المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٣٧ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 483 - سورة البقرة الجزء الاول وَإِذْ جَعَلْنَا الْبػَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَاـِ إِبػْرَاىِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِ بػْرَاىِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَفْ طَهِّرَا بػَيْتِيَ لِلطَّادِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالر كَّعِ الس جُودِ (ٕ٘ٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا}؛ {إذ} للظرفية؛ وىي متعلقة بمحذوؼ تقديره: «اذكر» ؛ يعني: اذكر يا محمد للناس ىذا الأمر الذي صيرناه للناس؛ و {جعلنا} أي صيرنا؛ و {البيت}: «أؿ» ىنا للعهد الذىني؛ والمراد بو الكعبة؛ لأنها بيت الله عز وجل؛ وأتى ىنا بػ «أؿ» للتفخيم والتعظيم؛ يعني: البيت المعهود الذي لا يجهل، ولا ينسى جعلناه مثابة ... ؛ و «المثابة» بمعنى المرجع؛ أي يثوب الناس إليو، ويرجعوف إليو من كل أقطار الدنيا سواء ثابوا إليو بأبدانهم، أو بقلوبهم، فالذين يأتوف إليو حجاجا، أو معتمرين يثوبوف إليو بأبدانهم؛ والذين يتجهوف إليو كل يوـ بصلواتهم يثوبوف إليو بقلوبهم فإنهم لا يزالوف يتذكروف ىذا البيت في كل يوـ، وليلة؛ بل استقبالو من شروط صحة صلاتنا. قاؿ البغوي: قَاؿَ مجاىد وسعيد بن جبير: يثوبوف إِلَيْوِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَيَحُج وفَ، قَاؿَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَعَاذًا وَمَلْجَأً، وَقَاؿَ قػَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ : مَجْمَعًا. قاؿ ابن العثيمين وقولو تعالى{ :أمنا} أي وجعلناه أمنا للناس؛ أي مكاف أمن يأمن الناس فيو على دمادهم، وأموالهم حتى أشجار الحرـ، وحشيشو آمن من القطع. قاؿ البغوي: أَيْ : مَأْمَنًا يَأْمَنُوفَ فِيوِ مِنْ إِيذَاءِ الْمُشْرِكِينَ فإنهم كانوا لا يػَتػَعَرَّضُوفَ لأَِىْلِ مَكَّةَ، وَيػَقُولُوفَ ىُمْ أَىْلُ اللَّوِ، وَيػَتػَعَرَّ ضُوفَ لِمَنْ حَوْلَوُ كَمَا قَاؿَ اللَّوُ تػَعَالَى: أَوَلَمْ يػَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيػُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [الْعَنْكَبُوتِ: ٚٙ]أَخْبػَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِي أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّوِ النَّعِيمِي أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَلِي بْنُ عَبْدِ اللَّوِ أَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاىِدٍ عَنْ طاوس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَاؿَ : قَاؿَ رَسُوؿُ اللَّوِ يػَوْـَ فػَتْحِ مَكَّةَ : «إِف ىَذَا الْبػَلَدَ حرّمو الله يوـ خلق السموات وَالأَْرْضَ، فػَهُوَ حَرَاـٌ بِحُرْمَةِ اللَّوِ إِلَى يػَوْـِ الْقِيَامَةِ، لاَ يػُعْضَدُ شَوْكُوُ وَلاَ يػَنػَفَّرُ صَيْدُهُ وَلاَ يػَلْتَقِطُ لُقَطَتَوُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفػَهَا وَلاَ يُخْتػَلَى خَلاَهُ » ، فػَقَاؿَ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُوؿَ اللَّوِ إِلاَّ الإِْذْخِرَ فَإِنَّوُ لَقَيْنِهِمْ وَلِبػُيُوتِهِمْ، فػَقَاؿَ رَسُوؿُ اللَّوِ : «إ الإذخر» (ٔ). ٔ- إسناده عمى شرط البخاري، حيث تفرد عن عمي بن عبد الله، وىو المديني. جرير ىو ابن عبد الحميد، ومنصور ىو ابن المعتمر، ومجاىد ىو ابن جبر، وطاوس ىو ابن كيسان، يقال: اسمو ذكوان. وىو في «شرح السنة» ٜٜٙٔ بيذا الإسناد. رواه المصنف من طريق البخاري، وىو في «صحيحو» ٚٛ٘ٔ عن عمي بن عبد لله بيذا الإسناد. وأخرجو البخاري ٖٗٛٔ وٖٕٛٚ وٕٖ٘ٛ وٜٖٛٔ ومسمم ٖٖ٘ٔ وأبو داود ٕٛٔٓ وٕٓٛٗ والترمذي ٜٓ٘ٔ والنسائي (٘/ ٖٕٓ- ٕٗٓ) و (ٚ/ ٙٗٔ) وأحمد (ٔ/ ٖ٘ٔ وٜٖ٘) وابن الجار و د ٜٓ٘ والطبراني في «الكبير» (ٖٜٗٓٔ وٜٗٗٓٔ) وابن حبان ٕٖٓٚ والبييقي (٘/ ٜ٘ٔ وٜ/ ٙٔ) من طرق من حديث ابن عباس، بعضيم رواه مطولا، وبعضيم مختصرا .

عدد الصفحات ٤٨٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 484 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ السعدي: ولهذا كانوا في الجاىلية - على شركهم - يحترمونو أشد الاحتراـ، ويجد أحدىم قاتل أبيو في الحرـ، فلا يهيجو، فلما جاء الإسلاـ، زاده حرمة وتعظيما، وتشريفا وتكريما. قاؿ ابن كثير: وَمَضْمُوفُ مَا فَسَّرَ بِوِ ىَؤُلاَءِ الأَْدِمَّةُ ىَذِهِ الآْيَةَ : أَفَّ اللَّوَ تػَعَالَى يَذْكُرُ شَرَؼَ الْبػَيْتِ وَمَا جَعَلَوُ مَوْصُوفًا بِوِ شَرْعًا وَقَدَرًا مِنْ كَوْنِوِ مَثَابَةً لِلنَّاسِ، أَيْ : جَعَلَوُ مَ حَلا تَشْتَاؽُ إِلَيْوِ الأَْرْوَاحُ وَتَحِن إِلَيْوِ، وَلاَ تػَقْضِي مِنْوُ وَطَرًا، وَلَوْ ترددَت إِلَيْوِ كلَّ عَاـٍ، اسْتِجَابَةً مِنَ اللَّوِ تػَعَالَى لِدُعَاءِ خَلِيلِوِ إِبػْرَاىِيمَ، عَلَيْوِ السَّلاَـُ، فِي قػَوْلِوِ { :فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تػَهْوِي إِلَيْهِمْ }إِلَى أَفْ قَاؿَ { :رَبػَّنَا وَتػَقَبَّلْ دُعَاءِ [ }إِبػْرَاىِيمَ: ٖٚ -ٓٗ]وَيَصِفُوُ تػَعَالَى بِأَنَّوُ جَعَلَوُ أَمْنًا، مَنْ دَخَلَوُ أَمِنَ، وَلَوْ كَافَ قَدْ فػَعَلَ مَا فػَعَلَ ثُمَّ دَخَلَوُ كَافَ آمِنًا. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :واتخذوا من مقاـ إبراىيم مصلى} أي صيروا، واجعلوا؛ وفيها قراءتاف؛ إحداىما: بفعل الأمر: {اتخذوا} ؛ والثانية: بفعل الماضي: {اتخذوا} أي: واتخذ الناس؛ وعلى الأولى: اتخذوا أنتم من مقاـ إبراىيم مصلى؛ و {من} ىنا لبياف الجنس؛ ويجوز أف تضمن «في» ؛ يعني: واتخذوا في ىذا المقاـ مكانا للصلاة؛ و «المقاـ» مكاف القياـ؛ ويطلق إطلاقين: إطلاقا عاما - وىو مكاف قياـ إبراىيم للعبادة -؛ وإطلاقا خاصا وىو مقامو لبناء الكعبة؛ فعلى الإطلاؽ الأوؿ يكوف جميع مواقف الحج، ومشاعر الحج من مقاـ إبراىيم: عرفة؛ مزدلفة؛ الجمرات؛ الصفا، و المروة ... إلخ؛ وعلى الإطلاؽ الثاني الخاص يكوف المراد الحجر المعين الذي قاـ عليو إبراىيم ليرفع قواعد البيت؛ وىو ىذا المقاـ المشهور المعروؼ للجميع. قاؿ القرطبي: روى ابن عمر قاؿ : قاؿ عمر : وافقت ربي في ثلاث : في مقاـ إبراىيم ، وفي الحجاب ، وفي أسارى بدر. خرجو مسلم وغيره. وخرجو البخاري عن أنس قاؿ : قاؿ عمر : وافقت الله في ثلاث ، أو وافقني ربي في ثلاث... الحديث ، وأخرجو أبو داود الطيالسي في مسنده فقاؿ : حدثنا حماد بن سلمة حدثنا علي بن زيد عن أنس بن مالك قاؿ قاؿ عمر : وافقت ربي في أربع ، قلت يا رسوؿ الله : لو صليت خلف المقاـ ؟ فنزلت ىذه الآية : {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَاـِ إِبػْرَاىِيمَ مُصَلّىً }وقلت : يا رسوؿ الله ، لو ضربت على نسادك الحجاب فإنو يدخل عليهن البر والفاجر ؟ فأنزؿ الله { :وَإِذَا سَأَلْتُمُوىُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوىُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [ }الأحزاب : ٖ٘]، ونزلت ىذه الآية : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنساف مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [ }المؤمنوف : ٕٔ]، فلما نزلت قلت أنا : تبارؾ الله أحسن الخالقين ، فنزلت { :فػَتَبَارَؾَ اللَّوُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [ }المؤمنوف : ٗٔ]، ودخلت على أزواج النبي فقلت : لتنتهن أو ليبدلنو الله بأزواج خير منكن ، فنزلت الآية { :عَسَى رَب وُ إِفْ طَلَّقَكُنَّ [ }التحريم : ٘] قلت : ليس في ىذه الرواية ذكر للأسارى ، فتكوف موافقة عمر في خمس. قولو تعالى { :مِنْ مَقَاـِ } المقاـ في اللغة : موضع القدمين. قاؿ النحاس : "مقاـ" من قاـ يقوـ ، ويكوف مصدرا واسما للموضع. ومقاـ من أقاـ ، فأما قوؿ زىير :

عدد الصفحات ٤٨٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 485 - سورة البقرة الجزء الاول وفيهم مقامات حساف وجوىهم ... وأندية ينتابها القوؿ والفعل فمعناه : فيهم أىل مقامات. واختلف في تعيين المقاـ على أقواؿ ، أصحها - أنو الحجر الذي تعرفو الناس اليوـ الذي يصلوف عنده ركعتي طواؼ القدوـ. وىذا قوؿ جابر بن عبدالله وابن عباس وقتادة وغيرىم. وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل أف النبي لما رأى البيت استلم الركن فرمل ثلاثا ، ومشى أربعا ، ثم تقدـ إلى مقاـ إبراىيم فقرأ { :وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَاـِ إِبػْرَاىِيمَ مُصَلّىً }فصلى ركعتين قرأ فيهما بػ {قُلْ ىُوَ اللَّوُ أَحَدٌ [ }الإخلاص]و {قُلْ يَا أَيػ هَا الْكَافِرُوفَ [ }الكافروف]وىذا يدؿ على أف ركعتي الطواؼ وغيرىما من الصلوات لأىل مكة أفضل ويدؿ من وجو على أف الطواؼ للغرباء أفضل ، على ما يأتي. وفي البخاري : أنو الحجر الذي ارتفع عليو إبراىيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كاف إسماعيل يناولها إياه في بناء البيت ، وغرقت قدماه فيو. قاؿ أنس : رأيت في المقاـ أثر أصابعو وعقبو وأخمص قدميو ، غير أنو أذىبو مسح الناس بأيديهم ، حكاه القشيري. وقاؿ السدي : المقاـ الحجر الذي وضعتو زوجة إسماعيل تحت قدـ إبراىيم عليو السلاـ حين غسلت رأسو. وعن ابن عباس أيضا ومجاىد وعكرمة وعطاء : الحج كلو. وعن عطاء : عرفة ومزدلفة والجمار ، وقالو الشعبي. النخعي : الحرـ كلو مقاـ إبراىيم ، وقالو مجاىد. قلت: والصحيح في المقاـ القوؿ الأوؿ ، حسب ما ثبت في الصحيح. قاؿ ابن العثيمين وقولو{ :مصلى}: مفعوؿ أوؿ لػ {اتخذوا} منصوب بالفتحة المقدرة على آخره منع من ظهورىا التعذر؛ والتنوين الذي فيو عوض عن الألف المحذوفة؛ والمفعوؿ الثاني: ىو الجار والمجرور المقدـ؛ و «المصلى» مكاف الصلاة؛ وىل المراد بالصلاة الصلاة اللغوية؛ أو الصلاة الشرعية المعروفة؟ يحتمل ىذا، وىذا؛ فإف قلنا بالأوؿ شمل جميع مناسك الحج؛ لأنها كلها محل للدعاء؛ وإف قلنا بالثاني اختص بالركعتين بعد الطواؼ خلف المقاـ؛ ويؤيده أف النبي حين فرغ من طوافو تقدـ إلى مقاـ إبراىيم، وقرأ: {واتخذوا من مقاـ إبراىيم مصلى} ، وصلى ركعتين (ٔ) ؛ والقوؿ بالعموـ أشمل؛ و يجاب عن فعل النبي بأنو فسر المعنى ببعض أفراده؛ وىذا لا يقتضي التخصيص عند أىل التحقيق من الأصوليين. قاؿ شيخ الإسلاـ في الاستغاثة (ٜٕٚ،ٕٛٚ): وقد قاؿ طادفة من السلف: مقاـ ابراىيم عرفة ومزدلفة ومنى، ومصلى أي مدعى، وىذا لا ينافي عند كثير من العلماء ما ثبت في الصحيح من أف النبي لما طاؼ صلى عند المقاـ وقرأ: (واتخذوا من مقاـ ابراىيم مصلى) لأف الآية قد تتناوؿ ىذا وىذا عند كثير من أىل العلم. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وعهدنا إلى إبراىيم}«العهد» الوصية بما ىو ىاـ؛ و ليست مجرد الوصية؛ بل ٔ- راجع مسمما صٓٛٛ - ٔٛٛ، كتاب الحج، باب ٜٔ: حجة النبي ، حديث رقم ٜٕٓ٘ [ٚٗٔ]ٕٛٔٔ.

عدد الصفحات ٤٨٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 486 - سورة البقرة الجزء الاول لا تكوف عهدا إلا إذا كاف الأمر ىاما؛ ومنو عهد أبي بكر بالخلافة إلى عمر؛ ومعلوـ أف أىم ما يكوف من أمور المسلمين العامة الخلافة. قولو تعالى{ :وإسماعيل} :ىو ابن إبراىيم؛ وىو أبو العرب؛ وىو الذبيح على القوؿ الصحيح؛ يعني: ىو الذي أمر الله إبراىيم أف يذبحو؛ وىو الذي قاؿ لأبيو{ :يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إف شاء الله من الصابرين[ }الصافات: ٕٓٔ]؛ وقوؿ من قاؿ: «إنو إسحاؽ» بعيد؛ وقد قاؿ بعض أىل العلم: إف ىذا منقوؿ عن بني إسراديل: لأف بني إسراديل يودوف أف الذبيح إسحاؽ؛ لأنو أبوىم دوف إسماعيل؛ لأنو أبو العرب عمهم؛ ولكن من تأمل آيات «الصافات» تبين لو ضعف ىذا القوؿ. قولو تعالى{ :أف طهرا بيتي}؛ {أف} تفسيرية؛ لأف {عهدنا} فيو معنى القوؿ دوف حروفو؛ أي أف العهد ىو قولو تعالى{ :طهرا بيتي } ... ؛ و {طهرا} فعل أمر؛ و {بيتي} المراد بو الكعبة؛ وأضافها الله سبحانو وتعالى إلى نفسو إضافة تشريف؛ والمراد تطهير البيت من الأرجاس الحسية والمعنوية. قاؿ ابن كثير: وَقَاؿَ سَعِيدُ بْنُ جُبػَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قػَوْلُوُ { :أَفْ طَهِّرَا بػَيْتِيَ لِلطَّادِفِينَ وَالْ عَاكِفِينَ }قَاؿَ: مِنَ الأَْوْثَافِ . وَقَاؿَ مُجَاىِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير{ :طَهِّرَا بػَيْتِيَ لِلطَّادِفِينَ }إِف ذَلِكَ مِنَ الأَْوْثَافِ وَالرَّفَثِ وَقػَوْؿِ الز ورِ وَالرِّجْسِ . قَاؿَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ورُوي عَنْ عُبَيد بْنِ عُمَيْرٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبػَيْرٍ، وَمُجَاىِدٍ، وَعَطَاءٍ وَقػَتَادَةَ { :أَفْ طَهِّرَا بػَيْتِيَ } أَيْ: بِلاَ إِلَوَ إِلاَّ اللَّوُ، مِنَ الشِّرْؾِ . قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :للطادفين} أي للذين يطوفوف بالبيت؛ فاللاـ ىذه للتعليل أي لأجلهم ؛ والثاني: {العاكفين}أي الذين يقيموف فيو للعبادة؛ والثالث: {الركع السجود} أي الذين يصلوف فيو؛ وعبر عن الصلاة بالركوع، والسجود؛ لأنهما ركناف فيها؛ فإذا أطلق جزء العبادة عليها كاف ذلك دليلا على أف ىذا الجزء ركن فيها لا تصح بدونو؛ و {الركع }جمع راكع؛ و {السجود} جمع ساجد؛ وىنا بدأ بػ {الطادفين} ؛ لأف عبادتهم خاصة بهذا المسجد؛ ثم بػ {العاكفين} ؛ لأف عبادتهم خاصة بالمساجد؛ لكنها أعم من الطادفين؛ وثلث بػ {الركع السجود} ؛ لأف ذلك يصح بكل مكاف بالأرض؛ لقولو : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ؛ فإذا يكوف الله سبحانو وتعالى بدأ بالأخص فالأخص. قاؿ ابن كثير: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَالر كَّعِ الس جُودِ } قَاؿَ: إِذَا كَافَ مُصَلِّيًا فػَهُوَ مِنَ الر كَّعِ الس جُودِ . وَكَذَا قَاؿَ عَطَاءٌ وَقػَتَادَةُ . وَقَاؿَ ابْنُ جَرير رَحِمَوُ اللَّوُ : فَمَعْنَى الآْيَةِ : وأمَرْنا إِبػْرَاىِيمَ وَإِ سْمَاعِيلَ بِتَطْهِيرِ بػَيْتِي لِلطَّادِفِينَ . وَالتَّطْهِيرُ الذِي أَمَرَىُمَا بِوِ فِي الْبػَيْتِ ىُوَ تطهيرُه مِنَ الأَْصْنَاـِ وَعِبَادَةِ الأَْوْثَافِ فِيوِ وَمِنَ الشِّرْؾِ . ثُمَّ أَوْرَدَ سُؤَالاً فػَقَاؿَ : فَإِفْ قِيلَ : فػَهَلْ كَافَ قػَبْلَ بِنَاءِ إِ بػْرَاىِيمَ عِنْدَ الْبػَيْتِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الذِي أُمِرَ بِتَطْهِيرِهِ مِنْوُ؟

عدد الصفحات ٤٨٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 487 - سورة البقرة الجزء الاول وَأَجَابَ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُىُمَا: أَنَّوُ أَمَرَىُمَا بِتَطْهِيرِهِ مِمَّا كَافَ يػُعْبَدُ عِنْدَهُ زَمَاف قػَوْـِ نُوحٍ مِنَ الأَْصْنَاـِ وَالأَْوْثَافِ لِيَكُوفَ ذَلِكَ سُنَّة لِمَنْ بػَعْدَىُمَا إِذْ كَافَ اللَّوُ تػَعَالَى قَدْ جَعَلَ إِبػْرَاىِيمَ إِمَامًا يػُقْتَدَى بِوِ كَمَا قَاؿَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ : {أَفْ طَهِّرَا بػَيْتِيَ } قَاؿَ: مِنَ الأَْصْنَاـِ التِي يػَعْبُدُوفَ، التِي كَافَ الْمُشْرِكُوفَ يػُعَظِّمُونػَهَ ا. قػُلْتُ : وَىَذَا الْجَوَابُ مُفَرَّع عَلَى أَنَّوُ كَافَ يػُعْبَدُ عِنْدَهُ أَصْنَاـٌ قػَبْلَ إِبػْرَاىِيمَ عَلَيْوِ السَّلاَـُ، وَيَحْتَاجُ إِثػْبَاتُ ىَذَا إِلَى دَلِيلٍ عَنِ الْمَعْصُوـِ مُحَمَّد . الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّوُ أَمَرَىُمَا أَفْ يُخْلِصَ ا فِي بِنَادِوِ لِلَّوِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَوُ، فػَيَبْنِيَاهُ مُطَهَّرًا مِنَ الشِّرْؾِ والرَّيْب، كَمَا قَاؿَ جَلَّ ثػَنَاؤُهُ { :أَفَمَنْ أَسَّسَ بػُنػْيَانَوُ عَلَى تػَقْوَى مِنَ اللَّوِ وَرِضْوَافٍ خَيػْرٌ أَـْ مَنْ أَسَّسَ بػُنػْيَانَوُ عَلَى شَفَا جُرُؼٍ ىَارٍ [ }التػَّوْبَةِ: ٜٓٔ]قَاؿَ: فَكَذَلِكَ قػَوْلُوُ { :وَعَهِدْنَا إِلَى إِبػْرَاىِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَفْ طَهِّرَا بػَيْتِيَ }أَيِ: ابْنِيَا بػَيْتِي عَلَى طُهْرٍ مِنَ الشِّرْؾِ بِي وَالرَّيْبِ، كَمَا قَاؿَ الس دِّي { :أَفْ طَهِّرَا بػَيْتِيَ }ابْنِيَا بػَيْ تِي لِلطَّادِفِينَ . وَمُلَخَّصُ ىَذَا الْجَوَابِ : أَفَّ اللَّوَ تػَعَالَى أَمَرَ إِبػْرَاىِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلاَـُ، أَفْ يػَبْنِيَا الْكَعْبَةَ عَلَى اسْمِوِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَوُ لِلطَّادِفِينَ بِوِ وَالْعَاكِفِينَ عِنْدَهُ، وَالْمُصَلِّ ينَ إِلَيْوِ مِنَ الر كَّعِ الس جُودِ، كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :وَإِذْ بػَوَّأْنَا لإبػْرَاىِيمَ مَكَافَ الْبػَيْتِ أَفْ لاَ تُشْرِؾْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بػَيْتِيَ لِلطَّادِفِينَ وَالْقَادِمِينَ وَالر كَّعِ الس جُودِ }الآْيَاتِ [الْحَج: ٕٙ -ٖٚ] وَقَدِ اخْتػَلَفَ الْفُقَهَاءُ : أَي مَا أَفْضَلُ، الصَّلاَةُ عِنْدَ الْبػَيْتِ أَوِ الطَّوَاؼُ؟ فػَقَاؿَ مَالِكٌ : الطَّوَاؼُ بِوِ لأَِىْلِ الأَْمْصَارِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلاَةِ عِنْدَهُ، وَقَاؿَ الْجُمْهُورُ : الصَّلاَةُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا، وَتػَوْجِيوُ كُلٍّ مِنػْهُ مَا يُذْكَرُ فِي كِتَابِ الأحكاـ . وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الرَّد عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُشْرِكُوفَ بِاللَّوِ عِنْدَ بػَيْتِوِ، الْمُؤَسَّسِ عَلَى عِبَادَتِوِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَوُ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَصُد وفَ أَىْلَوُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْوُ، كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :إِف الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُد وفَ عَنْ سَبِيلِ اللَّوِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَاـِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيوِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيوِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْوُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [ }الْحَج: ٕ٘] ثُم ذَكَرَ أَفَّ الْبػَيْتَ إِنَّمَا أُسِّسَ لِمَنْ يػَعْبُدُ اللَّوَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَوُ، إِمَّا بِطَوَاؼٍ أَوْ صَلاَةٍ، فَذَكَرَ فِي سُورَةِ الْحَجِّ أَجْزَاءَىَا الثَّلاَثَةَ : قِيَامَهَا، وَرُكُوعَهَا، وَسُجُودَىَا، وَلَمْ يُذْكَرِ الْعَاكِفِينَ لأَِنَّوُ تػَقَدَّـَ {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيوِ وَالْبَادِ }وَفِي ىَذِهِ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ ذَكَرَ الطَّادِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ، وَاجْتػَزَأَ بِذِكْرِ الر كُوعِ وَالس جُودِ عَنِ الْقِيَاـِ؛ لأَِنَّوُ قَدْ عُلِمَ أَنَّوُ لاَ يَكُوفُ رُكُوعٌ وَلاَ سُجُودٌ إِلاَّ بػَعْدَ قِيَاـٍ .

عدد الصفحات ٤٨٩

لطَّادِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ، وَاجْتػَزَأَ بِذِكْرِ الر كُوعِ وَالس جُودِ عَنِ الْقِيَاـِ؛ لأَِنَّوُ قَدْ عُلِمَ أَنَّوُ لاَ يَكُوفُ رُكُوعٌ وَلاَ سُجُودٌ إِلاَّ بػَعْدَ قِيَاـٍ . وَفِي ذَلِكَ -أَيْضًا-رَدّ عَلَى مَنْ لاَ يَحُج وُ مِنْ أَىْلِ الْكِتَابػَيْنِ : الْيػَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ لأَِنػَّهُمْ يػَعْتَقِدُوفَ فَضِيلَةَ إِبػْرَاىِيمَ الْخَلِيلِ وَعَظْمَتِوِ، وَيػَعْلَمُوفَ أَنَّوُ بػَنَى ىَذَا الْ بػَيْتَ لِلطَّوَاؼِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلِلاْعْتِكَاؼِ وَالصَّلاَةِ عِنْدَهُ وَىُمْ لاَ يػَفْعَلُوفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَكُونُوفَ مُقْتَدِينَ بِالْخَلِيلِ، وَىُمْ لاَ يػَفْعَلُوفَ مَا شَرَعَ اللَّوُ لَوُ؟ وَقَدْ حَجَّ البيتَ مُوسَى بْنُ عِمْرَافَ وَغَيػْرُهُ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَـُ، كَمَا أَخْبػَرَ بِذَلِكَ الْمَعْصُوـُ الذِي لاَ يػَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى {إِفْ ىُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النَّجْمِ: ٗ] وَتػَقْدِيرُ الْكَلاَـِ إِذًا: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبػْرَاىِ يمَ وَإِسْمَاعِيلَ } أَيْ : تػَقَدَّمْنَا لِوَحْيِنَا إِلَى إِبػْرَاىِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ {أَفْ طَهِّرَا بػَيْتِيَ لِلطَّادِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالر كَّعِ الس جُودِ } أَيْ: طَهِّرَاهُ مِنَ الشِّرْؾِ وَالرَّيْبِ وَابْنِيَاهُ خَالِصًا لِلَّوِ، مَعْقِلاً لِلطَّ ادِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ

عدد الصفحات ٤٨٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 488 - سورة البقرة الجزء الاول وَالر كَّعِ الس جُودِ . وَتَطْهِيرُ الْمَسَاجِدِ مَأْخُوذٌ مِنْ ىَذِهِ الآْيَةِ، وَمِنْ قػَوْلِوِ تػَعَالَى{ :فِي بػُيُوتٍ أَذِفَ اللَّوُ أَفْ تػُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُوُ يُسَبِّحُ لَوُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَاؿِ [ }الن ورِ: ٖٙ] (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- فضيلة البيت الحراـ من وجهين: أنو مثابة؛ وأمن. ٕ- ظهور رحمة الله؛ فإنو لما جعل ىذا البيت مثابة، والناس لابد أف يرجعوا إليو رحمهم بأف جعلو أمنا؛ وإنما أحلها الله لرسولو ساعة من نهار للضرورة؛ وىي ساعة الفتح؛ ثم قاؿ : «وقد عادت حرمتها اليوـ كحرمتها بالأمس» ؛ ثم أورد سؤالا قاؿ فيو: «فإف أحد ترخص بقتاؿ رسوؿ الله فقولوا: إف الله أذف لرسولو ولم يأذف لكم» (ٔ) ؛ والحكم لله العلي الكبير: أذف للرسوؿ في تلك الساعة؛ ولكنو لم يأذف لأحد بعده كما لم يأذف لأحد قبلو؛ و لهذا نهي عن حمل السلاح في الحرـ حتى يبقى كل إنساف آمنا؛ ولما طعن ابن عمر وىو على راحلتو في منى طعنو أحد الخوارج بسناف الرمح في أخمص قدمو حتى لزقت قدمو بالركاب جاءه الحجاج يعوده، فقاؿ الحجاج: لو نعلم من أصابك؟! فقاؿ ابن عمر: أنت أصبتني! قاؿ: وكيف؟ قاؿ: «حملت السلاح في يوـ لم يكن يحمل فيو، وأدخلت السلاح الحرـ ولم يكن السلاح يدخل الحرـ» (ٕ) ؛ وبهذا تعرؼ عظم جرـ أولئك الذين يوقعوف المخاوؼ بين المسلمين في مواسم الحج، وأنهم والعياذ بالله من أعظم الناس جرما؛ لأف الله سبحانو وتعالى جعل ىذا البلد آمنا في كل وقت؛ فكيف في وقت أداء مناسك الحج التي ما أمن والله أعلم إلا لأجلها. ٖ- أنو ينبغي أف يكوف كل مكاف مثابة للناس أمنا؛ ولهذا كره أىل العلم أف يحمل السلاح في المساجد؛ قالوا: لأف المساجد محل أمن؛ لكن إذا كاف المراد من حمل السلاح حفظ الأمن كاف مأمورا بو. ٗ- وجوب اتخاذ المصلى من مقاـ إبراىيم؛ لقولو تعالى{ :واتخذوا من مقاـ إبراىيم مصلى}؛ لأف الأصل في الأمر الوجوب؛ فإف قلنا بأف المراد بالمقاـ جميع مناسك الحج فلا إشكاؿ؛ لأف فيو ما لا يتم الحج إلا بو كالوقوؼ بعرفة، والطواؼ بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة؛ ومنو ما يصح الحج بدونو مع وجوبو كالمبيت بمزدلفة، ورمي الجمرات؛ ومنو ما يصح الحج بدونو وليس بواجب، كصلاة الركعتين بعد الطواؼ على المشهور؛ وإذا قلنا: المراد بو الركعتاف بعد الطواؼ صار فيو إشكاؿ: فإف جمهور العلماء على أنهما سنة؛ وذىب الإماـ مالك إلى أنهما واجبتاف؛ والذي ينبغي للإنساف: أف لا يدعهما؛ لأف الرسوؿ فسر الآية بهما، حيث تقدـ إلى مقاـ إبراىيم بعد الطواؼ، فقرأ: {واتخذوا من مقاـ إبراىيم مصلى} ٔ- أخرجو البخاري صٕٔ، كتاب العمم، باب ٖٚ: ليبمغ العمم الشاىد الغائب، حديث رقم ٗٓٔ، وأخرجو مسمم صٖٜٓ - ٜٗٓ، كتاب الحج، باب ٕٛ: تحريم مكة وتحريم صيدىا ... ، حديث رقم ٖٖٗٓ [ٙٗٗ]ٖٗ٘ٔ. -ٕأخرجو البخاري صٙٚ، كتاب العيدين، باب ٜ: ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم، حديث رقم ٜٙٙ.

عدد الصفحات ٤٩٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 489 - سورة البقرة الجزء الاول ٘- أف الله سبحانو وتعالى يثيب العامل بأكثر من عملو؛ فإبراىيم لما أتم الكلمات جعلو الله تعالى إماما للناس، وأمر الناس أف يتخذوا من مقامو مصلى؛ وىذا بعض من إمامتو. ٙ- وجوب تطهير البيت من الأرجاس الحسية، والمعنوية؛ لقولو تعالى{ :وعهدنا إلى إبراىيم وإسماعيل أف طهرا}؛ والعهد ىو الوصية بالأمر الهاـ؛ ويؤيد ذلك قولو تعالى{ :يا أيها الذين آمنوا إنما المشركوف نجس فلا يقربوا المسجد الحراـ بعد عامهم ىذا[ }التوبة: ٕٛ]؛ ولهذا لا يجوز للمشركين وغيرىم من أىل الكفر أف يدخلوا أمياؿ الحرـ؛ لأنهم إذا دخلوىا قربوا من المسجد الحراـ والله تعالى يقوؿ{ :ف يقربوا المسجد الحراـ بعد عامهم ىذا[ }التوبة: ٕٛ] ٚ- اشتراط طهارة مكاف الطواؼ؛ لقولو تعالى{ :للطادفين} ٛ- اشتراط طهارة لباس الطادفين من باب أولى، وأنو لا يجوز أف يطوؼ بثوب نجس؛ لأف ملابسة الإنساف للثياب ألصق من ملابستو للمكاف. ٜ- أف الطواؼ لا يكوف إلا حوؿ الكعبة؛ لقولو تعالى{ :وطهرا بيتي للطادفين}؛ ولهذا قاؿ العلماء: يشترط لصحة الطواؼ أف يكوف في المسجد الحراـ، وأنو لو طاؼ خارج المسجد ما أجزأه؛ فلو أراد الإنساف مثلا أف يطوؼ حوؿ المسجد الحراـ من خارج فإنو لا يجزئ؛ لأنو يكوف حينئذ طادفا بالمسجد لا بالكعبة؛ أما الذين يطوفوف في نفس المسجد سواء فوؽ أو تحت، فهؤلاء يجزدهم الطواؼ؛ وعلى ىذا يجب الحذر من الطواؼ في المسعى، أو فوقو؛ لأف المسعى ليس من المسجد؛ إذ لو كاف من المسجد لكانت المرأة إذا حاضت بعد الطواؼ لا تسعى؛ لأنو يلزـ من سعيها أف تمكث في المسجد. ٓٔ- فضيلة ىذه العبادات الأربع: الطواؼ، والاعتكاؼ، والركوع، والسجود؛ وأف الركوع والسجود أفضل ىيئة في الصلاة؛ فالركوع أفضل ىيئة من القياـ؛ والسجود أفضل منو؛ والقياـ أفضل من الركوع، والسجود بما يقرأ فيو؛ ولهذا نهي المصلي أف يقرأ القرآف راكعا، أو ساجدا؛ فإف ذكر القياـ كلاـ الله؛ وىو أفضل من كل شيء؛ وذكر الركوع والسجود ىو التسبيح؛ وىو أقل حرمة من القرآف؛ ولذلك حل الذكر للجنب دوف قراءة القرآف(ٔ)، ويجوز مس الورقات التي فيها الذكر بغير وضوء دوف مس المصحف؛ فالله سبحانو وتعالى حكيم: جعل لكل ركن من أركا ف الصلاة ميزة يختص بها؛ فالقياـ اختصو بفضل ذكره؛ والركوع والسجود بفضل ىيئتهما. (تنبيو) اختلف المؤرخوف : ىل كاف الحجر الذي كاف يرفع عليو إبراىيم بناء الكعبة لاصقا بالكعبة، أو كاف منفصلا عنها ٔ- (قمت): قال الإمام الألباني في تمام المنة: والبراءة الأصمية مع الذين قالوا بجواز مس القران من المسمم الجنب وليس في الباب نقل صحيح يجيز الخروج عنيا. فتأمل.

عدد الصفحات ٤٩١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 491 - سورة البقرة الجزء الاول في مكانو الآف؛ فأكثر المؤرخين على أنو كاف ملصقا بالكعبة، وأف الذي أخره إلى ىذا الموضع عمر بن الخطاب ؛ وبناء على ذلك يكوف للخليفة حق النظر في إزاحتو عن مكانو إذا رأى في ذلك المصلحة؛ أما إذا قلنا: إف ىذا مكانو على عهد النبي فالظاىر أنو لا يجوز أف يغير؛ لأف النبي أقره؛ وإذا أقره النبي فليس لنا أف نؤخره عنو؛ وقد كتب أحد طلبة العلم رسالة في ىذا الموضوع، وقرظها الشيخ عبد العزيز بن باز، ورأى أنو يجوز إزاحتو عن مكانو من أجل المصلحة والتوسعة بناء على المشهور عند المؤرخين أنو كاف لاصقا بالكعبة، ثم أخر؛ وىذا لا شك أنو لو أخر عن مكانو فيو دفع مفسدة، وىي مفسدة ىؤلاء الذين يتجمعوف عنده في المواسم؛ وفيو نوع مفسدة وىي أنو يبعد عن الطادفين في غير أياـ المواسم؛ فهذه المصالح متعارضة ىنا: ىل الأولى بقاؤه في مكانو؟ أو الأولى تأخيره عن مكانو؟ فإذا كانت المصالح متكافئة فالأولى أف يبقى ما كاف على ما كاف، وحذرا من التشويش واختلاؼ الآراء في ىذه المسألة؛ ومسألة تضييق المصلين على الطادفين ىذا يمكن زوالو بالتوعية إذا أفادت؛ أو بالمنع بالقهر إذا لم تفد؛ وفي ظني أنها قلت في السنوات الأخيرة بعض الشيء؛ لأف الناس صار عندىم وعي. وَإِذْ قَاؿَ إِبػْرَاىِيمُ رَبِّ اجْعَلْ ىَذَا بػَلَدًا آمِنًا وَارْزُؽْ أَىْلَوُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنػْهُمْ بِاللَّوِ وَالْيػَوْـِ الآْخِرِ قَاؿَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتػِّعُوُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَر هُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (ٕٙٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وإذ قاؿ إبراىيم} أي اذكر إذ قاؿ إبراىيم: {رب اجعل} أي صير {ىذا} أي مكة {بلدا آمنا} ؛ «البلد» اسم لكل مكاف مسكوف سواء كاف ذلك مدينة كبيرة، أو مدينة صغيرة؛ كلو يسمى بلدا؛ وقد سمى الله سبحانو وتعالى مكة بلدا، كما في قولو تعالى{ :وىذا البلد الأمين[ }التين: ٖ]؛ وسماىا الله تعالى قرية، كما في قولو تعالى{ :وكأين من قرية ىي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أىلكناىم[ }محمد: ٖٔ] وقولو تعالى{ :آمنا} :قاؿ بعض المفسرين: أي آمنا من فيو؛ لأف البلد نفسو لا يوصف بالأمن، والخوؼ؛ «البلد» أرض، وبناء؛ وإنما الذي يكوف آمنا: أىلو؛ أما ىو فيكوف أمنا؛ والذي ينبغي ىو أف يبقى على ظاىره، وأف يكوف البلد نفسو آمنا؛ وإذا أمن البلد أمن من فيو وىو أبلغ ؛ لأنو مثلا لو جاء أحد، وىدـ البناء ما كاف البناء آمنا، وصار البناء عرضة لأف يتسلط عليو من يتلفو؛ فكوف البلد آمنا أبلغ من أف نفسره بػ «آمنا أىلو» ؛ لأنو يشمل البلد، ومن فيو؛ ولهذا قاؿ تعالى: {وارزؽ أىلو} ؛ لأف البلد لا يرزؽ. قاؿ الطبري: يعني بقولو: "آمنا": آمنا من الجبابرة وغيرىم، أف يسلطوا عليو، ومن عقوبة الله أف تنالو، كما تناؿ سادر البلداف، من خسف، وادتفاؾ، وغرؽ، وغير ذلك من سخط الله ومثلاتو التي تصيب سادر البلاد غيره. فإف قاؿ لنا قادل: أو ما كاف الحرـ آمنا إلا بعد أف سأؿ إبراىيم ربو لو الأماف؟

عدد الصفحات ٤٩٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 491 - سورة البقرة الجزء الاول قيل لو: لقد اختلف في ذلك. فقاؿ بعضهم: لم يزؿ الحرـ آمنا من عقوبة الله وعقوبة جبابرة خلقو، منذ خلقت السموات والأرض. واعتلوا في ذلك بما:- حدثنا أبو كريب قاؿ، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاؽ قاؿ، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، قاؿ سمعت أبا شريح الخزاعي يقوؿ: لما افتتحت مكة قتلت خزاعة رجلا من ىذيل، فقاـ رسوؿ الله خطيبا فقاؿ: "يا أيها الناس، إف الله حرـ مكة يوـ خلق السموات والأر ض، فهي حراـ بحرمة الله إلى يوـ القيامة، لا يحل لأمرئ يؤ من بالله واليوـ الآخر أف يسفك بها دما، أو يعضد بها شجرا. ألا وإنها لا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ىذه الساعة، غضبا علي أىلها. ألا فهي قد رجعت على حالها بالأمس. ألا ليبلغ الشاىد الغادب، فمن قاؿ: إف رسوؿ الله قد قتل بها! فقولوا: إف الله قد أحلها لرسولو و لم يُحِلَّها لك". (ٔ) حدثنا أبو كريب قاؿ، حدثنا عبد الرحيم بن سليماف - وحدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير - جميعا، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاىد، عن ابن عباس قاؿ: قاؿ رسوؿ الله ، لمكة حين افتتحها: "ىذه حرـ حرمو الله يوـ خلق السموات والأرض، وخلق الشمس والقمر، ووضع ىذين الأخشبين، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، أُحِلَّت لي ساعة من نهار. (ٕ) -ٔالحديث: ىذا مختصر من حديث صحيح مطول: فرواه أحمد في المسند: ٛٗٗٙٔ (ج ٗ ص ٕٖ حمبي) ، عن يعقوب بن إبراىيم بن سعد، عن أبيو، عن محمد بن إسحاق، بيذا الإسناد. ورواية ابن إسحاق ثابتة أيضًا -مطولة- في سيرة ابن ىشام ٗ: ٚ٘-ٛ٘ (حمبي) ، و ٖٕٛ- ٕٗٛ أوربة، ٕ: ٕٚٚ-ٕٛٚ (من الروض الأنف) . ورواه أيضًا، بنحوه، أحمد: ٗٗٗٙٔ (ج ٗ ص ٖٔ) ، والبخاري ٔ: ٙٚٔ-ٚٚٔ، و ٗ: ٖ٘-ٜٖ (فتح) ، ومسمم ٔ: ٖٖٛ-ٖٗٛ كميم من طريق الميث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح. وقولو في الحديث: "أو يعضد بيا شجرا "، أي يقطعو، يقال"عضد الشجر"، من باب"ضرب" قطعو. وقولو: "غضبا عمى أىميا": ىذا ىو الصحيح الثابت في رواية ابن إسحاق، في المسند، وسيرة ابن ىشام، وفي المطبوعة: "عصى عمى أىميا". وىو تصحيف. ٕ- الحديث: ىذا الحديث رواه الطبري بإسنادين، عن ثلاثة شيوخ : فرواه عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن عبد الرحيم بن سميمان الرازي . ثم رواه عن ابن حميد - وىو محمد بن حميد الرازي، وعن ابن وكيع - وىو سفيان بن وكيع، كلاىما: أعني ابن حميد وابن وكيع، عن جرير بن عبد الحميد الضبي. ثم يجتمع الإسنادان: فيرويو عبد الرحيم بن سميمان وجرير بن عبد الحميد"جميعا عن يزيد بن أبي زياد". وىذه الأسانيد ظاىرىا الصحة، وا ن كان سفيان بن وكيع ضعيفا، كما بينا في: ٕٜٙٔ- فإن الطبري لم يفرده بالرواية عنو، بل قرن بو محمد الرازي، وىو ثقة - إلا أن في الحديث انقطاعا، بين مجاىد وابن عباس. وقد سمع مجاىد من ابن عباس حديثا كثيرا، ولكن ىذا الحديث بعينو رواه"عن طاوس عن ابن عباس". و"يزيد بن أبي زياد الكوفي مولى بني ىاشم": صدوق، في حفظو شيء بعد ما كبر، قال ابن سعد ٙ: ٖٕٚ"كان ثقة في نفسو، إلا أنو اختمط في آخر عمره، فجاء بالعجائب". وقال يعقوب بن سفيان: "ويزيد -وا ن كانوا يتكممون فيو لتغييره - فيو عمى العدالة والثقة، وا ن لم يكن مثل الحكم ومنصور". وىو مترجم في التيذيب، والكبير ٗ/ٕ/ٖٖٗ، وابن أبي حاتم ٗ/ٕ/ٕ٘ٙ. فمعمو وىم في حذف"طاوس" بين مجاىد وابن عباس. والحديث في ذاتو صحيح. فرواه أحمد بنحوه مطولا : ٖٖٕ٘، ٜٕٛٛ، من طريق منصور بن المعتمر، عن مجاىد، عن طاوس، عن ابن عباس. وكذلك رواه البخاري ٗ: ٓٗ-ٕٗ، ومسمم ٔ: ٖٖٛ، من طريق منصور. ومنصور بن المعتمر: سبق توثيقو ٚٚٔ. وىو أثبت حفظا من مئة مثل يزيد بن أبي زياد. بل قال يحيى القطان: "ما أحد أثبت عن مجاىد وا براىيم - من منصور".

عدد الصفحات ٤٩٣

ٓٗ-ٕٗ، ومسمم ٔ: ٖٖٛ، من طريق منصور. ومنصور بن المعتمر: سبق توثيقو ٚٚٔ. وىو أثبت حفظا من مئة مثل يزيد بن أبي زياد. بل قال يحيى القطان: "ما أحد أثبت عن مجاىد وا براىيم - من منصور". وقدمو الأئمة -في الحفظ- عمى الأعمش والحكم. بل إن ىذا الحديث نفسو: ذكر الحافظ في الفتح أنو رواه الأعمش عن مجاىد عن النبي - مرسلا، يعني بحذف طاوس وابن عباس، ثم قال: "ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصمو". أي أن ىذه الزيادة زيادة ثقة، يجب قبوليا والحكم ليا بالترجيح.

عدد الصفحات ٤٩٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 492 - سورة البقرة الجزء الاول قالوا: فمكة منذ خلقت حرـ آمن من عقوبة الله وعقوبة الجبابرة. قالوا: وقد أخبرت عن صحة ما قلنا من ذلك الرواية الثانية عن رسوؿ الله التي ذكرناىا. قالوا: ولم يسأؿ إبراىيم ربو أف يؤمنو من عقوبتو وعقوبة الجبابرة، ولكنو سألو أف يؤمن أىلو من الجدوب والقحوط، وأف يرزؽ ساكنو من الثمرات، كما أخبر ربو عنو أنو سألو بقولو: "وإذ قاؿ إبراىيم رب اجعل ىذا بلدا آمنا وارزؽ أىلو من الثمرات من آمن منهم بالله واليوـ الآخر". قالوا: وإنما سأؿ ربو ذلك لأنو أسكن فيو ذريتو، وىو غير ذي زرع ولا ضرع، فاستعاذ ربو من أف يهلكهم بها جوعا وعطشا، فسألو أف يؤمنهم مما حذر عليهم منو. قالوا: وكيف يجوز أف يكوف إبراىيم سأؿ ربو تحريم الحرـ، وأف يؤمنو من عقوبتو وعقوبة جبابرة خلقو، وىو القادل - حين حلو، ونز لو بأىلو وولده: (رَبػَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بػَيْتِكَ الْمُحَرَّـِ ) [سورة إبراىيم: ٖٚ]؟ قالوا: فلو كاف إبراىيم ىو الذي حرـ الحرـ أو سأؿ ربو تحريمو لما قاؿ: "عند بيتك المحرـ" عند نزولو بو، ولكنو حُرِّـ قبلو، وحُرِّـ بعده. وقاؿ آخروف: كاف الحرـ حلالا قبل دعوة إبراىيم كسادر البلاد غيره، وإنما صار حراما بتحريم إبراىيم إياه، كما كانت مدينة رسوؿ الله حلالا قبل تحريم رسوؿ الله إياىا. قالوا: والدليل على ما قلنا من ذلك ما:- حدثنا بو ابن بشار قاؿ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قاؿ، حدثنا سفياف، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قاؿ: قاؿ رسوؿ الله "إف إبراىيم حرـ بيت الله وأمنو، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاىها وصيدىا، ولا تقطع عضاىها. (ٔ) حدثنا أبو كريب وأبو السادب قالا حدثنا ابن إدريس - وأخبرنا أبو كريب قاؿ ، حدثنا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعا: سمعنا أشعث، عن نافع، عن أبي ىريرة قاؿ: قاؿ رسوؿ الله : إف إبراىيم كاف عبد الله وخليلو، وإني عبد الله ورسولو، وإف إبراىيم حرـ مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاىها وصيدىا، ولا يحمل فيها سلاح لقتاؿ، ولا يقطع منها شجر إلا لعلف بعير. (ٕ) وقولو في ىذه الرواية: "ووضع ىذين الأخشبين". ىذه الزيادة لم أجدىا في شيء من الروايات الأخر. و"الأخشبان"، بمفظ التثنية: ىما جبلا مكة المطيفان بيا. انظر النياية لابن الأثير، ومعجم البمدان لياقوت. ٔ- الحديث: إسناده صحيح. عبد الرحمن بن ميدي: ىو الإمام الحافظ العمم. سفيان: ىو الثوري . أبو الزبير: ىو المكي، محمد بن مسمم بن تدرس، تابعي ثقة. أخرج لو الجماعة. جابر: ىو ابن عبد الله، الصحابي المشيور. والحديث رواه مسمم ٔ: ٖ٘ٛ، بنحوه، من طريق محمد بن عبد الله الأسدي، عن سفيان، بيذا الإسناد. بمفظ"إن إبراىيم حرم مكة" إلخ. ونقمو ابن كثير ٔ: ٖٙٔ، وقال: "وىكذا رواه النسائي، عن محمد بن بشار بندار، بو". و"بندار": لقب محمد بن بشار. اللابتان: ىما الحرتان بجانبي المدينة، وىي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستيا لكثرتيا. العضاه، بكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة وآخره ىاء: كل شجر عظيم لو شوك. ٕ- الحديث: ٖٕٓٓ- أبو السائب: ىو مسمم بن جنادة، مضت ترجمتو: ٛٗ. ابن إدريس: ىو عبد الله بن إدريس الأودي. سبقت ترجمتو في: ٖٛٗ. عبد الرحيم الرازي : ىو عبد الرحيم بن سميمان الرازي الأشل الكناني - الذي مضت لو رواية في الحديث ٕٕٛٓ- وىو ثقة كثير الحديث. مترجم في التيذيب، وابن أبي حاتم ٕ/ٕ/ٜٖٕ. أشعث: ىو ابن سوار الكندي، ضعفو بعضيم، ووثقو آخرون. وقد رجحنا توثيقو في شرح المسند: ٔٙٙ. مترجم في التيذيب، والكبير لمبخاري ٔ/ٕ/ٖٓٗ، وابن أبي حاتم ٔ/ٔ/ٕٔٚ-ٕٕٚ. نافع: ىو مولى ابن عمر، الثقة الثبت الحجة.

عدد الصفحات ٤٩٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 493 - سورة البقرة الجزء الاول حدثنا أبو كريب قاؿ، حدثنا قتيبة بن سعيد قاؿ، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثماف، عن رافع بن خديج، قاؿ: قاؿ رسوؿ الله : "إف إبراىيم حرـ مكة، وإني أحرـ المدينة ما بين لابتيها. (ٔ) وما أشبو ذلك من الأخبار التي يطوؿ باستيعابها الكتاب. قالوا: "وقد أخبر الله تعالى ذكره في كتابو أف إبراىيم قاؿ: "رب اجعل ىذا بلدا آمنا"، ولم يخبر عنو أنو سأؿ أف يجعلو آمنا من بعض الأشياء دوف بعض، فليس لأحد أف يدعي أف الذي سألو من ذلك، الأماف لو من بعض الأشياء دو ف بعض، إلا بحجة يجب التسليم لها. قالوا: وأما خبر أبي شريح وابن عباس، فخبراف لا تثبت بهما حجة، لما في أسانيدىما من الأسباب التي لا يجب التسليم فيها من أجلها. والصواب من القوؿ في ذلك عندنا: أف الله تعالى ذكره جعل مكة حرما حين خلقها وأنشأىا، كما أخبر النبي ، "أنو حرمها يوـ خلق السموات والأرض"، بغير تحريم منو لها على لساف أحد من أنبيادو ورسلو، ولكن بمنعو من أرادىا بسوء، وبدفعو عنها من الآفات والعقوبات، وعن ساكنيها، ما أحل بغيرىا وغير ساكنيها من النقمات. فلم يزؿ ذلك أمرىا حتى بوأىا الله إبراىيم خليلو، وأسكن بها أىلو ىاجر وولده إسماعيل. فسأؿ حينئذ إبراىيم ربو إيجاب فرض تحريمها على عباده على لسانو، ليكوف ذلك سنة لمن بعده من خلقو، يستنوف بو فيها، إذ كاف تعالى ذكره قد اتخذه خليلا وأخبره أنو جاعلو، للناس إماما يقتدى بو، فأجابو ربو إلى ما سألو، وألزـ عباده حينئذ فرض تحريمو على لسانو، وقد كان ىذا الإسناد: مغموطا في المطبوعة ىكذا: "حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا حدثنا عبد الرحيم الرازي : سمعت أشعث. . . " نقص منو"ابن إدريس". فكان ظاىره أن أبا كريب وأبا السائب روياه عن عبد الر حيم الرازي عن أشعث. والصواب ما أثبتناه، نقلا عن ابن كثير ٔ: ٖٙٔ، عن ىذا الموضع من الطبري . فصحة الإسناد: أنو يرويو الطبري عن أبي كريب وأبي السائب. كلاىما عن عبد الله بن إدريس، ثم يرويو الطبري عن أبي كريب وحده، عن عبد الرحيم الرازي - وأن عبد الله بن إدريس وعبد الرحيم الرازي سمعاه جميعا من أشعث. وىذا الحديث من ىذا الوجو، قال فيو ابن كثير: "وىذه الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة". وأزيد عميو: أني لم أجدىا في المسند أيضًا، ولا في غيره مما استطعت الرجوع إليو من المراجع . ثم أشار ابن كثير إلى أن أصل معناه ثابت عن أبي ىريرة، من وجو آخر، في صحيح مسمم. وىو حديث مالك في الموطأ، ص: ٘ٛٛ، عن سييل عن أبيو عن أبي ىريرة : "كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا بو إلى رسول الله ، فإذا أخذه رسول الله قال، الميم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، و بارك لنا في مدنا. الميم إن إبراىيم عبدك وخميمك ونبيك، وا ني عبدك ونبيك، وا نو دعاك لمكة، وا ني أدعوك لممدينة بمثل ما دعاك بو لمكة، ومثمو معو". وىو في صحيح مسمم ٔ: ٖٚٛ، عن قتيبة، عن مالك. ٔ- الحديث: بكر من مضر بن محمد بن حكيم المصري : ثقة، أخرج لو الشيخان وغيرى ما. مترجم في التيذيب، والكبير لمبخاري ٔ/ٕ/ٜ٘، وابن أبي حاتم ٔ/ٔ/ٕٜٖ-ٖٜٖ، وتذكرة الحفاظ، وقال: "الإمام المحدث الصادق العابد". ابن الياد: ىو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الياد الميثي المدني. وىو ثقة كثير الحديث، أخرج لو أصحاب الكتب الستة. مترجم في التيذيب، و الكبير ٗ/ٕ/ٖٗٗ، وابن أبي حاتم ٗ/ٕ/ٕ٘ٚ. أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري : تابعي ثقة حجة، لا يسأل عن مثمو. عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: تابعي ثقة، وكان شريفا جوادا ممدحا. جده لأمو: عبد الله بن عمر بن الخطاب. والحديث رواه مسمم في صحيحو ٔ: ٖ٘ٛ، عن قتيبة بن سعيد، بيذا الإسناد.

عدد الصفحات ٤٩٥

ثمو. عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: تابعي ثقة، وكان شريفا جوادا ممدحا. جده لأمو: عبد الله بن عمر بن الخطاب. والحديث رواه مسمم في صحيحو ٔ: ٖ٘ٛ، عن قتيبة بن سعيد، بيذا الإسناد. ونقمو ابن كثير ٔ: ٖٙٔ، وقال: "انفرد بإخراجو مسمم". يعني دون البخاري .

عدد الصفحات ٤٩٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 494 - سورة البقرة الجزء الاول فصارت مكة - بعد أف كانت ممنوعة بمنع الله إياىا، بغير إيجاب الله فرض الامتناع منها على عباده، ومحرمة بدفع الله عنها، بغير تحريمو إياىا على لساف أحد من رسلو - فرض تحريمها على خلقو على لساف خليلو إبراىيم عليو السلاـ، وواجب على عباده الامتناع من استحلالها، واستحلاؿ صيدىا وعضاىها لها بإيجابو الامتناع من ذلك ببلاغ إبراىيم رسالة الله إليو بذلك إليهم. فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراىيم، فقاؿ رسوؿ الله : "إف الله حرـ مكة". لأف فرض تحريمها الذي ألزـ الله عباده على وجو العبادة لو بو - دوف التحريم الذي لم يزؿ متعبدا لها بو على وجو الكلاءة والحفظ لها قبل ذلك - كاف عن مسألة إبراىيم ربو إيجاب فرض ذلك على لسانو، وىو الذي لزـ العباد فرضو دوف غيره. فقد تبين إذا بما قلنا صحة معنى الخبرين - أعني خبر أبي شريح وابن عباس عن النبي أنو قاؿ: "وإف الله حرـ مكة يوـ خلق الشمس والقمر" - وخبر جابر وأبى ىريرة ورافع بن خديج وغيرىم: أف النبي قاؿ: "اللهم إف إبراىيم حرـ مكة"؛ وأف ليس أحدىما دافعا صحة معنى الآخر، كما ظنو بعض الجهاؿ. وغير جادز في أخبار رسوؿ الله أف يكوف بعضها دافعا بعضا، إذا ثبت صحتها. وقد جاء الخبراف اللذاف رويا في ذلك عن رسوؿ الله ، مجيئا ظاىرا مستفيضا يقطع عذر من بلغو. وأما قوؿ إبراىيم عليو السلاـ (رَبػَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بػَيْتِكَ الْمُحَرَّـِ [ )سورة إبراىيم: ٖٚ] فإنو، إف يكن قالو قبل إيجاب الله فرض تحريمو على لسانو على خلقو، فإنما عنى بذلك تحريم الله إياه الذي حرمو بحياطتو إياه وكلاءتو، من غير تحريمو إياه على خلقو على وجو التعبد، لهم بذلك - وإف يكن قاؿ ذلك بعد تحريم الله إياه على خلقو على وجو التعبد فلا مسألة لأحد علينا في ذلك. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ارزؽ} فعل دعاء؛ ومعناه: أعط؛ و {أىلو} مفعوؿ أوؿ؛ و {من الثمرات} مفعوؿ ثاف؛ و {من آمن بالله واليوـ الآخر} بدؿ من قولو: {أىلو} بدؿ بعض من كل ؛ و «الإيماف» في اللغة: التصديق؛ وفي الشرع : التصديق المستلزـ للقبوؿ، والإذعاف؛ والإيماف بالله يتضمن الإيماف بوجوده، وربوبيتو، وألوىيتو، وأسمادو، وصفاتو؛ و {اليوـ الآخر} ىو يوـ القيامة؛ وسمي آخرا؛ لأنو لا يوـ بعده؛ وسبق بياف ذلك. قاؿ الطبري: وىذه مسألة من إبراىيم ربو: أف يرزؽ مؤمني أىل مكة من الثمرات، دوف كافريهم. وخص، بمسألة ذلك للمؤمنين دوف الكافرين، لما أعلمو الله -عند مسألتو إياه أف يجعل من ذريتو أدمة يقتدى بهم- أف منهم الكافر الذي لا يناؿ عهده، والظالم الذي لا يدرؾ ولايتو. فلما أف علم أف من ذريتو الظالم والكافر، خص بمسألتو ربو أف يرزؽ من الثمرات من سكاف مكة، المؤمن منهم دوف الكافر. وإنما سأؿ إبراىيم ربو ما سأؿ من ذلك، لأنو حل بواد غير ذي زرع ولا ماء ولا أىل، فسأؿ أف يرزؽ أىلو ثمرا، وأف يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم. قاؿ السعدي: قيد عليو السلاـ ىذا الدعاء للمؤمنين، تأدبا مع الله، إذ كاف دعاؤه الأوؿ، فيو الإطلاؽ، فجاء الجواب فيو مقيدا بغير الظالم. فلما دعا لهم بالرزؽ، وقيده بالمؤمن، وكاف رزؽ الله شاملا للمؤمن والكافر، والعاصي

عدد الصفحات ٤٩٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 495 - سورة البقرة الجزء الاول والطادع، قاؿ تعالى: {ومن كفر}أي: أرزقهم كلهم، مسلمهم وكافرىم، أما المسلم فيستعين بالرزؽ على عبادة الله، ثم ينتقل منو إلى نعيم الجنة، وأما الكافر، فيتمتع فيها قليلا. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :قاؿ ومن كفر} ؛ القادل ىو الله سبحانو وتعالى؛ فأجاب الله تعالى دعاءه؛ يعني: وأرزؽ من كفر أيضا؛ فهي معطوفة على قولو تعالى: {من آمن} ؛ ولكنو تعالى قاؿ في الكافر: {فأمتعو قليلا}.. إلخ. قولو تعالى{ :فأمتعو} فيها قراءتاف؛ الأولى بفتح الميم، وتشديد التاء؛ والثانية بإسكاف الميم، وتخفيف التاء؛ و «الإمتاع » و «التمتيع» معناىما واحد؛ وىو أف يعطيو ما يتمتع بو؛ و «المتعة» :البلغة التي تلادم الإنساف. قولو تعالى{ :قلي} :القلة ىنا تتناوؿ الزماف، وتتناوؿ عين الممتع بو؛ فالزمن قصير: مهما طاؿ بالإنساف العمر فهو قليل؛ قاؿ الله عز وجل{ :كأنهم يوـ يروف ما يوعدوف لم يلبثوا إلا ساعة من نهار[ }الأحقاؼ: ٖ٘]؛ كذلك عين الممتع بو قليل؛ كل ما يحصل للإنساف من ىذه الدنيا من اللذة، والمتاع قليل بالنسبة للْخرة، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي أنو قاؿ: «لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (ٔ) ؛ ومع قلتو فهو مشوب بكدر سابق، ولاحق، كما قاؿ الشاعر: (فيوـ علينا ويوـ لنا ويوـ نساء ويوـ نسر). ويقوؿ الآخر:(لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاتو بإدكار الموت والهرـ) وإذا شئت أف تعرؼ حقيقة الأمر فقس ما بقي من حياتك بما مضى؛ الآف كلنا يعرؼ أننا خلفنا أياما كثيرة؛ فما خلفنا بالأمس كأنو لا شيء؛ نحن الآف في الوقت الذي نحن فيو؛ وأما ما مضى فكأنو لم يكن؛ ولهذا قاؿ النبي واصفا الدنيا: «إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قاؿ في ظل شجرة في يوـ صادف ثم راح وتركها » (ٕ) : إنساف اطمأف قليلا تحت ظل شجرة، ثم ارتحل! ىذه الدنيا كلها. قاؿ الطبري: قاؿ الله: يا إبراىيم، قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمني أىل ىذا البلد من الثمرات وكفارىم، متاعا لهم إلى بلوغ آجالهم، ثم أضطر كفارىم بعد ذلك إلى النار. وأما قولو: "فأمتعو قليلا" يعني: فأجعل ما أرزقو من ذلك في حياتو متاعا يتمتع بو إلى وقت مماتو. وإنما قلنا إف ذلك كذلك، لأف الله تعالى ذكره إنما قاؿ ذلك لإبراىيم، جوابا لمسألتو ما سأؿ من رزؽ الثمرات لمؤمني أىل مكة. فكاف معلوما بذلك أف الجواب إنما ىو فيما سألو إبراىيم لا في غيره. وبالذي قلنا في ذلك قاؿ مجاىد: "ومن كفر فأمتعو قليلا"، يقوؿ: ومن كفر فأرزقو أيضا، ثم أضطره إلى عذاب النار. ٔ- أخرجو أحمد ٘/ٖٖٓ، حديث رقم ٖٖٕٛٔ؛ وأخرجو البخاري صٕٖٕ، كتاب الجياد والسير، باب ٖٚ: فضل رباط يوم في سبيل الله، حديث رقم ٕٜٕٛ.. ٕ- أخرجو أحمد جٔ/ٔٗٗ، حديث رقم ٕٚٓٗ؛ وأخرجو الترمذي صٜٓٛٔ، كتاب الزىد، باب ٗٗ: حديث: "ما الدنيا إلا كراكب استظل"، حديث رقم ٖٕٚٚ، وأخرجو ابن ماجة صٕٕٚٚ، كتاب الزىد، باب ٖ: مثل الدنيا، حديث رقم ٜٓٔٗ، والمفظ لأحمد؛ وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح ٕ/ٕٓٛ حديث رقم ٖٜٙٔ.

عدد الصفحات ٤٩٧