعوف إلى أصل واحد وشعر سبط وسبط : غير جعد. قاؿ شيخ الإسلاـ في جامع المسادل (ٖ\ٜٕٚ-ٜٜٕ): الذي يدؿ عليو القراَفُ واللغةُ والاعتبار أف إخوةَ يوسف ليسوا بأنبياء، وليس في القرآف ولا عن النبي - - بل ولا عن أصحابو خبرٌ بأف الله تعالى نبَّأىم. وإنما احتجّ من قاؿ إنّهم نبِّئُوا بقولو في آيتي البقرة والنساء (وَاَلأَسْبَاطِ )، وفسّر الأسباط بأنهم أولاد يعقوب، والصواب أنو ليس المراد بهم أولادُه لصلبو بل ذُرِّيػّتُو، كما يقاؿ فيهم أيضا "بنو إسراديل"، وكاف في ذريتو الأنبياء، فالأسباط من بني إسراديل كالقبادل من بني إسماعيل. قاؿ أبو سعيد الضرير: أصل السِّبْط شجرةٌ ملتفةٌ كثيرة الأغصاف. فسُم وا الأسباطَ لكثرتهم، فكما أف الأغصاف من شجرة واحدة، كذلك الأسباط كانوا من يعقوب. ومثل السبط الحافد، وكاف الحسن والحسين سِبْطَي رسوؿِ الله - -، والأسباط حفدة يعقوب ذَرارِي أبنادو الاثنَي عشر. وقاؿ تعالى: (وَمِنْ قػَوْـِ مُوسَى أُمَّةٌ يػَهْدُوفَ بِالْحَقِّ وَبِوِ يػَعْدِلُوفَ (ٜ٘ٔ) وَقَطَّعْنَاىُمُ اثػْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً ) ، فهذا صريحٌ في أف الأسباط ىم الأمم من بني إسراديل، كلُ سِبْطٍ أمةٌ، لا أنهم بػَنُوه الاثنا عشر. بل لا معنى لتسميتهم قبل أف تنتشر عنهم الأولاد أسباطًا، فالحاؿ أف السِّبْطَ ىم الجماعة من الناس. ومن قاؿ: الأسباط أولاد يعقوب، لم يُرِد أنهم أولادُه لصلبو، بل أرادَ ذريتَو، كما يقاؿ: بنو إسراديل وبنو آدـ. فتخصيصُ الآية ببنيو لصلبو غلط، لا يدؿ عليو اللفظُ ولا المعنى، ومن ادّعاه فقط أخطأ خطأً بيػِّنًا. والصواب أيضًا أف كونهم أسباطًا إنما سُم وا بو من عهد موسى للْية المتقدمة، ومن حينئذٍ كانت فيهم النبوة، فإنو لا يُعرَؼ أنو كاف فيهم نبيّ قبلَ موسى إلا يوسف. ومما يؤيِّد ىذا أفّ الله تعالى لما ذكر الأنبياء من ذرية إبراىيم قاؿ: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِوِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَافَ ) الآيات، فذكر يوسف ومن معو، ولم يذكر الأسباط، فلو كاف إخوةُ يوسف نػُبِّئوا كما نبئَ يوسف لذُكِروا معو. وأيضًا فإف الله يذكر عن الأنبياء من المحامد والثناء ما يناسب النبوة، وإف كاف قبل النبوة، كما قاؿ عن موسى: (وَلَمَّا بػَلَغَ أَشُدَّهُ ) الآية، وقاؿ في يوسف كذلك، وفي الحديث: "أكرـ الناس يوسف بن يعقوب بن إسحاؽ بن إبراىيم، نبيّ من نبي من نبي" (ٔ) . فلو كانت إخوتُو أنبياء كانوا قد شاركوه في ىذا الكرـ، وىو تعالى لما قصَّ قصَّةَ يوسف وما فعلوا معو ذكر اعترافهم بالخطيئة وطلبهم الاستغفار من أبيهم، ولم يذكر من فضلهم ما يناسب النبوة، ولا شيئا من خصادص الأنبياء، بل ولا ذكر عنهم توبةً باىرةً كما ذكر عن ذنبو دوف ذنبهم، بل إنما حكى عنهم الاعتراؼ وطلب الاستغفار. ولا ذكر سبحانو عن أحدٍ من الأنبياء -لا قبلَ النبوة ولا بعدىا- أنو فعلَ مثلَ ىذه الأمورِ العظيمة، من -ٔأخرجو البخاري (ٕٖٖٛ، ٜٖٖٓ، ٛٛٙٗ) عن ابن عمر بنحوه.

عدد الصفحات ٥٣٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 529 - سورة البقرة الجزء الاول عقوؽ الوالد وقطيعةِ الرحم وإرقاؽِ المسلم وبيعو إلى بلاد الكفر والكذب البيّن وغير ذلك مما حكاه عنهم، ولم يَحْكِ شيئًا يناسب الاصطفاءَ والاختصاصَ الموجب لنبوتهم، بل الذي حكاه يخالف ذلك، بخلاؼ ما حكاه عن يوسف. ثمّ إف القرآف يدؿ على أنو لم يأتِ أىلَ مِصْرَ نبي قبلَ موسى سوى يوسف، لآية غافر (ٔ) ، ولو كاف من إخوة يوسف نبي لكاف قد دعا أىل مصر، وظهرت أخبار نبوتو، فلما لم يكن ذلك عُلِ مَ أنو لم يكن منهم نبي . فهذه وجوهٌ متعددة يُقوِّي بعضُها بعضًا. وقد ذكر أىل السير أف إخوة يوسف كلهم ماتوا بمصر، وىو أيضًا، وأوصىَ بنقلو إلى الشاـ، فنقلَو موسى. والحاصل أف الغلط في دعوى نبوتهم حَصَلَ من ظَنِّ أنهم ىم الأسباط، وليس كذلك، إنما الأسباط ذرّيتهم الذين قُطِّعُوا أسباطًا من عهد موسى، كل سِبْطٍ أمة عظيمة. ولو كاف المراد بالأسباط أبناء يعقوب لقاؿ: "ويعقوب وبنيو"، فإنو أوجز وأَبػْيَنُ . واختير لفظ "الأسباط" على لفظ "بني إسراديل" للإشارة إلى أف النبوة إنما حصلتْ فيهم من حينِ تقطيعِهم أسباطًا من عهد مو سى. والله أعلم. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :وما أوتي موسى وعيسى} يعني: وما أعطوا من الآيات الشرعية، والكونية؛ الشرعية كالتوراة لموسى، والإنجيل لعيسى؛ والكونية كاليد والعصا لموسى؛ وكإخراج الموتى من قبورىم بإذف الله، وإبراء الأكمو والأبرص بإذف الله لعيسى؛ ونص على موسى، وعيسى؛ لأنهما أفضل أنبياء بني إسراديل. ىنا قد يسأؿ سادل: لم عبر الله تعالى بقولو: {وما أنزؿ إلينا وما أنزؿ إلى إبراىيم وإسماعيل}، وفي موسى وعيسى قاؿ تعالى: {وما أوتي موسى وعيسى} ؛ فهل ىناؾ حكمة في اختلاؼ التعبير؟ فالجواب: أف نقوؿ بحسب ما يظهر لنا والعلم عند الله: إف ىناؾ حكمة لفظية، وحكمة معنوية. الحكمة اللفظية: لئلا تتكرر المعاني بلفظ واحد؛ لو قاؿ: «ما أنزؿ إلينا وما أنزؿ إلى إبراىيم وما أنزؿ إلى موسى ... وما أنزؿ إلى النبيين» تكررت أربع مرات؛ ومعلوـ أف من أساليب البلاغة الاختصار في تكرار الألفاظ بقدر الإمكاف. أما الحكمة المعنوية: فلأف موسى وعيسى دينهما باؽ إلى زمن الوحي، وكاف أتباعهما يفتخروف بما أوتوا من الآيات؛ فالنصارى يقولوف: عيسى بن مريم يحيي الموتى، ويفعل كذا، ويفعل كذا؛ وىؤلاء يقولوف: إف موسى فلق الله لو البحر، وأنجاه، وأغرؽ عدوه، وما أشبو ذلك؛ فبين الله سبحانو وتعالى في ىذا أف ىذه الأمة تؤمن بما أوتوا من وحي وآيات. قولو تعالى{ :وما أوتي النبيوف من ربهم} من باب عطف العاـ على الخاص؛ والمراد بما أوتوه: ما أظهره الله على أيديهم من الآيات الكونية، وما أوحاه إليهم من الآيات الشرعية؛ و {من ربهم{ : }من} للابتداء؛ لأف ىذا الإيتاء من الله؛ وإضافة الربوبية إليهم على وجو الخصوص؛ وإلا فالله سبحانو وتعالى رب كل شيء؛ لكن ىذه ربوبية خاصة. ٔ- الآية (ٖٗ).

عدد الصفحات ٥٣١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 531 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ السعدي: وفي قولو{ :وما أوتي النبيوف من ربهم} دلالة على أف عطية الدين، ىي العطية الحقيقية المتصلة بالسعادة الدنيوية والأخروية. لم يأمرنا أف نؤمن بما أوتي الأنبياء من الملك والماؿ ونحو ذلك، بل أمرنا أف نؤمن بما أعطوا من الكتب والشرادع. وفيو أف الأنبياء مبلغوف عن الله، ووسادط بين الله وبين خلقو في تبليغ دينو، ليس لهم من الأمر شيء. وفي قولو{ :من ربهم} إشارة إلى أنو من كماؿ ربوبيتو لعباده، أف ينزؿ عليهم الكتب، ويرسل إليهم الرسل، فلا تقتضي ربوبيتو، تركهم سدى ولا ىملا. وإذا كاف ما أوتي النبيوف، إنما ىو من ربهم، ففيو الفرؽ بين الأنبياء وبين من يدعي النبوة، وأنو يحصل الفرؽ بينهم بمجرد معرفة ما يدعوف إليو، فالرسل لا يدعوف إلا إلى لخير، ولا ينهوف إلا عن كل شر، وكل واحد منهم، يصدؽ الآخر، ويشهد لو بالحق، من غير تخالف ولا تناقض لكونو من عند ربهم {ولو كاف من عند غير الله لوجدوا فيو اختلافا كثيرا} وىذا بخلاؼ من ادعى النبوة، فلا بد أف يتناقضوا في أخبارىم وأوامرىم ونواىيهم، كما يعلم ذلك من سبر أحواؿ الجميع، وعرؼ ما يدعوف إليو. و فيو الإيماف بجميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء، والإيماف بالأنبياء عموما وخصوصا، ما نص عليو في الآية، لشرفهم ولإتيانهم بالشرادع الكبار. فالواجب في الإيماف بالأنبياء والكتب، أف يؤمن بهم على وجو العموـ والشموؿ، ثم ما عرؼ منهم بالتفصيل، وجب الإيماف بو مفصلا. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :لا نفرؽ بين أحد منهم} ىذه الجملة داخلة في مقوؿ القوؿ؛ يعني: قولوا آمنا على ىذا الوجو؛ {لا نفرؽ بين أحد منهم} أي في الإيماف؛ وليس في الإتباع ؛ والضمير في {منهم}يعود على الأنبياء. قاؿ السعدي: بل نؤمن بهم كلهم، ىذه خاصية المسلمين، التي انفردوا بها عن كل من يدعي أنو على دين. فاليهود والنصارى والصابئوف وغيرىم - وإف زعموا أنهم يؤمنوف بما يؤمنوف بو من الرسل والكتب - فإنهم يكفروف بغيره، فيفرقوف بين الرسل والكتب، بعضها يؤمنوف بو وبعضها يكفروف بو، وينقض تكذيبهم تصديقهم، فإف الرسوؿ الذي زعموا، أنهم قد آمنوا بو، قد صدؽ سادر الرسل وخصوصا محمد ، فإذا كذبوا محمدا، فقد كذبوا رسولهم فيما أخبرىم بو، فيكوف كفرا برسولهم. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ونحن لو مسلموف}؛ {لو} الضمير يعود على الله سبحانو وتعالى - يعني: ونحن لله؛ وقدمو على عاملو لإفادة الحصر، ومناسبة رؤوس الآي؛ و «الإسلاـ» ىنا ىو الاستسلاـ لله ظاىرا، وباطنا. قاؿ السعدي: فلما بين تعالى جميع ما يؤمن بو، عموما وخصوصا، وكاف القوؿ لا يغني عن العمل قاؿ: {ونحن لو مسلموف} أي: خاضعوف لعظمتو، منقادوف لعبادتو، بباطننا وظاىرنا، مخلصوف لو العبادة بدليل تقديم المعموؿ، وىو {لو} على العامل وىو {مسلموف} .

عدد الصفحات ٥٣٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 531 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ شيخ الإسلاـ في الصفدية (ٕ\ٖٔٔ): فإف الإسلاـ وسط في الملل بين الأطراؼ المتجاذبة والسنة في الإسلاـ كالإسلاـ في الملل فالمسلموف في صفات الله تعالى وسط بين اليهود الذين شبهوا الخالق بالمخلوؽ فوصفوا الخالق بالصفات التي تختص بالمخلوؽ وىي صفات النقص فقالوا إف الله فقير وإف الله بخيل وإف الله تعب لما خلق العالم فاستراح وبين النصارى الذين شبهوا المخلوؽ بالخالق فوصفوه بالصفات المختصة بالخالق فقالوا ىو الله. والمسلموف وصفوا الخالق بصفات الكماؿ ونزىوه عن صفات النقص ونزىوه أف يكوف شيء كفوا لو في شيء من صفات الكماؿ فهو منزه عن صفات النقص مطلقا ومنزه في صفات الكماؿ أف يماثلو فيها شيء من المخلوقات. وكذلك ىم في الأنبياء وسط فإف اليهود كما قاؿ فيهم{ :أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُوؿٌ بِمَا لا تػَهْوَى أَنػْفُسُكُمُ اسْتَكْبػَرْتُمْ فػَفَرِيقاً كَذَّبػْتُمْ وَفَرِيقاً تػَقْتػُلُوفَ }سورة البقرة ٚٛ) وكذلك كانوا يقتلوف الأنبياء ويقتلوف الذين يأمروف بالقسط من الناس. والنصارى غلوا فأشركوا بهم ومن ىو دونهم قاؿ الله فيهم{ :اتَّخَذُوا أَحْبَارَىُمْ وَرُىْبَانػَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُوفِ اللَّوِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيػَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَوَ إِلاَّ ىُوَ سُبْحَانَوُ عَمَّا يُشْ رِكُوفَ }سورة التوبة ٖٔ) . والمسلموف آمنوا بهم كلهم ولم يفرقوا بين أحد منهم فإف الإيماف بجميع النبيين فرض واجب ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم ومن سب نبيا من الأنبياء فهو كافر يجب قتلو باتفاؽ العلماء وفي استتابتو نزاع . قاؿ السعدي: فقد اشتملت ىذه الآية الكريمة - على إيجازىا واختصارىا - على أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوىية، وتوحيد الأسماء والصفات، واشتملت على الإيماف بجميع الرسل، وجميع الكتب، وعلى التخصيص الداؿ على الفضل بعد التعميم، وعلى التصديق بالقلب واللساف والجوارح والإخلاص لله في ذلك، وعلى الفرؽ بين الرسل الصادقين، ومن ادعى النبوة من الكاذبين، وعلى تعليم الباري عباده، كيف يقولوف، ورحمتو وإحسانو عليهم بالنعم الدينية المتصلة بسعادة الدنيا والآخرة، فسبحاف من جعل كتابو تبيانا لكل شيء، وىدى ورحمة لقوـ يؤمنوف. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- وجوب الإيماف بالله، وما أنزؿ إلينا ... إلى آخر ما ذكر في ىذه الآية؛ لقولو تعالى{ :قولوا آمنا بالله ... }الآية. ٕ- أف الذين يؤمنوف بوجود الله لكن يشركوف معو غيره في ربوبيتو، وألوىيتو، وأسمادو، وصفاتو لم يكونوا مؤمنين. ٖ- أف الذين يؤمنوف بالله، وبربوبيتو، وأنو الرب الفعاؿ الخلاؽ الذي لا يشاركو أحد في ىذا، لكنهم يعبدوف معو غيره ليسوا بمؤمنين. ٗ- أف الذين يؤمنوف بوجود الله، وربوبيتو، وألوىيتو لكن في الأسماء والصفات لا يؤمنوف إما أف ينكروا الأسماء، والصفات؛ وإما أف ينكروا الأسماء دوف الصفات؛ وإما أف ينكروا بعض الصفات ىؤلاء لم يؤمنوا بالله حق الإيماف، وإيمانهم ناقص.

عدد الصفحات ٥٣٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 532 - سورة البقرة الجزء الاول ٘- أف الكتب التي أوتيها الرسل قد نزلت من عند الله؛ لقولو تعالى{ :وما أنزؿ إلينا}، ولقولو تعالى{ :لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزاف ليقوـ الناس بالقسط[ }الحديد: ٕ٘] ٙ- الإشارة إلى البداءة بالأىم وإف كاف متأخرا؛ لقولو تعالى{ :وما أنزؿ إلينا وما أنزؿ إلى إبراىيم}مع أف ما أنزؿ إلينا متأخر عما سبق. ٚ- الإيماف بما أوتي النبيوف من الآيات الكونية، والآيات الشرعية. ٛ- أنو يجب الإيماف بجميع الأنبياء والرسل، على حد سواء في أصل الإيماف؛ وأما الشرادع فلكل منهم جعل الله شرعة ومنهاجا، كما قاؿ تعالى{ :لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا[ }الماددة: ٛٗ]؛ فنحن مأموروف بإتباع شريعة محمد التي نسخت جميع الأدياف؛ أما في الإيماف بأنهم رسل من عند الله، وأنهم صادقوف بما جاءوا بو فإنا لا نفرؽ بين أحد منهم؛ لقولو تعالى{ :لا نفرؽ بين أحد منهم}، وقولو تعالى{ :آمن الرسوؿ بما أنزؿ إليو من ربو والمؤمنوف كل آمن بالله وملادكتو وكتبو ورسلو لا نفرؽ بين أحد من رسلو[ }البقرة: ٕ٘ٛ] ٜ- وجوب الإخلاص لله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :ونحن لو مسلموف} ٓٔ- أف الرسل ليسوا مستقلين بهذه الآيات؛ فلا يملكوف أف يأتوا بهذه الآيات، أو بهذا الوحي؛ فهم يتلقوف من الله؛ حتى الرسوؿ إذا طلب منو الآيات لا يستطيع أف يأتي بها؛ ولهذا لما اقترح المكذبوف عدة آيات قاؿ تعالى{ :قل سبحاف ربي ىل كنت إلا بشرا رسولا[ }الإسراء: ٖٜ]، وقاؿ تعالى{ :وقالوا لولا أنزؿ عليو آيات من ربو قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين[ }العنكبوت: ٓ٘]، أي فلا أملك أف آتي بالآيات. ٔٔ- أنو ينبغي للمؤمن أف يشعر أنو ىو وإخوانو كنفس واحدة، كما قاؿ النبي : «المؤمن للمؤمن كالبنياف يشد بعضو بعضا» (ٔ) وشبك بين أصابعو؛ لقولو تعالى{ :ونحن لو مسلموف}فأتى بضمير الجمع{ :قولوا آمنا بالله ... ونحن ... } ٕٔ- أف الإسلاـ لا بد أف يكوف بالقلب، واللساف، والجوارح؛ لإطلاقو في قولو تعالى{ :مسلموف}؛ فيستسلم قلب المرء لله تبارؾ وتعالى محبة، وتعظيما، وإجلالا؛ ويستسلم لسانو لما أمره الله سبحانو وتعالى أف يقوؿ؛ وتستسلم جوارحو لما أمره الله تعالى أف يفعل. ٔ- أخرجو البخاري صٓٗ، كتاب الصلاة، باب ٛٛ: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، حديث رقم ٔٛٗ؛ وأخرجو مسمم صٖٓٔٔ، كتاب البر والصمة، باب ٚٔ: تراحم المؤمنين وتعاطفيم و تعاضدىم، حديث رقم ٘ٛ٘ٙ [٘ٙ]ٕ٘ٛ٘؛ بدون و "شبك أصابعو".

عدد الصفحات ٥٣٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 533 - سورة البقرة الجزء الاول فَإِفْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِوِ فػَقَدِ اىْتَدَوْا وَإِفْ تػَوَلَّوْا فَإِنَّمَا ىُمْ فِي شِقَاؽٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّوُ وَىُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (ٖٚٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :فإف آمنوا} أي اليهود، والنصارى؛ لأف ىذه الآيات كلها متتابعة{ :وقالوا كونوا ىودا أو نصارى ... قولوا آمنا بالله ... فإف آمنوا بمثل ما آمنتم بو ... } قولو تعالى{ :بمثل ما آمنتم بو} اختلف المعربوف في الباء، وفي «مثل» أيهما الزادد؟ فقيل: إف «مثل» ىي الزاددة، وأف التقدير: فإف آمنوا بما آمنتم بو فقد اىتدوا؛ وأف «مثل» زاددة إعرابا لا معنى؛ وأف المعنى: أنهم إف آمنوا بما آمنتم بو إيمانا مماثلا لإيمانكم؛ فعلى ىذا تكوف الزيادة في كلمة «مثل» ؛ وقيل: إف الزادد ىو الباء - حرؼ الجر-؛ وأف التقدير: فإف آمنوا مثل ما آمنتم - أي مثل إيمانكم -؛ والباء الثانية أيضا زاددة؛ فصار قولاف: الأوؿ: أف الزادد «مثل» ؛ والثاني أف الزادد الباء؛ والجميع اتفقوا على أف المراد الزيادة الإعرابية؛ وليست الزيادة المعنوية؛ لأنو ليس في القرآف ما ىو زادد معنى - أي لا فاددة فيو -؛ والمعروؼ أف الأسماء لا تزاد؛ وأما الزيادة في الحروؼ فكثيرة؛ لأف الاسم كلمة جاءت لمعنى في نفسها؛ والحرؼ كلمة جاءت لمعنى في غيرىا؛ ومعلوـ أننا لو وزنا بالميزاف المستقيم لكاف ما يجيء لمعنى في غيره أولى بالزيادة مما يجيء لمعنى في نفسو؛ ولهذا أنكر بعض النحويين زيادة الأسماء، وقالوا: لا يمكن أف تزاد الأسماء؛ لأنها جاءت لمعنى في ذاتها؛ بخلاؼ الحرؼ؛ فعلى ىذا تكوف الزيادة في الباء - أي فإف آمنوا مثل ما آمنتم -؛ أي مثل إيمانكم؛ وعلى كلا الاحتمالين من حيث الإعراب فالمعنى واحد - أي إف آمنوا إيمانا مطابقا لإيمانكم مماثلا لو من كل الوجوه فقد اىتدوا. قاؿ السعدي: فإف آمن أىل الكتاب {بمثل ما آمنتم بو} - يا معشر المؤمنين - من جميع الرسل، وجميع الكتب، الذين أوؿ من دخل فيهم، وأولى خاتمهم وأفضلهم محمد والقرآف، وأسلموا لله وحده، ولم يفرقوا بين أحد من رسل الله {فقد اىتدوا} . قاؿ ابن العثيمينقولو تعالى{ :فقد اىتدوا} أي سلكوا سبيل الهداية؛ و «الهداية» ىنا ىداية العلم، والتوفيق؛ لأنهم آمنوا عن علم فوفقوا، واىتدوا؛ والهداية ىنا مطلقة كما أف المسلمين الذين آمنوا على الوصف المذكور مهتدوف ىداية مطلقة. قاؿ السعدي:{فقد اىتدوا} للصراط المستقيم، الموصل لجنات النعيم، أي: فلا سبيل لهم إلى الهداية، إلا بهذا الإيماف، لا كما زعموا بقولهم: "كونوا ىودا أو نصارى تهتدوا "فزعموا أف الهداية خاصة بما كانوا عليو، و"الهدى "ىو العلم بالحق، والعمل بو، وضده الضلاؿ عن العلم والضلاؿ عن العمل بعد العلم. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وإف تولوا}«التولي» الإعراض؛ أي عن الإيماف بمثل ما آمنتم بو.

عدد الصفحات ٥٣٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 534 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :فإنما ىم في شقاؽ} جملة اسمية للدلالة على الاستمرار، والثبوت؛ وأتت بػ «إنما» الدالة على الحصر؛ أي فما حالهم إلا الشقاؽ؛ و {في} للظرفية كأف الشقاؽ محيط بهم من كل جانب منغمسوف فيو ؛ و «الشقاؽ» بمعنى الخلاؼ؛ وىو في كل معانيو يدور على ىذا حتى في قولو تعالى: {وإف الظالمين لفي شقاؽ بعيد} فبعضهم قاؿ: «الشقاؽ» ىنا بمعنى الضلاؿ؛ ولكن الصحيح أف معناه: الخلاؼ؛ فكلما جاءت في القرآف فمآلها إلى الخلاؼ؛ ولكنها أشد، حيث تفيد الاختلاؼ مع طلب المشقة على الخصم؛ ويدؿ لهذا أف أصل معنى «الشقاؽ» أف يكوف أحد الطرفين في شق، والثاني في شق آخر؛ وبهذا يكوف الخلاؼ. قاؿ الطبري: وإف تولى -ىؤلاء الذين قالوا لمحمد وأصحابو: "كونوا ىودًا أو نصارَى" فأعرضوا، -فلم يؤمنوا بمثل إيمانكم أيّها المؤمنوف بالله، وبما جاءت بو الأنبياءُ، وابتُعِثت بو الرسل، وفرّقوا بين رُسُل الله وبين الله ورسلو، فصدّقوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ - فاعلموا، أيها المؤمنوف، أنهم إنما ىُمْ في عصياف وفِرَاؽ وحَربٍ لله ولرسولو ولكم. عن قتادة، و عن الربيع: "وإنما ىُم في شقاؽ"، أي: في فراؽ. و قاؿ ابن زيد: "وإف توَلوا فإنما ىم في شقاؽ" قاؿ: الشقاؽ: الفراؽُ والمحاربة. إذا شَاؽَّ فقد حارب، وإذا حَارب فقد شاؽَّ، وىما واحدٌ في كلاـ العرب، وقرأ: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُوؿَ [ )سورة النساء: ٘ٔٔ] وأصل "الشقاؽ" عندنا، والله أعلم، مأخوذٌ من قوؿ القادل: "شَقَّ عليو ىذا الأمر"، إذا كرَبو وآذاه. ثم قيل: "شاؽَّ فلافٌ فلانًا"، بمعنى: ناؿ كل واحد منهما من صاحبو ما كرَبو وآذاه، وأثقلتو مَساءَتو. ومنو قوؿ الله تعالى ذكره: (وَإِفْ خِفْتُمْ شِقَاؽَ بػَيْنِهِمَا[ )سورة النساء: ٖ٘]بمعنى: فراؽَ بينهما. قاؿ السعدي: فالمشاؽ: ىو الذي يكوف في شق والله ورسولو في شق، ويلزـ من المشاقة المحادة، والعداوة البليغة، التي من لوازمها، بذؿ ما يقدروف عليو من أذية الرسوؿ، فلهذا وعد الله رسولو، أف يكفيو إياىم. قاؿ ابن العثيمين: وكأف الإنساف إذا سمع {فإنما ىم في شقاؽ} قد يهاب، ويخاؼ؛ فطمأف الله تعالى المؤمنين بقولو: {فسيكفيكهم الله}؛ ىذه الجملة فيها فعل، و فاعل، ومفعولاف؛ الفاعل: لفظ الجلالة؛ والفعل: {يكفي}؛ والمفعوؿ الأوؿ: الكاؼ؛ والمفعوؿ الثاني: الهاء؛ والسين ىنا يقوؿ العلماء: إنها للتنفيس، وتفيد شيئين ىما تحقق الوقوع، وقرب الوقوع؛ بخلاؼ «سوؼ» فإنها تفيد التحقق؛ ولكن مع مهلة. قاؿ السعدي: وقد أنجز الله لرسولو وعده، وسلطو عليهم حتى قتل بعضهم، وسبى بعضهم، وأجلى بعضهم، وشردىم كل مشرد. ففيو معجزة من معجزات القرآف، وىو الإخبار بالشيء قبل وقوعو، فوقع طبق ما أخبر. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وىو السميع العليم}؛ {السميع} من أسماء الله؛ و {العليم} أيضا من أسمادو - تبارؾ وتعالى -؛ وسبق تفسيرىما.

عدد الصفحات ٥٣٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 535 - سورة البقرة الجزء الاول قد يقوؿ قادل: يبدو لنا أف المناسب أف يقوؿ: «وىو القوي العزيز» لأنو قاؿ{ :فسيكفيكهم الله}فما ىو الجواب عن ختمها بالسمع، والعلم؟ فالظاىر لي - والله أعلم - أنو لما كاف تدبير الكيد للرسوؿ من ىؤلاء قد يكوف بالأقواؿ، وقد يكوف بالأفعاؿ؛ والتدبير أمر خفي ليس ىو حربا يعلن حتى نقوؿ: ينبغي أف يقابل بقوة، وعزة؛ قاؿ تعالى{ :وىو السميع العليم}أي حتى الأمور التي لا يدرى عنها، ولا يبرزونها، ولا يظهروف الحرابة للرسوؿ فإف الله سميع عليم بها؛ ىذا ما ظهر لي - والله أعلم - (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أنو لا بد أف يكوف إيماف اليهود، والنصارى مثل إيماف النبي ، وأمتو حقيقة، ووصفا. ٕ- أف ما خالف ما عليو النبي فهو ضلاؿ؛ لأف الله سبحانو وتعالى علق الاىتداء بأف يؤمنوا بمثل ما آمن بو الرسوؿ وأمتو. ٖ- أنو لا حجة لمن تولى عن شر يعة النبي إلا الشقاؽ، والمجادلة بالباطل؛ لقولو تعالى{ :فإف تولوا فإنما ىم في شقاؽ} ٗ- وقوع الشقاؽ بين أىل الكتاب، والمسلمين؛ وعليو فلا يمكن أف يتفق المسلموف وأىل الكتاب؛ فتبطل دعوة أىل الضلاؿ الذين يدعوف إلى توحيد الأدياف؛ لقولو تعالى{ :فإنما ىم في شقاؽ}؛ فاليهود، والنصارى لما لم يؤمنوا صاروا معنا في شقاؽ؛ وىذا الشقاؽ لا بد أف يؤدي إلى عداوة، وبغضاء؛ وبالتالي إلى قتاؿ؛ وىكذا وقع: فالمسلموف قاتلوا اليهود، وقاتلوا النصارى - الروـ كلهم نصارى -؛ ومن بعد ذلك قاتلوا النصارى في الحروب الصليبية؛ وسيقاتلونهم أيضا مرة أخرى حتى يدخل الإسلاـ عاصمتهم الروـ؛ ولا بد من ىذا في المستقبل بإذف الله؛ وسنقاتل اليهود حتى يختبئ اليهودي بالحجر، والشجر فينادي: «يا عبد الله، ىذا يهودي ورادي فاقتلو إلا الغرقد؛ فإنو من شجر اليهود» (ٔ) فلا يبلغ عنهم. ٘- الوعيد الشديد لهؤلاء المتولين عن شريعة النبي ؛ لقولو{ :فسيكفيكهم الله} ٙ- تكفل الله سبحانو وتعالى لنبيو محمد أنهم إذا لم يؤمنوا بمثل ما آمن المؤمنوف، وتولوا، فإف الله سبحانو وتعالى سيكفيو إياىم عن قرب؛ لقولو تعالى{ :فسيكفيكهم الله}؛ والحمد لله أنو صار ذلك عن قرب: فإف الرسوؿ ٔ- أخرجو البخاري صٖٕ٘، كتاب الجياد والسير، باب ٜٗ: قتال الييود، حديث رقم ٕٜٕٙ؛ وأخرجو مسمم صٗٛٔٔ، كتاب الفتن، باب ٛٔ: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، حديث رقم ٜٖٖٚ [ٕٛ]ٕٕٜٕ.

عدد الصفحات ٥٣٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 536 - سورة البقرة الجزء الاول لم يتوؼ حتى أجلى اليهود عن المدينة، وفتح حصونهم في خيبر، وأبقاىم فيها عمالا؛ وفي خلافة أمير المؤمنين عمر أجلاىم من خيبر؛ فكفى الله المؤمنين شرىم والحمد لله. ٚ- الإشارة إلى التوكل على الله تبارؾ وتعالى في الدعوة إليو، وفي سادر الأمور؛ لأنو إذا كاف وحده سبحانو وتعالى ىو الكافي فيجب أف يكوف التوكل والاعتماد عليو وحده؛ ولهذا قاؿ الله سبحانو وتعالى{ :ومن يتوكل على الله فهو حسبو[ }الطلاؽ: ٖ] ٛ- إثبات الاسمين الكريمين {السميع}، و {العليم}، وما يتضمناه من الصفات والمعاني العظيمة. ٜ- أنو يجب على المرء مراقبة الله سبحانو وتعالى في جميع أقوالو؛ لأف الله سبحانو وتعالى سامع لها لا يخفى عليو الصوت مهما خفي؛ بل ىو يعلم عز وجل ما توسوس بو نفس الإنساف - وإف لم يتكلم بو ٓٔ- مراقبة الله سبحانو وتعالى في السر، والعلن؛ وذلك؛ لأف مقتضى اسمو الكريم{ :العليم}أنو يعلم كل شيء. صِبػْغَةَ اللَّوِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّوِ صِبػْغَةً وَنَحْنُ لَوُ عَابِدُوفَ (ٖٛٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :صبغة الله}؛ «الصبغة» معناىا اللوف؛ وقالوا: المراد بػ {صبغة الله} دين الله؛ وسمي «الدين» صبغة لظهور أثره على العامل بو؛ فإف المتدين يظهر أثر الدين عليو: يظهر على صفحات وجهو، ويظهر على مسلكو، ويظهر على خشوعو، وعلى سمتو، وعلى ىيئتو كلها؛ فهو بمنزلة الصبغ للثوب يظهر أثره عليو؛ وقيل: سمي صبغة للزومو كلزوـ الصبغ للثوب؛ ولا يمنع أف نقوؿ: إنو سمي بذلك للوجهين جميعا: فهو صبغة للزومو؛ وىو صبغة أيضا لظهور أثره على العامل بو. ووجو نصب {صبغة الله} :قيل: إنها مصدر معنوي؛ لقولو تعالى: {آمنا} في قولو تعالى: {قولوا آمنا بالله} ؛ فإف {آمنا} معناىا الدين، وأف التقدير: تدينا دين الله؛ ولا ريب أف ىذا بعيد؛ لأف {آمنا} في آية أخرى قبلها؛ ويبعد أف يكوف ىذا متعلقا بها؛ ولأنو فصل بينهما بفواصل كثيرة؛ إذا ىو منصوب على الإغراء - يعني: الزموا صبغة الله، ولا يصدنكم ىؤلاء عن دينكم -؛ وأضيفت «الصبغة» إلى الله؛ لأنها منو: فإف الشريعة جاءت من الله؛ ولا أحد يشرع للخلق إلا خالقهم. قاؿ الطبري: يعنى تعالى ذكره ب الصبغة: صبغةَ الإسلاـ. وذلك أفّ النصارى إذا أرادت أف تنصِّر أطفالهم، جعلتهم في ماء لهم تزعم أف ذلك لها تقديس، بمنزلة غُسل الجنابة لأىل الإسلاـ، وأنو صبغة لهم في النصرانية. فقاؿ الله تعالى ذكره -إذ قالوا لنبيو محمد وأصحابو المؤمنين بو: "كونوا ىودًا أو نَصَارَى تَهتدوا"-: قل لهم يا محمد: أيها اليهود والنصارى، بل اتبعوا ملة إبراىيمَ، صبغة الله التي ىي أحسن الصِّبَغ، فإنها ىي الحنيفية المسلمة، ودعوا الشرؾَ

عدد الصفحات ٥٣٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 537 - سورة البقرة الجزء الاول بالله، والضلاؿَ عن محجَّة ىُداه. عن قتادة قولو: "صبغةَ الله ومن أحسن من الله صبغة" إفّ اليهود تصبغ أبناءىا يهودَ، والنصارى تَصبغ أبناءَىا نصارَى، وأف صبغة الله الإسلاـُ، فلا صبغة أحسنُ من الإسلاـ، ولا أطهر، وىو دين الله بعث بو نُوحًا والأنبياء بعده. عن ابن جريج، قاؿ عطاء: "صبغةَ الله" صبغت اليهودُ أبناءَىم خالفوا الفِطْرة. عن ابن عباس، وابن زيد: "صبغةَ الله" قاؿ: دينَ الله. قاؿ السعدي: أي: الزموا صبغة الله، وىو دينو، وقوموا بو قياما تاما، بجميع أعمالو الظاىرة والباطنة، وجميع عقادده في جميع الأوقات، حتى يكوف لكم صبغة، وصفة من صفاتكم، فإذا كاف صفة من صفاتكم، أوجب ذلك لكم الانقياد لأوامره، طوعا واختيارا ومحبة، وصار الدين طبيعة لكم بمنزلة الصبغ التاـ للثوب الذي صار لو صفة، فحصلت لكم السعادة الدنيوية والأخروية، لحث الدين على مكارـ الأخلاؽ، ومحاسن الأعماؿ، ومعالي الأمور، فلهذا قاؿ - على سبيل التعجب المتقرر للعقوؿ الزكية -: {ومن أحسن من الله صبغة}. قاؿ ابن العثيمينقولو تعالى{ :ومن أحسن من الله صبغة} الاستفهاـ ىنا بمعنى النفي؛ أي لا أحد أحسن من الله صبغة؛ وذلك؛ لأف دين الله عز وجل مشتمل على المصالح، ودرء المفاسد؛ ولا يوجد دين يشتمل على ىذا إلا ما جاء من عند الله، سواء كاف الدين الإسلامي الذي جاء بو محمد ، أو الأدياف الأخرى ما دامت قادمة لم تنسخ؛ ومجيء الاستفهاـ بمعنى النفي أبلغ من النفي المجرد؛ لأنو يتضمن التحدي؛ فإف القادل إذا قاؿ: «ليس مثل زيد بشر» ليس كقولو: «من مثل زيد من البشر؟!» ؛ الثاني أبلغ: كأنو يتحدى المخاطب أف يأتي بأحد مثلو. قاؿ السعدي: {ومن أحسن من الله صبغة}أي: لا أحسن صبغة من صبغتو. وإذا أردت أف تعرؼ نموذجا يبين لك الفرؽ بين صبغة الله وبين غيرىا من الصبغ، فقس الشيء بضده، فكيف ترى في عبد آمن بربو إيمانا صحيحا، أثر معو خضوع القلب وانقياد الجوارح، فلم يزؿ يتحلى بكل وصف حسن، وفعل جميل، وخلق كامل، ونعت جليل، ويتخلى من كل وصف قبيح، ورذيلة وعيب، فوصفو: الصدؽ في قولو وفعلو، والصبر والحلم، والعفة، والشجاعة، والإحساف القولي والفعلي، ومحبة الله وخشيتو، وخوفو، ورجاؤه، فحالو الإخلاص للمعبود، والإحساف لعبيده، فقسو بعبد كفر بربو، وشرد عنو، وأقبل على غيره من المخلوقين فاتصف بالصفات القبيحة، من الكفر، والشرؾ والكذب، والخيانة، والمكر، والخداع، وعدـ العفة، والإساءة إلى الخلق، في أقوالو، وأفعالو، فلا إخلاص للمعبود، ولا إحساف إلى عبيده. فإنو يظهر لك الفرؽ العظيم بينهما، ويتبين لك أنو لا أحسن صبغة من صبغة الله، وفي ضمنو أنو لا أقبح صبغة ممن انصبغ بغير دينو. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ونحن لو عابدوف} الضمير {نحن} يعود على النبي ، وأصحابو؛ وتقديم المعموؿ في قولو تعالى{ :لو عابدوف} على عاملو ىنا لو فاددتاف؛ أولهما: لفظية؛ وىي مراعاة فواصل الآيات؛ والثانية: معنوية؛ وىي الحصر، والاختصاص؛ فهو كقولو تعالى{ :إياؾ نعبد[ }الفاتحة: ٘]؛ و «العبادة» التذلل لله

عدد الصفحات ٥٣٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 538 - سورة البقرة الجزء الاول عز وجل بفعل أوامره محبة لو، واجتناب نواىيو تعظيما لو مع شعور الإنساف بمنزلتو، وأف منزلتو أف يكوف عبدا لله عز وجل. قاؿ السعدي: وفي قولو{ :ونحن لو عابدوف} بياف لهذه الصبغة، وىي القياـ بهذين الأصلين: الإخلاص والمتابعة، لأف "العبادة "اسم جامع لكل ما يحبو الله ويرضاه من الأعماؿ، والأقواؿ الظاىرة والباطنة، ولا تكوف كذلك، حتى يشرعها الله على لساف رسولو، والإخلاص: أف يقصد العبد وجو الله وحده، في تلك الأعماؿ، فتقديم المعموؿ، يؤذف بالحصر. وقاؿ: {ونحن لو عابدوف} فوصفهم باسم الفاعل الداؿ على الثبوت والاستقرار، ليدؿ على اتصافهم بذلك وكونو صار صبغة لهم ملازما. قاؿ الطبري: "ونَحنُ لو عَابدوف"، أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّو أف يقولو لليهود والنصارى، الذين قالوا لو ولمن تبعو من أصحابو: "كونوا ىودًا أو نَصارَ ى". فقاؿ لنبيو محمد : قُلْ بل نتبعُ ملة إبراىيم حنيفًا، صبغةَ الله، ونحنُ لو عابدوف. يعني: ملة الخاضعين لله المستكينين لو، في اتباعنا ملة إبراىيم، وَديػْنُونتنا لو بذلك، غير مستكبرين في إتباع أمره، والإقرار برسالتو رسلَو، كما استكبرت اليهودُ والنصارَى، فكفروا بمحمد استكبارًا وبغيًا وحسدًا. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- وجوب الالتزاـ بدين الله؛ لأف المعنى: الزموا صبغة الله عز وجل. ٕ- أف ىذا الدين حق؛ لأف الله سبحانو وتعالى أضافو إلى نفسو؛ وكل ما يضاؼ إلى الله عز وجل فإنو حق. ٖ- أف دين الله سبحانو وتعالى أحسن الأدياف، وأكملها، وأشملها، وأقومها بمصالح العباد؛ لقولو تعالى{ :ومن أحسن من الله صبغة} ٗ- وجوب إخلاص العبادة لله؛ لقولو تعالى{ :ونحن لو عابدوف}؛ فقدـ المعموؿ لإفادة الحصر؛ وعبادة الله فخر، وشرؼ للعبد؛ ولهذا جاء وصف العبودية في المقامات العليا لرسوؿ الله ، فجاءت في مقاـ الدفاع عنو في قولو تعالى{ :وإف كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا[ }البقرة: ٖٕ]؛ وفي مقاـ تكريمو بالإسراء في قولو تعالى{ :سبحاف الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحراـ إلى المسجد الأقصى[ }الإسراء: ٔ]، وفي مقاـ رسالتو، مثل قولو تعالى: {الحمد لله الذي أنزؿ على عبده الكتاب ولم يجعل لو عوجا[ }الكهف: ٔ]؛ ويقوؿ الشاعر في معشوقتو: (لا تدعني إلا بيا عبدىا فإنو أشرؼ أسمادي). ٘- أف العقل يقضي بالتزاـ الدين؛ لقولو تعالى{ :ومن أحسن من الله صبغة}؛ فإف العقل يهدي إلى التزاـ الأحسن؛ كل إنساف لو عقل سليم فإف عقلو يأمره بالتزاـ الأحسن.

عدد الصفحات ٥٤٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 539 - سورة البقرة الجزء الاول قُلْ أَتُحَاج ونػَنَا فِي اللَّوِ وَىُوَ رَبػ نَا وَرَب كُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَوُ مُخْلِصُوفَ (ٜٖٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :قل أتحاجوننا في الله} :الخطاب في قولو تعالى: {قل} موجو إلى رسوؿ الله ؛ و {أتحاجوننا في الله} موجو للذين يحاجوف الرسوؿ من اليهود، والنصارى؛ و «المحاجة» ىي أف يدلي كل خصم بحجتو لينقض حجة الخصم الآخر. قاؿ السعدي: المحاجة ىي: المجادلة بين اثنين فأكثر، تتعلق بالمسادل الخلافية، حتى يكوف كل من الخصمين يريد نصرة قولو، وإبطاؿ قوؿ خصمو، فكل واحد منهما، يجتهد في إقامة الحجة على ذلك، والمطلوب منها، أف تكوف بالتي ىي أحسن، بأقرب طريق يرد الضاؿ إلى الحق، ويقيم الحجة على المعاند، ويوضح الحق، ويبين الباطل، فإف خرجت عن ىذه الأمور، كانت مماراة، ومخاصمة لا خير فيها، وأحدثت من الشر ما أحدثت، فكاف أىل الكتاب، يزعموف أنهم أولى بالله من المسلمين، وىذا مجرد دعوى، تفتقر إلى برىاف ودليل. قاؿ الطبري: قل يا محمد لمعاشر اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك: "كونوا ىُودًا أو نَصَارَى تَهتدوا"، وزعموا أف دينهم خيرٌ من دينكم، وكتابهم خير من كتابكم، لأنو كاف قبلَ كتابكم، وزعموا أنهم من أجل ذلك أولى بالله منكم: "أتحاجوننا في الله وىو رَبنا وربكم"، بيده الخيرات، وإليو الثواب والعقابُ، والجزاءُ على الأعماؿ الحسنات منها والسيئات، فتزعموف أنكم بالله أوْلى منا، من أجل أف نبيكم قبل نبينا، وكتابكم قبل كتابنا، وربّكم وربّنا واحدٌ، وأفّ لكلّ فريق منا ما عمل واكتسب من صالح الأعماؿ وسيئها، يجازى عليها فيثابُ أو يعاقبُ، لا على الأنساب وقدـَ الدِّين والكتاب. ويعني بقولو: "قُلْ أتحاجوننا"، قل أتخاصموننا وتجادلوننا؟ عن مجاىد وعن ابن زيد: "قل أتحاجوننا في الله"، قل: أتخاصموننا؟ و عن ابن عباس: "أتحاجوننا"، أتجادلوننا؟ قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي أننا لا نسأؿ عنكم، ولا تسألوف عنا؛ كل لو عملو؛ وسيجازيو الله بو يوـ القيامة. قولو تعالى{ :ونحن لو مخلصوف} أي لله عز وجل مخلصوف؛ و «الإخلاص» تنقية الشيء من كل الشوادب التي قد تعلق بو؛ فالمعنى: أننا مخلصوف لله الدين لا نشرؾ بو شيئا. قاؿ الطبري: ونحن لله مخلصو العبادةِ والطاعة، لا نشرؾ بو شيئًا، ولا نعبد غيره أحدًا، كما عبد أىل الأوثاف معو الأوثافَ، وأصحاب العِجل معو العجلَ . وىذا من الله تعالى ذكره توبيخٌ لليهود، واحتجاج لأىل الإيماف. قاؿ السعدي: فإذا كاف رب الجميع واحدا، ليس ربا لكم دوننا، وكل منا ومنكم لو عملو، فاستوينا نحن وإياكم بذلك. فهذا لا يوجب أف يكوف أحد الفريقين أولى بالله من غيره؛ لأف التفريق مع الاشتراؾ في الشيء، من غير فرؽ

عدد الصفحات ٥٤١