تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 512 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :لرب العالمين} يتضمن توحيد الربوبية، والأسماء، والصفات؛ وما أكثر الذين أمروا بالإسلاـ ولم يسلموا: تسعمادة وتسعة وتسعوف من الألف من بني آدـ كلهم في النار، وواحد من ألف في الجنة؛ لأنهم أمروا بالإسلاـ، ولم يسلموا. قاؿ الطبري: قاؿ إبراىيم مجيبا لربو: خضعت بالطاعة، وأخلصت العبادة، لمالك جميع الخلادق ومدبرىا دوف غيره. فإف قاؿ لنا قادل: وىل دعا اللهُ إبراىيمَ إلى الإسلاـ؟ قيل لو: نعم، قد دعاه إليو. فإف قاؿ: وفي أي حاؿ دعاه إليو؟ قيل: حين قاؿ: (يَا قػَوْـِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُوفَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ )سورة الأنعاـ: ٛٚ-ٜٚ]، وذلك ىو الوقت الذي قاؿ لو ربو: أسلم - من بعد ما امتحنو بالكو اكب والقمر والشمس. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- فضيلة إبراىيم ، حيث لم يتواف، ولم يستكبر؛ فبادر بقولو{ :أسلمت لرب العالمين}حين قاؿ لو ربو عز وجل{ :أسلم}ولم يستكبر؛ بل أقر؛ لأنو مربوب لرب العالمين. ٕ- إثبات ربوبية الله سبحانو وتعالى العامة لكل أحد؛ لقولو تعالى{ :لرب العالمين} ٖ- الإشارة إلى أف الخلق من آيات الله؛ لأنهم سموا «عالمين» ، حيث إنهم علم على خالقهم. ٗ- المناسبة بين قولو تعالى{ :أسلمت}، و {رب}؛ كأف ىذا علة لقولو تعالى{ :أسلمت}؛ فإف الرب ىو الذي يستحق أف يسلم لو؛ الرب: الخالق؛ ولهذا أنكر الله سبحانو وتعالى عبادة الأصناـ، وبين علة ذلك بأنهم لا يخلقوف؛ قاؿ تعالى{ :والذين يدعوف من دوف الله لا يخلقوف شيئا وىم يخلقوف * أموات غير أحياء وما يشعروف أياف يبعثوف} [النحل: ٕٓ، ٕٔ]؛ فتبين بهذا مناسبة ذكر الإسلاـ مقرونا بالربوبية. وَوَصَّ ى بِهَا إِبػْرَاىِيمُ بَنِيوِ وَيػَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِفَّ اللَّوَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنػْتُمْ مُسْلِمُوفَ (ٕٖٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ووصى بها إبراىيم بنيو ويعقوب}؛ {وصى} فيها قراءتاف؛ إحداىما بهمزة مفتوحة مع تخفيف الصاد: {أوصى} ، والثانية بحذؼ الهمزة مع تشديد الصاد: {وصى} ؛ أما {إبراىيم} ففيها
عدد الصفحات ٥١٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 513 - سورة البقرة الجزء الاول قراءتاف؛ إحداىما بكسر الهاء بعدىا ياء: {إبراىيم}؛ والثانية بفتح الهاء بعدىا ألف: {إبراىاـ} ؛ وقراءة: {أوصى} لا تنطبق عليها الشروط الثلاثة في القراءة، والمجموعة في البيتين، وىما: {وكل ما وافق وجو نحو وكاف للرسم احتمالا يحوي وصح نقلا فهو القراف فهذه الثلاثة الأركاف }فقولو تعالى: {وصى} ، و {أوصى} لم تتفق في الرسم؛ إذا الشروط أو الأركاف التي ذكرت بناء على الأغلب. قولو تعالى{ :ووصى بها إبراىيم} الضمير «ىا» يعود على ىذه الكلمة العظيمة؛ وىي {أسلمت لرب العالمين} [البقرة: ٖٔٔ]؛ ويجوز أف يكوف الضمير يعود على الملة أي: وصى بهذه الملة ؛ والمعنى واحد؛ لأف {ملة إبراىيم[ }البقرة: ٖٓٔ]ىي {إذ قاؿ لو ربو أسلم قاؿ أسلمت لرب العالمين[ }البقرة: ٖٔٔ]؛ و «التوصية» العهد المؤكد في الأمر الهاـ. قولو تعالى{ :بنيو} مفعوؿ {وصى}؛ ولهذا نصبت بالياء؛ لأنها ملحق بجمع المذكر السالم. قولو تعالى{ :ويعقوب} معطوفة على {إبراىيم} فهي مرفوعة؛ يعني: وكذلك وصى بها يعقوب بنيو؛ وسمي يعقوب: قيل: لأنو عقب إسحاؽ؛ وقيل: إنو اسم غير عربي، ومثلو لا يطلب لو اشتقاؽ. قاؿ السعدي: ثم ورثو في ذريتو، و وصاىم بو، وجعلها كلمة باقية في عقبو، وتوارثت فيهم، حتى وصلت ليعقوب فوصى بها بنيو. فأنتم - يا بني يعقوب - قد وصاكم أبوكم بالخصوص، فيجب عليكم كماؿ الانقياد، واتباع خاتم الأنبياء. قاؿ ابن العثيمين: قاؿ يعقوب: {يا بني} أي يا أبنادي؛ وإنما ناداىم بوصف البنوة ترفقا معهم ليكوف أدعى إلى القبوؿ. قولو تعالى{ :إف الله اصطفى} أي اختار {لكم} أي لأجلكم {الدين}أي العبادة، والعمل؛ ويطلق على الجزاء؛ ففي قولو تعالى{ :مالك يوـ الدين[ }الفاتحة: ٗ]المراد بػ {الدين} الجزاء؛ وفي قولو تعالى{ :ورضيت لكم الإسلاـ دينا[ }الماددة: ٖ]؛ «الدين» :العبادة؛ فالدين يطلق على ىذا، وعلى ىذا على العمل، وعلى الجزاء عليو ؛ ومنو قولهم: كما تدين تداف يعني كما تعمل تجازى. قولو تعالى{ :ف تموتن} الفاء للتفريع؛ أي فعلى ىذا الاختيار تمسكوا بهذا الدين؛ و «لا» ناىية؛ و {تموتن} مجزوـ بحذؼ النوف؛ لأنو من الأفعاؿ الخمسة؛ والنوف ىنا التي فيها للتوكيد؛ وأصلها: «تموتونن» :حذفت النوف للجزـ فصارت «تموتوف» ؛ ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين؛ لأف الحرؼ المشدد أولو ساكن؛ والواو ساكنة؛ فحذفت الواو؛ قاؿ ابن مالك: {إف ساكناف التقيا اكسر ما سبق وإف يكن لينا فحذفو استحق} قولو تعالى{ :إ وأنتم مسلموف} جملة حالية يراد بها استمرارىم على الإسلاـ إلى الممات. قاؿ الطبري: إف قاؿ لنا قادل: أوَ إلَى بني آدـَ الموتُ والحياةُ، فينهى أحدُىم أف يموت إلا على حالة دوف حالة؟
عدد الصفحات ٥١٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 514 - سورة البقرة الجزء الاول قيل لو: إف معنى ذلك على غير الوجو الذي ظننتَ . وإنما معنى "فلا تموتن إلا وأنتم مسلموف"، أي: فلا تفارقوا ىذا الدين -وىو الإسلاـ- أياـ حياتكم. وذلك أف أحدا لا يدري متى تأتيو منيتُو، فلذلك قالا لهم: "فلا تموتن إلا وأنتم مسلموف"، لأنكم لا تدروف متى تأتيكم مناياكم من ليل أو نهار، فلا تفارقوا الإسلاـ، فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم فتموتوا ورب كم ساخط عليكم، فتهلكوا. قاؿ السعدي: فقوموا بو، واتصفوا بشرادعو، وانصبغوا بأخلاقو، حتى تستمروا على ذلك فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليو، لأف من عاش على شيء، مات عليو، ومن مات على شيء، بعث عليو. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أىمية ىذه الوصية؛ لأنو اعتنى بها إبراىيم، ويعقوب؛ فإبراىيم أبو العرب والإسراديليين؛ ويعقوب أبو الإسراديليين؛ فهذاف الرسولاف الكريماف اعتنيا بها، حيث جعلاىا مما يوصى بو. ٕ- أنو ينبغي العناية بهذه الوصية اقتداء بإبراىيم، ويعقوب. ٖ- أف الله سبحانو وتعالى اختار لعباده من الدين ما ىو أقوـ بمصالحهم؛ لقولو تعالى{ :اصطفى لكم الدين}؛ فلولا أنو أقوـ ما يقوـ بمصالح العباد ما اختاره الله سبحانو وتعالى لعباده. ٗ- أنو ينبغي التلطف في الخطاب؛ لقولو تعالى{ :يا بني}؛ فإف نداءىم بالبنوة يقتضي قبوؿ ما يلقى إليهم. ٘- أنو ينبغي للإنساف أف يتعاىد نفسو دادما حتى لا يأتيو الموت وىو غافل؛ لقولو تعالى{ :ف تموتن إلا وأنتم مسلموف} ٙ- أف الأعماؿ بالخواتيم؛ لقولو تعالى{ :ف تموتن إلا وأنتم مسلموف} أَـْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يػَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَاؿَ لِبَنِيوِ مَا تػَ عْبُدُوفَ مِنْ بػَعْدِي قَالُوا نػَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَوَ آبَادِكَ إِبػْرَاىِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاؽَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَوُ مُسْلِمُوفَ (ٖٖٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :أـ كنتم شهداء}؛ {أـ} ىنا منقطعة؛ و «المنقطعة» يقوؿ المعربوف: إنها بمعنى «بل» وىمزة الاستفهاـ؛ فمعنى {أـ كنتم} :بل أكنتم؛ والضمير في {كنتم} يعود على اليهود الذين ادعوا أنهم على الحق، وأف ىذه وصية أبيهم يعقوب، فالتزموا ما ىم عليو؛ ويحتمل أف يكوف عاددا على جميع المخاطبين، ويكوف المقصود بذلك الإعلاـ بما حصل من يعقوب حين حضره الموت؛ وىذا الاحتماؿ أولى؛ لأنو لا يوجد ىنا دليل على
عدد الصفحات ٥١٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 515 - سورة البقرة الجزء الاول أنو يعود على اليهود؛ بل الآية كلها عامة؛ وىي أيضا منقطعة عن اليهود بآيات سابقة كثيرة؛ فالمعنى: تقرير ما وصى بو يعقوب حين موتو؛ و {شهداء} جمع شهيد، أو شاىد بمعنى حاضر. قولو تعالى{ :إذ حضر يعقوب الموت}؛ {إذ} ظرؼ مبنية على السكوف في محل نصب أي وقت حضور يعقوب الموت ؛ و {يعقوب} منصوبة؛ لأنها مفعوؿ بو مقدـ؛ و {الموت} فاعل مؤخر؛ لأف الحاضر الموت؛ والمحضور يعقوب. قاؿ الطبري: أكنتم -يا معشر اليهود والنصارى، المكذبين بمحمد ، الجاحدين نبوتو-، حضورَ يعقوبَ وشهودَه إذ حضره الموت، أي إنكم لم تحضروا ذلك، فلا تدعوا على أنبيادي ورسلي الأباطيل، وتَنحلوىم اليهوديةَ والنصرانية، فإني ابتعثت خليلي إبراىيم -وولده إسحاؽ وإسماعيل وذريتهم- بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصَّوْا بنيهم، وبو عهدوا إلى أولادىم من بعدىم. فلو حضرتموىم فسمعتم منهم، علمتم أنهم على غير ما نحلتموىم من الأدياف والملل من بعدىم. وىذه آيات نزلت، تكذيبا من الله تعالى لليهود والنصارى في دعواىم في إبراىيم وو لده يعقوب: أنهم كانوا على ملتهم، فقاؿ لهم في ىذه الآية: "أـ كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت"، فتعلموا ما قاؿ لولده وقاؿ لو ولده؟ ثم أعلمهم ما قاؿ لهم وما قالوا لو. عن الربيع قولو: "أـ كنتم شهداء"، يعني أىل الكتاب. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :إذ قاؿ لبنيو ما تعبدوف من بعدي} ؛ {إذ} بدؿ من {إذ} الأولى: يعني: إذ حضر إذ قاؿ؛ يعني: أـ كنتم شهداء إذ قاؿ لبنيو: «ما تعبدوف من بعدي» حين حضره الموت؛ وبنو يعقوب ىم يوسف، وإخوتو: أحد عشر رجلا؛ حضر يعقوب الموت، فكاف أولاده حاضروف، فقاؿ لهم: {ما تعبدوف من بعدي} أي من بعد موتي {قالوا نعبد إلهك} :بدأوا بو؛ لأنهم يخاطبونو؛ {وإلو آبادك} جمع أب؛ ثم بينوا الآباء بقولهم: {إبراىيم وإسماعيل وإسحاؽ}؛ {إبراىيم}بالنسبة إلى يعقوب جد؛ و {إسماعيل}بالنسبة إليو عم؛ و {إسحاؽ} بالنسبة إليو أب مباشر؛ أما إطلاؽ الأبوة على إبراىيم، وعلى إسحاؽ فالأمر فيو ظاىر؛ لأف إسحاؽ أبوه، وإبراىيم جده؛ والجد أب؛ بل قاؿ الله عز وجل لهذه الأمة{ :ملة أبيكم إبراىيم[ }الحج: ٛٚ]؛ وىي بينها وبين إبراىيم عالم؛ لكن الإشكاؿ في عدىم إسماعيل من آبادو مع أنو عمهم؛ فيقاؿ كما قاؿ النبي لعمر : «أما شعرت أف عم الرجل صنو أبيو» (ٔ) ؛ و «الصنو» الغصناف أصلهما واحد؛ فذكر مع الآباء؛ لأف العم صنو الأب؛ وكما قاؿ الرسوؿ : «الخالة بمنزلة الأـ» (ٕ) ؛ كذلك نقوؿ: العم بمنزلة الأب؛ وقيل: إف ىذا من باب التغليب، وأف الأب لا يطلق حقيقة على العم إلا مقرونا بالأب الحقيقي؛ وعلى ىذا فلا يكوف فيها إشكاؿ إطلاقا؛ لأف التغليب سادغ في اللغة العربية، فيقاؿ: «القمراف» ؛ والمراد بهما الشمس، والقمر؛ ويقاؿ: «العمراف» ؛ وىما أبو بكر، وعمر. -ٔأخرجو مسمم صٕٖٛ، كتاب الزكاة، باب ٖ: في تقديم الزكاة ومنعيا، حديث رقم ٕٕٚٚ [ٔٔ]ٖٜٛ. ٕ- أخرجو البخاري صٕٗٔ، كتاب الصمح، باب ٙ: كيف يكتب: ىذا ما صالح فلان بن فلان ... ، حديث رقم ٜٜٕٙ.
عدد الصفحات ٥١٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 516 - سورة البقرة الجزء الاول وقولو تعالى{ :إبراىيم} بدؿ من {آبادك}؛ أو عطف بياف؛ وفيها قراءة{ :إبراىاـ}بفتح الهاء بعدىا ألف. قولو تعالى{ :إلها واحدا} أي نعبده؛ و {إلها} ىذه حاؿ؛ يسمونها حاؿ موطئة؛ ولكنها بناء على أف «إلو» ، و «ا» غير مشتق؛ والصحيح أنو مشتق، وأنو بمعنى مألوه؛ وعليو فتكوف حالا مؤسسة حقيقية؛ وليست موطئة؛ لأف الحاؿ الموطئة التي تكوف تمهيدا لمشتق، مثل{ :قرآنا عربيا[ }يوسف: ٕ]فإف «قرآف» غير مشتقة؛ والحاؿ كما تقدـ تكوف مشتقة و {واحدا}حاؿ أخرى مكررة. قولو تعالى{ :ونحن لو مسلموف}؛ {نحن} مبتدأ؛ و {مسلموف} خبره؛ و {لو} جار ومجرور متعلقة بػ {مسلموف} قدمت عليها لإفادة الحصر من حيث المعنى؛ ولمراعاة فواصل الآيات من حيث اللفظ؛ و {نحن لو مسلموف} أي منقادوف لأمر ىذا الإلو الواحد سبحانو وتعالى، وشرعو. قاؿ السعدي: فجمعوا بين التوحيد والعمل. ومن المعلوـ أنهم لم يحضروا يعقوب، لأنهم لم يوجدوا بعد، فإذا لم يحضروا، فقد أخبر الله عنو أنو وصى بنيو بالحنيفية، لا باليهودية. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى جٙٔصٕٖٔ: وَاسْمُ الإِْلَوِ وَالْمَعْبُودِ يػَتَضَمَّنُ إضَافَةً إلَى الْعَابِدِ . وَقَاؿَ : {إلَوَ آبَادِكَ إبػْرَاىِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاؽَ }ىُوَ الَّذِي يػَعْبُدُهُ ىَؤُلاَءِ صَلَوَاتُ اللَّوِ وَسَلاَمُوُ عَلَيْهِمْ وَيػُؤَلِّهُونَوُ . وَإِنَّمَا يػَعْبُدُهُ مَنْ كَافَ عَلَى مِلَّتِهِمْ كَمَا قَاؿَ يُوسُفُ {إنِّي تػَرَكْتُ مِلَّةَ قػَوْـٍ لاَ يػُؤْمِنُوفَ بِاللَّوِ وَىُمْ بِالآْخِرَةِ ىُمْ كَافِرُوفَ { }وَاتػَّبػَعْتُ مِلَّةَ آبَادِي إبػْرَاىِيمَ وَإِسْحَاؽَ وَيػَعْقُوبَ مَا كَافَ لَنَا أَفْ نُشْرِؾَ بِاللَّ وِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّوِ عَلَيػْنَا وَعَلَى النَّاسِ }إلَى قػَوْلِوِ {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثػَرَ النَّاسِ لاَ يػَعْلَمُوفَ }فػَتَبػَيَّنَ أَفَّ مِلَّةَ آبَادِوِ ىِيَ عِبَادَةُ اللَّوِ . وَىِيَ مِلَّةُ إبػْرَاىِيمَ . وَقَدْ قَ اؿَ تػَعَالَى {وَمَنْ يػَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبػْرَاىِيمَ إلاَّ مَنْ سَفِوَ نػَفْسَوُ }إلَى قػَوْلِوِ {فَلاَ تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنػْتُمْ مُسْلِمُوفَ }وَإِذَا كَافَ كَذَلِكَ فَالْيػَهُودُ وَالنَّصَارَى لَيْسُوا عَلَى مِلَّةِ إبػْرَاىِيمَ وَإِذَا لَمْ يَكُونُوا عَلَى مِلَّتِوِ لَمْ يَكُونُوا يػَعْبُدُوفَ إلَوَ إبػْرَاىِيمَ . فَإِفَّ مَنْ عَبَدَ إلَوَ إبػْرَاىِيمَ كَافَ عَلَى مِلَّتِوِ قَاؿَ تػَعَالَى {وَقَالُوا كُونُوا ىُودًا أَوْ نَصَارَى تػَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبػْرَاىِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَافَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }إلَى قػَوْلِوِ {وَىُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }فػَقَوْلُوُ{ :قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبػْرَاىِيمَ }يػُبػَيِّنُ أَفَّ مَا عَلَيْوِ الْيػَهُودُ وَالنَّصَارَى يػُنَافِي مِلَّةَ إبػْرَاىِيمَ . وَىَذَا بػَعْدَ مَبػْعَثِ مُحَمَّدٍ مِمَّا لاَ رَيْبَ فِيوِ فَإِنَّوُ ىُوَ الَّذِ ي بُعِثَ بِمِلَّةِ إبػْرَاىِيمَ . وَالطَّادِفَتَافِ كَانػَتَا خَارِجَتػَيْنِ عَنػْهَا بِمَا وَقَعَ مِنػْهُمْ مِنْ التَّبْدِيل. قَاؿَ تػَعَالَى {إف أَوْلَى النَّاسِ بِإِبػْرَاىِيمَ لَلَّذِينَ اتػَّبػَعُوهُ وَىَذَا النَّبِي وَالَّذِينَ آمَنُوا}وَقَاؿَ {قُلْ إنَّنِ ي ىَدَانِي رَبِّي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبػْرَاىِيمَ }الآْيَةَ . وَقَاؿَ {ثُم أَوْحَيػْنَا إلَيْكَ أَفِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبػْرَاىِيمَ حَنِيفًا}وَقػَوْلُوُ {وَمَنْ يػَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبػْرَاىِيمَ إلاَّ مَنْ سَفِوَ نػَفْسَوُ }، يػُ بػَيِّنُ أَفَّ كُلَّ مَنْ رَغِبَ عَنػْهَا فػَقَدْ سَفِوَ نػَفْسَوُ . وَفِيوِ مِنْ جِهَةِ الإِْعْرَابِ وَالْمَعْنَى
عدد الصفحات ٥١٨ُ عَنْ مِلَّةِ إبػْرَاىِيمَ إلاَّ مَنْ سَفِوَ نػَفْسَوُ }، يػُ بػَيِّنُ أَفَّ كُلَّ مَنْ رَغِبَ عَنػْهَا فػَقَدْ سَفِوَ نػَفْسَوُ . وَفِيوِ مِنْ جِهَةِ الإِْعْرَابِ وَالْمَعْنَى قػَوْلاَفِ . أَحَدُىُمَا وَىُوَ قػَوْؿُ الْفَرَّاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ نُحَاةِ الْكُوفَةِ وَاخْتِيَارُ ابْنُ قػُتػَيْبَةَ وَغَيْرِهِ وَىُوَ مَعْنَى قػَوْؿِ أَكْثَرِ السَّلَفِ أَفَّ النػَّفْسَ ىِيَ الَّتِي سَفِهَتْ . فَإِفَّ " سَفِوَ " فِعْلٌ لاَزِـٌ لاَ يػَتػَعَدَّى لَكِنَّ الْمَعْنَى: إلاَّ مَنْ كَافَ سَفِيهًا فَجَعَلَ الْفِعْلَ لَوُ وَنَصَبَ النػَّفْسَ عَلَى التَّمْيِيزِ لاَ النَّكِرَةِ كَقَوْلِوِ {وَاشْتػَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا}وَأَمَّا الْكُوفِي وفَ فػَعَرَفُوا ىَذَا وَىَذَا. قَاؿَ الْفَرَّاءُ : نَصْبُ النػَّفْسِ عَلَى التَّشْبِيوِ بِالتػَّفْسِيرِ كَمَا يػُقَاؿُ : ضِقْت بِالأَْمْرِ ذَرْعًا مَعْنَاهُ : ضَاؽَ ذَرْعِي بِوِ . وَمِثػْلُوُ {وَاشْتػَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا}أَيْ
عدد الصفحات ٥١٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 517 - سورة البقرة الجزء الاول اشْتػَعَلَ الشَّيْبَ فِي الرَّأْسِ . قَاؿَ : وَمِنْوُ قػَوْلُوُ : أَلِمَ فُلاَفٌ رَأَسَوُ وَوَجِعَ بَطْنَوُ وَرَشَدَ أَمْرَهُ . وَكَافَ الأَْصْلُ : سَفِهَتْ نػَفْسُ زَيْدٍ وَرَشَدَ أَمْرُهُ فػَلَمَّا حَوَّؿَ الْفِعْلَ إلَى زَيْدٍ انػْتَصَبَ مَا بػَعْدَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ . فػَهَذِهِ شَوَاىِدُ عَرَفػَهَا الْفَرَّاءُ مِنْ كَلاَـِ الْعَرَبِ . وَمِثػْلُوُ قػَوْلُوُ : غَبَنَ فُلاَفٌ رَأْيَوُ وَبَطِرَ عَيْشَوُ . وَمِثْلُ ىَذَا قػَوْلُوُ {بَطِرَتْ مَعِيشَتػَهَا}أَيْ بَطِرَتْ نػَفْسُ الْمَعِيشَةِ . وَىَذَا مَعْنَى قػَوْؿِ يَمَافِ بْنِ رَبَابٍ : حَمِقَ رَأْيُوُ وَنػَفَسُوُ وَىُوَ مَعْنَى قػَوْؿِ ابْنِ السَّادِبِ : ضَلَّ مِنْ قِبَلِ نػَفْسِوِ وَقػَوْؿِ أَبِي رَوْؽٍ : عَجَزَ رَأْيُوُ عَنْ نػَفْسِوِ . وَالْبَصْرِي وفَ لَمْ يػَعْرِفُوا ذَلِكَ . فَمِنػْهُمْ مَنْ قَاؿَ : جَهِلَ نػَفْسَوُ كَمَا قَالَوُ ابْنُ كيساف وَالزَّجَّاجُ . قَاؿَ : لأَِفَّ مَنْ عَبَدَ غَيػْرَ اللَّوِ فػَقَدْ جَهِلَ نػَفْسَوُ لأَِنَّوُ لَمْ يػَعْلَمْ خَالِقَهَا. وَىَذَا الَّذِي قَالُوهُ ضَعِيفٌ . فَإِنَّوُ إفْ قِيلَ إفَّ الْمَعْنَى صَحِيحٌ فػَهُوَ إنَّمَا قَاؿَ (سَفِوَ و " سَفُوَ " فِعْلٌ لاَزِـٌ لَيْسَ بِمُتػَعَدٍّ و " جَهِلَ " فِعْلٌ مُتػَعَدٍّ . وَلَيْسَ فِي كَلاَـِ الْعَرَبِ " سَفَّهْت كَذَا " أَلْبَتَّةَ بِمَعْنَى: جهلتو. بَلْ قَالُوا: سَفُوَ بِالضَّمِّ سَفَاىَةً أَيْ صَارَ سَفِيهًا وَسَفِوَ بِالْكَسْرِ أَيْ حَصَلَ مِنْوُ سَفَوٌ كَمَا قَالُوا فِي " فَقِوَ وَفػَقُوَ ". وَنػَقَلَ بػَعْضُهُمْ : سَفِهَتْ الش رْبَ إذَا أَكْثػَرْت مِنْوُ . وَىُوَ يػُوَافِقُ مَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ أَيْ صَارَ شُرْبُوُ سَفِيهًا فَسَفِوَ شُرْبَوُ لَمَّا جَاوَزَ الْحَدَّ . وَقَاؿَ الأَْخْفَشُ وَيُونُسُ : نُصِبَ بِإِسْقَاطِ الْخَافِضِ أَيْ سَفِوَ فِي نػَفْسِوِ . وَقػَوْلُهُمْ " بِإِسْقَاطِ الْخَافِضِ " لَيْسَ ىُوَ أَصْلاً فػَيػُعْتَبػَرُ بِوِ وَلَكِنْ قَدْ تػَنْزِعُ حُرُوؼُ الْجَرِّ فِي مَوَاضِعَ مَسْمُوعَةٍ فػَيَتػَعَدَّى الْفِعْلُ بِنػَفْسِوِ . وَإِفْ كَافَ مَقِيسًا فِي بػَعْضِ الص وَ رِ . ؼ " سَفِوَ " لَيْسَ مِنْ ىَذَا لاَ يػُقَاؿُ : سَفِهْت أَمْرَ اللَّوِ وَلاَ دِينَ الإِْسْلاَـِ بِمَعْنَى: جَهِلْتو أَيْ سَفِهْت فِيوِ . وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِالسَّفَوِ وَيػُنْصَبُ عَلَى التَّمْيِيزِ مَا خُصَّ بِوِ . مِثْلُ نػَفْسِوِ أَوْ شُرْبِوِ وَنَحْوُ ذَلِ كَ . وَالْمَقْصُودُ أَفَّ كُلَّ مَنْ رَغِبَ عَنْ مِلَّةِ إبػْرَاىِيمَ فػَهُوَ سَفِيوٌ . قَاؿَ أَبُو الْعَالِيَةِ : رَغِبَتْ الْيػَهُودُ وَالنَّصَارَى عَنْ مِلَّةِ إبػْرَاىِيمَ وَابػْتَدَعُوا الْيػَهُودِيَّةَ والنصرانية وَلَيْسَتْ مِنْ اللَّوِ وَتػَرَكُوا دِينَ إبػْرَ اىِيمَ . وَكَذَلِكَ قَاؿَ قتادة: بَدَّلُوا دِينَ الأَْنْبِيَاءِ وَاتػَّبػَعُوا الْمَنْسُوخَ . فَأَمَّا مُوسَى وَالْمَسِيحُ وَمَنْ اتػَّبػَعَهُمَا فػَهُمْ عَلَى مِلَّةِ إبػْرَاىِيمَ مُتَّبِعُوفَ لَوُ وَىُوَ إمَامُهُمْ . وَىَذَا مَعْنَى قػَوْلِوِ {إف أَوْلَى النَّاسِ بِإِبػْرَاىِيمَ لَلَّذِينَ اتػَّبػَعُوهُ وَىَذَا النَّبِي وَالَّذِينَ آمَنُوا}فػَهُوَ يػَتػَنَاوَؿُ الَّذِينَ اتػَّبػَعُوهُ قػَبْلَ مَبػْعَثِ مُحَمَّدٍ وَبػَعْدَ مَبػْعَثِوِ . وَقِيلَ إنَّوُ عَاـ قَاؿَ الْحَسَنُ الْبَصْرِي : كُل مُؤْمِنٍ وَلِي إبػْرَاىِيمَ مِمَّنْ مَضَى وَمِمَّنْ بَقِيَ . وَقَاؿَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : ىُمْ الْمُؤْمِنُوفَ الَّذِينَ صَدَّقُوا نَبِيَّ اللَّوِ وَاتػَّبػَعُوهُ وَكَافَ مُحَمَّدٌ وَاَلَّذِينَ مَعَوُ مِنْ
عدد الصفحات ٥١٩َّنْ مَضَى وَمِمَّنْ بَقِيَ . وَقَاؿَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : ىُمْ الْمُؤْمِنُوفَ الَّذِينَ صَدَّقُوا نَبِيَّ اللَّوِ وَاتػَّبػَعُوهُ وَكَافَ مُحَمَّدٌ وَاَلَّذِينَ مَعَوُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبػْرَاىِيمَ . وَىَذَا وَغَيػْرُهُ مِمَّا يػُبػَ يِّنُ أَفَّ الْيػَهُودَ وَالنَّصَارَى لاَ يػَعْبُدُوفَ اللَّوَ وَلَيْسُوا عَلَى مِلَّةِ إبػْرَاىِيمَ . فَإِفْ قِيلَ : فَالْمُشْرِؾُ يػَعْبُدُ اللَّوَ وَغَيػْرَهُ بِدَلِيلِ قػَوْؿِ الْخَلِيلِ {أَفػَرَأَيػْتُمْ مَا كُنْتُمْ تػَعْبُدُوفَ { }أَنػْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَْقْدَ مُوفَ { }فَإِنػَّهُمْ عَدُو لِي إلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ }فػَقَدْ اسْتَثػْنَاهُ مِمَّا يػَعْبُدُوفَ فَدَؿَّ عَلَى أَنػَّهُمْ كَانُوا يػَعْبُدُوفَ اللَّوَ . وَكَذَلِكَ قػَوْلُوُ {إنَّنِي بػَرَاءٌ مِمَّا تػَعْبُدُوفَ { }إ الَّذِي فَطَرَنِي}وَاسْتَثػْنَاهُ أََيْ ضًا. وَفِي الْمَسْنَدِ وَغَيْرِهِ حَدِيثُ {حُصَيْنٍ الخزاعي لَمَّا قَاؿَ لَوُ النَّبِي يَا حُصَيْنُ كَمْ تػَعْبُدُ الْيػَوْـَ؟ قَاؿَ : سَبػْعَةُ آلِهَةٍ سِتَّةٌ فِي الأَْرْضِ وَوَاحِدٌ فِي السَّمَاءِ . قَاؿَ : فَمَنْ الَّذِي تػَعُد لِرَغْبَتِك وَرَىْبَتِك؟ قَاؿَ : الَّذِي فِي السَّمَاءِ }قِيلَ: ىَذَا قػَوْؿُ الْمُشْرِكِينَ كَمَا تػَقُوؿُ الْيػَهُودُ وَالنَّصَارَى: نَحْنُ نػَعْبُدُ اللَّوَ . فػَهُمْ يَظُن وفَ أَفَّ عِبَادَتَوُ مَعَ الشِّرْؾِ بِوِ عِبَادَةٌ وَىُمْ كَاذِبُوفَ فِي ىَذَا. وَأَمَّا قػَوْؿُ الْخَلِيلِ فَ فِيوِ قػَوْلاَفِ . قَاؿَ طَادِفَةٌ : إنَّوُ اسْتِثػْنَاءٌ مُنػْقَطِعٌ . وَقَاؿَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ : كَانُوا يػَعْبُدُوفَ اللَّوَ مَعَ آلِهَتِهِمْ . وَعَلَى ىَذَا فػَهَذَا لَفْظٌ مُقَيَّدٌ . فَإِنَّوُ قَاؿَ {مَا تػَعْبُدُوفَ }فَسَمَّاهُ عِبَادَةً إذَا عَ رَؼَ الْمُرَادَ لَكِنْ لَيْسَتْ ىِيَ الْعِبَادَةُ الَّتِي ىِيَ عِنْدَ اللَّوِ عِبَادَةٌ . فَإِنَّوُ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ " :أَنَا أَغْنَى الش رَكَاءِ عَنْ الشِّرْؾِ . مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَؾَ فِيوِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْوُ بَرِيءٌ وَىُوَ كُل وُ لِلَّذِ ي أَشْرَؾَ }وَىَذَا كَقَوْلِوِ تػَعَالَى {وَمَا يػُؤْمِنُ أَكْثػَرُىُمْ
عدد الصفحات ٥١٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 518 - سورة البقرة الجزء الاول بِاللَّوِ إلاَّ وَىُمْ مُشْرِكُوفَ }سَمَّاهُ إيمَانًا مَعَ التػَّقْيِيدِ وَإِلاَّ فَالْمُشْرِؾُ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّوِ إلَهًا آخَرَ لاَ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الإِْيمَافِ عِنْدَ الإِْطْلاَؽِ . وَقَدْ قَاؿَ {يػُؤْمِنُوفَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ { }فػَبَشِّرْىُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }فػَهَذَا مَعَ التػَّقْيِيدِ . وَمَعَ الإِْطْلاَؽِ فَالإِْيمَافُ ىُوَ الإِْيمَافُ بِاَللَّوِ وَالْبِشَارَةُ بِالْخَيْرِ . وَقػَوْلُوُ {وَلاَ أَنػْتُمْ عَابِدُوفَ مَا أَعْبُدُ }نػَفْيُ الْعِبَادَةِ مُطْلَقًا لَيْسَ ىُوَ نػَفْيٌ لِمَا قَدْ يُسَمَّى عِبَادَةً مَعَ التػَّقْيِيدِ . وَالْمُشْرِؾُ إذَا كَافَ يػَعْبُدُ اللَّوَ وَيػَعْبُدُ غَيػْرَهُ فػَيػُقَاؿُ : إنَّوُ يػَعْبُدُ اللَّوَ وَغَيػْرَهُ أَوْ يػَعْبُدُهُ مُشْرِكًا بِوِ . لاَ يػُقَاؿُ : إنَّوُ يػَعْبُدُ مُطْلَقًا. وَالْمُعَطِّلُ الَّذِي لاَ يػَعْبُدُ شَيْئًا شَر مِنْوُ . وَالْعِبَادَةُ الْمُطْلَقَةُ الْمُعْتَدِلَةُ ىِيَ الْمَقْبُولَةُ وَعِبَادَةُ الْمُشْرِؾِ لَيْسَتْ مَقْبُولَةً . وَمِمَّا يػُوَضِّحُ ىَذَا قػَوْلُوُ { :أَـْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يػَعْقُوبَ الْمَوْتُ }الآْيَةَ . قَالُوا فِيهَا {نػَعْبُدُ إلَهَكَ وَإِلَوَ آبَادِكَ }ثُم قَالُوا{ :إلَهًا وَاحِدًا }فػَهَذَا بَدَؿٌ مِنْ الأَْوَّؿِ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ . فَإِفَّ النَّكِرَةَ تػُبْدَؿُ مِنْ الْمَعْرِفَةِ كَمَا فِي قػَوْلِوِ {لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ { }نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ }فَذُكِرَتْ مُعَرَّفَةً وَمَوْصُوفَةً . كَذَلِكَ قَالُوا {نػَعْبُدُ إلَهَكَ }فػَعَرَّفُوهُ ثُمَّ قَالُوا {إلَهًا وَاحِدًا }فػَوَصَفُوهُ. وَالْبَدَؿُ فِي حُكْمِ تَكْرِيرِ الْعَامِلِ أَحْيَانً ا كَمَا فِي قػَوْلِوِ {قَاؿَ الْمَلأَُ الَّذِينَ اسْتَكْبػَرُوا مِنْ قػَوْمِوِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنػْهُمْ }فَالتػَّقْدِيرُ: نػَعْبُدُ إلَهَك نػَعْبُدُ إلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَوُ مُسْلِمُوفَ . فَجَمَعُوا بػَيْنَ الْخَبػَرَيْنِ بِأَمْرَيْنِ بِأَ نػَّهُمْ يػَعْبُدُوفَ إلَهَوُ وَأَنػَّهُمْ إنَّمَا يػَعْبُدُوفَ إلَهًا وَاحِدًا . فَمَنْ عَبَدَ إلَهَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَابِدًا لإِِلَهِوِ وَإِلَوِ آبَادِوِ . وَإِنَّمَا يػَعْبُدُ إلَهَوُ مَنْ عَبَدَ إلَهًا وَاحِدًا . وَلَوْ كَافَ مَنْ عَبَدَ اللَّوَ وَعَبَدَ مَعَ وُ غَيػْرَهُ عَابِدًا لَوُ لَكَانَتْ عِبَادَتُوُ نػَوْعَيْنِ عِبَادَةَ إشْرَاؾٍ وَعِبَادَةَ إخْلاَصٍ . وَإِذَا كَافَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قػَوْلُوُ {إلَهًا وَاحِدًا }بَدَلاً. لأَِفَّ ىَذَا كُل مِنْ كُلٍّ لَيْسَ ىُوَ بَدَؿُ بػَعْضٍ مِنْ كُلٍّ . فػَعَلِمَ أَفَّ إلَهَوُ وَإِلَوَ آبَادِوِ لاَ يَكُوفُ إلاَّ إلَهًا وَاحِدًا . وَالْوَجْوُ الثَّانِي: قػَوْلُوُ {إلَهًا وَاحِدًا }نُصِبَ عَلَى الْحَاؿِ لَكِنػَّهَا حَاؿٌ لاَزِمَةٌ فَإِنَّوُ لاَ يَكُوفُ إلاَّ إلَهًا وَاحِدًا كَقَوْلِوِ {وَىُوَ الْحَق مُصَدِّقًا}وَىُوَ لاَ يَ كُوفُ إلاَّ مُصَدِّقًا. وَمِنْوُ {مِلَّةَ إبػْرَاىِيمَ حَنِيفًا{ }وَيػَقْتػُلُوفَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ }فَمَنْ عَبَدَ مَعَوُ غَيػْرَهُ فَمَا عَبَدَهُ إلَهًا وَاحِدًا وَمَنْ أَشْرَؾَ بِوِ فَمَا عَبَدَهُ . وَىُوَ لاَ يَكُوفُ إلاَّ إلَهًا وَاحِدًا . فَإِذَ ا لَمْ يػَعْبُدُهُ فِي الْحَاؿِ اللاَّزِمَةِ لَوُ لَمْ تَكُنْ لَوُ حَاؿٌ أُخْرَى يػَعْبُدُهُ فِيهَا فَمَا عَبَدَهُ . فَإِفْ قِيلَ : الْمُشْرِؾُ يَجْعَلُ مَعَوُ آلِهَةً أُخْرَى فػَهُوَ يػَعْبُدُ فِي حَاؿٍ لَيْسَ ىُوَ فِيهَا الْوَاحِدُ قِيلَ : ىَذَا غَلَطٌ مَنْشَؤُ هُ أَفَّ لَفْظَ "
عدد الصفحات ٥٢٠ا عَبَدَهُ . فَإِفْ قِيلَ : الْمُشْرِؾُ يَجْعَلُ مَعَوُ آلِهَةً أُخْرَى فػَهُوَ يػَعْبُدُ فِي حَاؿٍ لَيْسَ ىُوَ فِيهَا الْوَاحِدُ قِيلَ : ىَذَا غَلَطٌ مَنْشَؤُ هُ أَفَّ لَفْظَ " الإِْلَوِ " يػُرَادُ بِوِ الْمُسْتَحِق لِلإِْلَهِيَّةِ وَيػُرَادُ بِوِ مَا اتَّخَذَهُ النَّاسُ إلَهًا وَإِفْ لَمْ يَكُنْ إلَهًا فِي نػَفْسِ الأَْمْرِ بَلْ ىِيَ أَسْمَاءٌ سَمَّوْىَا ىُمْ وَآبَاؤُىُمْ . فَتِلْكَ لَيْسَتْ فِي نػَفْسِهَا آلِهَةً وَإِنَّمَا ىِيَ آلِهَةٌ فِي أَنػْفُسِ الْعَابِدِينَ . فَإِلَهِيَّتػُهَا أَمْرٌ قَدَّرَهُ الْمُشْرِكُوفَ وَجَعَلُوهُ فِي أَنػْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَفْ يَكُوفَ مُطَابِقًا لِلْخَارِجِ كَاَلَّذِي يَجْعَلُ مَنْ لَيْسَ بِعَالَمِ عَالِمًا وَمَنْ لَيْسَ بِحَيِّ حَيًّ ا وَمَنْ لَيْسَ بِصَادِؽِ وَلاَ عَدْؿٍ صَادِقًا وَعَدْلاً فػَيػُقَاؿُ : ىَذَا عِنْدَؾ صَادِؽٌ وَعَادِؿٌ وَعَالِمٌ وَتِلْكَ اعْتِقَادَاتٌ غَيػْرُ مُطَابِقَةٍ وَأَقػْوَاؿٌ كَاذِبَةٌ غَيػْرُ لاَدِقَةٍ . وَلِهَذَا يَجْعَلُ سُبْحَانَوُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الاِفْتِرَاءِ وَالْكَذِبِ كَمَا قَاؿَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ {ىَؤُلاَءِ قػَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِوِ آلِهَةً لَوْلاَ يَأْتُوفَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَافٍ بػَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افػْتػَرَى عَلَى اللَّوِ كَذِبًا}وَقَاؿَ الْخَلِيلُ {إنَّمَا تػَعْبُدُوفَ مِنْ دُوفِ اللَّوِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُوفَ إفْكًا}وَقَاؿَ {وَمَا يػَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُوفَ مِنْ دُوفِ اللَّوِ شُرَكَاءَ إفْ يػَتَّبِعُوفَ إلاَّ الظَّنَّ وَإِفْ ىُمْ إلاَّ يَخْرُصُوفَ }أَيْ أَي شَيْءٍ يػَتَّبِعُ الَّذِينَ يُشْرِكُوفَ؟ وَإِنَّمَا يػَتَّبِعُوفَ الظَّنَّ وَالْخَرْصَ وَىُوَ الْحَزْرُ . ىَذَا صَوَابٌ وَأَفَّ مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ . وَقَدْ قِيلَ إنػَّهَا نَافِيَةٌ وَبػَعْضُهُمْ لَمْ يَذْكُرْ غَيػْرَهُ كَأَبِي الْفَرَجِ . وَىُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَدْ بػُيِّنَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ ىَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَاؿَ ىُودٌ {اعْبُدُوا اللَّوَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَوٍ غَيػْرُهُ إفْ أَنػْتُمْ إلاَّ مُفْتػَرُوفَ }وَإِذَا كَانَتْ إلَهِيَّةُ مَا سِوَى اللَّوِ أَمْرًا مُخْتػَلَقًا يُوجَدُ فِي الذِّىْنِ وَاللِّسَافِ لاَ وُجُودَ
عدد الصفحات ٥٢٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 519 - سورة البقرة الجزء الاول لَوُ فِي الأَْعْيَافِ . وَىُوَ مِنْ بَابِ الْكَذِبِ وَالاِعْتِ قَادِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَيْسَ بِمُطَابِقِ . وَمَا عِنْدَ عَابِدِيهَا مِنْ الْحُبِّ وَالْخَوْؼِ وَالرَّجَاءِ لَهَا تَابِعٌ لِذَلِكَ الاِعْتِقَادِ الْبَاطِلِ . كَمَنْ اعْتػَقَدَ فِي شَخْصٍ أَنَّوُ صَادِؽٌ فَصَدَّقَوُ فِيمَا يػَقُوؿُ وَبػَنَى عَلَى إخْبَارِهِ أَ عْمَالاً كَثِيرَةً . فػَلَمَّا تػَبػَيَّنَ كَذِبُوُ ظَهَرَ فَسَادُ تِلْكَ الأَْعْمَاؿِ كَأَتػْبَاعِ مُسَيْلِمَةَ وَالأُْسُودِ وَغَيْرِىِمَا مِنْ أَصْحَابِ الزَّوَايَا وَالتػ رَّىَاتِ وَمَا يَشْرَعُونَوُ لأَِتػْبَاعِهِمْ مِمَّا لَمْ يَأْذَفْ بِوِ اللَّوُ بِخِلاَؼِ الصَّادِؽِ وَالصِّدْؽِ . وَلِهَذَا كَانَتْ كَلِمَةُ التػَّوْحِيدِ {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفػَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ }وَقَاؿَ فِي كَلِمَةِ الشِّرْؾِ {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فػَوْؽِ الأَْرْضِ مَا لَهَا مِنْ قػَرَارٍ }فػَلَيْسَ لَهَا أَسَاسٌ ثَابِتٌ وَلاَ فػَرْعٌ ثَابِتٌ إذْ كَانَتْ بَاطِلَةً كَأَقػْوَاؿِ الْكَاذِبِينَ وَأَعْمَالِهِمْ . بَلْ ىِيَ أَعْظَمُ الْكَذِبِ وَالاِفْتِرَاءِ مَعَ الْحُبِّ لَهَا. وَالشِّرْؾُ أَعْظَمُ الظ لْمِ { .قَاؿَ ابْنُ مَسْعُودٍ قػُلْت: يَا رَسُوؿَ اللَّوِ أَيْ الذَّنْبِ أَعْظَمُ . قَاؿَ : أَفْ تَجْعَلَ لِلَّوِ نِدًّا وَىُوَ خَلَقَك}فػَنػَفْسُ تَأَل هِهِمْ لَهَا وَعِبَادَتِهِمْ إيَّاىَا وَتػَعْظِيمِهَا وَحُبػِّهَا وَدُعَادِهَا وَاعْتِقَادِىَا آلِهَةً وَالْخَبػَرُ عَنػْهَا بِأَنػَّهَا آلِهَةٌ مَوْجُودٌ كَمَا كَافَ اعْتِقَادُ الْكَذَّابِينَ مَوْجُودًا. وَأَمَّا نػَفْسُ اتِّصَافِهَا بِالإِْلَهِيَّةِ فَمَفْقُودٌ كَاتِّصَاؼِ مُسَيْلِمَةَ بِالن بػُوَّةِ . فػَهُنَا حَالاَفِ حَاؿٌ لِلْعَابِدِ وَحَاؿٌ لِلْمَعْبُودِ . فَأَمَّا الْعَابِدُوفَ فَكُل هُمْ فِي قػُلُوبِهِمْ عِبَادَ ةٌ وَتَأَل وٌ لِمَنْ عَبَدُوهُ . وَأَمَّا الْمَعْبُودُوفَ فَالرَّحْمَنُ لَوُ الإِْلَهِيَّةُ وَمَا سِوَاهُ لاَ إلَهِيَّةَ لَوُ بَلْ ىُوَ مَيِّتٌ لاَ يَمْلِكُ لِعَابِدِيوِ ضَرًّا وَلاَ نػَفْعًا{ .قُلْ لَوْ كَافَ مَعَوُ آلِهَةٌ كَمَا يػَقُولُوفَ إذًا لاَبػْتػَغَوْ ا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً }وَىُوَ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ {سَبِيلاً}بِالتػَّقَر بِ بِعِبَادَتِوِ وَذِكْرِهِ . وَلِهَذَا قَاؿَ بػَعْدَىَا {تُسَبِّحُ لَوُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَْرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِفْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ }فَأَخْبػَرَ عَنْ الْخَلاَدِقِ كُلِّهَا أَنػَّهَا تُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ . وَقَدْ بُسِطَ ىَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ . فػَقَوْلُوُ {نػَعْبُدُ إلَهَكَ { }إلَهًا وَاحِدًا }إذَا قِيلَ إنَّوُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَاؿِ فَإِمَّا أَفْ يَكُوفَ حَالاً مِنْ الْفَاعِلِ الْعَابِدِ أَوْ مِنْ الْمَفْعُوؿِ الْمَعْبُودِ . فَالأَْوَّؿُ : نػَعْبُدُهُ فِي حَاؿِ كَوْنِنَا مُخْلِصِينَ لاَ نػَعْبُدُ إلاَّ إيَّاهُ . وَالثَّانِي نػَعْبُدُهُ فِي الْحَاؿِ اللاَّزِمَةِ لَوُ وَىُوَ أَنَّوُ إلَوٌ وَاحِدٌ فػَنػَعْبُدُهُ مُخْلِصِينَ مُعْتَرِفِينَ لَوُ بِأَنَّ وُ الإِْلَوُ وَحْدَهُ دُوفَ مَا سِوَاهُ . فَإِفْ كَافَ التػَّقْدِيرُ ىَذَا الثَّانِي امْتػَنَعَ أَفْ يَكُوفَ الْمُشْرِؾُ عَابِدًا لَوُ فَإِنَّوُ لاَ يػَعْبُدُهُ فِي ىَذِهِ الْحَاؿِ وَىُوَ سُبْحَانَوُ لَيْسَتْ لَوُ حَاؿٌ أُخْرَى نػَعْبُدُهُ فِيهَا. وَإِفْ كَافَ التػَّقْدِيرُ الأَْوَّؿُ فػَقَدْ يُمْكِنُ أَفْ نػَعْبُدَهُ فِي حَاؿٍ أُخْرَى نػَتَّخِذُ مَعَوُ آلِهَةً أُخْرَى فِي أَنػْفُسِنَا . لَكِنَّ قػَوْلَوُ {إلَهًا
عدد الصفحات ٥٢١فِيهَا. وَإِفْ كَافَ التػَّقْدِيرُ الأَْوَّؿُ فػَقَدْ يُمْكِنُ أَفْ نػَعْبُدَهُ فِي حَاؿٍ أُخْرَى نػَتَّخِذُ مَعَوُ آلِهَةً أُخْرَى فِي أَنػْفُسِنَا . لَكِنَّ قػَوْلَوُ {إلَهًا وَاحِدًا }دَلِيلٌ عَلَى أَنػَّهَا حَاؿٌ مِنْ الْمَعْبُودِ بِخِلاَؼِ مَا إذَا قِيلَ : نػَعْبُدُهُ مُخْلِصِينَ لَوُ الدِّينُ فَإِفَّ ىَذِهِ حَاؿٌ مِنْ الْفَاعِلِ . وَلِهَذَا يَأْتِي ىَذَا فِي الْقُرْآفِ كَثِيرًا كَقَوْلِوِ {فَاعْبُدِ اللَّوَ مُخْلِصًا لَوُ الدِّينَ }وَقػَوْلِوِ {قُلِ اللَّوَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَوُ دِينِي}فػَهَذَا حَاؿٌ مِنْ الْفَاعِلِ فَإِنَّوُ يَ كُوفُ تَارَةً مُخْلِصًا وَتَارَةً مُشْرِكًا. وَأَمَّا الرَّب تػَعَالَى فَإِنَّوُ لاَ يَكُوفُ إلاَّ إلَهًا وَاحِدًا . وَالْحَاؿُ وَإِفْ كَانَتْ صِفَةً لِلْمَفْعُوؿِ فَهِيَ أَيْضًا حَاؿٌ لِلْفَاعِلِ . فَإِنػَّهُمْ قَالُوا: نػَعْبُدُهُ فِي ىَذِهِ الْحَاؿِ . فػَلَ زِـَ أَفَّ عِبَادَتػَهُمْ لَوُ لَيْسَتْ فِي غَيْرِ ىَذَا الْحَاؿِ . وَبػَيَّنَ أَفَّ قػَوْلَوُ {نػَعْبُدُ إلَهَكَ وَإِلَوَ آبَادِكَ { . . . }إلَهًا وَاحِدًا }ىِيَ حَاؿٌ مُتػَعَلِّقَةٌ بِالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُوؿِ جَمِيعًا بِالْعَابِدِ وَالْمَعْبُودِ . فَإِفَّ الْعَ امِلَ فِيهَا الْمُتػَعَلِّقَ بِهَا الْعِبَادَةُ وَىِيَ فِعْلُ الْعَابِدِ وَاَلَّذِي يػُقَاؿُ لَوُ الْمَفْعُوؿُ فِي الْعَرَبِيَّةِ ىُوَ الْمَعْبُودُ . كَمَا قِيلَ فِي الْجُمْلَةِ {وَنَحْنُ لَوُ مُسْلِمُوفَ }قِيلَ: ىِيَ وَاوُ الْعَطْفِ وَقِيلَ وَاوُ الْحَاؿِ أَيْ نػَعْبُدُهُ فِي ىَذِهِ الْحَاؿِ . قَالُوا: وَىِيَ حَاؿٌ مِنْ فَاعِلِ " نػَعْبُدُ " أَوْ مَفْعُولِوِ لِرُجُوعِ الْهَاءِ إلَيْوِ فِي " لَوُ " وَىَذَا التػَّرْدِيدُ غَلَطٌ إذْ ىِيَ حَاؿٌ مِنػْهُمَا جَمِيعًا. فَإِنػَّهُمْ إذَا عَبَدُوهُ وَىُمْ مُسْلِمُوفَ فػَهُمْ مُسْلِمُوفَ حَاؿَ كَوْنِهِمْ عَابِدِينَ وَحَاؿَ كَوْنِوِ مَعْبُودًا إذْ كَوْنػُهُمْ عَابِدِينَ وَكَوْنِوِ مَعْبُودًا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِمُقَارَنَةِ أَحَدِىِمَا دُوفَ الآْخَرِ . فَالظَّرْؼُ وَالْحَاؿُ ىُنَا كَلِمَةٌ وَلَيْسَتْ مُفْرَدًا وَلِهَذَا اشْتَبَوَ عَلَيْهِمْ . فَإِفَّ الْمُفْرَدَ لاَ
عدد الصفحات ٥٢١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 521 - سورة البقرة الجزء الاول يُمْكِنُ أَفْ يَكُوفَ فِي اللَّفْظِ صِفَةً لِهَذَا وَىَذَا. فَإِذَا قػُلْت: ضَرَبْت زَيْدًا قَاعِدًا فَالْقُعُودُ حَاؿٌ لِلْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُوؿِ . وَإِذَا قػُلْت: ضَرَبْتو وَالنَّاسُ قػُعُودٌ فػَلَيْسَ ىَذِهِ الْحَاؿُ مِ نْ أَحَدِىِمَا دُوفَ الآْخَرِ بَلْ ىِيَ مُقَارِنَةٌ لِلضَّرْبِ الْمُتػَعَلِّقِ بِهَا كَأَنَّوُ قَاؿَ : ضَرَبْتو فِي زَمَافِ قػُعُودِ النَّاسِ . فػَهُوَ ظَرْؼٌ لِلْفِعْلِ الْمُتػَعَلِّقِ بِالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُوؿِ بِخِلاَؼِ مَا إذَا قػُلْت: ضَرَبْتو فِي حَاؿِ قػُ عُودِي أَوْ قػُعُودِهِ فػَهَذَا يَخْتَلِفُ . وَالآْيَةُ فِيهَا {إلَهًا وَاحِدًا }فػَهَذِهِ حَاؿٌ مِنْ الْمَعْبُودِ بِلاَ رَيْبٍ . فػَلَزِـَ أَنػَّهُمْ إنَّمَا عَبَدُوهُ فِي حَاؿِ كَوْنِوِ إلَهًا وَاحِدًا وَىَذِهِ لاَزِمَةٌ لَوُ . وَإِذَا قِيلَ الْمُرَادُ : فِي حَ اؿِ كَوْنِوِ مَعْبُودًا وَاحِدًا لاَ نػَتَّخِذُ مَعَوُ مَعْبُودًا آخَرَ فػَهَذِهِ حَاؿٌ لَيْسَتْ لاَزِمَةً لَكِنَّوُ صِفَةٌ لِلْعَابِدِينَ لاَ لَوُ . قِيلَ : ىَذَا لَيْسَ فِيوِ مَدْحٌ لَوُ وَلاَ وَصْفٌ لَوُ بِأَنَّوُ يَسْتَحِق الإِْلَهِيَّةَ . لَكِنْ فِيهَا وَ صْفَهُمْ فػَقَطْ . وَأَيْضًا فػَقَوْلُوُ {إلَهًا وَاحِدًا }كَقَوْلِوِ {وَإِلَهُكُمْ إلَوٌ وَاحِدٌ }فػَهُوَ فِي نػَفْسِوِ إلَوٌ وَاحِدٌ وَإِفْ جَعَلَ مَعَوُ الْمُشْرِكُوفَ آلِهَةً بِالاِفْتِرَاءِ وَالْحُبِّ . فػَيَجِبُ أَفْ يَكُوفَ الْمُرَادُ مَا دَؿَّ عَلَيْوِ ىَ ذَا الاِسْمُ . وَلَوْ أَرَادُوا ذَلِكَ الْمَعْنَى لَقَالُوا: نػَعْبُدُهُ مُخْلِصِينَ لَوُ الدِّينَ . وَىَذَا الْمَعْنَى قَدْ ذَكَرُوهُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ وَىِيَ قػَوْلُهُمْ {وَنَحْنُ لَوُ مُسْلِمُوفَ }لاَ سِيَّمَا إذَا جُعِلَتْ حَالاً أَيْ نػَعْبُدُهُ إلَهًا وَاحِدًا فِي حَاؿِ إسْلاَمِنَا لَوُ . وَإِسْلاَمِهِمْ لَوُ يػَتَضَمَّنُ إخْلاَصَ الدِّينِ لَوُ وَخُضُوعَهُمْ وَاسْتِسْلاَمَهُمْ لأَِحْكَامِوِ بِخِلاَؼِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ . وَلِهَذَا قَاؿَ آمِرًا لِلْمُؤْمِنِينَ أَفْ يػَقُولُوا {آمَنَّا بِاللَّوِ وَ مَا أُنْزِؿَ إلَيػْنَا وَمَا أُنْزِؿَ إلَى إبػْرَاىِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاؽَ وَيػَعْقُوبَ وَالأَْسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِي وفَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نػُفَرِّؽُ بػَيْنَ أَحَدٍ مِنػْهُمْ وَنَحْنُ لَوُ مُسْلِمُوفَ }ثُم قَ اؿَ {صِبػْغَةَ اللَّوِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّوِ صِبػْغَةً وَنَحْنُ لَوُ عَابِدُوفَ { }قُلْ أَتُحَاج ونػَنَا فِي اللَّوِ وَىُوَ رَبػ نَا وَرَب كُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَوُ مُخْلِصُوفَ }وَفِي ىَذِهِ الآْيَاتِ مَعَافٍ جَلِ يلَةٌ لَيْسَ ىَذَا مَوْضِعُ اسْتِيفَادِهَا. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف التوحيد وصية الأنبياء؛ لقولو تعالى{ :ما تعبدوف من بعدي قالوا نعبد إلهك وإلو آبادك. ٕ- أف الموت حق حتى على الأنبياء؛ قاؿ الله تعالى{ :وما محمد إلا رسوؿ قد خلت من قبلو الرسل[ }آؿ عمراف: ٗٗٔ] ٖ- جواز الوصية عند حضور الأجل؛ لقولو تعالى{ :إذ حضر يعقوب الموت إذ قاؿ لبنيو ما تعبدوف من بعدي قالوا نعبد إلهك}؛ وىذا كالوصية لهم؛ ولكنو يشترط أف يكوف الموصي يعي ما يقوؿ؛ فإف كاف لا يعي ما يقوؿ فإنو لا تصح وصيتو. ٗ- رجحاف القو ؿ الصحيح بأف الجد أب في الميراث؛ لقولو تعالى{ :آبادك إبراىيم} ٘- أنو يجوز إطلاؽ اسم الأب على العم تغليبا؛ لقولو تعالى{ :وإسماعيل} ٙ- أف أبناء يعقوب كانوا على التوحيد، حيث قالوا{ :نعبد إلهك وإلو آبادك}؛ وىذا لا شك توحيد منهم.
عدد الصفحات ٥٢٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 521 - سورة البقرة الجزء الاول ٚ- أف النفوس مجبولة على إتباع الآباء؛ لكن إف كاف على حق فهو حق؛ وإف كاف على باطل فهو باطل؛ لقولهم: {وإلو آبادك}؛ ولهذا الذين حضروا وفاة أبي طالب قالوا لو: أترغب عن ملة عبد المطلب. ٛ- أىمية التوحيد، والعناية بو؛ لقولو تعالى{ :ما تعبدوف من بعدي} ٜ- أف العبادة والألوىية معناىما واحد؛ لكن العبادة باعتبار العابد؛ والألوىية باعتبار المعبود؛ ولهذا كاف أىل العلم يسموف التوحيد توحيد العبادة؛ وبعضهم يقوؿ: توحيد الألوىية. ٓٔ- إخلاص الإسلاـ لله، حيث قاؿ تعالى{ :ونحن لو مسلموف}؛ وجو الإخلاص: تقديم المعموؿ في {لو}؛ لأنو متعلق بػ {مسلموف}؛ فهو معموؿ لو؛ وقد علم أف تقديم المعموؿ يفيد الحصر. ٔٔ- إثبات الوحدانية لله سبحانو وتعالى في قولو تعالى{ :إلها واحدا} تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُوفَ عَمَّا كَانُوا يػَعْمَلُوفَ (ٖٗٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :تلك آمة قد خلت} المشار إليو إبراىيم، وإسماعيل، وإسحاؽ، ويعقوب، ومن سبق؛ وكاف اليهود يجادلوف النبي في ىؤلاء؛ فبين الله تعالى أف ىذه أمة قد مضت {لها ما كسبت ولكم ما كسبتم} ف تنالوف مما كسبوا شيئا؛ ولا ينالوف مما كسبتم شيئا. و «الأمة» ىنا بمعنى طادفة؛ وتطلق في القرآف على عدة معاف؛ المعنى الأوؿ: الطادفة، كما ىنا؛ المعنى الثاني: الحقبة من الزمن، مثل قولو تعالى{ :وقاؿ الذي نجا منهما وادكر بعد أمة[ }يوسف: ٘ٗ]يعني: بعد حقبة من الزمن؛ والمعنى الثالث: الإماـ، مثل قولو تعالى{ :إف إبراىيم كاف أمة} [النحل: ٕٓٔ]؛ والمعنى الرابع: الطريق، والملة، مثل قولو تعالى{ :إنا وجدنا آباءنا على أمة[ }الزخرؼ : ٕٕ] قولو تعالى{ :و تسألوف عما كانوا يعملوف} :أي لا تسألوف عن أعماؿ من سبقكم؛ لأف لهم ما كسبوا، ولكم ما كسبتم. قاؿ السعدي: أي: كل لو عملو، وكل سيجازى بما فعلو، لا يؤخذ أحد بذنب أحد ولا ينفع أحدا إلا إيمانو وتقواه فاشتغالكم بهم وادعاؤكم، أنكم على ملتهم، والرضا بمجرد القوؿ، أمر فارغ لا حقيقة لو، بل الواجب عليكم، أف تنظروا حالتكم التي أنتم عليها، ىل تصلح للنجاة أـ لا؟
عدد الصفحات ٥٢٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 522 - سورة البقرة الجزء الاول (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف الاعتماد على أعماؿ الآباء لا يجدي شيئا؛ لقولو تعالى{ :تلك أمة قد خلت ... }الآية؛ يعني ىم مضوا، وأسلموا لله؛ وأنتم أيها اليهود الموجودوف في عهد الرسوؿ عليكم أف تنظروا ماذا كسبتم لأنفسكم. ٕ- الإشارة إلى أنو ينبغي لنا أف نسكت عما جرى بين الصحابة؛ لأنا نقوؿ كما قاؿ الله لهؤلاء{ :تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم}فنحن معنيوف الآف بأنفسنا؛ ويذكر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمو الله أنو سئل عما جرى بين الصحابة، فقاؿ لهم: «ىذه دماء طهر الله سيوفنا منها؛ فنحن نطهر ألسنتنا منها» ؛ ىذه كلمة عظيمة؛ فعلى ىذا النزاع فيما جرى بين معاوية، وعلي بن أبي طالب، وعادشة، وما أشبو ذلك لا محل لو؛ لكن الذي يجب أف نعتني بو حاضر الأمة؛ ىذا الذي يجب أف يبين فيو الحق، ويبطل فيو الباطل؛ ونقوؿ{ :ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيماف ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوؼ رحيم [ }الحشر: ٓٔ] ٖ- أف الإنساف وعملو؛ لقولو تعالى{ :لها ما كسبت ولكم ما كسبتم}؛ فلا أحد يعطى من عمل أحد، ولا يؤخذ منو؛ قاؿ تعالى{ :كل نفس بما كسبت رىينة[ }المدثر: ٖٛ] ٗ- أف الآخر لا يسأؿ عن عمل الأوؿ؛ ولكن الأوؿ قد يسأؿ عن عمل الآخر، كما قاؿ تعالى{ :وجعلناىم أدمة يدعوف إلى النار[ }القصص: ٔٗ]؛ فقد يكوف الأوؿ صاحب بدعة، ويتبع على بدعتو؛ فيكوف دالا على ضلالة؛ فعليو وزرىا، ووزر من عمل بها إلى يوـ القيامة؛ لكن الآخر لا يسأؿ عن عمل الأوؿ؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي : «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (ٔ) ؛ وفي لفظ: «فتؤذوا الأحياء» (ٕ) ٘- إثبات عدؿ الله سبحانو وتعالى، وأنو لا يؤاخذ أحدا بما لم يعملو؛ لقولو تعالى{ :و تسألوف عما كانوا يعملوف} ٙ- إثبات السؤاؿ، وأف الإنساف سيسأؿ؛ لقولو تعالى{ :و تسألوف عما كانوا يعملوف}؛ منطوؽ الآية: نفي السؤاؿ عن عمل الغير؛ ومفهومها: ثبوت السؤاؿ عن عمل العامل، وأنو مسؤوؿ عن العمل. وَقَالُوا كُونُوا ىُودًا أَوْ نَصَارَى تػَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبػْرَاىِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَافَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (ٖ٘ٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وقالوا} الضمير يعود على اليهود، والنصارى، يخاطبوف المسلمين؛ {كونوا ٔ- أخرجو البخاري صٜٓٔ، كتاب الجنائز، باب ٜٚ: ما ينيى من سب الأموات، حديث رقم ٖٜٖٔ. ٕ- أخرجو أحمد ٗ/ٕٕ٘، حديث رقم ٜٖٙٛٔ، وأخرجو الترمذي ص٘٘ٛٔ - ٔ٘ٛٔ، كتاب البر والصمة، باب ٓ٘: ما جاء في الشتم، حديث رقم ٕٜٛٔ، وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح ٕ/ٜٓٔ، حديث رقم ٗٔٙٔ.
عدد الصفحات ٥٢٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 523 - سورة البقرة الجزء الاول ىودا} يعني من اليهود على ملتهم؛ و «ىود» جمع ىادد، مثل «عود» جمع عادد؛ والذين يقولوف: {كونوا ىودا} ىم اليهود؛ وقولو تعالى: {أو نصارى} يقولو النصارى؛ أي كونوا نصارى أي على ملتهم. قولو تعالى{ :تهتدوا} مجزوـ على أنو جواب الأمر؛ أي تكونوا مهتدين. قاؿ الطبري: احتج الله لنبيو محمد أبلغ حجة وأوجزىا وأكملها، وعلمها محمدا نبيو فقاؿ: يا محمد، قل - للقادلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك: "كونوا ىودا أو نصارى تهتدوا" -: بل تعالوا نتبع ملة إبراىيم التي يجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه وأمر بو -فإف دينو كاف الحنيفية المسلمة- وندع سادر الملل التي نختلف فيها، فينكرىا بعضنا، ويقر بها بعضنا. فإف ذلك -على اختلافو- لا سبيل لنا على الاجتماع عليو، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراىيم. قاؿ ابن العثيمين: قاؿ الله تعالى في جواب من يدعو إلى اليهودية من اليهود، أو النصرانية من النصارى: {قل بل ملة إبراىيم حنيفا}؛ {بل} ىنا للإضراب الإبطالي؛ لأنها تبطل ما سبق؛ يعني: بل لا نتبع، ولا نكوف ىودا، ولا نصارى؛ بل ملة إبراىيم؛ وبهذا التقدير يتبين لنا على أي وجو نصب {ملة} ؛ فهي مفعوؿ لفعل محذوؼ تقديره: بل نتبع ملة إبراىيم؛ و «الملة» بمعنى الدين كما سبق(ٔ)؛ وملة إبراىيم ىي التوحيد؛ يعني نتبع توحيد الله عز وجل، والإسلاـ لو؛ لأف إبراىيم لما قاؿ لو ربو عز وجل: {أسلم} [البقرة: ٖٔٔ]؛ قاؿ{ :أسلمت لرب العالمين[ }البقرة: ٖٔٔ] وقولو تعالى{ :حنيفا} منصوب على الحاؿ من إبراىيم؛ وىي حاؿ لازمة بدليل قولو تعالى: {وما كاف من المشركين } . قاؿ السعديأي: مقبلا على الله، معرضا عما سواه، قادما بالتوحيد، تاركا للشرؾ والتنديد. فهذا الذي في إتباعو الهداية، وفي الإعراض عن ملتو الكفر والغواية. قاؿ الطبري: "الحنف" عندي، ىو الاستقامة على دين إبراىيم، واتباعو على ملتو. فإف قاؿ قادل: أوَ ما كاف مَنْ كاف من قبل إبراىيم ، من الأنبياء وأتباعهم، مستقيمين على ما أمروا بو من طاعة الله استقامةَ إبراىيم وأتباعو؟ قيل: بَلى. فإف قاؿ: فكيف أضيف "الحنيفية" إلى إبراىيم وأتباعو على ملتو خاصة، دوف سادر الأنبياء قبلو وأتباعهم؟ قيل: إفّ كل من كاف قبل إبراىيم من الأنبياء كاف حنيفًا متّبعًا طاعة الله، ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عباده إلى قياـ الساعة، كالذي فعل من ذلك بإبراىيم، فجعلو إمامًا فيما بيّنو من مناسك الحج ٔ- (قمت): أنظر كلام القرطبي في تفسير معنى (الممة) عند تفسير الآية-ٕٓٔ- من سورة البقرة.
عدد الصفحات ٥٢٥