تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 455 - سورة البقرة الجزء الاول وتعالى مالك لجميع المخلوقات، كما قاؿ تعالى مبطلا ىذه الدعوى: {بل لو ما في السموات والأرض}؛ ومن لو ملك السموات والأرض، لا يحتاج إلى ولد؛ ولأنو لو كاف لو ولد لكاف الولد مماثلا لو؛ والله سبحانو وتعالى ليس كمثلو شيء. قاؿ السعدي: فنسبوه إلى ما لا يليق بجلالو، وأساءوا كل الإساءة، وظلموا أنفسهم. وىو - تعالى - صابر على ذلك منهم، قد حلم عليهم، وعافاىم، ورزقهم مع تنقصهم إياه. قاؿ ابن كثير: قَاؿَ الْبُخَارِي فِي تػَفْسِيرِ ىَذِهِ الآْيَةِ مِنَ الْبػَقَرَةِ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ قَاؿَ : "قَاؿَ اللَّوُ تػَعَالَى: كَذَّبني ابْنُ آدَـَ وَلَمْ يَكُنْ لَوُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَوُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُوُ إيَّاي فػَيػَزْعُمُ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَفْ أُعِيدَهُ كَمَا كَافَ، وَأَمَّا شَتْمُوُ إِيَّايَ فػَقَوْلُوُ : لِي وَلَدٌ . فَسُبْحَانِي أف أتخذ صاحبة أو ولدا". انػْفَرَدَ بِوِ الْبُخَارِي مِنْ ىَذَا الْوَجْوِ (ٔ). عَنْ أَبِي ىُرَيػْ رَةَ، قَاؿَ : قَاؿَ رَسُوؿُ اللَّوِ : "يػَقُوؿُ اللَّوُ عَزَّ وَجَلَّ : كَذَّبَنِي ابْنُ آدَـَ وَلَمْ يػَنْبَغِ لَوُ أَفْ يُكَذِّبَنِي، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يػَنْبَغِ لَوُ أَفْ يَشْتُمَنِي، أَمَّا تَكْذِيبُوُ إِيَّايَ فػَقَوْلُوُ : لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي. وَلَيْسَ أَوَّؿُ الْخَلْقِ بِأَىْوَفَ عَلِيَّ مِنْ إِعَادَتِوِ . وَأَمَّا شَتْمُوُ إِيَّايَ فػَقَوْلُوُ : اتَّخَذَ اللَّوُ وَلَدًا. وَأَنَا اللَّوُ الأَْحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَوُ كُفُوًا أَحَدٌ " (ٕ) . وَفِي الصَّحِيحَيْ نِ عَنْ رَسُوؿِ اللَّوِ أَنَّوُ قَاؿَ : "لاَ أَحَدَ أَصْبػَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَوُ مِنَ اللَّوِ؛ إِنػَّهُمْ يَجْعَلُوفَ لَوُ وَلَدًا، وَىُوَ يػَرْزُقػُهُمْ وَيػُعَافِيهِمْ " (ٖ). قاؿ القرطبي: لا يكوف الولد إلا من جنس الوالد ، فكيف يكوف للحق سبحانو أف يتخذ ولدا من مخلوقاتو وىو لا يشبهو شيء ، وقد قاؿ { :إِفْ كُل مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً [ }مريم : ٖٜ]، كما قاؿ ىنا : {بَلْ لَوُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }فالولدية تقتضي الجنسية والحدوث ، والقدـ يقتضي الوحدانية والثبوت ، فهو سبحانو القديم الأزلي الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن لو كفوا أحد. ثم إف البنوة تنافي الرؽ والعبودية، فكيف يكوف ولد عبدا ىذا محاؿ ، وما أدى إلى المحاؿ محاؿ. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :كل لو قانتوف} أي كل لو خاشع ذليل؛ لأنو مملوؾ؛ والله تبارؾ وتعالى ىو المالك؛ وىذا من الاستدلاؿ بالعقل على كذب دعوى ىؤلاء أف لو سبحانو وتعالى ولدا. قاؿ السعدي: والقنوت نوعاف: قنوت عاـ: وىو قنوت الخلق كلهم، تحت تدبير الخالق، وخاص: وىو قنوت العبادة. فالنوع الأوؿ كما في ىذه الآية، والنوع الثاني: كما في قولو تعالى{ :وقوموا لله قانتين} . ٔ- صحيح البخاري برقم (ٕٛٗٗ) . ٕ- الحديث رواه البخاري في صحيحو برقم (ٜٗٚٗ) من طريق شعيب عن أبي الزناد بو، وفيو: "ولم يكن لي كفوا أحد". -ٖصحيح البخاري برقم (ٜٜٓٙ) وصحيح مسمم برقم (ٕٗٓٛ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِي .
عدد الصفحات ٤٥٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 456 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٔصٖٚ: {بَلْ لَوُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ كُل لَوُ قَانِتُوفَ } فػَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ كَوْنِهِمْ مَخْلُوقِينَ مُدَبِّرِينَ مَقْهُورِينَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ فَإِفَّ ىَذَا لاَ يػُقَاؿُ طَوْعًا وَكَرْىًا فَإِفَّ الطَّوْعَ وَالْكَرْهَ إنَّمَا يَكُوفُ لِمَا يػَفْعَلُوُ الْفَاعِلُ طَوْعًا وَكَرْىًا، فَأَمَّا مَا لاَ فِعْلَ لَوُ فِيوِ : فَلاَ يػُقَاؿُ لَوُ سَاجِدٌ أَوْ قَانِتٌ، بَلْ وَلاَ مُسْلِمٌ، بَلْ الْجَمِيعُ مُقِر وفَ بِالصَّانِعِ بِفِطْرَتِهِمْ، وَىُمْ خَاضِعُوفَ مُسْتَسْلِمُوفَ قَانِتُوفَ مُضْطَر وفَ مِنْ وُجُوهٍ . مِنػْهَا: عِلْمُهُمْ بِحَاجَتِهِمْ وَضَرُورَتِهِمْ إلَيْوِ . وَمِنػْهَا: دُعَاؤُىُمْ إيَّاهُ عِنْدَ الاِضْطِرَارِ . وَمِنػْهَا: خُضُوعُهُمْ وَاسْتِسْلاَمُهُمْ لِمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْدَارِهِ وَمَشِيئَتِوِ . وَمِنػْهَا: انْقِيَادُىُمْ لِكَثِيرِ مِمَّا أَمَرَ بِوِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَإِفَّ سَادِرَ الْبَشَرِ لاَ يُمَكِّنُوفَ الْعَبْدَ مِنْ مُرَادِهِ بَلْ يػَقْهَرُونَوُ وَيػُلْزِمُونَوُ بِالْعَدْؿِ الَّذِي يَكْرَىُوُ، وَىُوَ مِمَّا أَمَرَ اللَّوُ بِوِ، وَعِصْيَانػُهُمْ لَوُ فِي بػَعْضِ مَا أَمَرَ بِوِ - وَإِفْ كَافَ ىُوَ التػَّوْحِيدَ - لاَ يَمْنَعُ كَوْنػَهُمْ قَانِتِينَ خَاضِعِينَ مُسْتَسْلِمِينَ كَرْىًا كَالْعُصَاةِ مِنْ أَىْلِ الْقِبػْلَةِ وَ أَىْلِ الذِّمَّةِ وَغَيْرِىِمْ، فَإِنػَّهُمْ خَاضِعُوفَ لِلدِّينِ الَّذِي بػَعَثَ بِوِ رُسُلَوُ، وَإِفْ كَانُوا يػَعْصُونَوُ فِي أُمُورٍ . وَالْمُؤْمِنُ يَخْضَعُ لأَِمْرِ رَبِّوِ طَوْعًا، وَكَذَلِكَ لِمَا يػُقَدِّرُهُ مِنْ الْمَصَادِبِ، فَإِنَّوُ يػَفْعَلُ عِنْدَ ىَا مَا أُمِرَ بِوِ مِنْ الصَّبْرِ وَغَيْرِهِ طَوْعًا، فػَهُوَ مُسْلِمٌ لِلَّوِ طَوْعًا خَاضِعٌ لَوُ طَوْعًا، وَالس جُودُ مَقْصُودُهُ الْخُضُوعُ، وَسُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِوِ سُجُودًا يػُنَاسِبػُهَا وَيػَتَضَمَّنُ الْخُضُوعَ لِلرَّبِّ . وَأَمَّا فػَقْرُ الْمَخْلُوقَاتِ إلَى اللَّوِ : بِمَعْنَى حَاجَتِهَا كُلِّهَا إلَيْوِ، وَأَنَّوُ لاَ وُجُودَ لَهَا وَلاَ شَيْءَ مِنْ صِفَاتِهَا وَأَفػْعَالِهَا إلاَّ بِوِ . فػَهَذَا: أَوَّؿُ دَرَجَاتِ الاِفْتِقَارِ، وَىُوَ افْتِقَارُىَا إلَى رُبُوبِيَّتِوِ لَهَا، وَخَلْقِوِ وَإِ تػْقَانِوِ، وَبِهَذَا الاِعْتِبَارِ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَوُ، وَلَوُ سُبْحَانَوُ الْمُلْكُ وَالْحَمْدُ . إلى أف قاؿ رحمو اللّو: وَالصَّوَابُ أَفَّ الأَْشْيَاءَ مُفْتَقِرَةٌ إلَى الْخَالِقِ لِذَوَاتِهَا لاَ لأَِمْرِ آخَرَ جَعَلَهَا مُفْتَقِرَةً إلَيْوِ، بَلْ فػَقْرُىَا لاَزِـٌ لَهَا؛ لاَ يُمْكِنُ أَفْ تَكُوفَ غَيػْرَ مُفْتَقِرَةٍ إلَيْوِ، كَمَا أَفَّ غِنَى الرَّبِّ وَصْفٌ لاَزِـٌ لَوُ لاَ يُمْكِنُ أَفْ يَكُوفَ غَيػْرَ غَنِيٍّ، فػَهُوَ غَنِي بِنػَفْسِوِ لاَ بِوَصْفِ جَعَلَوُ غَنِيًّا، وَفػَقْرُ الأَْشْيَاءِ إلَى الْخَالِقِ وَصْفٌ لَهَا، وَىِيَ مَعْدُومَةٌ وَىِيَ مَوْجُودَةٌ فَإِذَا كَانَتْ مَعْدُومَةً فَقِيلَ عَنْ مَطَرٍ يػُنْتَظَرُ نػُزُولُوُ وَىُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى الْخَالِقِ كَافَ مَعْنَاهُ : أَنَّوُ لاَ يُوجَدُ إلاَّ بِالْخَالِقِ ىَذَا قػَوْؿُ الْجُمْهُورِ مِنْ نُظَّ ارِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِىِمْ، وَىَذَا الاِفْتِقَارُ أَمْرٌ مَعْلُوـٌ بِالْعَقْلِ، وَمَا أَثػْبَتَوُ الْقُرْآفُ مِنْ اسْتِسْلاَـِ الْمَخْلُوقَاتِ وَسُجُودِىَا وَتَسْبِيحِهَا وَقػُنُوتِهَا أَمْرٌ
عدد الصفحات ٤٥٨وَغَيْرِىِمْ، وَىَذَا الاِفْتِقَارُ أَمْرٌ مَعْلُوـٌ بِالْعَقْلِ، وَمَا أَثػْبَتَوُ الْقُرْآفُ مِنْ اسْتِسْلاَـِ الْمَخْلُوقَاتِ وَسُجُودِىَا وَتَسْبِيحِهَا وَقػُنُوتِهَا أَمْرٌ زَادِدٌ عَلَى ىَذَا عِنْدَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ السَّ لَفِ وَجُمْهُورِ الْخَلَفِ . قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :بديع}فعيل بمعنى مفعل؛ أي مبدع؛ ولها نظير في اللغة العربية، مثل قوؿ الشاعر: (أـ الريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي ىجوع ). فػ «السميع» بمعنى المسمع؛ {بديع السموات والأرض} أي موجدىما على غير مثاؿ سابق. قاؿ القرطبي: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ }فعيل للمبالغة ، وارتفع على خبر ابتداء محذوؼ ، واسم الفاعل مبدع ، كبصير من مبصر. أبدعت الشيء لا عن مثاؿ ، فالله عز وجل بديع السموات والأرض ، أي منشئها وموجدىا ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثاؿ. وكل من أنشأ ما لم يسبق إليو قيل لو مبدع ، ومنو أصحاب البدع . وسميت البدعة بدعة لأف قادلها ابتدعها من غير فعل أو مقاؿ إماـ.
عدد الصفحات ٤٥٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 457 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن كثير: كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ لِمُسْلِمٍ : "فَإِفَّ كُلَّ مُحْ دَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ (ٔ) . وَالْبِدْعَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ : تَارَةً تَكُوفُ بِدْعَةً شَرْعِيَّةً، كَقَوْلِوِ : فَإِفَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ . وَتَارَةً تَكُوفُ بِدْعَةً لُغَوِيَّةً، كَقَوْؿِ أَمِيرِ الْمُ ؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ جَمْعِوِ إِيَّاىُمْ عَلَى صَلاَةِ التػَّرَاوِيحِ وَاسْتِمْرَارِىِمْ : نعْمَتْ البدعةُ ىَذِهِ . قاؿ القرطبي: كل بدعة صدرت من مخلوؽ فلا يجوز أف يكوف لها أصل في الشرع أولا ، فإف كاف لها أصل كانت واقعة تحت عموـ ما ندب الله إليو وخص رسوؿ عليو ، فهي في حيز المدح. وإف كانت في خلاؼ ما أمر الله بو ورسولو فهي في حيز الذـ والإنكار ، قاؿ معناه الخطابي وغيره. قلت : وىو معنى قولو في خطبتو : "وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" يريد ما لم يوافق كتابا أو سنة ، أو عمل الصحابة ، وقد بين ىذا بقوؿ : "من سن في الإسلاـ سنة حسنة كاف لو أجرىا وأجر من عمل بها من بعده من غير أف ينقص من أجورىم شيء ومن سن في الإسلاـ سنة سيئة كاف عليو وزرىا ووزر من عمل بها من بعده من غير أف ينقص من أوزارىم شيء" . وىذا إشارة إلى ما ابتدع من قبيح وحسن ، وىو أصل ىذا الباب ، وبالله العصمة والتوفيق ، لا رب غيره. قولو تعالى { :وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يػَقُوؿُ لَوُ كُنْ فػَيَكُوفُ } أي إذا أراد إحكامو وإتقانو - كما سبق في علمو - قاؿ لو كن. قاؿ ابن عرفة : قضاء الشيء إحكامو وإمضاؤه والفراغ منو ، ومنو سمي القاضي ، لأنو إذا حكم فقد فرغ مما ببن الخصمين. وقاؿ الأزىري : قضى في اللغة على وجوه ، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامو. قاؿ علماؤنا : "قضى" لفظ مشترؾ ، يكوف بمعنى الخلق ، قاؿ الله تعالى { :فػَقَضَاىُن سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يػَوْمَيْنِ [ }فصلت : ٕٔ] أي خلقهن. ويكوف بمعنى الإعلاـ ، قاؿ الله تعالى { :وَقَضَيػْنَا إِلَى بَنِي إِسْراديلَ فِي الْكِتَابِ [ }الإسراء : ٗ]أي أعلمنا. ويكوف بمعنى الأمر ، كقولو تعالى { :وَقَضَى رَب كَ أَلاَّ تػَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ [ }الإسراء : ٖٕ]ويكوف بمعنى الإلزاـ وإمضاء الأحكاـ ، ومنو سمي الحاكم قاضيا. ويكوف بمعنى توفية الحق ، قاؿ الله تعالى { :فػَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ } [القصص : ٜٕ]ويكوف بمعنى الإرادة ، كقولو تعالى { :فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يػَقُوؿُ لَوُ كُنْ فػَيَكُوفُ [ }غافر : ٛٙ] أي إذا أراد خلق شيء. قاؿ ابن عطية : "قضى" معناه قدر ، وقد يجيء بمعنى أمضى ، ويتجو في ىذه الآية المعنياف على مذىب أىل السنة قدر في الأزؿ وأمضى فيو. وعلى مذىب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد. و قولو تعالى { :أَمْراً} الأمر واحد الأمور ، وليس بمصدر أمر يأمر. قاؿ علماؤنا : والأمر في القرآف يتصرؼ على أربعة عشر وجها : الأوؿ : الدين ، قاؿ الله تعالى { :حَتَّى جَاءَ الْحَق وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّوِ [ }التوبة : ٛٗ]يعني دين الله الإسلاـ. -ٔ في صحيح مسمم برقم (ٚٙٛ) من حديث جابر بمفظ: "وشر الأمور محدثاتيا، وكل بدعة ضلالة".
عدد الصفحات ٤٥٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 458 - سورة البقرة الجزء الاول الثاني : القوؿ ، ومنو قولو تعالى { :فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا}يعني قولنا ، وقولو { :فػَتػَنَازَعُوا أَمْرَىُمْ بػَيػْنػَهُمْ [ }طو : ٕٙ]يعني قولهم. الثالث: العذاب ، ومنو قولو تعالى { :لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ [ }إبراىيم : ٕٕ]يعني لما وجب العذاب بأىل النار. الرابع : عيسى عليو السلاـ ، قاؿ الله تعالى { :قَضَى أَمْراً [ }آؿ عمراف : ٚٗ]يعني عيسى ، وكاف في علمو أف يكوف من غير أب. الخامس :القتل ببدر ، قاؿ الله تعالى { :فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّوِ [ }غافر : ٛٚ]يعني القتل ببدر ، وقولو تعالى { :لِيػَقْضِيَ اللَّوُ أَمْراً كَافَ مَفْعُولاً [ }الأنفاؿ : ٕٗ]يعني قتل كفار مكة. السادس: فتح مكة ، قاؿ الله تعالى { :فػَتػَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّ وُ بِأَمْرِهِ [ }التوبة : ٕٗ]يعني فتح مكة. السابع : قتل قريظة وجلاء بني الضير ، قاؿ الله تعالى { :فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّوُ بِأَمْرِهِ [ }البقرة : ٜٓٔ] الثامن : القيامة ، قاؿ الله تعالى { :أَتَى أَمْرُ اللَّوِ [ }النحل : ٔ] التاسع : القضاء ، قاؿ الله تعالى { :يُدَبػِّرُ الأَمْرَ [ }يونس : ٖ]يعني القضاء. العاشر : الوحي ، قاؿ الله تعالى { :يُدَبػِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ [ }السجدة : ٘]يقوؿ : ينزؿ الوحي من السماء إلى الأرض ، وقولو { :يػَتػَنػَزَّؿُ الأمْرُ بػَيػْنػَهُنَّ [ }الطؽ : ٕٔ]يعني الوحي. الحادي عشر : أمر الخلق ، قاؿ الله تعالى { :أ إلى الله تَصَيرُ الأمُورُ [ }الشورى : ٖ٘]يعني أمور الخلادق. الثاني عشر : النصر ، قاؿ الله تعالى { :يػَقُولُوفَ ىَلْ لنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءِ [ }آؿ عمراف : ٗ٘ٔ]يعنوف النصر ، {قُلْ إِفَّ الأَمْرَ كُلَّوُ لِلَّوِ [ }آؿ عمراف : ٗ٘ٔ]يعني النصر. الثالث عشر : الذنب ، قاؿ الله تعالى { :فَذَاقَتْ وَبَاؿَ أَمْرِىَا[ }الطلاؽ : ٜ]يعني جزاء ذنبها. الرابع عشر : الشأف والفعل ، قاؿ الله تعالى { :وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْفَ بِرَشِيدٍ [ }ىود : ٜٚ]أي فعلو وشأنو ، وقاؿ : {فػَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُوفَ عَنْ أَمْرِهِ [ }النور : ٖٙ]أي فعلو. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وإذا قضى أمرا فإنما يقوؿ لو كن فيكوف}أي إذا أراد أف يقضي أمرا؛ والفعل يأتي بمعنى إرادتو المقارنة لو، مثل قولو تعالى{ :فإذا قرأت القرآف فاستعذ بالله من الشيطاف الرجيم [ }النحل: ٜٛ] أي إذا أردت قراءتو؛ والدليل على تأويل {قضى} بمعنى «أراد أف يقضي» ىو قولو تعالى في آية أخرى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أف يقوؿ لو كن فيكوف}[يس: ٕٛ]؛ على أنو يصلح أف يكوف {إذا قضى أمرا } ... بمعنى إذا فعل شيئا فإنما يقوؿ تعالى لو عند فعلو: {كن فيكوف} ؛ يعني أف فعلو سبحانو وتعالى للشيء يكوف بعد قولو عز وجل: {كن} من غير تأخر؛ لأنو ليس أمرا شاقا عليو؛ و {أمرا} واحد الأمور؛ يعني الشؤوف؛ أي إذا قضى شأنا من شؤونو سبحانو وتعالى فإف ذلك لا يصعب عليو: {فإنما يقوؿ لو كن} ؛ أي لا يقوؿ لو إلا «كن» مرة
عدد الصفحات ٤٦٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 459 - سورة البقرة الجزء الاول واحدة بدوف تكرار؛ و {كن} ىنا تامة من «كاف» بمعنى حدث؛ {فيكوف}أي فيحدث كما أمره الله سبحانو وتعالى على ما أراد الله عز وجل. وفي قولو تعالى: {فيكوف}قراءتاف؛ ىما النصب، والرفع؛ فعلى قراءة النصب تكوف جوابا للأمر: {كن} أي فبسبب ذلك يكوف؛ وتكوف الفاء للسببية؛ وعلى قراءة الرفع تكوف للاستئناؼ؛ أي فهو يكوف. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٛصٔٔٔ جواباً على سؤاؿ فِي قػَوْلو تػَعَالَى {إنَّمَا قػَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَفْ نػَقُوؿَ لَوُ كُنْ فػَيَكُوفُ }فَإِفْ كَافَ الْمُخَاطَبُ مَوْجُو دًا فػَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مُحَاؿٌ وَإِفْ كَافَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ يػُتَصَوَّرُ خِطَابُ الْمَعْدُوـِ؟ فَأَجَابَ شَيْخُ الإِْسْلاَـِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد ابْنُ تػَيْمِيَّة - رَحِمَوُ اللَّوُ - الْحَمْدُ لِلَّوِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّ ةٌ عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدُىُمَا: الْفَرْؽُ بػَيْنَ خِطَابِ التَّكْوِينِ الَّذِي لاَ يَطْلُبُ بِوِ سُبْحَانَوُ فِعْلاً مِنْ الْمُخَاطَبِ بَلْ ىُوَ الَّذِي يُكَوِّفُ الْمُخَاطَبَ بِوِ وَيَخْلُقُوُ بِدُوفِ فِعْلٍ مِنْ الْمُخَاطَبِ أَوْ قُدْرَةٍ أَوْ إرَادَةٍ أَوْ وُجُودٍ لَوُ وَبػَيْنَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ الَّذِي يَطْلُبُ بِوِ مِنْ الْمَأْمُورِ فِعْلاً أَوْ تػَرْكًا يػَفْعَلُوُ بِقُدْرَةِ وَإِرَادَةٍ - وَإِفْ كَافَ ذَلِكَ جَمِيعُوُ بِحَوْؿِ اللَّوِ وَقػُوَّتِوِ إذْ لاَ حَوْؿَ وَلاَ قػُوَّةَ إلاَّ بِاَللَّوِ - وَ ىَذَا الْخِطَابُ قَدْ تػَنَازَعَ فِيوِ النَّاسُ ىَلْ يَصِح أَفْ يُخَاطَبَ بِوِ الْمَعْدُوـُ بِشَرْطِ وُجُودِهِ أَـْ لاَ يَصِح أَفْ يُخَاطَبَ بِوِ إلاَّ بػَعْدَ وُجُودِهِ؟ وَلاَ نِزَاعَ بػَيػْنػَهُمْ أَنَّوُ لاَ يػَتػَعَلَّقُ بِوِ حُكْمُ الْخِطَابِ إلاَّ بػَعْدَ وُجُودِهِ . وَكَذَلِكَ تػَنَازَعُوا فِي الأَْوَّؿِ ىَلْ ىُوَ خِطَابٌ حَقِيقِي أَـْ ىُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الاِقْتِدَارِ وَسُرْعَةِ التَّكْوِينِ بِالْقُدْرَةِ؟ وَالأَْوَّؿُ ىُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الس نَّةِ . وَالأَْصْلُ الثَّانِي: أَفَّ الْمَعْدُوـَ فِي حَاؿِ عَدَمِوِ ىَلْ ىُوَ شَيْءٌ أَـْ لاَ؟ فَإِنَّوُ قَدْ ذَىَبَ طَوَادِفُ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ إلَى أَنَّوُ شَيْءٌ فِي الْخَارِجِ وَذَاتٌ وَعَيْنٌ . وَزَعَمُوا أَفَّ الْمَاىِيَّاتِ غَيػْرُ مَجْعُولَةٍ وَلاَ مَخْ لُوقَةٍ وَأَفَّ وُجُودَىَا زَادِدٌ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَكَذَلِكَ ذَىَبَ إلَى ىَذَا طَوَادِفُ مِنْ الْمُتػَفَ لْسِفَةِ والاتحادية وَغَيْرِىِمْ مِنْ الْمَلاَحِدَةِ . وَاَلَّذِي عَلَيْوِ جَمَاىِيرُ النَّاسِ وَىُوَ قػَوْؿُ مُتَكَلِّمَةِ أَىْلِ الإِْثػْبَاتِ وَالْمُ نْتَسِبِينَ إلَى الس نَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّوُ فِي الْخَارِجِ عَنْ الذِّىْنِ قػَبْلَ وُجُودِهِ لَيْسَ بِشَيْءِ أَصْلاً وَلاَ ذَاتٍ وَلاَ عَيْنٍ وَأَنَّوُ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ شَيْئَافِ : أَحَدُىُمَا حَقِيقَتُوُ وَالآْخَرُ وُجُودُهُ الزَّادِدُ عَلَى حَقِ يقَتِوِ فَإِفَّ اللَّوَ أَبْدَعَ الذَّوَاتِ الَّتِي ىِيَ الْمَاىِيَّاتُ فَكُل مَا سِوَاهُ سُبْحَانَوُ فػَهُوَ مَخْلُوؽٌ وَمَجْعُوؿٌ وَمُبْدَعٌ وَمَبْدُوءٌ لَوُ سُبْحَانَوُ وَتػَعَالَى لَكِنْ فِي ىَؤُلاَءِ مَنْ يػَقُوؿُ الْمَعْدُوـُ لَيْسَ بِشَيْءِ أَصْلاً وَ إِنَّمَا سُمِّيَ شَيْئًا بِاعْتِبَارِ ثػُبُوتِوِ فِي الْعِلْمِ فَكَافَ مَجَازًا. وَمِنػْهُمْ مَنْ يػَقُوؿُ : لاَ رَيْبَ أَفَّ لَوُ ثػُبُوتًا فِي الْعِلْمِ وَوُجُودًا فِيوِ فػَهُوَ بِاعْتِبَارِ ىَذَا الث بُوتِ وَالْوُجُودِ ىُوَ شَيْءٌ وَذَاتٌ .
عدد الصفحات ٤٦١َكَافَ مَجَازًا. وَمِنػْهُمْ مَنْ يػَقُوؿُ : لاَ رَيْبَ أَفَّ لَوُ ثػُبُوتًا فِي الْعِلْمِ وَوُجُودًا فِيوِ فػَهُوَ بِاعْتِبَارِ ىَذَا الث بُوتِ وَالْوُجُودِ ىُوَ شَيْءٌ وَذَاتٌ . وَىَؤُلاَءِ لاَ يػُ فَرِّقُوفَ بػَيْنَ الْوُجُودِ وَالث بُوتِ كَمَا فػَرَّؽَ مَنْ قَاؿَ الْمَعْدُوـُ شَيْءٌ وَلاَ يػُفَرِّقُوفَ فِي كَوْفِ الْمَعْدُوـِ لَيْسَ بِشَيْءِ بػَيْنَ الْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ كَمَا فػَرَّؽَ أُولَئِكَ إذْ قَدْ اتػَّفَقُوا عَلَى أَفَّ الْمُمْتَنِعَ لَيْ سَ بِشَيْءِ وَإِنَّمَا النػِّزَاعُ فِي الْمُمْكِنِ . وَعُمْدَةُ مَنْ جَعَلَوُ شَيْئًا إنَّمَا ىُوَ لأَِنَّوُ ثَابِتٌ فِي الْعِلْمِ؛ وَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ صَحَّ أَفْ يُخَصَّ بِالْقَصْدِ وَالْخَلْقِ وَالْخَبَرِ عَنْوُ وَالأَْمْرِ بِوِ وَالنػَّهْيِ عَنْوُ وَغَيْ رِ ذَلِكَ . قَالُوا: وَىَذِهِ التَّخْصِيصَاتُ تَمْتَنِعُ أَفْ تػَتػَعَلَّقَ بِالْعَدَـِ الْمَحْضِ فَإِفْ خُصَّ الْفَرْؽُ بػَيْنَ الْوُجُودِ الَّذِي ىُوَ الث بُوتُ الْعَيْنِي وَبػَيْنَ الْوُجُودِ الَّذِي ىُوَ الث بُوتُ الْعِلْمِي زَالَتْ الش بػْهَةُ فِي ىَ ذَا الْبَابِ . وقػَوْلو تػَعَالَى {إنَّمَا قػَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَفْ نػَقُوؿَ لَوُ كُنْ فػَيَكُوفُ }ذَلِكَ الشَّيْءُ
عدد الصفحات ٤٦١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 461 - سورة البقرة الجزء الاول ىُوَ مَعْلُوـٌ قػَبْلَ إبْدَاعِوِ وَقػَبْلَ تػَوْجِيوِ ىَذَا الْخِطَابِ إلَيْوِ وَبِذَلِكَ كَافَ مُقَدَّرًا مَقْضِيًّا فَإِفَّ اللَّ وَ سُبْحَانَوُ وَتػَعَالَى يػَقُوؿُ وَيَكْتُبُ مِمَّا يػَعْلَمُوُ مَا شَاءَ كَمَا قَاؿَ النَّبِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِوِ عَنْ عَبْدِ اللَّوِ بْنِ عَمْرٍو {إف اللَّوَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلاَدِقِ قػَبْلَ أَفْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ }وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عِمْرَافَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّوُ قَاؿَ { :كَافَ اللَّوُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَوُ وَكَافَ عَرْشُوُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ }وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّوُ قَاؿَ { :أَوَّؿُ مَا خَلَقَ اللَّوُ الْقَلَمَ فػَقَاؿَ لَوُ اُكْتُبْ فػَقَاؿَ : مَا أَكْتُبُ؟ قَاؿَ : مَا ىُوَ كَادِنٌ إلَى يػَوْـِ الْقِيَامَةِ }إلَى أَمْثَاؿِ ذَ لِكَ مِنْ الن صُوصِ الَّتِي تػُبػَيِّنُ أَفَّ الْمَخْلُوؽَ قػَبْلَ أَفْ يُخْلَقَ كَافَ مَعْلُومًا مُخْبػَرًا عَنْوُ مَكْتُوبًا فػَهُوَ شَيْءٌ بِاعْتِبَارِ وُجُودِهِ الْعِلْمِيِّ الْكَلاَمِيِّ الْكِتَابِيِّ وَإِفْ كَانَتْ حَقِيقَتُوُ الَّتِي ىِيَ وُجُودُهُ الْعَ يْنِي لَيْسَ ثَابِتًا فِي الْخَارِجِ بَلْ ىُوَ عَدَـٌ مَحْضٌ وَنػَفْيٌ صِرْؼٌ وَىَذِهِ الْمَرَاتِبُ الأَْرْبػَعَةُ الْمَشْهُورَةُ لِلْمَوْجُودَاتِ وَقَدْ ذَكَرَىَا اللَّوُ سُبْحَانَوُ وَتػَعَالَى فِي أَوَّؿِ سُورَةٍ أَنػْزَلَهَا عَلَى نَبِيِّوِ فِي قػَوْلِوِ { :اقػْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ { }خَلَقَ الإِْنْسَافَ مِنْ عَلَقٍ { }اقػْرَأْ وَرَب كَ الأَْكْرَـُ { }الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ { }عَلَّمَ الإِْنْسَافَ مَا لَمْ يػَعْلَمْ }وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلاَـَ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ ىَذَا الْمَوْضِعِ . وَإِذَا كَافَ كَذَلِكَ كَافَ الْخِطَابُ مُوَجَّهًا إلَى مَنْ تػَوَجَّهَتْ إلَيْوِ الإِْرَادَةُ وَتػَعَلَّقَتْ بِوِ الْقُدْرَةُ وَخَلَقَ وَكَوَّفَ كَمَا قَاؿَ { :إنَّمَا قػَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَفْ نػَقُوؿَ لَوُ كُنْ فػَيَكُوفُ }فَاَلَّذِي يػُقَاؿُ لَوُ : كُ نْ ىُوَ الَّذِي يػُرَادُ وَىُوَ حِينَ يػُرَادُ قػَبْلَ أَفْ يُخْلَقَ لَوُ ثػُبُوتٌ وَتَمَيػ زٌ فِي الْعِلْمِ وَالتػَّقْدِيرِ وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَمَا تَمَيػَّزَ الْمُرَادُ الْمَخْلُوؽُ مِنْ غَيْرِهِ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ التػَّقْسِيمِ . فَإِفَّ قػَوْؿَ السَّادِلِ : إفْ كَافَ الْمُخَاطَبُ مَوْجُودًا فػَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مُحَاؿٌ . يػُقَاؿُ لَوُ ىَذَا إذَا كَافَ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ وُجُودَهُ الَّذِي ىُوَ وُجُودُهُ وَلاَ رَيْبَ أَفَّ الْمَعْدُوـَ لَيْسَ مَوْجُودًا وَلاَ ىُوَ فِي نػَفْسِوِ ثَابِتٌ وَأَمَّا مَا عُلِمَ وَأُرِيدَ وَكَافَ شَيْئًا فِي الْعِلْمِ وَالإِْرَادَةِ وَالتػَّقْدِيرِ فػَلَيْسَ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ مُحَالاً؛ بَلْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ لاَ تُوجَدُ إلاَّ بػَعْدَ وُجُودِىَا فِي الْعِلْمِ وَالإِْرَادَةِ . وَقػَوْؿُ السَّادِلِ : إفْ كَافَ مَعْ دُومًا فَكَيْفَ يػُتَصَوَّرُ خِطَابُ الْمَعْدُوـِ . يػُقَاؿُ لَوُ : أَمَّا إذَا قُصِدَ أَفْ يُخَاطَبَ الْمَعْدُوـُ فِي الْخِطَابِ بِخِطَابِ يػَفْهَمُوُ وَيَمْتَثِلُوُ فػَهَذَا مُحَاؿٌ؛ إذْ مِنْ شَرْطِ الْمُخَاطَبِ أَفْ يػَتَمَكَّنَ مِنْ الْفَهْمِ وَالْفِعْلِ وَالْ مَعْدُوـُ لاَ يػُتَصَوَّرُ أَفْ يػَفْهَمَ
عدد الصفحات ٤٦٢بِخِطَابِ يػَفْهَمُوُ وَيَمْتَثِلُوُ فػَهَذَا مُحَاؿٌ؛ إذْ مِنْ شَرْطِ الْمُخَاطَبِ أَفْ يػَتَمَكَّنَ مِنْ الْفَهْمِ وَالْفِعْلِ وَالْ مَعْدُوـُ لاَ يػُتَصَوَّرُ أَفْ يػَفْهَمَ وَيػَفْعَلَ فػَيَمْتَنِعُ خِطَابُ التَّكْلِيفِ لَوُ حَاؿَ عَدَمِوِ بِمَعْنَى أَنَّوُ يُطْلَبُ مِنْوُ حِينَ عَدَمِوِ أَفْ يػَفْهَمَ وَيػَفْعَلَ وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَمْتَنِعُ أَفْ يُخَاطَبَ الْمَعْدُوـُ فِي الْخَارِجِ خِطَ ابَ تَكْوِينٍ بِمَعْنَى أَفْ يػَعْتَقِدَ أَنَّوُ شَيْءٌ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ وَأَنَّوُ يُخَاطَبُ بِأَفْ يَكُوفَ . وَأَمَّا الشَّيْءُ الْمَعْلُوـُ الْمَذْكُورُ الْمَكْتُوبُ إذَا كَافَ تػَوْجِيوُ خِطَابِ التَّكْوِينِ إلَيْوِ مِثْلَ تػَوْجِيوِ الإِْرَادَةِ إلَ يْوِ فػَلَيْسَ ذَلِكَ مُحَالاً بَلْ ىُوَ أَمْرٌ مُمْكِنٌ بَلْ مِثْلُ ذَلِكَ يَجِدُهُ الإِْنْسَافُ فِي نػَفْسِوِ فػَيػُقَدِّرُ أَمْرًا فِي نػَفْسِوِ يُرِيدُ أَفْ يػَفْعَلَوُ وَيػُوَجِّوُ إرَادَتَوُ وَطَلَبَوُ إلَى ذَلِكَ الْمُرَادِ الْمَطْلُوبِ الَّذِي قَدَّرَهُ فِ ي نػَفْسِوِ وَيَكُوفُ حُصُوؿُ الْمُرَادِ الْمَطْلُوبِ بِحَسَبِ قُدْرَتِوِ فَإِفْ كَافَ قَادِرًا عَلَى حُصُولِوِ حَصَلَ مَعَ الإِْرَادَةِ وَالطَّلَبِ الْجَازِـِ وَإِفْ كَافَ عَاجِزًا لَمْ يَحْصُلْ وَقَدْ يػَقُوؿُ الإِْنْسَافُ لِيَكُنْ كَذَا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِ نْ صِيَغِ الطَّلَبِ فػَيَكُوفُ الْمَطْلُوبُ بِحَسَبِ قُدْرَتِوِ عَلَيْوِ وَاَللَّوُ سُبْحَانَوُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا شَاءَ كَافَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ . فَإِنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَفْ يػَقُوؿَ لَوُ كُنْ فػَيَكُوفُ .
عدد الصفحات ٤٦٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 461 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن ك ثير: وَنػَبَّوَ تػَعَالَى بِذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَفَّ خَلْقَ عِيسَى بِكَلِمَةِ : كُنْ، فَكَافَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّوُ، قَاؿَ اللَّوُ تػَعَالَى{ :إِف مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّوِ كَمَثَلِ آدَـَ خَلَقَوُ مِنْ تػُرَابٍ ثُمَّ قَاؿَ لَوُ كُنْ فػَيَكُوفُ [ }آؿِ عِمْ رَافَ : ٜ٘] (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيتين:ٔ- بياف عتو الإنساف وطغيانو، حيث سب الله سبحانو وتعالى ىذه السبة العظيمة، فقاؿ: إف الله اتخذ ولدا!!! في الحديث الصحيح القدسي: «كذبني ابن آدـ ولم يكن لو ذلك؛ وشتمني ولم يكن لو ذلك، فأما تكذيبو إياي فقولو: إنو لن يعيدني كما بدأني وليس أوؿ الخلق بأىوف علي من إعادتو، وأما شتمو إياي فقولو اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفئا أحد» (ٔ) ؛ فهذا من أعظم العدواف؛ وىو يشير كما تقدـ في التفسير إلى ثلاث طوادف: اليهود، والنصارى، والمشركين؛ وقد أبطل الله ىذه الدعوى الكاذبة من ستة أوجو: الوجو الأوؿ: في قولو تعالى{ :سبحانو}؛ فإف تنزىو عن النقص يقتضي أف يكوف منزىا عن اتخاذ الولد؛ لأف اتخاذ الولد يقصد بو الإعانة، ودفع الحاجة، أو بقاء العنصر؛ والله سبحانو وتعالى منزه عن ذلك؛ ومنزه أيضا عن المماثلة؛ ولو كاف لو ولد لكاف مثيلا لو. الوجو الثاني: في قولو تعالى{ :بل لو ما في السموات والأرض}؛ وعموـ ملكو يستلزـ استغناءه عن الولد. الوجو الثالث: في قولو تعالى{ :بل لو ما في السموات والأرض}، والمملوؾ لا يكوف ولدا للمالك؛ حتى إنو شرعا إذا ملك الإنساف ولده يعتق عليو؛ فالمملوؾ لا يمكن أف يكوف ولدا للمالك؛ فالله خالق؛ وما سواه مخلوؽ؛ فكيف يكوف المخلوؽ ولدا للخالق! الوجو الرابع: في قولو تعالى{ :كل لو قانتوف}؛ ووجهو أف العباد كلهم خاضعوف ذليلوف؛ وىذا يقتضي أنهم مربوبوف لله عابدوف لو؛ والعبد لا يكوف ولدا لربو. الوجو الخامس: في قولو تعالى{ :بديع السموات والأرض}؛ ووجهو أنو سبحانو وتعالى مبدع السموات والأرض؛ فالقادر على خلق السموات والأرض قادر على أف يخلق إنسانا بلا أب، كما قاؿ تعالى{ :لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس[ }غافر: ٚ٘] الوجو السادس: في قولو تعالى{ :إذا قضى أمرا فإنما يقوؿ لو كن فيكوف}؛ ومن كاف ىذه قدرتو فلا يستحيل عليو أف يوجد ولدا بدوف أب. فبطلت شبهتهم التي يحتجوف بها على أف لله ولدا. ٕ- امتناع أف يكوف لله ولد؛ لهذه الوجوه الستة. ٔ- أخرجو البخاري صٖٔٗ، كتاب التفسير، باب ٔ: حديث رقم ٜٗٗٚ.
عدد الصفحات ٤٦٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 462 - سورة البقرة الجزء الاول ٖ- عموـ ملك الله سبحانو وتعالى؛ لقولو تعالى{ :بل لو ما في السموات والأرض} ٗ- أف الله لا شريك لو في ملكو؛ لتقديم الخبر في قولو تعالى{ :لو ما في السموات والأرض}؛ وتقديم الخبر يفيد الاختصاص. ٘- أف كل من في السموات، والأرض قانت لله؛ والمراد القنوت العاـ وىو الخضوع للأمر الكوني ؛ والقنوت يطلق على معنيين؛ معنى عاـ وخاص؛ «المعنى الخاص» ىو قنوت العبادة، والطاعة، كما في قولو تعالى{ :أمن ىو قانت آناء الليل ساجدا وقادما[ }الزمر: ٜ]، وكما في قولو تعالى{ :وصدقت بكلمات ربها وكتبو وكانت من القانتين} [التحريم: ٕٔ]، وكما في قولو تعالى{ :يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين[ }آؿ عمراف: ٖٗ]؛ و «المعنى العاـ» ىو قنوت الذؿ العاـ؛ وىذا شامل لكل من في السموات، والأرض، كما في ىذه الآية{ :كل لو قانتوف}؛ حتى الكفار بهذا المعنى قانتوف لله سبحانو وتعالى؛ لا يخرجوف عن حكمو الكوني. ٙ- عظم قدرة الله عز وجل ببدع السموات، والأرض؛ فإنها مخلوقات عظيمة. ٚ- حكمة الله سبحانو وتعالى بأف ىذه السموات، والأرض على نظاـ بديع عجيب؛ قاؿ تعالى{ :ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت[ }الملك: ٖ]؛ ىذا النظاـ الواسع الكبير العظيم لا يختل، ولا يتغير على مر السنين، والأعواـ؛ فتدؿ على قدرة باىرة بالغة، وحكمة عظيمة بالغة: كل شيء منظم تنظيما بديعا متناسبا، فلا يصطدـ شيء بشيء فيفسده؛ ولا يغير شيء شيئا؛ بل كل سادر حسب ما أمره الله بو؛ قاؿ الله تعالى{ :وأوحى في كل سماء أمرىا} [فصلت: ٕٔ]؛ إذا {بديع السموات والأرض}يستفاد منها القوة، والقدرة، والحكمة. ٛ- أف السموات عدد؛ لأف الجمع يدؿ على العدد؛ وقد بين الله في القرآف، وثبتت السنة، وأجمع المسلموف على أف السماء جر ـ محسوس؛ وليس كما قاؿ أىل الإلحاد: إف الذي فوقنا فضاء لا نهاية لو؛ وأما الأرض فلم تأت في القرآف إلا مفردة؛ لكن أشار الله سبحانو وتعالى إلى أنها سبع في قولو تعالى{ :ا الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن[ }الطلاؽ: ٕٔ]؛ وصرحت السنة بذلك في قولو : «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقو الله إياه يوـ القيامة من سبع أرضين» (ٔ) . ٜ- أف الله سبحانو وتعالى لا يعجزه شيء، ولا يمتنع عن أمره شيء؛ لقولو تعالى{ :إذا قضى أمرا فإنما يقوؿ لو كن فيكوف} ٓٔ- إثبات القوؿ لله؛ لقولو تعالى{ :فإنما يقوؿ لو} ٔٔ- أف قوؿ الله بصوت مسموع؛ لقولو تعالى{ :فإنما يقوؿ لو كن فيكوف}؛ و {لو}صريحة في توجيو القوؿ للمقوؿ لو؛ ولولا أنو يسمعو لما صار في توجيهو لو فاددة؛ ولهذا يسمعو الموجو إليو الأمر، فيمتثل، ويكوف. ٕٔ- أف قوؿ الله بحروؼ؛ لقولو تعالى{ :كن}؛ وىي كلمة بحرفين. -ٔاخرجو البخاري صٜٕ٘، كتاب بدء الخمق، باب ٕ: ما جاء في سبع أرضين، حديث رقم ٜٖٛٔ، وأخرجو مسمم صٜٛ٘، كتاب المساقاة، باب ٖٓ: تحريم الظمم وغصب الأرض وغيرىا، حديث رقم ٕٖٔٗ [ٖٚٔ]ٓٔٙٔ، والمفظ لمسمم.
عدد الصفحات ٤٦٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 463 - سورة البقرة الجزء الاول فإف قاؿ قادل: كيف يمكن أف نتصور ىذا ونحن نقوؿ: ليس كمثلو شيء؛ وأنتم تقولوف: إنو بحروؼ؟ قلنا: نعم؛ الحروؼ ىي الحروؼ؛ لكن كيفية الكلاـ، وحقيقة النطق بها أو القوؿ لا يماثل نطق المخلوؽ، وقولو؛ ومن ىنا نعرؼ أننا لا نكوف ممثلة إذا قلنا: إنو بحرؼ، وصوت مسموع؛ لأننا نقوؿ: صوت ليس كأصوات المخلوقين؛ بل ىو حسب ما يليق بعظمتو، وجلالو. ٖٔ- أف الجماد خاضع لله سبحانو وتعالى؛ وذلك لأف قولو تعالى{ :وإذا قضى أمرا فإنما يقوؿ لو كن فيكوف}يشمل الأمور المتعلقة بالحيواف، والمتعلقة بالجماد؛ فالجماد إذا قاؿ الله تعالى لو{ :كن}كاف. ٗٔ- أنو ليس بين أمر الله بالتكوين، وتكونو تراخ؛ بل يكوف على الفورية؛ وذلك لقولو تعالى{ :فيكوف}بالفاء؛ والفاء تدؿ على الترتيب، والتعقيب. وَقَاؿَ الَّذِينَ لاَ يػَعْلَمُوفَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّوُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَاؿَ الَّذِينَ مِنْ قػَبْلِهِمْ مِثْلَ قػَ وْلِهِمْ تَشَابػَهَتْ قػُلُوبػُهُمْ قَدْ بػَيػَّنَّا الآْيَاتِ لِقَوْـٍ يُوقِنُوفَ (ٛٔٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وقاؿ الذين لا يعلموف} أي ليسوا من ذوي العلم {لو يكلمنا الله} أي ىلا يكلمنا الله بتصديق الرسل {أو تأتينا آية}أي علامة على صدقهم؛ وىذا منهم على سبيل التعنت والعناد؛ فالتعنت قولهم: {لو يكلمنا الله} ؛ والعناد قولهم: {أو تأتينا آية} ؛ لأف الرسل أتوا بالآيات التي يؤمن على مثلها البشر؛ وأعظمها القرآف الكريم الذي نزؿ على محمد ؛ وقد تحداىم الله أف يأتوا بمثلو، فعجزوا. قاؿ ابن كثير: وَقَاؿَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقػَتَادَةُ، وَالس دِّي فِي تػَفْسِيرِ ىَذِهِ الآْيَةِ : ىَذَا قػَوْؿُ كُفَّارِ الْعَرَبِ {كَذَلِكَ قَاؿَ الَّذِينَ مِن قػَبْلِهِمْ مِّثْلَ قػَوْلِهِمْ }قَالُوا: ىُمُ الْيػَهُودُ وَالنَّصَارَى. وَيػُؤَيِّدُ ىَذَا الْقَ وْؿَ، وَأَفَّ الْقَادِلِينَ ذَلِكَ ىُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ، قػَوْلُوُ تػَعَالَى{ :وَإِذَا جَاءَتػْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نػُؤْمِنَ حَتَّى نػُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّوِ اللَّوُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَوُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَ غَارٌ عِنْدَ اللَّوِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُوفَ [ }الأنعاـ: ٖٕٔ] وَقػَوْلُوُ تػَعَالَى: {وَقَالُوا لَنْ نػُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تػَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يػَنْبُوعًا* أَوْ تَكُوفَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فػَتػُفَجِّرَ الأنػْهَارَ خِلا لَهَا تػَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيػْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّوِ وَالْمَلادِكَةِ قَبِيلا* أَوْ يَكُوفَ لَكَ بػَيْتٌ مِنْ زُخْرُؼٍ أَوْ تػَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نػُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنزؿَ عَلَيػْنَا كِتَابًا نػَقْ رَؤُهُ قُلْ سُبْحَافَ رَبِّي ىَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا[ }الإِْسْرَاءِ: ٜٓ-ٖٜ]، وَقػَوْلُوُ تػَعَالَى{ :وَقَاؿَ الَّذِينَ لاَ يػَرْجُوفَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزؿَ عَلَيػْنَا الْمَلادِكَةُ أَوْ نػَرَى رَبػَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبػَرُوا فِي أَنػْفُسِهِمْ وَعَتػَوْ ا عُتػُوًّا كَبِيرًا[ }الْفَرْقَافِ: ٕٔ]، وَقػَوْلُوُ { :بَلْ يُرِيدُ كُل امْرِئٍ مِنػْهُمْ أَفْ يػُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً [ }الْمُدَّثِّرِ: ٕ٘]إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى كُفْرِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَعُتػُوِّىِمْ وَعِنَادِىِمْ وَ سُؤَالِهِمْ مَا لاَ حَاجَةَ لَهُمْ بِوِ، إِنَّمَا ىُوَ
عدد الصفحات ٤٦٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 464 - سورة البقرة الجزء الاول الْكُفْرُ وَالْمُعَانَدَةُ، كَمَا قَاؿَ مَنْ قػَبػْلَهُمْ مِنَ الأُْمَمِ الْخَالِيَةِ مِنْ أَىْلِ الْكِتَابػَيْنِ وَغَيْرِىِمْ، كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :يَسْأَلُكَ أَىْلُ الْكِتَابِ أَفْ تُنزؿَ عَلَيْهِمْ كِ تَابًا مِنَ السَّمَاءِ فػَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبػَرَ مِنْ ذَلِكَ فػَقَالُوا أَرِنَا اللَّوَ جَهْرَةً [ }النِّسَاءِ: ٖ٘ٔ] وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :وَإِذْ قػُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نػُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نػَرَى اللَّوَ جَهْرَةً [ }الْبػَقَرَةِ: ٘٘] قاؿ ابن العثيمينوعلى ىذا يكوف {مثل قولهم} توكيدا لقولو تعالى: {كذلك} ؛ أي مثل ىذا القوؿ الذي اقترحوه قد اقترحو من قبلهم: قوـ موسى قالوا{ :لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة[ }البقرة: ٘٘]؛ فهذا دأب المكذبين للرسل ينكروف، ويقترحوف؛ وقد أتوا من الآيات بأعظم مما اقترحوه . قاؿ ابن كثير: قػَوْلُوُ { :تَشَابػَهَتْ قػُلُوبػُهُمْ }أَيْ: أَشْبػَهَتْ قػُلُوب مُشْرِكِي الْعَرَبِ قػُلُوبَ مَنْ تػَقَدَّمَ هُمْ فِي الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ وَالْعُتػُوِّ، كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قػَبْلِهِمْ مِنْ رَسُوؿٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُوفٌ * أَتػَوَاصَوْا بِوِ بَلْ ىُمْ قػَوْـٌ طَاغُوفَ [ }الذَّارِيَاتِ: ٕ٘، ٖ٘] قاؿ ابن العثيمين{ :تشابهت قلوبهم} الأولوف، والآخروف قلوبهم متشابهة في رد الحق، والعناد، والتعنت، والجحود؛ من أوؿ ما بعثت الرسل إلى خاتمهم محمد بل وإلى يوـ القيامة فقلوب أىل الكفر، والعناد متشابهة؛ إنما يختلف الأسلوب؛ قد يقترح ىؤلاء شيئا؛ وىؤلاء شيئا آخر؛ لكن الكلاـ على جنس الاقتراح، وعدـ قبولهم للحق. قاؿ السعدي: قولو تعالى{ :قد بينا} أي أظهرنا؛ لأف «باف» بمعنى ظهر؛ و «بين» بمعنى أظهر؛ و {الآيات} جمع آية؛ وىي العلامة المعينة لمدلولها؛ فكل علامة تعين مدلولها تسمى آية؛ فآيات الله ىي العلامات الدالة عليو. قولو تعالى{ :لقوـ يوقنوف} متعلقة بقولو تعالى: {بينا}؛ و «الإيقاف» ىو العلم الذي لا يخالجو شك. قاؿ ابن كثير: َ قػَوْلُوُ { :قَدْ بػَيػَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْـٍ يُوقِنُوفَ }أَيْ: قَدْ وَضَّحْنَا الدَّلاَلاَتِ عَلَى صِدْؽِ الر سُلِ بِمَا لاَ يَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى سُؤَاؿٍ آخَرَ وَزِيَ ادَةٍ أُخْرَى، لِمَنْ أَيػْقَنَ وَصَدَّؽَ وَاتػَّبَعَ الر سُلَ، وَفَهِمَ ما جاؤوا بِوِ عَنِ اللَّوِ تػَبَارَؾَ وَتػَعَالَى. وَأَمَّا مَنْ خَتَمَ اللَّوُ عَلَى قػَلْبِوِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَأُولَئِكَ الَّذِينَ قَاؿَ اللَّوُ تػَعَالَى فِيهِمْ { :إِفَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يػُؤْمِنُوفَ * وَلَوْ جَاءَتػْهُمْ كُل آيَةٍ حَتَّى يػَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ [ }يُونُسَ: ٜٙ، ٜٚ] (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف أىل الباطل يجادلوف بالباطل؛ لأف طلبهم الآيات التي يعينونها ما ىو إلا تعنت واستكبار؛ ففي الآيات التي جاءت بها الرسل ما يؤمن على مثلها البشر؛ ثم إنهم لو جاءت الآيات على ما اقترحوا لم يؤمنوا إذا حقت عليهم كلمة ربهم؛ لقولو تعالى{ :إف الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنوف * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: ٜٙ، ٜٚ]
عدد الصفحات ٤٦٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 465 - سورة البقرة الجزء الاول ٕ- وصف من لم ينقد للحق بالجهل؛ لقولو تعالى{ :وقاؿ الذين لا يعلموف}؛ فكل إنساف يكابر الحق، وينابذه فإنو أجهل الناس. ٖ- أف المشركين يقروف بأف الله يتكلم بحرؼ، وصوت مسموع؛ لقولو تعالى{ :لو يكلمنا الله فهم خير في ىذا ممن يدعوف أف كلاـ الله ىو المعنى القادم في نفسو ٗ- أنو ما من رسوؿ إلا ولو آية؛ لأف قولهم{ :أو تأتينا آية}ىذا مدعى غيرىم؛ إذ إف من لم يأت بآية لا يلاـ من لم يصدقو؛ مثلا إذا جاء رجل يقوؿ: «أنا رسوؿ الله؛ آمنوا بي وإلا قتلتكم، واستحللت نساءكم، وأموالكم» ف نطيعو؛ ولو أننا أنكرناه لكنا غير ملومين؛ لكن الرسل تأتي بالآيات؛ ما من رسوؿ إلا وأعطاه الله تعالى من الآيات ما يؤمن على مثلها البشر؛ فالله تعالى لا يرسل الرسل، ويتركهم بدوف تأييد. ٘- أف أقواؿ أىل الباطل تتشابو؛ لقولو تعالى{ :كذلك قاؿ الذين من قبلهم مثل قولهم}وقولو تعالى{ :كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسوؿ إلا قالوا ساحر أو مجنوف * أتواصوا بو بل ىم قوـ طاغوف[ }الذاريات: ٕ٘، ٖ٘]؛ وأنت لو تأملت الدعاوى الباطلة التي رد بها المشركوف رسالة الرسوؿ من زمنو إلى اليوـ لوجدت أنها متشابهة، كما قاؿ تعالى{ :وإذا رأوىم قالوا إف ىؤلاء لضالوف[ }المطففين: ٕٖ]؛ واليوـ يقولوف للمتمسكين بالقرآف، والسنة ىؤلاء رجعيوف؛ ىؤلاء دراويش لا يعرفوف شيئا. ٙ- أف الأقواؿ تابعة لما في القلوب؛ لقولو تعالى{ :كذلك قاؿ الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم}؛ فلتشابو القلوب تشابهت الأقواؿ؛ ويؤيد ىذا قوؿ النبي : «أ وإف في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلو؛ وإذا فسدت فسد الجسد كلو؛ ألا وىي القلب» (ٔ) . تشابو قلوب الكفار؛ لقولو تعالى{ :تشابهت قلوبهم} تسلية الرسوؿ ؛ لأف الإنساف المصاب إذا رأى أف غيره أصيب فإنو يتسلى بذلك، وتخف عليو المصيبة، كما قاؿ تعالى{ :ولن ينفعكم اليوـ إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركوف [ }الزخرؼ : ٜٖ]؛ فالله تعالى يسلي رسولو بأف ىذا القوؿ الذي قيل لو قد قيل لمن قبلو. ٜ- إبطاؿ دعوى قولهم{ :أو تأتينا آية}في قولو تعالى{ :قد بينا الآيات} ٓٔ- أنو لا ينتفع بالآيات إلا الموقنوف؛ لقولو تعالى{ :قد بينا الآيات لقوـ يوقنوف}؛ وأما غير الموقنين فلا تتبين لهم الآيات لما في قلوبهم من الريب والشك. ٔٔ- أف الموقن قد يتبين لو من الآيات ما لم يتبين لغيره؛ ويؤيده قولو تعالى{ :والذين اىتدوا زادىم ىدى وآتاىم تقواىم[ }محمد: ٚٔ] ٕٔ- أف الآيات تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية، وآيات كونية؛ ٔ- أخرجو البخاري صٙ، كتاب الإيمان، باب ٜٖ: فضل من استبر أ لدينو، حديث رقم ٕ٘، وأخرجو مسمم صٜ٘٘، كتاب المساقاة، باب ٕ: أخذ الحلال وترك الحرام، حديث رقم ٜٗٓٗ [ٚٓٔ]ٜٜ٘ٔ.
عدد الصفحات ٤٦٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 466 - سورة البقرة الجزء الاول فالآيات الشرعية: ما جاءت بو الرسل من الوحي؛ والقسم الثاني آيات كونية: وىي مخلوقات الله الدالة عليو، وعلى ما تقتضيو أسماؤه، وصفاتو، كالشمس، والقمر، والنجوـ، والجباؿ، وغيرىا: (وفي كل شيء لو آية تدؿ على أنو واحد). ٖٔ- زيادة العلم باليقين؛ لأف من آيات الله ىذا الوحي الذي جاء بو الرسوؿ ؛ فكلما ازداد يقينك تبين لك من آيات الله ما لم يتبين لغيرؾ، فيزداد علمك؛ فباليقين يزداد العلم؛ قاؿ تعالى{ :ويزداد الذين آمنوا إيمانا[ }المدثر: ٖٔ]؛ فكلما كاف الإنساف أقوى يقينا كاف أكثر علما؛ وكلما ازداد علمو ازداد يقينو؛ فهما متلازماف. إِنَّا أَرْسَلْنَاؾَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَؿُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (ٜٔٔ) قولو تعالى{ :إنا أرسلناؾ}؛ «إف» للتوكيد؛ اسمها «نا» لكن حذفت النوف لتوالي الأمثاؿ؛ مع أف الأصل أنها لا تحذؼ: «إننا» ؛ لكن لا نقوؿ اسمها الألف؛ إذ إف الألف لا تكوف ضميرا إلا إذا اتصلت بفعل، مثل: قالا، قاما، وما أشبو ذلك؛ وحذؼ المرسل إليو لإفادة العموـ؛ لأف النبي مرسل إلى العالمين؛ وغيره من الرسل إلى قومهم خاصة. قولو تعالى{ :بالحق} ؛ الباء ىنا للمصاحبة، أو الملابسة؛ يعني أرسلناؾ متلبسا بالحق؛ أو أف المعنى: حاملا الحق في ىذه الرسالة؛ والآية تحتمل المعنيين؛ أحدىما: أف إرسالك حق؛ والثاني: أف ما أرسلت بو حق؛ والمعنياف كلاىما صحيح؛ فتحمل الآية عليهما؛ فالرسوؿ رسالتو حق؛ وعليو فالباء للملابسة؛ والرسوؿ ما أرسل بو فهو حق؛ وعلى ىذا فالباء للمصاحبة يعني أف رسالتك مصحوبة بالحق ؛ لأف ما جئت بو حق؛ والحق ىو الثابت المستقر؛ وىو ضد الباطل؛ والحق بالنسبة للأخبار الصدؽ؛ وبالنسبة للأحكاـ العدؿ. قاؿ السعدي: فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها، وىي ترجع إلى ثلاثة أمور: الأوؿ: في نفس إرسالو، والثاني: في سيرتو وىديو ودلو ه، والثالث: في معرفة ما جاء بو من القرآف والسنة. فالأوؿ والثاني، قد دخلا في قولو: {إنا أرسلناؾ}والثالث دخل في قولو: {بالحق} . وبياف الأمر الأوؿ وىو - نفس إرسالو - أنو قد علم حالة أىل الأرض قبل بعثتو وما كانوا عليو من عبادة الأو ثاف والنيراف، والصلباف، وتبديلهم للأدياف، حتى كانوا في ظلمة من الكفر، قد عمتهم وشملتهم، إلا بقايا من أىل الكتاب، قد انقرضوا قبيل البعثة. وقد علم أف الله تعالى لم يخلق خلقو سدى، ولم يتركهم ىملا لأنو حكيم عليم، قدير رحيم، فمن حكمتو ورحمتو بعباده، أف أرسل إليهم ىذا الرسوؿ العظيم، يأمرىم بعبادة الرحمن وحده لا شريك لو، فبمجرد رسالتو يعرؼ العاقل صدقو، وىو آية كبيرة على أنو رسوؿ الله، وأما الثاني: فمن عرؼ النبي معرفة تامة، وعرؼ سيرتو وىديو قبل
عدد الصفحات ٤٦٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 467 - سورة البقرة الجزء الاول البعثة، ونشودو على أكمل الخصاؿ، ثم من بعد ذلك، قد ازدادت مكارمو وأخلاقو العظيمة الباىرة للناظرين، فمن عرفها، وسبر أحوالو، عرؼ أنها لا تكوف إلا أخلاؽ الأنبياء الكاملين، لأف الله تعالى جعل الأوصاؼ أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم وكذبهم . وأما الثالث: فهو معرفة ما جاء بو من الشرع العظيم، والقرآف الكريم، المشتمل على الإخبار ات الصادقة، والأوامر الحسنة، والنهي عن كل قبيح، والمعجزات الباىرة، فجميع الآيات تدخل في ىذه الثلاثة. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :بشيرا} من البشارة؛ وىي الإخبار بما يسر؛ وقد تقع فيما يسوء، كقولو تعالى: {فبشرىم بعذاب أليم[ }آؿ عمراف: ٕٔ] قولو تعالى{ :ونذيرا} من الإنذار؛ وىو الإعلاـ بالمكروه؛ أي بما يخاؼ منو. والرسوؿ لا شك أنو مبشر بما يسر وىو الجنة ؛ ومنذر بما يخاؼ منو وىو النار و {بشيرا} حاؿ من الكاؼ في {أرسلناؾ} ؛ و {نذيرا} حاؿ أخرى بواسطة حرؼ العطف؛ فجمع الله لو بين كونو مبشرا، ومنذرا؛ لأف ما جاء بو أمر، ونهي؛ والمناسب للأمر: البشارة؛ وللنهي: الإنذار؛ فعليو تكوف رسالة النبي جامعة بين البشرى، وبين الإنذار؛ والأمر، والنهي؛ إذا فالرسوؿ مبشر للمتقين الذين يعملوف الصالحات أف لهم أجرا حسنا ماكثين فيو أبدا؛ ومنذر للكافرين أف لهم نارا كلما نضجت جلودىم بدلوا جلودا غيرىا ليذوقوا العذاب. قولو تعالى{ :و تسأؿ عن أصحاب الجحيم}؛ في {تسأؿ} قراءتاف؛ إحداىما بالرفع على أف {لا} نافية؛ والفعل مبني لما لم يسم فاعلو؛ يعني: ولا تسأؿ أنت عن أصحاب الجحيم؛ أي لا يسألك الله عنهم؛ لأنك بلغت؛ والحساب على الله؛ والقراءة الثانية: بالجزـ على أف {لا }ناىية؛ و {تسأؿ} :فعل مضارع مبني للفاعل مجزوـ بها؛ والمعنى: لا تسأؿ عن أصحاب الجحيم بما ىم عليو من العذاب؛ فإنهم في حاؿ لا يتصورىا الإنساف؛ وىذا غاية ما يكوف من الإنذار لهؤلاء المكذبين المخالفين الذين ىم أصحاب الجحيم؛ فالنهي ىنا للتهو يل؛ والقراءتاف سبعيتاف جامعتاف للمعنيين؛ و {أصحاب}جمع صاحب؛ وىو الملازـ؛ و {الجحيم} النار العظيمة؛ وىي لها أسماء كثيرة منها: النار، والسعير، وجهنم، والجحيم؛ كل ذلك لاختلاؼ أوصافها؛ وإلا فهي واحدة. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- الرد على ىؤلاء الذين قالوا{ :لو يكلمنا الله ... }؛ لقولو تعالى{ :إنا أرسلناؾ بالحق} ٕ- ثبوت رسالة النبي ؛ لقولو تعالى{ :إنا أرسلناؾ} ٖ- أف النبي رسوؿ صادؽ؛ وليس برب؛ لأف الرسوؿ لا يمكن أف يكوف لو مقاـ المرسل.
عدد الصفحات ٤٦٩