المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٣٦ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 468 - سورة البقرة الجزء الاول ٗ- أف رسالة النبي متضمنة لأمر، ونهي، وتبشير، وإنذار؛ لقولو تعالى{ :بشيرا ونذيرا}؛ والحكمة من ذلك ظاىرة؛ وذلك لأف الإنساف قد يهوف عليو فعل الأوامر، ويشق عليو ترؾ المنهيات؛ أو بالعكس؛ فلو كانت الشريعة كلها أوامر ما تبين الابتلاء في كف الإنساف نفسو عن المحارـ، ولو كانت كلها نواىي ما تبين ابتلاء الإنساف بحمل نفسو على الأوامر؛ فكاف الابتلاء بالأمر، والنهي غاية الحكمة؛ فالشيخ الكبير يهوف عليو ترؾ الزنى؛ ولذلك كانت عقوبتو على الزنى أشد من عقوبة الشاب؛ المهم أف الابتلاء لا يتم إلا بتنويع التكليف؛ فمثلا الصلاة تكليف بدني؛ والزكاة بذؿ للمحبوب؛ والصياـ ترؾ محبوب؛ والحج تكليف بدني، ومالي. ٘- أف وظيفة الرسل الإبلاغ؛ وليسوا مكلفين بعمل الناس؛ لقولو تعالى{ :و تسأؿ عن أصحاب الجحيم} وعلى القراءة الثانية نستفيد فاددة ثانية؛ وىي شدة عذاب أصحاب الجحيم والعياذ بالله ؛ لقولو تعالى{ :و تسأؿ عن أصحاب الجحيم} وَلَنْ تػَ رْضَى عَنْكَ الْيػَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تػَتَّبِعَ مِلَّتػَهُمْ قُلْ إِفَّ ىُدَى اللَّوِ ىُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتػَّبػَعْتَ أَىْوَاءَىُمْ بػَعْدَ الَّذِي جَاءَؾَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّوِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (ٕٓٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} كاف النبي يحب أف يتألف اليهود، والنصارى؛ والذي يحب أف يتألفهم يحب أف يرضوا عنو؛ فبين الله عز وجل أف ىؤلاء اليهود والنصارى قوـ ذوو عناد؛ لا يمكن أف يرضوا عنك مهما تألفتهم؛ ومهما ركنت إليهم بالتألف لا بالمودة فإنهم لن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم؛ ولهذا كاف النبي يحب موافقة أىل الكتاب فيما لم ينو عنو؛ ثم بعد ذلك كاف يأمر بمخالفتهم؛ و {لا} ىنا للتوكيد؛ وليست مستقلة؛ فإنها لو حذفت، وقيل: «ولن ترضى عنك اليهود والنصارى» لاستقاـ الكلاـ؛ لكنها زيدت للتوك يد؛ لأجل ألا يظن الظاف أف المراد أف الجميع لا يرضوف مجتمعين؛ مع أف الواقع أف كل طادفة لن ترضى؛ ونظير ذلك في زيادة «لا» :قولو تعالى{ :غير المغضوب عليهم ولا الضالين[ }الفاتحة: ٚ]فإنها تفيد ما أفادتو «لا» في قولو تعالى: {و النصارى}و {حتى}حرؼ غاية؛ و ىي تنصب المضارع بنفسها عند الكوفيين؛ وبػ «أف» المقدرة عند البصريين؛ و {ملتهم} أي دينهم الذي كانوا عليو؛ فاليهود لن يرضوا عنك حتى تكوف يهوديا، والنصارى لن ترضى عنك حتى تكوف نصرانيا؛ ولكن الجواب الوحيد لهؤلاء الذين يقولوف: «لا نرضى عنك حتى تتبع ملتنا» ، قولو تعالى{ :قل أي مجيبا لهم في عدـ اتباع ملتهم {إف ىدى الله ىو الهدى} أي ليس الهدى ما أنتم عليو؛ بل إف ىدى الله وحده ىو الهدى؛ و {ىو}ضمير فصل لا محل لو من الإعراب؛ وقولو تعالى: {الهدى} خبر {إف} ؛ أما اسمها فهو قولو تعالى: {ىدى الله} .

عدد الصفحات ٤٧٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 469 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ القرطبي: فيو مسألتاف : الأولى : قولو تعالى { :وَلَنْ تػَرْضَى عَنْكَ الْيػَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تػَتَّبِعَ مِلَّتػَهُمْ }المعنى : ليس غرضهم يا محمد بما يقترحوف من الآيات أف يؤمنوا ، بل لو أتيتهم بكل ما يسألوف لم يرضوا عنك ، وإنما يرضيهم ترؾ ما أنت عليو من الإسلاـ وإتباعهم. والملة : اسم لما شرعو الله لعباده في كتبو وعلى ألسنة رسلو. فكانت الملة والشريعة سواء ، فأما الدين فقد فرؽ بينو وبين الملة والشريعة ، فإف الملة والشريعة ما دعا الله عباده إلى فعلو ، والدين ما فعلو العباد عن أمره.(ٔ) قاؿ شيخ الإسلاـ في اقتضاء الصراط الم ستقيم: فانظر كيف قاؿ في الخبر: (مِلَّتػَهُمْ ) ، وقاؿ في النهي (أَىْوَاءَىُمْ ) ، لأف القوـ لا يرضوف إلا بإتباع الملة مطلقا، والزجر وقع عن إتباع أىوادهم في قليل أو كثير، ومن المعلوـ أف متابعتهم في بعض ما ىم عليو من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونو، أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونو. قاؿ القرطبي: الثانية : تمسك بهذه الآية جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وداود وأحمد بن حنبل على أف الكفر كلو ملة واحدة ، لقولو تعالى : {مِلَّتػَهُمْ} فوحد الملة ، وبقولو تعالى { :لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [ }الكافروف : ٙ]، وبقولو عليو السلاـ : "لا يتوارث أىل ملتين" على أف المراد بو الإسلاـ والكفر ، بدليل قولو عليو السلاـ : "لا يرث المسلم الكافر" . وذىب مالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى أف الكفر ملل ، فلا يرث اليهودي النصراني ، ولا يرثاف المجوسي ، أخذا بظاىر قولو عليو السلاـ : "لا يتوارث أىل ملتين" ، وأما قولو تعالى : {مِلَّتػَهُمْ} فالمراد بو الكثرة وإف كانت موحدة في اللفظ بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة ، كما تقوؿ : أخذت عن علماء أىل المدينة - مثلا - علمهم ، وسمعت عليهم حديثهم ، يعني علومهم وأحاديثهم. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ولئن اتبعت أىواءىم} :الخطاب للرسوؿ ؛ أو لكل من يتأتى خطابو؛ ولكن الأقرب أنو للرسوؿ ؛ و {لئن اتبعت} جملة فيها شرط، وقسم؛ وإذا اجتمعا أي الشرط، والقسم فإنو يحذؼ جواب المؤخر منهما؛ قاؿ ابن مالك في الألفية: واحذؼ لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزـ. والقسم دلت عليو اللاـ في قولو تعالى: {ولئن اتبعت} ؛ إذ إف التقدير: «وا لئن اتبعت» ؛ والشرط «إف» . والجواب: {ما لك من الله } ... ؛ وىو جواب القسم بناء على القاعدة التي أشار إليها ابن مالك؛ ولأنو لو كاف جواب الشرط لوجب اقترانو بالفاء؛ لأنو نفي بػ {ما} ؛ وجواب الشرط قيل: إنو محذوؼ دؿ عليو جواب القسم؛ ٔ- (قمت): كما جاء في الحديث: (الميم أصبحنا عمى فطرة الإسلام وكممة الإخلاص و عمى دين نبينا محمد وعمى ممة أبينا إبراىيم حنيفاً مسمماً وما كان من المشركين).

عدد الصفحات ٤٧١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 471 - سورة البقرة الجزء الاول وقيل: إنو لا يحتاج إليو لتماـ الكلاـ بدونو؛ وىذا القوؿ ىو الراجح أنو لا يحتاج إليو لتماـ الكلاـ بدونو ؛ والدليل على ذلك؛ أنو لم يأت ذكره في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية؛ فإذا لم يأت في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية دؿ على أف الكلاـ مستغن عنو. قولو تعالى{ :بعد الذي جاءؾ من العلم} يشير إلى الوحي الذي جاء إلى النبي سواء كاف القرآف، أو السنة؛ فالذي جاء إلى الرسوؿ علم. قولو تعالى{ :ما لك من الله من ولي ولا نصير{ : }ما} نافية؛ و {لك}جار ومجرور خبر مقدـ؛ و {ولي} مجرور لفظا مرفوع محلا على أنو مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورىا اشتغاؿ المحل بحركة حرؼ الجر الزادد إعرابا؛ وأصلها: «ما لك من الله ولي» ؛ وجملة: {ما لك من الله} لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب القسم؛ و «الولي» ىو الذي يتولى غيره بحفظو، وصيانتو؛ فالمعنى: ما أحد يتولى حفظك سوى الله عز وجل؛ و «النصير» ىو الذي يدفع الشر؛ أي: ولا أحد يتولى نصرؾ، فيدفع عنك الشر سوى الله عز وجل. قاؿ الطبري: يعني جل ثناؤه بقولو: (ولئن اتبعت) ، يا محمد، ىوى ىؤلاء اليهود والنصارى - فيما يرضيهم عنك - من تهود وتنصر، فصرت من ذلك إلى إرضادهم، ووافقت فيو محبتهم - من بعد الذي جاءؾ من العلم بضلالتهم وكفرىم بربهم، ومن بعد الذي اقتصصت عليك من نبئهم في ىذه السورة - ما لك من الله من ولي - يعني بذلك: ليس لك يا محمد من ولي يلي أمرؾ، وقيم يقوـ بو - ولا نصير، ينصرؾ من الله، فيدفع عنك ما ينزؿ بك من عقوبتو، ويمنعك من ذلك، إف أحل بك ذلك ربك. قاؿ السعدي: فهذا فيو النهي العظيم، عن اتباع أىواء اليهود والنصارى، والتشبو بهم فيما يختص بو دينهم، والخطاب وإف كاف لرسوؿ الله فإف أمتو داخلة في ذلك، لأف الاعتبار بعموـ المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أف العبرة بعموـ اللفظ، لا بخصوص السبب. قاؿ ابن كثير: فِيوِ تػَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ لِلأُْمَّةِ عَنِ اتػِّبَاعِ طَرَادِقِ الْيػَهُودِ وَالنَّصَارَى، بػَعْدَ مَا عَلِموا مِنَ الْقُرْآفِ وَالس نَّةِ، عِيَاذًا بِاللَّوِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِفَّ الْخِطَابَ مَعَ الرَّسُوؿِ، وَالأَْمْرَ لأُِمَّتِوِ . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- بياف عناد اليهود، والنصارى، حيث لا يرضوف عن أحد إلا إذا اتبع دينهم. ٕ- أف من كاف لا يرضى إلا بذلك فسيحاوؿ إدخاؿ غير اليهود، والنصارى في اليهودية، والنصرانية. ٖ- الحذر من اليهود، والنصارى؛ إذ لا يرضوف لأحد حتى يكوف يهوديا؛ أو نصرانيا.

عدد الصفحات ٤٧٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 471 - سورة البقرة الجزء الاول ٗ- أف الكفر ملة واحدة؛ لقولو تعالى{ :ملتهم}؛ وىو باعتبار مضادة الإسلاـ ملة واحدة؛ أما باعتبار أنواعو فإنو ملل: اليهودية ملة؛ والنصرانية ملة؛ والبوذية ملة؛ وىكذا بقية الملل؛ ولكن كل ىذه الملل باعتبار مضادة الإسلاـ تعتبر ملة واحدة؛ لأنو يصدؽ عليها اسم الكفر؛ فتكوف جنسا، والملل أنواعا. ٘- الرد على أىل الكفر بهذه الكلمة{ :ىدى الله ىو الهدى}؛ والمعنى: إف كاف معكم ىدى الله فأنتم مهتدوف؛ وإلا فأنتم ضالوف. ٙ- أف ما عدا ىدى الله ضلاؿ؛ قاؿ الله تعالى{ :فماذا بعد الحق إلا الضلاؿ فأنى تصرفوف[ }يونس: ٕٖ]؛ فكل ما لا يوافق ىدى الله فإنو ضلاؿ؛ وليس ثمة واسطة بين ىدى الله، والضلاؿ. ٚ- أف البدع ضلالة؛ لقولو تعالى{ :قل إف ىدى الله ىو الهدى}؛ وقولو تعالى{ :وإنا أو إياكم لعلى ىدى أو في ضلاؿ مبين[ }سبأ: ٕٗ]؛ فليس بعد الهدى إلا الضلاؿ؛ ولقوؿ النبي : «كل بدعة ضلالة» (ٔ) . ٛ- تحريم اتباع أىواء اليهود، والنصارى؛ لقولو تعالى{ :ولئن اتبعت أىواءىم بعد الذي جاءؾ من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير} ٜ- أف ما عليو اليهود والنصارى ليس دينا؛ بل ىو ىوى؛ لقولو تعالى{ :أىواءىم}؛ ولم يقل ملتهم كما في الأوؿ؛ ففي الأوؿ قاؿ تعالى{ :ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}؛ لأنهم يعتقدوف أنهم على ملة، ودين؛ ولكن بين الله تعالى أف ىذا ليس بدين، ولا ملة؛ بل ىوى؛ وليسوا على ىدى؛ إذ لو كانوا على ىدى لوجب على اليهود أف يؤمنوا بالمسيح عيسى بن مريم؛ ولوجب عليهم جميعا أف يؤمنوا بمحمد ؛ لكن دينهم ىوى، وليس ىدى؛ وىكذا كل إنساف يتبع غير ما جاءت بو الرسل عليهم الصلوات والسلاـ ، ويتعصب لو؛ فإف ملتو ىوى، وليست ىدى. ٓٔ- أف من اتبع الهوى بعد العلم فهو أشد ضلالة؛ لقولو تعالى{ :ولئن اتبعت أىواءىم بعد الذي جاءؾ من العلم ... }الآية. ٔٔ- أف ما جاء إلى الرسوؿ سواء كاف القرآف، أو السنة فهو علم؛ فالنبي كاف أميا لا يقرأ، ولا يكتب ، كما قاؿ تعالى{ :وما كنت تتلو من قبلو من كتاب ولا تخطو بيمينك[ }العنكبوت: ٛٗ]؛ ولكن الله تعالى أنزؿ عليو ىذا الكتاب حتى صار بذلك نبيا جاء بالعلم النافع، والعمل الصالح. ٕٔ- أف من أراد الله بو سوءا فلا مرد لو؛ لقولو تعالى{ :ما لك من الله من ولي ولا نصير} -ٔأخرجو النسائي صٖٜٕٔ، كتاب صلاة العيدين، باب ٕٕ: كيف الخطبة، حديث رقم ٜٚ٘ٔن بزيادة: "وكل ضلالة في النار"، وقال الألباني في صحيح النسائي: صحيح [ٔ/ٕٔ٘، حديث رقم ٚٚ٘ٔ]، وأصمو في مسمم صٖٔٛ، كتاب الجمعة، باب ٖٔ: تخفيف الصلاة والخطبة، رقم الحديث ٕ٘ٓٓ [ٖٗ] ٚٙٛ، بدون: "وكل محدثة بدعة" ولا "وكل ضلالة في النار".

عدد الصفحات ٤٧٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 472 - سورة البقرة الجزء الاول ٖٔ- أنك إذا اتبعت غير شريعة الله فلا أحد يحفظك من الله؛ ولا أحد ينصرؾ من دونو حتى لو كثر الجنود عندؾ؛ ولو كثرت الشرط؛ ولو اشتدت القوة ؛ لأف النصر والولاية تكوف بالهداية باتباع ىدى الله عز وجل، كما قاؿ تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وىم مهتدوف[ }الأنعاـ: ٕٛ]فالأمن إنما يكوف بالإيماف، وعدـ الظلم. ٗٔ- أنو يجب تعلق القلب بالله خوفا، ورجاء؛ لأنك متى علمت أنو ليس لك ولي، ولا نصير فلا تتعلق إلا بالله؛ فلا تعلق قلبك أيها المسلم إلا بربك. الَّذِينَ آتػَيػْنَاىُمُ الْكِتَابَ يػَتػْلُونَوُ حَقَّ تِلاَوَتِوِ أُولَ ئِكَ يػُؤْمِنُوفَ بِوِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِوِ فَأُولَئِكَ ىُمُ الْخَاسِرُوفَ (ٕٔٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :الذين آتيناىم الكتاب} مبتدأ؛ وجملة؛ {يتلونو حق تلاوتو} قيل: إنها خبر المبتدأ؛ وعلى ىذا فتكوف الجملة الثانية: {أولئك يؤمنوف بو} استئنافية؛ وقيل: إف قولو تعالى: {يتلونو حق تلاوتو} جملة حالية، وأف جملة: {أولئك يؤمنوف بو} خبر المبتدأ؛ والأقرب الإعراب الثاني؛ لأف الكلاـ ىنا عن الإيماف بما جاء بو الرسوؿ : لا يؤمنوف بو إلا من يتلو الكتاب حق تلاوتو سواء التوراة، أو الإنجيل، أو القرآف؛ وعلى ىذا فقيد الذي آتيناه الكتاب بكونهم يتلونو حق التلاوة أحسن يعني: أف من أوتي الكتاب، وصار على ىذا الوصف يتلوه حق تلاوتو فهو الذي يؤمن بو. وقولو تعالى{ :آتيناىم الكتاب} أي أعطيناىم الكتاب؛ والإيتاء ىنا إيتاء شرعي، وكوني؛ لأف الله تعالى قدر أف يعطيهم الكتاب، فأعطاىم إياه؛ وىو أيضا إيتاء شرعي؛ لأنو فيو الشرادع، والبياف؛ والمراد بمن آتاىم الكتاب: إما ىذه الأمة؛ أو ىي، وغيرىا؛ وىذا ىو الأرجح أنو شامل لكل من آتاه الله الكتاب ؛ و {الكتاب} المراد بو الجنس؛ فيشمل القرآف، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وغيرىا من كتب الله عز وجل. قولو تعالى{ :يتلونو حق تلاوتو} ؛ «التلاوة» تطلق على تلاوة اللفظ وىي القراءة ؛ وعلى تلاوة المعنى وىي التفسير ؛ وعلى تلاوة الحكم وىي الإتباع ؛ ىذه المعاني الثلاثة للتلاوة داخلة في قولو تعالى: {يتلونو حق تلاوتو} ؛ فػ «التلاوة اللفظية» قراءة القرآف باللفظ الذي يجب أف يكوف عليو معربا كما جاء لا يغير؛ و «التلاوة المعنوية» أف يفسره على ما أراد الله؛ ونحن نعلم مراد الله بهذا القرآف؛ لأنو جاء باللغة العربية، كما قاؿ لله تعالى: {بلساف عربي مبين[ }الشعراء: ٜ٘ٔ]؛ وىذا المعنى في اللغة العربية ىو ما يقتضيو ىذا اللفظ؛ فنكوف بذلك قد علمنا معنى كلاـ الله عز وجل؛ و «تلاوة الحكم» امتثاؿ الأوامر، واجتناب النواىي، وتصديق الأخبار.

عدد الصفحات ٤٧٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 473 - سورة البقرة الجزء الاول وقولو تعالى{ :حق تلاوتو} ىذا من باب إضافة الوصف إلى موصوفو يعني: التلاوة الحق ؛ أي التلاوة الجد، والثبات، وعدـ الانحراؼ يمينا، أو شمالا؛ وىو من حيث الإعراب: مفعوؿ مطلق؛ لأنو مضاؼ إلى مصدر، كما قاؿ ابن مالك في الألفية: (كجد كل الجد). قاؿ ابن كثير: وَقَاؿَ أَبُو الْعَالِيَةِ : قَاؿَ ابْنُ مَسْعُودٍ : وَالذِي نػَفْسِي بِيَدِهِ، إِفَّ حَقَّ تِلاَوَتِوِ أَفْ يُحِلَّ حَلاَلَوُ وَيُحَرِّـَ حَرَامَوُ وَيػَقْرَأَهُ كَمَا أَنػْزَلَوُ اللَّوُ، وَلاَ يُحَرِّؼَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِوِ، وَلاَ يػَتَأَوَّؿَ مِنْوُ شَيْئًا عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِ وِ . وَقَاؿَ الْحَسَنُ الْبَصْرِي : يػَعْمَلُوفَ بِمُحْكَمِوِ، وَيػُؤْمِنُوفَ بِمُتَشَابِهِوِ، يَكِلُوفَ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ إِلَى عَالِمِوِ . وَقَاؿَ أَبُو مُوسَى الأَْشْعَرِي : مَنْ يػَتَّبِعُ الْقُرْآفَ يػَهْبِطُ بِوِ عَلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ . وَعَنْ عُ مَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، : ىُمُ الَّذِينَ إِذَا مَر وا بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلُوىَا مِنَ اللَّوِ، وَإِذَا مَر وا بِآيَةِ عَذَابٍ اسْتػَعَاذُوا مِنػْهَا، قَاؿَ : وَقَدْ رُوِيَ ىَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ أَنَّوُ كَافَ إِذَا مرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَؿَ، وَإِذَا مرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ تػَعَوَّذَ . قاؿ الطبري: عن قتادة قولو: (الذين آتيناىم الكتاب) ، ىؤلاء أصحاب نبي الله ، آمنوا بكتاب الله وصدقوا بو. وقاؿ آخروف: بل عنى الله بذلك علماء بني إسراديل، الذين آمنوا بالله وصدقوا رسلو، فأقروا بحكم التوراة. فعملوا بما أمر الله فيها من إتباع محمد ، والإيماف بو، والتصديق بما جاء بو من عند الله. قاؿ ابن زيد في قولو: (الَّذِينَ آتػَيػْنَاىُمُ الْكِتَابَ يػَتػْلُونَوُ حَقَّ تِلاوَتِوِ أُولَئِكَ يػُؤْمِنُوفَ بِوِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِوِ فَأُولَئِكَ ىُمُ الْخَاسِرُوفَ ) ، قاؿ: من كفر بالنبي من يهود فأولئك ىم الخاسروف. وىذا القوؿ أولى بالصواب من القوؿ الذي قالو قتادة. لأف الآيات قبلها مضت بأخبار أىل الكتابين، وتبديل من بدؿ منهم كتاب الله، وتأولهم إياه على غير تأويلو، وادعادهم على الله الأباطيل. ولم يجر لأصحاب محمد في الآية التي قبلها ذكر، فيكوف قولو: (الذين آتيناىم الكتاب) ، موجها إلى الخبر عنهم، ولا لهم بعدىا ذكر في الآية التي تتلوىا، فيكوف موجها ذلك إلى أنو خبر مبتدأ عن قصص أصحاب رسوؿ الله ، بعد انقضاء قصص غيرىم، ولا جاء بأف ذلك خبر عنهم أثر يجب التسليم لو. (ٔ) فإذ كاف ذلك كذلك، فالذي ىو أولى بمعنى الآية أف يكوف موجها إلى أنو خبر عمن قص الله جل ثناؤه قصصهم في الآية قبلها والآية بعدىا، وىم أىل الكتابين: التوراة والإنجيل. وإذْ كاف ذلك كذلك: فتأويل الآية: الذين آتيناىم الكتاب الذي قد عرفتو يا محمد -وىو التوراة- فقرءوه واتبعوا ما فيو، فصدقوؾ وآمنوا ٔ- رحم الله أبا جعفر، فيو لا يدع الاحتجاج الصحيح عند كل آية، ولكن بعض أىل التفسير يتجاوزون ويتساىمون، فميتيم نيجوا نيجو في الضبط والحفظ والاستدلال.

عدد الصفحات ٤٧٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 474 - سورة البقرة الجزء الاول بك، وبما جئت بو من عندي، أولئك يتلونو حق تلاوتو. وإنما أدخلت الألف واللاـ في "الكتاب" لأنو معرفة، وقد كاف النبي وأصحابو عرفوا أي الكتب عنى بو. قاؿ ابن كثير: وَقػَوْلُوُ { :أُولَئِكَ يػُؤْمِنُ وفَ بِوِ } خَبَر عَنِ {الَّذِينَ آتػَيػْنَاىُمُ الْكِتَابَ يػَتػْلُونَوُ حَقَّ تِلاوَتِوِ } أَيْ: مَنْ أَقَاـَ كِتَابَوُ مِنْ أَىْلِ الْكُتُبِ الْمُنػَزَّلَةِ عَلَى الأَْنْبِيَاءِ الْمُتػَقَدِّمِينَ حَقَّ إِقَامَتِوِ، آمَنَ بِمَا أَرْسَلْتُكَ بِوِ يَا مُحَمَّدُ . قاؿ الطبري: يعني جل ثناؤه بقولو: (أولئك) ، ىؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم يتلوف ما آتاىم من الكتاب حق تلاوتو، وأما قولو: (يؤمنوف) ، فإنو يعني: يصدقوف بو. و"الهاء" التي في قولو: "بو" عاددة على "الهاء" التي في "تلاوتو"، وىما جميعا من ذكر الكتاب الذي قالو الله: (الذين آتيناىم الكتاب) . فأخبر الله جل ثناؤه أف المؤمن بالتوراة، ىو المتبع ما فيها من حلالها وحرامها، والعامل بما فيها من فرادض الله التي فرضها فيها على أىلها، وأف أىلها الذين ىم أىلها من كاف ذلك صفتو، دوف من كاف محرفا لها مبدلا تأويلها، مغيرا سننها تاركا ما فرض الله فيها عليو. وإنما وصف جل ثناؤه من وُصف بما وصف بو من متبعي التوراة، وأثنى عليهم بما أثنى بو عليهم، لأف في إتباعها إتباع محمد نبي الله وتصديقو، لأف التوراة تأمر أىلها بذلك، وتخبرىم عن الله تعالى ذكره بنبوتو، وفرض طاعتو على جميع خلق الله من بني آدـ، وأف في التكذيب بمحمد التكذيب لها. فأخبر جل ثناؤه أف متبعي التوراة ىم المؤمنوف بمحمد ، وىم العاملوف بما فيها، كما قاؿ ابن زيد في قولو: (أولئك يؤمنوف بو) ، قاؿ: من آمن برسوؿ الله من بني إسراديل، وبالتوراة، وإف الكافر بمحمد ىو الكافر بها الخاسر، كما قاؿ جل ثناؤه: (ومن يكفر بو فأولئك ىم الخاسروف) . قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ومن يكفر بو فأولئك ىم الخاسروف}؛ {من} شرطية جازمة؛ {يكفر} مجزوـ على أنو فعل الشرط؛ {بو}أي بالكتاب؛ وجملة: {فأولئك ىم الخاسروف} ىي جواب الشرط؛ واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية؛ والجملة الاسمية إذا كانت جوابا للشرط وجب اقترانها بالفاء؛ وأتى بالجملة الاسمية المفيدة للثبوت، والاستمرار؛ وأتى بضمير الفصل {ىم} لإفادة الحصر، والتوكيد؛ يعني: فأولئك الذين كفروا بو ىم الخاسروف لا غيرىم؛ وأصل «الخسراف» النقص؛ ولهذا يقاؿ: ربح؛ ويقاؿ في مقابلو: خسر؛ فهؤلاء ىم الذي حصل عليهم النقص لا غيرىم؛ لأنهم مهما أوتوا من الدنيا فإنها زادلة، وفانية، فلا تنفعهم. قاؿ الطبري: يعني جل ثناؤه بقولو: (ومن يكفر بو) ، ومن يكفر بالكتاب الذي أخبر أنو يتلوه - من آتاه من المؤمنين - حق تلاوتو. ويعني بقولو جل ثناؤه: (يكفر) ، يجحد ما فيو من فرادض الله ونبوة محمد ، وتصديقو، ويبدلو فيحرؼ تأويلو، أولئك ىم الذين خسروا علمهم وعملهم، فبخسوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله، واستبدلوا بها سخط الله وغضبو. قاؿ ابن زيد: (ومن يكفر بو فأولئك ىم الخاسروف) ، قاؿ: من كفر بالنبي من يهود، (فأولئك ىم الخاسروف) .

عدد الصفحات ٤٧٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 475 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن كثير: كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :وَمَنْ يَكْفُرْ بِوِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ }ىُودٍ: ٚٔ]وَفِي الصَّحِيحِ : "وَالَّذِي نػَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ ىَذِهِ الأُْمَّةِ : يػَهُودِي وَلاَ نَصْرَانِي ، ثُمَّ لاَ يػُؤْمِنُ بِي، إِلاَّ دَخَلَ النَّارَ " (ٔ) . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- منة الله عز وجل على من آتاه الله تعالى الكتاب، فتلاه حق تلاوتو. ٕ- أنو ليس مجرد إتياف الكتاب فضيلة للإنساف؛ بل الفضيلة بتلاوتو حق تلاوتو. ٖ- أف للإيماف علامة؛ وعلامتو العمل؛ لقولو تعالى{ :أولئك يؤمنوف بو}بعد قولو عز وجل{ :يتلونو حق تلاوتو}. ٗ- أف من خالف القرآف في شيء كاف ذلك دليلا على نقص إيمانو؛ لقولو تعالى{ :يتلونو حق تلاوتو أولئك يؤمنوف بو}؛ فمعنى ذلك: إذا لم يتلوه حق تلاوتو فإنهم لم يؤمنوا بو؛ بل نقص من إيمانهم بقدر ما نقص من تلاوتهم لو. ٘- أف تلاوة القرآف نوعاف؛ تلاوة حق؛ وتلاوة ناقصة ليست تامة؛ فالتلاوة الحق أف يكوف الإنساف تاليا للفظو، ولمعناه عاملا بأحكامو مصدقا بأخباره؛ فمن استكبر أو جحد فإنو لم يتلو حق تلاوتو. ٙ- أف الكافر بالقرآف مهما أصاب من الدنيا فهو خاسر؛ لقولو تعالى{ :ومن يكفر بو فأولئك ىم الخاسروف}؛ يكوف خاسرا ولو ناؿ من الدنيا من أمواؿ، وبنين، ومراكب فخمة، وقصور مشيدة ؛ لأف ىذه كلها سوؼ تذىب، وتزوؿ؛ أو ىو يزوؿ عنها، ولا تنفعو؛ واذكر قصة قاروف، واتل قوؿ الله تعالى{ :قل إف الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأىليهم يوـ القيامة ألا ذلك ىو الخسراف المبين[ }الزمر: ٘ٔ]؛ فإذا يصدؽ عليهم أنهم ىم الخاسروف، كما في قولو تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله[ }المنافقوف: ٜ]؛ ولما كاف الذي يتلهى بذلك عن ذكر الله يظن أنو يربح قاؿ تعالى{ :ومن يفعل ذلك فأولئك ىم الخاسروف[ }المنافقوف: ٜ]يعني: ولو ربحوا في دنياىم. ٚ- علو مرتبة من يتلوف الكتاب حق تلاوتو؛ للإشارة إليهم بلفظ البعيد{ :أولئك يؤمنو ف بو} ٔ- صحيح مسمم برقم (ٖ٘ٔ) من حديث أبي ىرير ة .

عدد الصفحات ٤٧٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 476 - سورة البقرة الجزء الاول يَا بَنِي إِسْرَادِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنػْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (ٕٕٔ) وَاتػَّقُوا يػَوْمًا لاَ تَجْزِي نػَفْسٌ عَنْ نػَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يػُقْبَلُ مِنػْهَا عَدْؿٌ وَلاَ تػَنػْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ ىُمْ يػُنْصَرُوفَ (ٖٕٔ) قاؿ ابن كثير: قَدْ تػَقَدَّـَ نَظِيرُ ىَذِهِ الآْيَةِ فِي صَدْرِ الس ورَةِ، وَكُرِّرَتْ ىَاىُنَا لِلتَّأْكِيدِ وَالْحَثِّ على إتباع الرسوؿ النبي الأُْمِّيِّ الذِي يَجِدُوفَ صِفَتَوُ فِي كُتُبِهِمْ ونعتَو وَاسْمَوُ وَأَمْرَهُ وَأُمَّ تَوُ . يُحَذِّرُىُمْ مِنْ كِتْمَافِ ىَذَا، وَكِتْمَافِ مَا أَنػْعَمَ بِوِ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَىُمْ أَفْ يَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّوِ عَلَيْهِمْ، مِنَ النػِّعَمِ الد نػْيَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، وَلاَ يَحْسُدُوا بَنِي عَمِّهم مِنَ الْعَرَبِ عَلَى مَا رَزَقػَهُمُ اللَّوُ مِنْ إِرْسَاؿِ الرَّسُوؿِ الْخَاتَمِ مِنػْهُمْ . وَلاَ يَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ الحسدُ عَلَى مُخَالَفَتِوِ وَتَكْذِيبِوِ، وَالْحَيْدَةِ عَنْ مُوَافػَقَتِوِ، صَلَوَاتُ اللَّوِ وَسَلاَمُوُ عَلَيْوِ دَادِمًا إِلَى يػَوْـِ الدِّينِ . قاؿ الطبري: وىذه الآية عظة من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسوؿ الله ، وتذكير منو لهم ما سلف من أياديو إليهم في صنعو بأوادلهم، استعطافا منو لهم على دينو وتصديق رسولو محمد ، فقاؿ: يا بني إسراديل اذكروا أيادي لديكم، وصنادعي عندكم، واستنقاذي إياكم من أيدي عدوك م فرعوف وقومو، وإنزالي عليكم المن والسلوى في تيهكم، وتمكيني لكم في البلاد، بعد أف كنتم مذللين مقهورين، واختصاصي الرسل منكم، وتفضيلي إياكم على عالم من كنتم بين ظهرانيو، أياـ أنتم في طاعتي بإتباع رسولي إليكم، وتصديقو وتصديق ما جاءكم بو من عندي، ودعوا التمادي في الضلاؿ والغي. وقد ذكرنا فيما مضى النعم التي أنعم الله بها على بني إسراديل، والمعاني التي ذكرىم جل ثناؤه من آلادو عندىم، والعالم الذي فضلوا عليو فيما مضى قبل، بالروايات والشواىد، فكرىنا تطويل الكتاب بإعادتو، إذْ كاف المعنى في ذلك في ىذا الموضع وىنالك واحدا. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :لا تجزي نفس عن نفس شيئا} أي لا تغني نفس عن نفس شيئا؛ فليس تفضيل آبادكم على العالمين بمغن عنكم شيئا؛ لا تقولوا: لنا آباء مفضلوف على العالمين، وسنسلم بهم من النار، أو من عذاب ىذا اليوـ؛ و {شيئا}نكرة في سياؽ النفي، فتعم أي شيء؛ ولا يرد على ىذا الشفاعة الشرعية التي ثبتت بها السنة؛ فإف ىذه الآية مخصوصة بها. قولو تعالى{ :و يقبل منها} أي من النفس؛ والذي يقبل، أو يرد ىو الله سبحانو وتعالى؛ و {عدؿ}أي ما يعدؿ بو العذاب عن نفسو وىو الفداء ؛ فػ «العدؿ» معناه الشيء المعادؿ، كما قاؿ الله تبارؾ وتعالى{ :أو كفارة طعاـ مساكين أو عدؿ ذلك صياما ليذوؽ وباؿ أمره[ }الماددة: ٜ٘]أي ما يعادلو من الصياـ؛ وىنا: لو أتت بالفداء لا يقبل.

عدد الصفحات ٤٧٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 477 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :و تنفعها شفاعة}؛ «الشفاعة» ىي التوسط للغير بدفع مضرة، أو جلب منفعة؛ سميت بذلك؛ لأف الشافع إذا انضم إلى المشفوع لو، صار شفعا بعد أف كاف وترا؛ فالشفاعة لأىل النار أف يخرجوا منها: شفاعة لدفع مضرة؛ والشفاعة لأىل الجنة أف يدخلوا الجنة؛ شفاعة في جلب منفعة. قولو تعالى{ :و ىم ينصروف} :مع أف السياؽ يرجع إلى مفرد في قولو تعالى: {نفس عن نفس}، وقولو تعالى: {و يقبل منها} ، وقولو تعالى: {و تنفعها} ؛ جاء الكلاـ ىنا بصيغة الجمع باعتبار المعنى؛ لأف قولو تعالى: {لا تجزي نفس عن نفس} للعموـ؛ والعموـ يدؿ على الجمع، والكثرة؛ ثم إف ىنا مناسبة لفظية؛ وىي مراعاة فواصل الآيات؛ ومراعاة الفواصل أمر ورد بو القرآف حتى إنو من أجل المراعاة يقدـ المفضوؿ على الفاضل ، كما في قولو تعالى في سورة طو؛ {قالوا آمنا برب العالمين * رب ىاروف وموسى[ }الشعراء: ٚٗ، ٛٗ]؛ لأف سورة طو كلها على فاصلة ألف إلا بعض الآيات القليلة؛ فمراعاة الفواصل إذا من بلاغة القرآف. قاؿ الطبري: وىذه الآية ترىيب من الله جل ثناؤه للذين سلفت عظتو إياىم بما وعظهم بو في الآية قبلها. يقوؿ الله لهم: واتقوا - يا معشر بني إسراديل المبدلين كتابي وتنزيلي، المحرفين تأويلو عن وجهو، المكذبين برسولي محمد - عذاب يوـ لا تقضي فيو نفس عن نفس شيئا، ولا تغني عنها غناء، أف تهلكوا على ما أنتم عليو من كفركم بي، وتكذيبكم رسولي، فتموتوا عليو، فإنو يوـ لا يقبل من نفس فيما لزمها فدية، ولا يشفع فيما وجب عليها من حق لها شافع، ولا ىي ينصرىا ناصر من الله إذا انتقم منها بمعصيتها إياه. وقد مضى البياف عن كل معاني ىذه الآية في نظيرتها قبل، فأغنى ذلك عن إعادتو في ىذا الموضع. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- إثبات يوـ القيامة، وأف ىذا اليوـ شديد يجب اتقاؤه والحذر منو. ٕ- أف ذلك اليوـ لا تغني نفس عن نفس شيئا؛ حتى الوالد لا يجزي عن ولده شيئا؛ ولا المولود يجزي عن والده شيئا، كما قاؿ تعالى{ :يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود ىو جاز عن والده شيئا} ٖ- أف من استحق العذاب ذلك اليوـ لا يقبل منو عدؿ؛ قاؿ تعالى{ :إف الذين كفروا لو أف لهم ما في الأرض جميعا ومثلو معو ليفتدوا بو من عذاب يوـ القيامة ما تقبل منهم}

عدد الصفحات ٤٧٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 478 - سورة البقرة الجزء الاول ٗ- ثبوت أصل الشفاعة في ذلك اليوـ؛ لقولو تعالى{ :لا تنفعها شفاعة}؛ وثبت أف النبي يشفع في أىل الموقف أف يقضى بينهم (ٔ) ، وأنو يشفع في أىل الكبادر أف لا يدخلوا النار؛ وفيمن دخل النار أف يخرج منها؛ فعلى ىذا يكوف العموـ في قولو تعالى{ :و تنفعها شفاعة}مخصوصا بما ثبتت بو السنة من الشفاعة. ٘- أف الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لقولو تعالى في آية أخرى{ :فما تنفعهم شفاعة الشافعين[ }المدثر: ٛٗ] ٙ- أنو لا ينصر أحد أحدا من عذاب الله؛ لقولو تعالى{ :و ىم ينصروف} وَإِذِ ابػْتػَلَى إِبػْرَاىِيمَ رَب وُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَاؿَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَاؿَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَاؿَ لاَ يػَنَاؿُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (ٕٗٔ) قاؿ القرطبي: لما جرى ذكر الكعبة والقبلة اتصل ذلك بذكر إبراىيم عليو السلاـ ، وأنو الذي بنى البيت ، فكاف من حق اليهود - وىم من نسل إبراىيم - ألا يرغبوا عن دينو. والابتلاء : الامتحاف والاختبار ، ومعناه أمر وتعبد. وإبراىيم تفسيره بالسريانية فيما ذكر الماوردي ، وبالعربية فيما ذكر ابن عطية : أب رحيم. قاؿ السهيلي : وكثيرا ما يقع الاتفاؽ بين السرياني والعربي أو يقاربو في اللفظ ، ألا ترى أف إبراىيم تفسيره أب راحم ، لرحمتو بالأطفاؿ ، ولذلك جعل ىو وسارة زوجتو كافلين لأطفاؿ المؤمنين يموتوف صغارا إلى يوـ القيامة. قلت : ومما يدؿ على ىذا ما خرجو البخاري من حديث الرؤيا الطويل عن سمرة ، وفيو : أف النبي رأى في الروضة إبراىيم عليو السلاـ وحولو أولاد الناس. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وإذ ابتلى إبراىيم ربو}؛ {إبراىيم} مفعوؿ مقدـ؛ و {ربو}فاعل مؤخر؛ فالمبتلى ىو الله؛ و المبتلى ىو إبراىيم؛ والابتلاء ىو الاختبار، والامتحاف؛ و {إبراىيم} بكسر الهاء، وياء بعدىا؛ وفيها قراءة{ :إبراىاـ}بفتح الهاء، وألف بعدىا؛ وىنا أضاؼ الربوبية إلى إبراىيم: وىي من الربوبية الخاصة؛ فالربوبية بإزاء العبودية؛ فكما أف العبودية نوعاف خاصة، وعامة فالربوبية أيضا نوعاف: خاصة، وعامة؛ وقد اجتمعا في قوؿ السحرة{ :آمنا برب العالمين[ }الأعراؼ: ٕٔٔ]ىذه عامة؛ {رب موسى وىاروف[ }الشعراء: ٛٗ]ىذه خاصة؛ ولا شك أف ربوبية الله سبحانو وتعالى للرسل ولا سيما أولو العزـ منهم؛ وىم نوح، وإبراىيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلاـ أخص الربوبيات. -ٔراجع البخاري صٖٜٖ - ٜٖٗ، كتاب التفسير، باب ٘: (ذرية من حممنا مع نوح إنو كان عبدا شكورا ) ، حديث رقم ٕٔٚٗ؛ ومسمما صٗٔٚ - ٘ٔٚ، كتاب الإيمان، باب ٗٛ: أدنى أىل الجنة منزلة فييا، حديث رقم ٓٛٗ [ٕٖٚ]ٜٗٔ.

عدد الصفحات ٤٨٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 479 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :بكلمات} ؛ ىذه الكلمات التي ىي محل الابتلاء، والاختبار أطلقها الله سبحانو وتعالى؛ فهي كلمات كونية؛ وشرعية؛ أو جامعة بينهما؛ واختلف المفسروف في ىذه الكلمات؛ وأصح الأقواؿ فيها أف كل ما أمره بو شرعا، أو قضاه عليو قدرا، فهو كلمات؛ فمن ذلك أنو ابتلي بالأمر بذبح ابنو، فامتثل؛ لكن الله سبحانو وتعالى رفع ذلك عنو حين استسلم لربو؛ وىذا من الكلمات الشرعية؛ وىذا امتحاف من أعظم الامتحانات؛ ومن ذلك أف الله امتحنو بأف أوقدت لو النار، وألقي فيها؛ وىذا من الكلمات الكونية؛ وصبر، واحتسب؛ فأنجاه الله منها، وقاؿ تعالى{ :يا نار كوني بردا وسلاما على إبراىيم[ }الأنبياء: ٜٙ]؛ وكل ما قدره الله عليو مما يحتاج إلى صبر، ومصابرة، أو أمره بو فهو داخل في قولو تعالى: {بكلمات} . قاؿ السعدي يخبر تعالى، عن عبده وخليلو، إبراىيم عليو السلاـ، المتفق على إمامتو وجلالتو، الذي كل من طوادف أىل الكتاب تدعيو، بل وكذلك المشركوف : أف الله ابتلاه وامتحنو بكلمات، أي: بأوامر ونواىي، كما ىي عادة الله في ابتلادو لعباده، ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحاف من الصادؽ، الذي ترتفع درجتو، ويزيد قدره، ويزكو عملو، ويخلص ذىبو، وكاف من أجلهم في ىذا المقاـ، الخليل عليو السلاـ. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :إني جاعلك} أي مصيرؾ؛ وىي تنصب مفعولين؛ لأنها مشتقة من «جعل» التي بمعنى «صير» ؛ والمفعوؿ الأوؿ: الكاؼ التي في محل جر بالإضافة؛ والمفعوؿ الثاني: {إماما} . وقولو تعالى{ :للناس إماما} عامة فيمن أتى بعده: فإنو صار إماما حتى لخاتم الرسل محمد ، كما قاؿ تعالى: {ثم أوحينا إليك أف اتبع ملة إبراىيم حنيفا وما كاف من المشركين [ }النحل: ٖٕٔ]؛ و «الإماـ» من يقتدى بو سواء في الخير، أو في الشر؛ لكن لا ريب أف المراد ىنا إمامة الخير. فإذا قاؿ قادل: أرونا دليلا على أف الإمامة في الشر تسمى إمامة؟ قلنا: قولو تعالى{ :وجعلناىم أدمة يدعوف إلى النار ويوـ القيامة لا ينصروف[ }القصص: ٔٗ]، وقوؿ النبي : «من سن في الإسلاـ سنة سيئة فعليو وزرىا ووزر من عمل بها من بعده من غير أف ينقص من أوز ارىم شيء» (ٔ) ؛ وىذا لأنو إماـ. قاؿ السعدي: فأتم ما ابتلاه الله بو، وأكملو ووفاه، فشكر الله لو ذلك، ولم يزؿ الله شكورا فقاؿ: {إني جاعلك للناس إماما} أي: يقتدوف بك في الهدى، ويمشوف خلفك إلى سعادتهم الأبدية، ويحصل لك الثناء الدادم، والأجر الجزيل، والتعظيم من كل أحد. وىذه - لعمر الله - أفضل درجة، تنافس فيها المتنافسوف، وأعلى مقاـ، شمر إليو العاملوف، وأكمل حالة حصلها أولو العزـ من المرسلين وأتباعهم، من كل صديق متبع لهم، داع إلى الله وإلى سبيلو. ٔ- أخرجو مسمم صٖٛٛ، كتاب الزكاة، باب ٕٓ: الحث عمى الصدقة ولو بشق تمرة ... ، حديث رقم ٖٕٔ٘ [ٜٙ]ٚٔٓٔ

عدد الصفحات ٤٨١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 481 - سورة البقرة الجزء الاول فلما اغتبط إبراىيم بهذا المقاـ، وأدرؾ ىذا، طلب ذلك لذريتو، لتعلو در جتو ودرجة ذريتو، وىذا أيضا من إمامتو، ونصحو لعباد الله، ومحبتو أف يكثر فيهم المرشدوف، فللو عظمة ىذه الهمم العالية، والمقامات السامية. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ومن ذريتي} أي واجعل من ذريتي إماما؛ وىنا {من} يحتمل أنها لبياف الجنس؛ وبناء على ذلك تصلح {ذريتي} لجميع الذرية؛ يعني: واجعل ذريتي كلهم أدمة؛ ويحتمل أنها للتبعيض؛ وعليو فيكوف المقصود: اجعل بعض الذرية إماما؛ والكلاـ يحتمل ىذا، وىذا؛ ولكن سواء قلنا؛ إنها لبياف الجنس؛ أو للتبعيض؛ فالله تعالى أعطاه ذلك مقيدا، فقاؿ تعالى: {لا يناؿ}أي لا يصيب {عهدي} أي تعهدي لك بهذا {الظالمين} ؛ و {عهدي} فاعل؛ و {الظالمين} مفعوؿ بو؛ أي أجعل من ذريتك إماما؛ ولكن الظالم من ذريتك لا يدخل في ذلك. قاؿ السعدي: فأجابو الرحيم اللطيف، وأخبر بالمانع من نيل ىذا المقاـ فقاؿ: {لا يناؿ عهدي الظالمين}أي: لا يناؿ الإمامة في الدين، من ظلم نفسو وضرىا، وحط قدرىا، لمنافاة الظلم لهذا المقاـ، فإنو مقاـ آلتو الصبر واليقين، ونتيجتو أف يكوف صاحبو على جانب عظيم من الإيماف والأعماؿ الصالحة، والأخلاؽ الجميلة، والشمادل السديدة، والمحبة التامة، والخشية والإنابة، فأين الظلم وىذا المقاـ؟ ودؿ مفهوـ الآية، أف غير الظالم، سيناؿ الإمامة، ولكن مع إتيانو بأسبابها. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٖٔصٜٓٔ: فػَعَهْدُهُ بِالإِْمَامَةِ لاَ يػَنَاؿُ الظَّالِمَ فَالظَّالِمُ لاَ يَجُوزُ أَفْ يػُؤْتَمَّ بِوِ فِي ظُلْمِوِ وَلاَ يػُرْكَنَ إلَيْوِ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :وَلاَ تػَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فػَتَمَسَّكُمُ النَّارُ }فَمَنْ ادػْتَمَّ بِمَنْ لاَ يَصْلُحُ لِلإِْمَامَةِ فػَقَدْ ظَلَمَ نػَفْسَوُ فَكَيْفَ بِمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّوِ إلَهًا آخَرَ وَعَبَدَ مَنْ لاَ يَصْلُحُ لِلْعِبَادَةِ وَاَللَّوُ تػَعَالَى{ :لاَ يػَغْفِ رُ أَفْ يُشْرَؾَ بِوِ وَيػَغْفِرُ مَا دُوفَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }. وقاؿ رحمو اللّو في جٓٔصٕٓٔ: وَإِبػْرَاىِيمُ الْخَ لِيلُ إمَاـُ الْحُنػَفَاءِ الْمُخْلِصِينَ حَيْثُ بُعِثَ وَقَدْ طَبَقَ الأَْرْضَ دِينُ الْمُشْرِكِينَ قَاؿَ اللَّوُ تػَعَالَى{ :وَإِذِ ابػْتػَلَى إبػْرَاىِيمَ رَب وُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَاؿَ إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا قَاؿَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَاؿَ لاَ يػَنَاؿُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }فػَبػَيَّنَ أَفَّ عَهْدَهُ بِالإِْمَامَةِ لاَ يػَتػَنَاوَؿُ الظَّالِمَ فػَلَمْ يَأْمُرْ اللَّوُ سُبْحَانَوُ أَفْ يَكُوفَ الظَّالِمُ إمَامًا وَأَعْظَمُ الظ لْمِ الشِّرْؾُ . وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :إف إبػْرَاىِيمَ كَافَ أُمَّةً قَ انِتًا لِلَّوِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }و " الأُْمَّةُ " ىُوَ مُعَلِّمُ الْخَيْرِ الَّذِي يػُؤْتَم بِوِ كَمَا أَفَّ " الْقُدْوَةَ " الَّذِي يػُقْتَدَى بِوِ . وَاَللَّوُ تػَعَالَى جَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِوِ الن بػُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَإِنَّمَا بػَعَثَ الأَْنْبِيَاءَ بػَعْدَهُ بِمِلَّتِوِ قَاؿَ تػَعَالَى{ :ثُم أَوْحَيػْنَا إلَيْكَ أَفِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبػْرَاىِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَافَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :إف أَوْلَى النَّاسِ بِإِبػْرَاىِيمَ لَلَّذِينَ اتػَّبػَعُوهُ وَىَذَا النَّبِ ي وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّوُ وَلِي الْمُؤْمِنِينَ }وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :مَا كَافَ إبػْرَاىِيمُ يػَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَافَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَافَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :وَقَالُوا كُونُوا ىُودًا أَوْ نَصَارَى تػَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ

عدد الصفحات ٤٨٢

ا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَافَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَافَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :وَقَالُوا كُونُوا ىُودًا أَوْ نَصَارَى تػَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبػْرَاىِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَافَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ { }قُولُوا آمَنَّا بِاللَّوِ وَمَا أُنْزِؿَ إلَيػْنَا وَمَا أُنْزِؿَ إلَى إبػْرَاىِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاؽَ وَيػَعْقُوبَ وَالأَْسْبَاطِ }- إلَى قػَوْلِوِ - {وَنَحْنُ لَوُ مُ سْلِمُوفَ }وَقَدْ ثػَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ {إف إبػْرَاىِيمَ خَيػْرُ

عدد الصفحات ٤٨٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 481 - سورة البقرة الجزء الاول الْبَرِيَّةِ }فػَهُوَ أَفْضَلُ الأَْنْبِيَاءِ بػَعْدَ النَّبِيِّ وَىُوَ خَلِيلُ اللَّوِ تػَعَالَى. وَقَدْ ثػَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ مِنْ غَيْرِ وَجْوٍ أَنَّوُ قَ اؿَ { :إف اللَّوَ اتَّخَذَنِي خَلِيلاً كَمَا اتَّخَذَ إبػْرَاىِيمَ خَلِيلاً }. وقاؿ رحمو اللّو أيضاً فب جٚٔصٕٓٙ: وَىُوَ الَّذِي بػَوَّأَهُ اللَّوُ مَكَافَ الْبػَيْتِ وَأَمَرَهُ أَفْ يػُؤَذِّفَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ إلَيْوِ وَقَدْ حَرَّـَ اللَّوُ الْحَرَـَ عَ لَى لِسَانِوِ وَإِسْمَاعِيلُ نػَبَّأَهُ مَعَوُ وَىُوَ الذَّبِيحُ الَّذِي بَذَؿَ نػَفْسَوُ لِلَّوِ وَصَبػَرَ عَلَى الْمِحْنَةِ وَأُم وُ ىَاجَرُ ىِيَ الَّتِي أَطَاعَتْ اللَّوَ وَرَسُولَوُ إبػْرَاىِيمَ فِي مُقَامِهَا مَعَ ابْنِهَا فِي ذَلِكَ الْوَادِي الَّذِي لَ مْ يَكُنْ بِوِ أَنِيسٌ كَمَا قَاؿَ الْخَلِيلُ { :رَبػَّنَا إنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بػَيْتِكَ الْمُحَرَّـِ }وَكَافَ لإِِبػْرَاىِيمَ وَلآِؿِ إبػْرَاىِيمَ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّوِ وَعِبَادَتِوِ وَالإِْيمَافِ بِوِ وَطَاعَ تِوِ مَا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِىِمْ فَخَصَّهُمْ اللَّوُ بِأَفْ جَعَلَ لِبػَيْتِوِ الَّذِي بػَنػَوْهُ لَوُ خَصَادِصَ لاَ تُوجَدُ لِغَيْرِهِ وَجَعَلَ مَا جَعَلَوُ مِنْ أَفػْعَالِهِمْ قُدْوَةً لِلنَّاسِ وَعِبَادَةً يػَتَّبِعُونػَهُمْ فِيهَا وَلاَ رَيْبَ أَفَّ اللَّوَ شَرَعَ لإِِبػْرَاىِيمَ السَّعْيَ وَرَمْيَ الْجِمَارِ وَالْوُقُوؼَ بِعَرَفَاتِ بػَعْدَ مَا كَافَ مِنْ أَمْرِ ىَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ وَقِصَّةِ الذَّبْحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا كَافَ كَمَا شَرَعَ لِمُحَمَّدِ الرَّمَلَ فِي الطَّوَاؼِ حَيْثُ أَمَرَهُ أَفْ يػُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِحَجِّ الْبػَيْتِ وَالْحَج مَبػْنَاهُ عَلَى الذ ؿِّ وَالْخُضُوعِ لِلَّوِ وَلِهَذَا خُصَّ بِاسْمِ الن سُكِ و " الن سُكُ " فِي الل غَةِ الْعِبَادَةُ . قاؿ القرطبي: استدؿ جماعة من العلماء بهذه الآية على أف الإماـ يكوف من أىل العدؿ والإحساف و الفضل مع القوة على القياـ بذلك ، وىو الذي أمر النبي ألا ينازعوا الأمر أىلو ، على ما تقدـ من القوؿ فيو. فأما أىل الفسوؽ والجور والظلم فليسوا لو بأىل ، لقولو تعالى : {لا يػَنَاؿُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي . وخرج خيار أىل العراؽ وعلماؤىم على الحجاج ، وأخرج أىل المدينة بني أمية وقاموا عليهم ، فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة. والذي عليو الأكثر من العلماء أف الصبر على طاعة الإماـ الجادر أولى من الخروج عليو ، لأف في منازعتو والخروج عليو استبداؿ الأمن بالخوؼ ، وإراقة الدماء ، وانطلاؽ أيدي السفهاء ، وشن الغارات على المسلمين ، والفساد في الأرض. والأوؿ مذىب طادفة من المعتزلة ، وىو مذىب الخوارج ، فاعلمو. قاؿ ابن خويزمنداد : وكل من كاف ظالما لم يكن نبيا ولا خليفة ولا حاكما ولا مفتيا ، ولا إماـ صلاة ، ولا يقبل عنو ما يرويو عن صاحب الشريعة ، ولا تقبل شهادتو في الأحكاـ ، غير أنو لا يعزؿ بفسقو حتى يعزلو أىل الحل والعقد. وما تقدـ من أحكامو موافقا للصواب ماض غير منقوض. وقد نص مالك على ىذا في الخوارج والبغاة أف أحكامهم لا تنقض إذا أصابوا بها وجها من الاجتهاد ، ولم يخرقوا الإجماع ، أو يخالفوا النصوص. وإنما قلنا ذلك لإجماع الصحابة ، وذلك أف الخوارج قد خرجوا في أيامهم ولم ينقل أف الأدمة تتبعوا أحكامهم ، ولا نقضوا شيئا منها ، ولا أعادوا أخذ الزكاة ولا إقامة الحدود التي أخذوا وأقاموا ، فدؿ على أنهم إذا أصابوا وجو الاجتهاد لم يتعرض لأحكامهم.

عدد الصفحات ٤٨٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 482 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن خويزمنداد : وأما أخذ الأرزاؽ من الأدمة الظلمة فلذلك ثلاثة أحواؿ : إف كاف جميع ما في أيديهم مأخوذا على موجب الشريعة فجادز أخذه ، وقد أخذت الصحابة والتابعوف من يد الحجاج وغيره. وإف كاف مختلطا حلالا وظلما كما في أيدي الأمراء اليوـ فالورع تركو ، ويجوز للمحتاج أخذه ، وىو كلص في يده ماؿ مسروؽ ، وماؿ جيد حلاؿ وقد وكلو فيو رجل فجاء اللص يتصدؽ بو على إنساف فيجوز أف تؤخذ منو الصدقة ، وإف كاف قد يجوز أف يكوف اللص يتصدؽ ببعض ما سرؽ ، إذا لم يكن شيء معروؼ بنهب ، وكذلك لو باع أو اشترى كاف العقد صحيحا لازما - وإف كاف الورع التنزه عنو - وذلك أف الأمواؿ لا تحرـ بأعيانها وإنما تحرـ لجهاتها. وإف كاف ما في أيديهم ظلما صراحا فلا يجوز أف يؤخذ من أيديهم. ولو كاف ما في أيديهم من الماؿ مغصوبا غير أنو لا يعرؼ لو صاحب ولا مطالب ، فهو كما لو وجد في أيدي اللصوص وقطاع الطريق ، ويجعل في بيت الماؿ وينتظر طالبو بقدر الاجتهاد ، فإذا لم يعرؼ صرفو الإماـ في مصالح المسلمين. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف الله قد يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة؛ لقولو تعالى{ :وإذ ابتلى إبراىيم ربو}وكما أنو يبتلي بعض العباد بتكليفات خاصة شرعية، فإنو قد يبتليهم بأحكاـ كونية، مثل: مرض، مصادب في الماؿ، أو في الأىل؛ وما أشبو ذلك. ٕ- فضيلة إبراىيم ؛ لقولو تعالى{ :ربو}حيث أضاؼ ربوبيتو إلى إبراىيم وىي ربوبية خاصة ؛ ولقولو تعالى: {فأتمهن}؛ ولقولو تعالى{ :إني جاعلك للناس إماما} ٖ- أف من أتم ما كلفو الله بو كاف من الأدمة؛ لقولو تعالى{ :إني جاعلك للناس إماما}؛ فإنو لما أتمهن جوزي على ذلك بأف جعل للناس إماما. ٗ- أنو ينبغي للإنساف أف يدعو لذريتو بالإمامة، والصلاح؛ لقولو تعالى{ :قاؿ ومن ذريتي}؛ وإبراىيم طلب أف يكوف من ذريتو أدمة، وطلب أف يكوف من ذريتو من يقيم الصلاة{ :رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي[ }إبراىيم: ٓٗ] ٘- أف الظالم لا يستحق أف يكوف إماما؛ والمراد: الظلم الأكبر الذي ىو الكفر؛ لقولو تعالى{ :لا يناؿ عهدي الظالمين}. ٙ- أف الظلم ينزؿ بأىلو إلى أسفل سافلين؛ لا يجعلهم في قمة؛ بل ينزلهم إما في الدنيا؛ وإما في الآخرة.

عدد الصفحات ٤٨٤