تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 496 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ثم أضطره إلى عذاب النار} أي ألجئو إلى عذاب النار؛ وإنما جعل الله ذلك إلجاء؛ لأف كل إنساف يفر من عذاب النار؛ لكنو لا بد لو منو إف كاف من أىل النار؛ لأنو ىو الذي فعل الأسباب التي توجبو؛ و «العذاب» العقوبة التي يتألم بها المرء؛ و {النار} اسم معروؼ. قاؿ الطبري: ثم أدفعو إلى عذاب النار وأسوقو إليها، كما قاؿ تعالى ذكره: (يػَوْـَ يُدَع وفَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا[ )سورة الطور: ٖٔ]ومعنى "الاضطرار"، الإكراه. يقاؿ: "اضطررت فلانا إلى ىذا الأمر"، إذا ألجأتو إليو وحملتو عليو. فذلك معنى قولو: "ثم أضطره إلى عذاب النار"، أدفعو إليها وأسوقو، سحبا وجرا على وجهو. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى: {وبئس المصير} ؛ {بئس} فعل ماض جامد إنشادي يراد بو الذـ؛ و {المصير} فاعل {بئس} ؛ والمخصوص بالذـ محذوؼ تقديره: ىي؛ أي: وبئس المصير ىي؛ لأنو لو لم تقدر ىذا لم تكن الجملة عاددة على ما سبق؛ و {المصير} بمعنى مكاف الصيرورة؛ أي المرجع الذي يصير إليو الإنساف. قاؿ الطبري: ومعنى الكلاـ: وساء المصيرُ عذابُ النار، بعد الذي كانوا فيو من متاع الدنيا الذي متعتهم فيها. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- التنويو بفضل إبراىيم؛ لأف قولو تعالى{ :وإذ قاؿ}سبق أنها على تقدير: واذكر إذ قاؿ؛ ولولا أف ىذا أمر يستحق التنويو، والإعلاـ ما أمر بو. ٕ- أنو لا غنى للإنساف عن دعاء الله مهما كانت مرتبتو؛ فلا أحد يستغني عن الدعاء أبدا؛ لقولو تعالى{ :رب اجعل ... }إلخ. ٖ- أف للدعاء أثرا في حصوؿ المقصود سواء كاف دفع مكروه، أو جلب محبوب؛ لأنو لولا أف للدعاء أثرا لكاف الدعاء عبثا؛ وقو ؿ من يقوؿ: «لا حاجة للدعاء: إف كاف الله كتب ىذا فهو حاصل، دعوت أو لم أدع؛ وإف كاف الله لم يكتبو فلن يحصل، دعوت أو لم أدع » ، فإف جوابنا عن ىذا أف نقوؿ: إف الله قد كتبو بناء على دعادك؛ فإذا لم تدع لم يحصل، كما أنو لو قاؿ: «لن آكل الطعاـ؛ فإف أراد الله لي الحياة فسوؼ أحيا ولو لم آكل؛ وإف كاف يريد أف أموت فسوؼ أموت ولو ملأت بطني إلى حلقومي» ؛ نقوؿ: لكن الأكل سبب للحياة؛ فإنكار أف يكوف الدعاء سببا إنكار أمور بديهيات؛ لأننا نعلم علم اليقين فيما أخبرنا بو، وفيما شاىدناه، وفيما جرى علينا أف الله سبحانو وتعالى يقدر الأشياء بالدعاء؛ فالله تعالى قص علينا في القرآف قصصا كثيرة فيها إجابة للدعاء؛ كذلك يجري للإنساف نفسو أشياء يدعو الله بها فيشاىدىا رأي العين أنها جاءت نتيجة لدعادو؛ فإذا الشرع، والواقع كلاىما يبطل دعوى من أنكر تأثير الدعاء. ٗ- رأفة إبراىيم بمن يؤـ ىذا البيت؛ لأف جعل البيت آمنا يتضمن الإرفاؽ بمن أمو من الناس.
عدد الصفحات ٤٩٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 497 - سورة البقرة الجزء الاول ٘- رأفة إبراىيم أيضا، حيث سأؿ الله أف يرزؽ أىلو من الثمرات؛ لقولو تعالى{ :وارزؽ أىلو من الثمرات} ٙ- أدب إبراىيم ، حيث لم يعمم في ىذا الدعاء؛ فقاؿ{ :وارزؽ أىلو من الثمرات من آمن}خوفا من أف يقوؿ الله لو: «من آمن فأرزقو» ، كما قاؿ تعالى حين سألو إبراىيم أف يجعل من ذريتو أدمة{ :لا يناؿ عهدي الظالمين} [البقرة: ٕٗٔ]؛ فتأدب في طلب الرزؽ: أف يكوف للمؤمنين فقط من أىل ىذا البلد؛ لكن المسألة صارت على عكس الأولى: الأولى خصص الله دعاءه؛ وىذا بالعكس: عمم. ٚ- أف رزؽ الله شامل للمؤمن، والكافر؛ لقولو تعالى{ :ومن كفر}؛ فالرزؽ عاـ شامل للمؤمن، والكافر؛ بل للإنساف، والحيواف، كما قاؿ تعالى{ :وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرىا ومستودعها[ }ىود: ٙ]؛ وأنت ترى بعض الخشاش في الأرض ما حولو شيء، ولكن ييسر الله لو الرزؽ يجلب إليو من حيث لا يشعر، ولا يحتسب؛ ويذكر في ىذه الأمور قصص غريبة، ويشاىد بعض الحيوانات الصغيرة الصماء العمياء يجلب الله لها رزقا كلما احتاجت إلى ذلك، فتأكلو؛ والله على كل شيء قدير. ٛ- أنو يجب علينا أف نتخذ من ىذا الوقت القصير عملا كثيرا ينفعنا في الآخرة؛ لقولو تعالى{ :فأمتعو قليلا}؛ والعمل اليسير ولله الحمد يثمر ثمرات كثيرة في الآخرة يضاعف بعشرة أضعاؼ إلى سبعمادة ضعف إلى أضعاؼ كثيرة. ٜ- إثبات عذاب النار. ٓٔ- إثبات كلاـ الله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :قاؿ}؛ وأنو بحرؼ، وصوت مسموع؛ والدليل على أنو بحرؼ أف قولو تعالى{ :ومن كفر}مث مكوف من حروؼ؛ والدليل على أنو بصوت مسموع : المحاورة مع إبراىيم؛ فلولا أف إبراىيم يسمع صوتا لم تكن محاورة. ٔٔ- إثبات سمع الله؛ لأنو يسمع إبراىيم وىو يكلمو سبحانو وتعالى. ٕٔ- إثبات اليوـ الآخر. ٖٔ- الثناء على النار بهذا الذـ، وأنها بئس المصير؛ فكل إنساف يسمع ىذا من كلاـ الله عز وجل سوؼ ينفر من ىذه النار، ولا يعمل عمل أىلها. وَإِذْ يػَرْفَعُ إِبػْرَاىِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبػَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبػَّنَا تػَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (ٕٚٔ) قاؿ ابن العثيمين: لما ذكر الله سبحانو وتعالى أنو جعل ىذا البيت مثابة للناس بين الله تعالى كيف نشأ ىذا البيت، فقاؿ تعالى: {وإذ يرفع } ... .
عدد الصفحات ٤٩٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 498 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :وإذ يرفع}؛ {إذ} ظرؼ عاملها محذوؼ؛ والتقدير: واذكر إذ يرفع؛ و {يرفع} فعل مضارع؛ والمضارع للحاضر، أو للمستقبل؛ ورفع البيت ماض؛ لكنو يعبر بالمضارع عن الماضي على حكاية الحاؿ كأف إبراىيم يرفع الآف، يعني: ذكرىم بهذه الحاؿ التي كأنها الآف مشاىدة أمامهم. قولو تعالى{ :إبراىيم} فيها قراءتاف؛ إحداىما: بكسر الهاء بعدىا ياء؛ والثانية: بفتح الهاء بعدىا ألف: {إبراىاـ}. قولو تعالى: {القواعد} مفعوؿ {يرفع} ؛ جمع قاعدة؛ وقاعدة الشيء أساسو. قولو تعالى{ :من البيت} بياف للقواعد؛ وىي في محل نصب على الحاؿ؛ والمراد بػ {البيت} الكعبة، كما سبق. قولو تعالى{ :وإسماعيل} عطفا على قولو تعالى: {إبراىيم} ؛ فهو مشارؾ لأبيو في رفع القواعد؛ وأخر ذكر إسماعيل؛ لأف الأصل: إبراىيم؛ وإسماعيل معين؛ ىذا الظاىر والله أعلم. قاؿ السعدي أي: واذكر إبراىيم وإسماعيل، في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس، واستمرارىما على ىذا العمل العظيم، وكيف كانت حالهما من الخوؼ والرجاء، حتى إنهما مع ىذا العمل دعوا الله أف يتقبل منهما عملهما، حتى يحصل فيو النفع العميم. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ربنا تقبل منا}؛ «رب» منادى حذفت منو «يا» النداء؛ وأصلو: يا ربنا؛ حذفت «يا» النداء للبداءة بالمدعو المنادى وىو الله ؛ وجملة: {ربنا تقبل منا} عاملها محذوؼ تقديره: «يقولاف» ؛ وجملة: «يقوف» في موضع نصب على الحاؿ؛ ودعوا الله سبحانو وتعالى باسم «الرب» ؛ لأف إجابة الدعاء من شأف الربوبية؛ لأنها خلق وإيجاد. قولو تعالى{ :ربنا تقبل منا} يعني كل واحد يقوؿ بلسانو: ربنا تقبل منا؛ ىذا ظاىر اللفظ؛ و «القبوؿ» أخذ الشيء، والرضا بو؛ ومنو ما يذكره الفقهاء في قولهم: ينعقد البيع بالإيجاب، والقبوؿ؛ فتقبل الله سبحانو وتعالى للعمل أف يتلقاه بالرضا، فيرضى عن فاعلو؛ وإذا رضي الله تعالى عن فاعلو فلا بد أف يثيبو الثواب الذي وعده إياه. قاؿ الطبري: وإذ يرفع إبراىيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولاف: ربنا تقبل منا عملنا، وطاعتنا إياؾ، وعبادتنا لك، في انتهادنا إلى أمرؾ الذي أمرتنا بو، في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنادو، إنك أنت السميع العليم. وفي إخبار الله تعالى ذكره أنهما رفعا القواعد من البيت وىما يقولاف: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم - دليل واضح على أف بناءىما ذلك لم يكن مسكنا يسكنانو، ولا منزلا ينزلانو، بل ىو دليل على أنهما بنياه ورفعا قواعده لكل من أراد أف يعبد الله تقربا منهما إلى الله بذلك. ولذلك قالا "ربنا تقبل منا". ولو كانا بنياه مسكنا لأنفسهم، لم يكن لقولهما: "تقبل منا" وجو مفهوـ. لأنو كانا يكوناف -لو كاف الأمر كذلك- سادلين أف يتقبل منهما ما لا قربة فيو إليو. وليس موضعهما مسألة الله قبوؿ ما لا قربة إليو فيو. (ٔ) ٔ- يقول: ىما من العمم والنبوة بمنزلة وموضع، فلا يسألان الله قبول عمل ليس من القربات إلى الله.
عدد الصفحات ٥٠٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 499 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :إنك أنت السميع العليم} ىذه الجملة تعليل لطلب القبوؿ؛ يعني: نسألك أف تقبل لأنك أنت السميع العليم: تسمع أقوالنا، وتعلم أحوالنا؛ وىذه الجملة مؤكدة بمؤكدين؛ أحدىما: «إف» ؛ والثاني: {أنت} ؛ ومن المعلوـ أف ضمير الفصل يفيد التوكيد؛ وضمير الفصل لا محل لو من الإعراب؛ و {السميع} خبر «إف» ؛ وقولو تعالى: {العليم} أي ذو العلم. قاؿ الطبري: إنك أنت السميع دعاءنا ومسألتنا إياؾ قبوؿ ما سألناؾ قبولو منا، من طاعتك في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنادو - العليم بما في ضمادر نفوسنا من الإذعاف لك في الطاعة، والمصير إلى ما فيو لك الرضا والمحبة، وما نبدي ونخفي من أعمالنا. قاؿ القرطبي: خرج مسلم عن عادشة قالت : سألت رسوؿ الله عن الجدر أمن البيت ىو ؟ قاؿ : "نعم" قلت : فلم لم يدخلوه في البيت ؟ قاؿ : "إف قومك قصرت بهم النفقة". قلت: فما شأف بابو مرتفعا ؟ قاؿ : "فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ولولا أف قومك حديث عهدىم في الجاىلية فأخاؼ أف تنكر قلوبهم لنظرت أف أدخل الجدر في البيت وأف ألزؽ بابو بالأرض" . وخرج عن عبدالله بن الزبير قاؿ : حدثتني خالتي "يعني عادشة" قالت قاؿ النبي : "يا عادشة لولا أف قومك حديثو عهد بشرؾ لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإف قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة" . وعن عروة عن أبيو عن عادشة قالت قاؿ لي رسوؿ الله : "لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراىيم فإف قريشا حين بنت الكعبة استقصرت ولجعلت لها خلفا" . وفي البخاري قاؿ ىشاـ بن عروة : يعني بابا. وفي البخاري أيضا : "لجعلت لها خلقين" يعني بابين ، فهذا بناء قريش. ثم لما غزا أىل الشاـ عبدالله بن الزبير ووىت الكعبة من حريقهم ، ىدمها ابن الزبير وبناىا على ما أخبرتو عادشة ، وزاد فيو خمسة أذرع من الحجر ، حتى أبدى أسا نظر الناس إليو ، فبنى عليو البناء ، وكاف طوؿ الكعبة ثماني عشرة ذراعا ، فلما زاد فيو استقصره ، فزاد في طولو عشرة أذرع ، وجعل لها بابين أحدىما يدخل منو ، والآخر يخرج منو ، كذا في صحيح مسلم ، وألفاظ الحديث تختلف. وذكر سفياف عن داود بن شابور عن مجاىد قاؿ : لما أراد ابن الزبير أف يهدـ الكعبة ويبنيو قاؿ للناس : اىدموا ، قاؿ : فأبو ا أف يهدموا وخافوا أف ينزؿ عليهم العذاب. قاؿ مجاىد : فخرجنا إلى منى فأقمنا بها ثلاثا ننتظر العذاب. قاؿ : وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة ىو بنفسو ، فلما رأوا أنو لم يصبو شيء اجترؤوا على ذلك ، قاؿ : فهدموا. فلما بناىا جعل لها بابين : بابا يدخلوف منو ، وبابا يخرجوف منو ، وزاد فيو مما يلي الحجر ستة أذرع ، وزاد في طولها تسعة أذرع . قاؿ مسلم في حديثو : فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبدالملك بن مرواف يخبره بذلك ، ويخبره أف ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليو العدوؿ من أىل مكة ، فكتب إليو عبدالملك : إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء ، أما ما زاد في طولو فأقره ، وأما ما زاد فيو من الحجر فرده إلى بنادو ، وسد الباب الذي فتحو ، فنقضو وأعاده إلى بنادو. في رواية : قاؿ عبدالملك : ما كنت أظن أبا
عدد الصفحات ٥٠١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 511 - سورة البقرة الجزء الاول خبيب "يعني ابن الزبير" سمع من عادشة ما كاف يزعم أنو سمعو منها ، قاؿ الحارث بن عبدالله : بلى ، أنا سمعتو منها ، قاؿ : سمعتها تقوؿ ماذا ؟ قاؿ : قالت قاؿ رسوؿ الله : " إف قومك استقصروا من بنياف البيت ولولا حداثة عهدىم بالشرؾ أعدت ما تركوا منو فإف بدا لقومك من بعدي أف يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منو فأراىا قريبا من سبعة أذرع ". في أخرى : قاؿ عبدالملك : لو كنت سمعتو قبل أف أىدمو لتركتو على ما بنى ابن الزبير. فهذا ما جاء في بناء الكعبة من الآثار. وروي أف الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنو يريد ىدـ ما بنى الحجاج من الكعبة ، وأف يرده على بناء ابن الزبير لما جاء عن النبي وامتثلو ابن الزبير ، فقاؿ لو مالك : ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ، ألا تجعل ىذا البيت ملعبة للملوؾ ، لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه ، فتذىب ىيبتو من صدور الناس. وذكر الواقدي : حدثنا معمر عن ىماـ بن نبو سمع أبا ىريرة يقوؿ ، : نهى رسوؿ الله عن سب أسعد الحميري ، وىو تبع ، وىو أوؿ من كسا البيت ، وىو تبع الآخر. قاؿ ابن إسحاؽ : كانت تكسى القباطي ثم كسيت البرد ، وأوؿ من كساىا الديباج الحجاج. قاؿ العلماء : ولا ينبغي أف يؤخذ من كسوة الكعبة شيء ، فإنو مهدى إليها ، ولا ينقص منها شيء. روي عن سعيد بن جبير أنو كاف يكره أف يؤ خذ من طيب الكعبة يستشفى بو ، وكاف إذا رأى الخادـ يأخذ منو قفدىا قفدة لا يألو أف يوجعها. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- فضل عمارة الكعبة؛ لأف الله تعالى أمر نبيو أف يذكر ىذه الحادثة؛ لقولو تعالى{ :وإذ يرفع ... }إلخ. ٕ- فضل إبراىيم، وإسماعيل، عليهما الصلاة والسلاـ، حيث قاما برفع ىذه القواعد. ٖ- أف من إحكاـ البناء أف يؤسس على قواعد؛ لقولو تعالى{ :وإذ يرفع إبراىيم القواعد}؛ وإذا بني على غير قاعدة فإنو ينهار. ٗ- جواز المعاونة في أفعاؿ الخير. ٘- أىمية القبوؿ، وأف المدار في الحقيقة عليو؛ وليس على العمل؛ فكم من إنساف عمل أعمالا كثيرة وليس لو من عملو إلا التعب، فلم تنفعو؛ وكم من إنساف عمل أعمالا قليلة قبلت فنفعو الله بها؛ ولهذا جاء في الحديث: «رب صادم حظو من صيامو الجوع، والظمأ؛ ورب قادم حظو من قيامو السهر» (ٔ) . ٙ- إثبات اسمين من أسماء الله؛ وىما {السميع}، و {العليم}؛ وكل اسم من أسماء الله يدؿ على صفة من صفاتو؛ بل على صفتين أحيانا، أو أكثر ما يلزـ من إثبات الصفة التي يدؿ عليها الاسم ؛ مثاؿ ذلك: «الخالق» دؿ على صفة ٔ- أخرجو أحمد ٕ/ٖٖٚ، حديث رقم ٖٗٛٛ والمفظ لو، وأخرجو ابن ماجة صٕٛٚ٘، كتاب الصيام، باب ٕٔ: ما جاء في الغيبة والرفث لمصائم، حديث رقم ٜٓٙٔ؛ قال الألباني في صحيح ابن ماجة، حسن صحيح ٔ/ٕٕٛ، حديث رقم ٖٔٚٔ.
عدد الصفحات ٥٠٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 511 - سورة البقرة الجزء الاول الخلق؛ وصفة الخلق تستلزـ ثبوت صفة العلم، والقدرة؛ وقد يدؿ الاسم على الأثر إذا كاف ذلك الاسم متعديا؛ مثالو: {السميع}يدؿ على صفة السمع، ويدؿ على أف الله يسمع كل صوت يحدث. ٚ- إثبات السمع لله عز وجل؛ وينقسم السمع إلى قسمين: سمع بمعنى سماع الأصوات؛ وسمع بمعنى الإجابة؛ فمثاؿ الأوؿ قولو تبارؾ وتعالى{ :أـ يحسبوف أنا لا نسمع سرىم ونجواىم بلى[ }الزخ رؼ: ٓٛ]، وقولو تعالى{ :قد سمع الله قوؿ التي تجادلك في زوجها[ }المجادلة: ٔ]؛ ومثاؿ الثاني قولو تعالى{ :إف ربي لسميع الدعاء[ }إبراىيم: ٜٖ]أي مستجيب الدعاء؛ وكذلك قوؿ المصلي: «سمع الله لمن حمده» يعني استجاب لمن حمده ؛ والسمع الذي ىو بمعنى سماع الأصوات من صفاتو الذاتية؛ والسمع بمعنى الاستجابة من صفاتو الفعلية؛ لأف الاستجابة تتعلق بمشيئتو: إف شاء استجاب لمن حمده؛ وإف شاء لم يستجب؛ وأما سماع الأصوات فإنو ملازـ لذاتو لم يزؿ، ولا يزاؿ سميعا ؛ إذ إف خلاؼ السمع الصمم؛ والصمم نقص؛ والله سبحانو وتعالى منزه عن كل نقص؛ وكلا المعنيين يناسب الدعاء: فهو سبحانو وتعالى يسمع صوت الداعي، ويستجيب دعاءه. والسمع أعني سماع الأصوات تارة يفيد تهديدا؛ وتارة يفيد إقرارا، وإحاطة؛ وتارة يفيد تأييدا. يفيد تهديدا، كما في قولو تعالى{ :لقد سمع الله قوؿ الذين قالوا إف الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ... [ }آؿ عمراف: ٔٛٔ] الآية، وقولو تعالى{ :أـ يحسبوف أنا لا نسمع سرىم ونجواىم بلى[ }الزخرؼ : ٓٛ]ويفيد إقرارا، وإحاطة، كما في قولو تعالى{ :قد سمع الله قوؿ التي تجادلك في زوجها[ }المجادلة: ٔ]؛ ويفيد تأييدا، كما في قولو تعالى لموسى وىاروف{ :إنني معكما أسمع وأرى[ }طو: ٙٗ] ٛ- إثبات العلم لله تبارؾ وتعالى جملة، وتفصيلا؛ موجودا، أو معدوما؛ ممكنا، أو واجبا، أو مستحيلا؛ مثاؿ علمو بالجملة: قولو تعالى{ :لتعلموا أف الله على كل شيء قدير وأف الله قد أحاط بكل شيء علما[ }الطلاؽ: ٕٔ]، وقولو تعالى{ :ا الذي لا إلو إلا ىو وسع كل شيء علما[ }طو: ٜٛ]، ومثاؿ علمو بالتفصيل: قولو تعالى{ :وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا ىو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين[ }الأنعاـ: ٜ٘]؛ ومثاؿ علمو بالموجود: ما أخبر الله بو عن علمو بما كاف، مثل قوؿ الله تعالى{ :علم الله أنكم كنتم تختانوف أنفسكم[ }البقرة: ٚٛٔ]؛ ومثاؿ علمو بالمعدوـ الذي قد وجد: ما علمو الله من أحواؿ الماضين؛ ومثاؿ علمو بالمعدوـ الذي لم يوجد بعد: ما علمو الله عز وجل من أحواؿ القيامة، ومآؿ الخلق؛ ومثاؿ علمو بالممكن: ما علمو الله عز وجل من الحوادث الواقعة من الإنساف؛ ومثاؿ علمو بالواجب: ما علمو الله عز وجل من كماؿ صفاتو؛ ومثاؿ علمو بالمستحيل: قولو تعالى{ :ما اتخذ الله من ولد وما كاف معو من إلو إذا لذىب كل إلو بما خلق ولعلا بعضهم على بعض[ }المؤمنوف: ٜٔ]، وقولو تعالى{ :لو كاف فيهما آلهة إلا الله لفسدتا[ }الأنبياء: ٕٕ] واعلم أف من أنكر علم الله فهو كافر سواء أنكره فيما يتعلق بفعلو، أو فيما يتعلق بخلقو؛ فلو قاؿ: إف الله تعالى لا يعلم ما يفعلو العبد فهو كافر، كما لو قاؿ: إف الله لا يعلم ما يفعلو بنفسو؛ ولهذا كفر أىل السنة والجماعة غلاة
عدد الصفحات ٥٠٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 512 - سورة البقرة الجزء الاول القدرية الذين قالوا: إف الله سبحانو وتعالى لا يعلم أفعاؿ العباد؛ فالذي ينكر علم الله بأفعاؿ العباد لا شك أنو كافر؛ لأف الله تعالى يقوؿ{ :ولقد خلقنا الإنساف ونعلم ما توسوس بو نفسو ونحن أقرب إليو من حبل الوريد} [ؽ: ٔٙ]، ويقوؿ سبحانو وتعالى{ :أـ يحسبوف أنا لا نعلم سرىم ونجواىم بلى ورسلنا لديهم يكتبوف[ }الزخرؼ : ٓٛ]؛ فالذي يقوؿ: إف الله لا يعلم أفعاؿ العباد فإنو كافر بهذه الآيات؛ ولهذا قاؿ الشافعي في القدرية: «ناظروىم بالعلم فإف أقروا بو خصموا؛ وإف أنكروه كفروا» ؛ وإيمانك بهذا يوجب لك مراقبتو، والخوؼ منو، وامتثاؿ أمره، واجتناب نهيو؛ لأنك متى علمت أنو عالم بك فإنك تخشاه؛ تستحيي منو عند المخالفة؛ وترغب فيما عنده عند الموافقة. ٜ- التوسل إلى الله سبحانو وتعالى بأسمادو وصفاتو المناسبة لما يدعو بو؛ لقولو تعالى{ :إنك أنت السميع العليم} ٓٔ- أف الدعاء يكوف باسم «الرب» ؛ لأف إجابة الدعاء من شأف الربوبية؛ لأنها خلق، وإيجاد. رَبػَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيػْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التػَّوَّابُ الرَّ حِيمُ (ٕٛٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ربنا واجعلنا مسلمين} أتى بالواو عطفا على قولو تعالى: {ربنا تقبل منا} يعني ربنا واجعلنا مع قبولك مسلمين لك؛ و {اجعلنا} أي صيرنا. قولو تعالى{ :ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} يعني واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك؛ فأتى بػ {من}التي للتبعيض؛ والمراد بػ {ذريتنا} من تفرعوا منهما؛ فذرية الإنساف من تفرعوا منو. قولو تعالى{ :أمة مسلمة لك} ىذه الأمة ىي أمة محمد ؛ لأنو لا يصدؽ على أحد أنو من ذرية إبراىيم، وإسماعيل إلا أمة محمد ؛ لأف اليهود، والنصارى ليسوا من بني إسماعيل؛ بل من بني يعقوب بن إسحاؽ بن إبراىيم. (قاؿ شيخ الإسلاـ في الجواب الصحيح(٘\ٕٕٗ ، ٕٕ٘): قَاؿَ : الْمُسْتَخْرِجُوفَ لِهَذِهِ الْبِشَارَةِ : مَعْلُوـٌ أَفَّ يَدَ بَنِي إِسْمَاعِيلَ قػَبْلَ مَبػْعَثِ مُحَمَّدٍ - - لَمْ تَكُنْ فػَوْؽَ أَيْدِي بَنِي إِسْحَاؽَ، بَلْ كَافَ فِي بَ نِي إِسْحَاؽَ الن بػُوَّةُ وَالْكِتَابُ، وَقَدْ دَخَلُوا مِصْرَ زَمَنَ يُوسُفَ مَعَ يػَعْقُوبَ، فػَلَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ فػَوْقػَهُمْ يَدٌ ثُمَّ خَرَجُوا مِنػْهَا لَمَّا بُعِثَ مُوسَى، وَكَانُوا مَعَ مُوسَى أَعَزَّ أَىْلِ الأَْرْضِ لَمْ يَكُنْ لأَِحَ دٍ عَلَيْهِمْ يَدٌ ثُمَّ مَعَ (يُوشَعَ ) بػَعْدَهُ إِلَى زَمَنِ دَاوُدَ، وَمَلَكَ سُلَيْمَافُ الَّذِي لَمْ يػُؤْتَ أَحَدٌ مِثػْلَوُ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بػَعْدَ ذَلِكَ (بُخَتػُنَصَّرَ ) فػَلَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمْ يَدٌ ثُمَّ بُعِثَ الْمَسِيحُ وَ خُرِّبَ بػَيْتُ الْمَقْدِسِ الْخَرَابَ الثَّانِيَ، حَيْثُ أَفْسَدُوا فِي الأَْرْضِ مَرَّتػَيْنِ، وَمِنْ حِينِئِذٍ زَاؿَ مُلْكُهُمْ وَقَطَّعَهُمُ اللَّوُ فِي الأَْرْضِ أُمَمًا، وَكَانُوا تَحْتَ
عدد الصفحات ٥٠٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 513 - سورة البقرة الجزء الاول حُكْمِ الر وـِ وَالْفُرْسِ، لَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ عَلَيْهِمْ حُ كْمٌ أَكْثػَرُ مِنْ غَيْرِىِمْ، فػَلَمْ يَكُنْ لِوَلَدِ إِسْمَاعِيلَ سُلْطَافٌ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الأُْمَمِ - لاَ أَىْلِ الْكِتَابِ، وَلاَ الأُْمِّيِّينَ - فػَلَمْ يَكُنْ يَدُ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فػَوْؽَ الْجَمِيعِ، حَتَّى بػَعَثَ اللَّوُ مُحَمَّدًا؛ الَّذِي دَ عَا بِوِ إِبػْرَاىِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ حَيْثُ قَالاَ : {رَبػَّنَا وَابػْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنػْهُمْ يػَتػْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيػُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيػُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ }البقرة: ٜٕٔ] فػَلَمَّا بُعِثَ، صَارَ يَدُ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فػَوْؽَ الْجَمِيعِ، فػَلَمْ يَكُنْ فِي الأَْرْضِ سُلْطَافٌ أَعَز مِنْ سُلْطَانِهِمْ، وَقػَهَرُوا فَارِسَ وَالر وـَ وَغَيػْرَىُمْ مِنَ الأُْمَمِ، وَقػَهَرُوا الْيػَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ . فَ ظَهَرَ بِذَلِكَ تَحْقِيقُ قػَوْلِوِ فِي التػَّوْرَاةِ " وَتَكُوفُ يَدُهُ فػَوْؽَ الْجَمِيعِ وَيَدُ الْكُلِّ بِو " وَىَذَا أَمْرٌ مُسْتَمِر إِلَى آخِرِ الدَّىْرِ . قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وأرنا مناسكنا} أي بينها لنا حتى نراىا؛ و «المناسك» جمع منسك؛ وىو ىنا مكاف العبادة. قاؿ السعدي أي: علمناىا على وجو الإراءة والمشاىدة، ليكوف أبلغ. يحتمل أف يكوف المراد بالمناسك: أعماؿ الحج كلها، كما يدؿ عليو السياؽ والمقاـ، ويحتمل أف يكوف المراد ما ىو أعم من ذلك وىو الدين كلو، والعبادات كلها، كما يدؿ عليو عموـ اللفظ، لأف النسك: التعبد، ولكن غلب على متعبدات الحج، تغليبا عرفيا، فيكوف حاصل دعادهما، يرجع إلى التوفيق للعلم النافع، والعمل الصالح، ولما كاف العبد - مهما كاف - لا بد أف يعتريو التقصير، ويحتاج إلى التوبة قالا {وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم } . قاؿ ابن العثيمينقولو تعالى{ :وتب علينا} أي وفقنا للتوبة فنتوب؛ والتوبة من العبد: ىي الرجوع من المعصية إلى الطاعة؛ ومن الله عز وجل: ىي توفيق العبد للتوبة، ثم قبولها منو. قاؿ الطبري: أما "التوبة"، فأصلها الأوبة من مكروه إلى محبوب. فتوبة العبد إلى ربو، أوبتو مما يكرىو الله منو، بالندـ عليو، والإقلاع عنو، والعزـ على ترؾ العود فيو. وتوبة الرب على عبده: عوده عليو بالعفو لو عن جرمو، والصفح لو عن عقوبة ذنبو، مغفرة لو منو، وتفضلا عليو. فإف قاؿ لنا قادل: وىل كاف لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟ قيل: إنو ليس أحد من خلق الله، إلا ولو من العمل -فيما بينو وبين ربو- ما يجب عليو الإنابة منو والتوبة. فجادز أف يكوف ما كاف من قبلهما ما قالا من ذلك، وإنما خَصَّا بو الحاؿ التي كانا عليها، من رفع قواعد البيت. لأف ذلك كاف أحرى الأماكن أف يستجيب الله فيها دعاءىما، وليجعلا ما فعلا من ذلك سنة يقتدى بها بعدىما، وتتخذ الناس تلك البقعة بعدىما موضع تنصل من الذنوب إلى الله. وجادز أف يكونا عنيا بقولهما: "وتب علينا"، وتب على الظلمة من أولادنا وذريتنا -الذين أعلمتنا أمرىم- من ظلمهم وشركهم، حتى ينيبوا إلى طاعتك. فيكوف ظاىر الكلاـ على الدعاء لأنفسهما، والمعني بو ذريتهما. كما يقاؿ: "أكرمني فلاف في ولدي وأىلي، وبرني فلاف"، إذا بر ولده.
عدد الصفحات ٥٠٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 514 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :إنك أنت التواب الرحيم } ىذا من باب التوسل بأسماء الله عز وجل المناسبة للمطلوب؛ و {التواب} صيغة مبالغة لكثرة من يتوب الله عليهم، وكثرة توبتو على العبد نفسو؛ و {الرحيم } أي الموصوؼ بالرحمة التي يرحم بها من يشاء من عباده. قاؿ الطبري: إنك أنت العادد على عبادؾ بالفضل، والمتفضل عليهم بالعفو والغفراف - الرحيم بهم، المستنقذ من تشاء منهم برحمتك من ىلكتو، المنجي من تريد نجاتو منهم برأفتك من سخطك. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- شدة افتقار الإنساف إلى ربو، حيث كرر كلمة{ :ربنا}؛ وأنو بحاجة إلى ربوبية الله الخاصة التي تقتضي عناية خاصة. ٕ- أف الإنساف مفتقر إلى تثبيت الله؛ وإلا ىلك؛ لقولو تعالى{ :واجعلنا مسلمين}؛ فإنهما مسلماف بلا شك: فهما نبياف؛ و لكن لا يدوـ ىذا الإسلاـ إلا بتوفيق الله؛ قاؿ الله سبحانو وتعالى للرسوؿ { :ولو أف ثبتناؾ لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا لأذقناؾ ضعف الحياة وضعف الممات[ }الإسراء: ٗٚ، ٘ٚ] ٖ- أىمية الإخلاص؛ لقولو تعالى{ :مسلمين لك{ : }لك}تدؿ على إخلاص الإسلاـ لله عز وجل، كما قاؿ تعالى في آية أخرى{ :بلى من أسلم وجهو لله وىو محسن فلو أجره عند ربو[ }البقرة: ٕٔٔ] ٗ- أف الإسلاـ يشمل كل استسلاـ لله سبحانو وتعالى، ظاىرا وباطنا. ٘- أنو ينبغي للإنساف أف يشمل ذريتو في الدعاء؛ لأف الذرية الصالحة من آثار الإنساف الصالحة؛ لقولو تعالى{ :ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}؛ وقاؿ إبراىيم في آية أخرى{ :واجنبني وبني أف نعبد الأصناـ}؛ فالذرية صلاحها لها شأف كبير بالنسبة للإنساف. ٙ- أف الأصل في الإنساف الجهل؛ لقولو تعالى{ :وأرنا مناسكنا}يعني: أعلمنا بها. ٚ- أف الأصل في العبادات أنها توقيفية يعني: الإنساف لا يتعبد لله بشيء إلا بما شرع ؛ لقولو تعالى{ :وأرنا مناسكنا} ٛ- تحريم التعبد لله بما لم يشرعو؛ لأنهما دعوا الله عز وجل أف يريهما مناسكهما؛ فلولا أف العبادة تتوقف على ذلك لتعبدا بدوف ىذا السؤاؿ. ٜ- افتقار كل إنساف إلى توبة الله؛ لقولو تعالى: {وتب علينا}؛ إذ لا يخلو الإنساف من تقصير. ٓٔ- إثبات {التواب}، و {الرحيم }اسمين من أسماء الله سبحانو وتعالى، وما تضمناه من صفة. ٔٔ- مشروعية التوسل إلى الله عز وجل بأسمادو، وصفاتو؛ لأف قولو تعالى{ :إنك أنت التواب الرحيم }تعليل للطلب السابق؛ فهو وسيلة يتوصل بها الداعي إلى حصوؿ مطلوبو.
عدد الصفحات ٥٠٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 515 - سورة البقرة الجزء الاول ٕٔ- أف التوسل بأسماء الله يكوف باسم مطابق لما دعا بو؛ لقولو تعالى{ :وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم }، ولقولو تعالى{ :و الأسماء الحسنى فادعوه بها} (تنبيو) إف قاؿ قادل: كيف يستقيم أف يسأؿ إبراىيم، وإسماعيل ربهما أف يجعلهما مسلمين لو مع أنهما كانا كذلك؟ فالجواب: أف المراد بذلك تثبيتهما على الإسلاـ؛ لأف الإنساف من حيث ىو إنساف لا يأمن العاقبة؛ أو يقاؿ: إف المراد تقوية إسلامهما بالإخلاص لله عز وجل، والانقياد لطاعتو؛ أو يقاؿ: إنهما قالا ذلك توطئة لما بعدىا في قولهما: {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}؛ والأوؿ أقوى الاحتمالات. رَبػَّنَا وَابػْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنػْهُمْ يػَتػْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيػُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيػُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (ٜٕٔ) قاؿ الطبري: وىذه دعوة إبراىيم وإسماعيل لنبينا محمد خاصة، وىي الدعوة التي كاف نبينا يقوؿ: "أنا دعوة أبي إبراىيم، وبشرى عيسى". قاؿ البغوي: حَدَّثػَنَا السَّيِّدُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِي بْنُ مُوسَى الْمُوسَوِي ، حَدَّثَنِ ي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّاسٍ الْبػَلْخِي ، أَنَا الإِْمَاـُ أَبُو سُلَيْمَافَ حَمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبػْرَاىِيمَ الْخَطَّابِي ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ أَنَا إِسْحَاؽُ بْنُ إِبػْرَاىِيمَ أَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ وَىْبٍ أَنَا عمي أنا معاوية بن صَالِحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الأَْعْلَى بْنِ ىِلاَؿٍ الس لَمِيِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ : عَنْ رَسُوؿِ اللَّوِ قَاؿَ : «إِنِّي عِنْدَ اللَّوِ مَكْتُوبٌ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَإِفَّ آدَـَ لَمُنْجَدِؿٌ فِي طِينَتِوِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ بِأَوَّؿِ أَمْرِي: أَنَا دَعْوَةُ إِبػْرَاىِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْنِي وَقَدْ خَرَجَ مِنػْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهَا مِنْوُ قُصُورُ الشَّاـِ »(ٔ) . ٔ- حديث صحيح بشواىده، إسناده ضعيف لضعف ابن أخي ابن وىب، واسمو أحمد بن عبد الرحمن، وفيو سعيد بن سويد، وثقو ابن حبان، وترجمو البخاري وأبو حاتم من غير جرح أو تعديل، وقال البزار : لا بأس بو. وشيخو عبد الأعمى، وثقو ابن حبان وحده، وىو مقبول، ولم ينفرد بيذا المتن كما سيأتي. وىو في «شرح السنة» ٕٖٓ٘ بيذا الإسناد. وأخرجو أحمد (ٗ/ ٕٚٔ- ٕٛٔ) والبخاري في «التاريخ الكبير» (ٙ/ ٛٙ) وابن حبان ٗٓٗٙ وابن أبي عاصم في «السنة» ٜٓٗ والبييقي في «الدلائل» (ٔ/ ٓٛ وٕ/ ٖٓ) من طرق عن سعيد بن سويد بو، وقد صححو الحاكم، ووافقو الذىبي، وقال الييثمي في «المجمع» (ٛ/ ٖٕٕ) : رواه أحمد بأسانيد، وأحد أسانيده رجالو رجال الصحيح، غير سعيد بن سويد، وقد وثقو ابن حبان. - ولو شاىد من حديث أبي أمامة أخرجو الطيالسي ٓٗٔٔ وأحمد (٘/ ٕٕٙ) وابن سعد (ٔ/ ٕٓٔ) والطبراني ٜٕٚٚ والبييقي في «الدلائل» (ٔ/ ٗٛ) وا سناده ضعيف لضعف فرج بن فضالة، والسياق لأحمد، وقال الييثمي في «المجمع» (ٛ/ ٕٕٕ) : إسناد أحمد حسن.
عدد الصفحات ٥٠٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 516 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك} ، أي أرسل فيهم رسولا مرسلا من عندؾ يقرأ عليهم آياتك، ويبينها لهم، كما قاؿ الله تبارؾ وتعالى{ :وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزؿ إليهم[ }النحل: ٗٗ] قولو تعالى{ :ويعلمهم الكتاب} أي القرآف، وما فيو من أخبار صادقة نافعة، وأحكاـ عادلة؛ {والحكمة قيل: ىي السنة؛ لقولو تعالى{ :وأنزؿ الله عليك الكتاب والحكمة[ }النساء: ٖٔٔ]؛ ويحتمل أف يكوف المراد بها معرفة أسرار الشريعة المطهرة، وأنها شريعة كاملة صالحة لكل زماف، ومكاف. قاؿ الطبري: ثم اختلف أىل التأويل في معنى "الحكمة" التي ذكرىا الله في ىذا الموضع. عن قتادة" "والحكمة"، أي السنة. وقاؿ بعضهم: "الحكمة"، ىي المعرفة بالدين والفقو فيو. قاؿ ابن زيد في قولو: "والحكمة" قاؿ، "الحكمة"، الدين الذي لا يعرفونو إلا بو ، يعلمهم إياىا. قاؿ: و"الحكمة"، العقل في الدين وقرأ: (وَمَنْ يػُؤْ تَ الْحِكْمَةَ فػَقَدْ أُوتِيَ خَيػْرًا كَثِيرًا[ )سورة البقرة: ٜٕٙ]، وقاؿ لعيسى، (وَيػُعَلِّمُوُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتػَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ [ )سورة آؿ عمراف: ٛٗ]قاؿ، وقرأ ابن زيد: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نػَبَأَ الَّذِي آتػَيػْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنػْهَا) [سورة الأعراؼ: ٘ٚٔ]قاؿ، لم ينتفع بالآيات، حيث لم تكن معها حكمة. قاؿ: "والحكمة" شيء يجعلو الله في القلب، ينور لو بو. والصواب من القوؿ عندنا في "الحكمة"، أنها العلم بأحكاـ الله التي لا يدرؾ علمها إلا ببياف الرسوؿ ، والمعرفة بها، وما دؿ عليو ذلك من نظادره. وىو عندي مأخوذ من "الحكم" الذي بمعنى الفصل بين الحق والباطل، بمنزلة "الجِلسة والقِعدة" من "الجلوس والقعود"، يقاؿ منو: "إف فلانا لحكيم بين الحكمة"، يعني بو: إنو لبين الإصابة في القوؿ والفعل. وإذا كاف ذلك كذلك، فتأويل الآية: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم كتابك الذي تنزلو عليهم، وفصل قضادك وأحكامك التي تعلمو إياىا. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٜٔصٜ٘: وَالرَّسُوؿُ أَنػْزَؿَ اللَّوُ عَلَيْوِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَقَدْ عَلَّمَ أُمَّ تَوُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ كَمَا قَاؿَ { :وَيػُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ }وَكَافَ يَذْكُرُ فِي بػَيْتِوِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَأَمَرَ أَزْوَاجَ نَبِيِّوِ بِذِكْرِ ذَلِكَ فػَقَاؿَ { :وَاذْكُرْفَ مَا يػُتػْلَى فِي بػُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّوِ وَالْحِكْمَةِ }فَآيَاتُ اللَّوِ ىِيَ الْقُرْآفُ إذْ كَافَ نػَفْسُ الْقُرْآفِ يَدُؿ عَلَى أَنَّوُ مُنػَزَّؿٌ مِنْ اللَّوِ فػَهُوَ عَلاَمَةٌ وَدَلاَلَةٌ عَلَى مَنْزِلِوِ و (الْحِكْمَةُ قَاؿَ غَيػْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ : ىِيَ الس نَّةُ . وَقَاؿَ أَيْضًا طَ ادِفَةٌ كَمَالِكٍ وَغَيْرِهِ : ىِيَ مَعْرِفَةُ الدِّينِ وَالْعَمَلُ بِوِ . وَقِيلَ غَيػْرُ ذَلِكَ وَكُل ذَلِكَ حَق فَهِيَ تػَتَضَمَّنُ التَّمْيِيزَ بػَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ؛ وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ؛ وَتػَعْلِيمِ الْحَقِّ دُوفَ الْبَاطِلِ وَىَذِهِ الس نَّةُ الَّتِي فػَرَّؽَ بِهَا بػَيْنَ الْحَقِّ - وورد عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ نفر من الصحابة مرفوعا أخرجو الحاكم (ٕ/ ٓٓٙ) والطبري ٕ٘ٚٓ والبييقي في «الدلائل» (ٔ/ ٖٛ) وا سناده قو ي كما قال الحافظ ابن كثير في «البداية» (ٕ/ ٕ٘ٚ) وصححو الحاكم، ووافقو الذىبي، وىو حديث حسن في أقل تقدير بل ىو صحيح، والله أعمم، وانظر «الكشاف» ٘٘ لمزمخشري بتخريجي.
عدد الصفحات ٥٠٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 517 - سورة البقرة الجزء الاول وَالْبَاطِلِ وَبػَيْنَ الأَْعْمَاؿِ الْحَسَنَةِ مِنْ الْقَبِيحَةِ؛ وَالْخَيْرِ مِنْ الشَّرِّ وَقَدْ جَاءَ عَنْوُ أَنَّوُ قَاؿَ { :تػَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبػَيْضَاءِ لَيػْلُهَا كَنػَهَارِىَا لاَ يَزِيغُ عَنػْهَا بػَ عْدِي إلاَّ ىَالِكٌ }وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَلاَـٌ نَحْوُ ىَذَا وَىَذَا كَثِيرٌ فِي الْحَدِيثِ وَالآْثَارِ يَذْكُرُونَوُ فِي الْكُتُبِ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا ىَذِهِ الآْثَارُ كَمَا يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ غَيػْرُ وَاحِدٍ فِيمَا يَصِفُونَوُ فِي الس نَّةِ مِثْلَ ابْنِ بَطَّةَ واللالكادي والطلمنكي وَقػَبػْلَهُمْ الْمُصَنػِّفُوفَ فِي الس نَّةِ كَأَصْحَابِ أَحْمَد مِثْلَ عَبْدِ اللَّوِ وَالأَْثػْرَـِ وَحَرْبٍ الكرماني وَغَيْرِىِمْ وَمِثْلَ الْخَلاَّؿِ وَغَيْرِهِ . وَالْمَقْصُودُ ىُنَا تَحْقِيقُ ذَلِكَ وَ أَفَّ الْكِتَابَ وَالس نَّةَ وَافِيَافِ بِجَمِيعِ أُمُورِ الدِّينِ .(ٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ويزكيهم } أي ينمي أخلاقهم، ويطهرىا من الرذادل. قاؿ الطبري فمعنى قولو: "ويزكيهم " في ىذا الموضع: ويطهرىم من الشرؾ بالله وعبادة الأوثاف، وينميهم ويكثرىم بطاعة الله. عن ابن عباس: "يتلو عليهم آياتك ويزكيهم " قاؿ، يعني بالزكاة، طاعة الله والإخلاص. و قاؿ ابن جريج قولو: "ويزكيهم " قاؿ، يطهرىم من الشرؾ، ويخلصهم منو. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :إنك أنت العزيز الحكيم}؛ {أنت} :ضمير فصل لا محل لو من الإعراب؛ و {العزيز} خبر {إف} ؛ و {الحكيم}خبر ثاف؛ والكاؼ اسم {إف} ؛ و {العزيز} أي ذو العزة؛ و «العزة» بمعنى القهر، والغلبة؛ فهو سبحانو وتعالى ذو قوة، وذو غلبة: لا يغلبو شيء، ولا يعجزه شيء؛ و {الحكيم} أي ذو الحكم، والحكمة. قاؿ الطبري: يعني تعالى ذكره بذلك: إنك يا رب أنت "العزيز" القوي الذي لا يعجزه شيء أراده، فافعل بنا وبذريتنا ما سألناه وطلبناه منك؛ و"الحكيم" الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل، فأعطنا ما ينفعنا وينفع ذريتنا، ولا ينقصك ولا ينقص خزادنك. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- ضرورة الناس إلى بعث الرسل؛ ولذلك دعا إبراىيم وإسماعيل الله سبحانو وتعالى أف يبعث فيهم الرسوؿ. ٕ- أف كوف الرسوؿ منهم أقرب إلى قبوؿ دعوتو؛ لقولو تعالى{ :رسو منهم}؛ لأنهم يعرفونو، كما قاؿ تعالى{ :ما ضل صاحبكم وما غوى[ }النجم: ٖ٘]؛ فتأمل قولو تعالى{ :ما ضل صاحبكم[ }النجم: ٖ٘]، حيث أضافو إليهم؛ يعني: صاحبكم الذي تعرفونو، وتعرفوف رجاحة عقلو، وتعرفوف أمانتو ما ضل، وما غوى. ٖ- أف الرسوؿ جعل الله سبحانو وتعالى فيو من الخير أنو يتلو الآيات، ويعلم الكتاب، ويعلم الحكمة؛ لقولو تعالى{ :يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة} ) -ٔقمت): أنظر الآية (ٔ٘ٔ) من سورة البقرة، وكلام شيخ الإسلام عن الحكمة ىناك.
عدد الصفحات ٥٠٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 518 - سورة البقرة الجزء الاول ٗ- أف رسالة النبي تتضمن ذكر آيات الله الكونية، والشرعية، وتتضمن تعليم الكتاب تلاوة، ومعنى، وتتضمن أيضا الحكمة وىي معرفة أسرار الشريعة، وتتضمن تزكية الخلق؛ لقولو تعالى{ :يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم } ٘- أف ما جاء بو النبي يزكي الأخلاؽ، ويطهرىا من كل رذيلة، كما قاؿ «إنما بعثت لأتمم مكارـ الأخلاؽ» (ٔ) ؛ وىكذا كانت شريعة الرسوؿ : تنمية للأخلاؽ الفاضلة، وتطهيرا من كل رذيلة؛ فهو يأمر بالبر، ويأمر بالمعروؼ، ويأمر بالإحساف، ويأمر بالصلة، ويأمر بالصدؽ، ويأمر بكل خير؛ كل ما فيو خير للإنساف في دينو ودنياه فإف الإسلاـ يأمر بو وىذه تزكية ؛ وينهى عن ضد ذلك؛ ينهى عن الإثم، والقطيعة، والعدواف، والعقوؽ، والكذب، والغش، وغير ذلك من مساوئ الأخلاؽ وىذه أيضا تزكية . وحاؿ الناس قبل الإسلاـ بالنسبة للعبادة لا تسأؿ! شرؾ، وكفر؛ وبالنسبة للأحواؿ الاجتماعية لا تسأؿ أيضا عن حالهم! القوي يأكل الضعيف؛ والغني يأكل الفقير؛ ويأكلوف الربا أضعافا مضاعفة؛ يغير بعضهم على بعض؛ يتعايروف بالأنساب؛ يدعوف بدعوى الجاىلية ... إلخ. جاء الإسلاـ، وىدـ كل ىذا؛ ومن تدبر التاريخ قبل بعثو وبعده، علم الفرؽ العظيم بين حاؿ الناس قبل البعثة، وحالهم بعدىا؛ وظهر لو معنى قولو تعالى{ :ويزكيهم } ٙ- أف ىذه الشريعة كاملة؛ لتضمن رسالة النبي لهذه المعاني الجليلة مما يدؿ على كماؿ شريعتو. ٚ- إثبات العزة، والحكمة لله؛ لقولو تعالى{ :إنك أنت العزيز الحكيم} ٛ- إثبات ىذين الاسمين لله{ :العزيز}، و {الحكيم} ٜ- مناسبة العزة، والحكمة لبعث الرسوؿ؛ وىي ظاىرة جدا؛ لأف ما يجيء بو الرسوؿ كلو حكمة، وفيو العزة: قاؿ الله تعالى{ :و العزة ولرسولو وللمؤمنين[ }المنافقوف: ٓٛ]؛ للمؤمنين عربا كانوا، أو عجما؛ من كاف مؤمنا بالله عز وجل قادما بأمر الله فإف لو العزة؛ ومن لم يكن كذلك فاتو من العزة بقدر ما أخل بو من الإيماف، والعمل الصالح؛ ولهذا يجب أف تكوف رابطة الإيماف أقوى الروابط بين المؤمنين؛ لأنو لا يمكن أف تكوف ىناؾ عزة واجتماع على الخير برابطة أقوى من ىذه الرابطة. ٔ- أخرجو أحمد جٕ/ٖٔٛ، حديث رقم ٜٖٜٛ، وأخرجو الحاكم في مستدركو ٕ/ٖٔٙ، وقال حديث صحيح عمى شرط مسمم؛ وأقره الذىبي، وقال ابن عبد البر: وىذا حديث مدني صحيح (التمييد ٕٗ/ٖٖٗ) .
عدد الصفحات ٥١٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 519 - سورة البقرة الجزء الاول وَمَنْ يػَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبػْرَاىِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِ وَ نػَفْسَوُ وَلَقَدِ اصْطَفَيػْنَاهُ فِي الد نػْيَا وَإِنَّوُ فِي الآْخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (ٖٓٔ) قاؿ البغوي: وَذَلِكَ أَفَّ عَبْدَ اللَّوِ بْنَ سَلاَـٍ دَعَا ابػْنَيْ أَخِيوِ سَلَمَةَ وَمُهَاجِرًا إِلَى الإِْسْلاَـِ فػَقَاؿَ لَهُمَا: قَدْ عَلِمْتُمَا أَفَّ اللَّوَ عَزَّ وَجَلَّ قَاؿَ فِي التػَّوْرَاةِ : إِنِّي بَاعِثٌ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا اسْمُوُ أَحْمَدُ فَمَنْ آمَنَ بِوِ فػَقَدِ اىْتَدَى وَمَنْ لَمْ يػُؤْمِنْ بِوِ فػَهُوَ مَلْعُوفٌ، فَأَسْلَمَ سَلَمَةُ وَأَبَى مُهَاجِرٌ أَفْ يُسْلِمَ، فَأَنػْ زَؿَ اللَّوُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَنْ يػَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراىِيمَ .(ٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ومن يرغب عن ملة إبراىيم إلا من سفو نفسو}؛ {من} اسم استفهاـ يراد بو النفي؛ وىو مبتدأ؛ وجملة: {يرغب} خبره؛ ولا نقوؿ: {من} ىنا شرطية؛ نعم، لو كانت الآية: «ومن يرغب عن ملة إبراىيم فقد سفو نفسو» صارت شرطية؛ لكن الأوؿ أبلغ. قولو تعالى{ :يرغب عن ملة إبراىيم} :يقاؿ: رغب في كذا؛ ورغب عنو؛ والفرؽ أف «رغب فيو» يعني طلبو؛ و «رغب عنو» يعني تركو، واجتنبو؛ ىنا: {ومن يرغب عن ملة إبراىيم} يعني تركها؛ و «الملة» بمعنى الدين - أي دين إبراىيم -؛ ودين إبراىيم ( ) أنو كاف حنيفا مسلما لله، ولم يكن من المشركين؛ و {إبراىيم} ىو الخليل الذي ىو أبو الأنبياء، وأشرفهم بعد رسوؿ الله ( ) ، وجعلو الله إماما، قاؿ الله تعالى{ :إف إبراىيم كاف أمة قانتا [النحل: ٕٓٔ]، وجعل ملتو ىي الملة الحنيفية؛ فإذا كاف كذلك فلا أحد يرغب عن الملة الحنيفية القويمة. قاؿ الطبري: وإنما عنى الله بذلك اليهود والنصارى، لاختيارىم ما اختاروا من اليهودية والنصرانية على الإسلاـ. لأف "ملة إبراىيم" ىي الحنيفية المسلمة، كما قاؿ تعالى ذكره: (مَا كَافَ إِبػْرَاىِيمُ يػَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَافَ حَنِيفًا مُسْلِمًا[ )سورة آؿ عمراف: ٚٙ]، فقاؿ تعالى ذكره لهم: ومن يزىد عن ملة إبراىيم الحنيفية المسلمة إلا من سفو نفسو. عن قتادة قولو: "ومن يرغب عن ملة إبراىيم إلا من سفو نفسو"، رغب عن ملتو اليهود والنصارى، واتخذوا اليهودية والنصرانية، بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراىيم -يعني الإسلاـ- حنيفا؛ كذلك بعث الله نبيو محمدا بملة إبراىيم. و عن الربيع في قولو: "ومن يرغب عن ملة إبراىيم إلا من سفو نفسو" قاؿ، رغبت اليهود و النصارى عن ملة إبراىيم، وابتدعوا اليهودية والنصرانية، وليست من الله، وتركوا ملة إبراىيم: الإسلاـ. ٔ- وذكره ابن حجر العسقلاني في العجاب في بيان الأسباب عن الثعمبي والزمخشري. وقال: وقد وجدتو في تفسي ر مقاتل بن سميمان (ٗٗ\ٔ).
عدد الصفحات ٥١١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 511 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :إ من سفو نفسو} أي أوقعها في سفو؛ و «السفو» ضد الرشد؛ وقيل: معناه: جهل نفسو أي جهل ما يجب لها، فضيعها؛ ولنا أف نقوؿ: إف التعبير بما يحتمل الوجهين فيو نكتة عظيمة؛ وىي أف يكوف التعبير صالحا للأمرين؛ فكأنو ناب عن جملتين؛ فهو في الحقيقة جاىل إف لم يتعمد المخالفة؛ وسفيو إف تعمد المخالفة. قولو تعالى{ :ولقد اصطفيناه في الدنيا} الجملة ىنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة؛ وىي القسم المقدر؛ واللاـ؛ و «قد» ؛ لأف اللاـ ىنا موطئة للقسم؛ والتقدير: و والله لقد. وقولو تعالى{ :اصطفيناه} افتعاؿ من الصفوة؛ فأصل ىذه المادة من صفا يصفو؛ ومعنى {اصطفيناه في الدنيا }اخترناه، وجعلناه صفيا من الخلق: اصطفاه الله سبحانو وتعالى في الدنيا على كل الأنبياء ما عدا محمدا ؛ واتخذه الله سبحانو وتعالى خليلا. قاؿ الطبري: وىذا خبر من الله تعالى ذكره عن أف من خالف إبراىيم فيما سن لمن بعده، فهو لله مخالف، وإعلاـ منو خلقو أف من خالف ما جاء بو محمد ، فهو لإبراىيم مخالف. وذلك أف الله تعالى ذكره أخبر أنو اصطفاه لخلتو، وجعلو للناس إماما، وأخبر أف دينو كاف الحنيفية المسلمة. ففي ذلك أوضح البياف من الله تعالى ذكره عن أف من خالفو فهو لله عدو لمخالفتو الإماـ الذي نصبو الله لعباده. قولو تعالى{ :وإنو في الآخرة لمن الصالحين{ : }إنو}«إف» واسمها؛ و {لمن الصالحين} :خبرىا؛ وىذه الجملة مؤكدة بػ «إف» واللاـ فقط؛ و {في الآخرة} :في موضع نصب على الحاؿ؛ أي إنو في حاؿ كونو في الآخرة؛ لمن الصالحين؛ في الدنيا اصطفاه الله، واختاره؛ وفي الآخرة يكوف من الصالحين الذين أدوا ما أوجب الله عليهم لنفسو ولخلقو. وىنا ذكر الله تعالى الاصطفاء في الدنيا، والصلاح في الآخرة؛ فهل ىنا نكتة لتغاير الحالين، أو لا؟ الجواب: يبدو لي والله أعلم أف ىناؾ نكتة؛ وىي أف الدنيا دار شهوات، وابتلاء؛ فلا يصبر عن ىذه الشهوات، ولا على ىذا الابتلاء إلا واحد دوف الآخر؛ فإذا أخلص الإنساف نفسو لله صار صفوة من عباد الله؛ والآخرة ليست ىكذا؛ الآخرة حتى الكفار يؤمنوف؛ ولكن الفرؽ بين من يكوف من الصالحين، وغير الصالحين؛ لأنهم إذا عرضوا على النار قيل لهم{ :أليس ىذا بالحق قالوا بلى وربنا[ }الأنعاـ: ٖٓ]، وقيل لهم{ :أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى[ }غافر: ٓ٘]؛ وقالوا{ :يا ويلنا من بعثنا من مر قدنا ىذا ما وعد الرحمن وصدؽ المرسلوف[ }يس: ٕ٘]... وىكذا ما يدؿ على أنهم مؤمنوف؛ لكنهم ليسوا من الصالحين؛ فإف كانت ىذه ىي النكتة فذلك من فضل الله؛ وإف لم تكن إياىا فالعلم عند الله؛ ولا بد أف يكوف ىناؾ نكتة جهلناىا. قاؿ الطبري و"الصالح" من بني آدـ: ىو المؤدي حقوؽ الله عليو. فأخبر تعالى ذكره عن إبراىيم خليلو، أنو في الدنيا صفي، وفي الآخرة ولي، وأنو وارد موارد أوليادو الموفين بعهده.
عدد الصفحات ٥١٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 511 - سورة البقرة الجزء الاول (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف الرشد في إتباع ملة إبراىيم؛ لقولو تعالى{ :إ من سفو نفسو} ٕ- أف مخالفة ىذه الملة سفو؛ مهما كاف الإنساف حكيما في قولو فإنو يعتبر سفيها إذا لم يلتزـ بشريعة الله. ٖ- فضيلة إبراىيم عليو الصلاة والسلاـ ، حيث اصطفاه الله، واختاره على العالمين؛ لقولو تعالى{ :ولقد اصطفيناه في الدنيا} ٗ- إثبات الآخرة؛ لقولو تعالى{ :وإنو في الآخرة} ٘- أف الصلاح وصف للأنبياء، ومن دونهم؛ فيوصف النبي بأنو صالح، ويوصف متبع الرسوؿ بأنو صالح؛ ولهذا كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلاـ يحيوف الرسوؿ ليلة المعراج بقولهم: «مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح» (ٔ) ؛ فوصفوه بالصلاح. ٙ- أف المخالفين للرسل سفهاء؛ لقولو تعالى{ :ومن يرغب عن ملة إبراىيم إلا من سفو نفسو، وقولو في المنافقين: {أ إنهم ىم السفهاء[ }البقرة: ٖٔ]، وقولو تعالى{ :سيقوؿ السفهاء من الناس ما ولاىم عن قبلتهم التي كانوا عليها[ }البقرة: ٕٗٔ]؛ فإنهم وإف كانوا أذكياء، وعندىم علم بالصناعة، والسياسة ىم في الحقيقة سفهاء؛ لأف العاقل ىو الذي يتبع ما جاءت بو الرسل فقط. إِذْ قَاؿَ لَوُ رَب وُ أَسْلِمْ قَاؿَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (ٖٔٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :إذ قاؿ لو ربو أسلم} ؛ ىذا من الثناء على إبراىيم؛ {إذ} :يحتمل أف تكوف متعلقة بقولو{ :ولقد اصطفيناه}أي: ولقد اصطفيناه إذ قاؿ لو ربو؛ ويحتمل أف تكوف متعلقة بمحذوؼ، والتقدير: اذكر إذ قاؿ لو ربو؛ فيكوف أمرا للرسوؿ أف ينوه بهذه الحاؿ التي كاف إبراىيم عليها. قاؿ الطبري: إذ قاؿ لو ربو: أخلص لي العبادة، واخضع لي بالطاعة. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :أسلمت} يشمل إسلاـ الباطن، والظاىر. -ٔ أخرجو البخاري في ٖ٘ٔ - ٖٙٔ، كتاب مناقب الأنصار، باب ٕٗ: المعراج، الحديث رقم ٖٚٛٛ، وأخرجو مسمم صٚٓٚ، كتاب الإيمان، باب ٗٚ: الإسراء برسول الله إلى السموات وفرض الصموات، حديث رقم ٙٔٗ [ٕٗٙ]ٗٙٔ.
عدد الصفحات ٥١٣