تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 442 - سورة البقرة الجزء الاول والفاددة الثانية: أف ىذا محفوظ غاية الحفظ، ولن يضيع؛ لأنك لا يمكن أف تجد أحدا أحفظ من الله؛ إذا فلن يضيع ىذا العمل؛ لأنو في أماف غاية الأماف. وأضافو إلى وصف الربوبية ليبين كماؿ عناية الله بالعامل، وإثابتو عليو؛ فالربوبية ىنا من الربوبية الخاصة. قولو تعالى{ :و خوؼ عليهم} أي فيما يستقبل من أمرىم {و ىم يحزنوف} أي فيما مضى من أمرىم. قاؿ ا لسعدي: {فلو أجره عند ربو}وىو الجنة بما اشتملت عليو من النعيم، {و خوؼ عليهم ولا ىم يحزنوف} فحصل لهم المرغوب، ونجوا من المرىوب. ويفهم منها، أف من ليس كذلك، فهو من أىل النار الهالكين، فلا نجاة إلا لأىل الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسوؿ. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٛٔصٔٗٔ: وَكَذَلِكَ قػَوْلو تػَعَالَى {بػَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَوُ لِلَّوِ وَىُوَ مُحْسِنٌ فػَلَوُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّوِ }الآْيَةَ . وَقػَوْلُوُ { :وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَوُ لِلَّوِ وَىُوَ مُحْسِنٌ وَاتػَّبَعَ مِلَّةَ إبػْرَ اىِيمَ حَنِيفًا} وَقػَوْلُوُ{ :وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَوُ إلَى اللَّوِ وَىُوَ مُحْسِنٌ فػَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثػْقَى}فَإِف إسْلاَـَ الْوَجْوِ لِلَّوِ يػَتَضَمَّنُ إخْلاَصَ الْعَمَلِ لِلَّوِ وَالإِْحْسَافُ ىُوَ إحْسَافُ الْعَمَلِ لِلَّوِ وَىُوَ فِعْلُ مَا أَمَرَ بِوِ فِيوِ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :إنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً }فَإِف الإِْسَاءَةَ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ تػَتَضَمَّنُ الاِسْتِهَانَةَ بِالأَْمْرِ بِوِ وَالاِسْتِهَانَةَ بِنػَفْسِ الْعَمَلِ وَالاِسْتِهَانَةَ بِمَا وَعَ دَهُ اللَّوُ مِنْ الثػَّوَابِ فَإِذَا أَخْلَصَ الْعَبْدُ دِينَوُ لِلَّوِ وَأَحْسَنَ الْعَمَلَ لَوُ كَافَ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَوُ لِلَّوِ وَىُوَ مُحْسِنٌ فَكَافَ مِنْ الَّذِينَ لَهُمْ أَجْرُىُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْؼٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ ىُمْ يَحْزَنُ وفَ . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف أىل الجنة ىم الذين جمعوا بين وصفين؛ الأوؿ: الإخلاص لله؛ لقولو تعالى{ :من أسلم وجهو لله}؛ والثاني: إتباع شرعو؛ لقولو تعالى{ :وىو محسن} ٕ- أف إخلاص النية وحده لا يكفي في تبرير التعبد لله؛ لقولو تعالى: {وىو محسن}؛ وعلى ىذا فمن قاؿ: إنو يحب الله، ويخلص لو وىو منحرؼ في عبادتو فإنو لا يدخل في ىذه الآية لاختلاؿ شرط الإحساف.. ويتفرع على ىذه الفاددة أف أىل البدع لا ثواب لهم على بدعهم. ولو مع حسن النية.؛ لعدـ الإحساف الذي ىو المتابعة؛ والأجر مشروط بأمرين: الأوؿ: إسلاـ الوجو لله؛ والثاني: الإحساف.. ٖ- الدلالة على الشرطين الأساسيين في العبادة؛ وىما الإخلاص؛ والمتابعة للرسوؿ ... ٗ- ثبوت الأجر في الآخرة، وأف العمل لن يضيع؛ لقولو تعالى: (فلو أجره عند ربو) -ٔ أخرجو البخاري صٙٙ، كتاب الأذان، باب ٜٗٔ: الدعاء قبل السلام، حديث رقم ٖٗٛ، وأخرجو مسمم صٛٗٔٔ، كتاب الذكر والدعوات، باب ٗٔ: الدعوات والتعوذ، حديث رقم ٜٙٛٙ [ٛٗ]ٕ٘ٓٚ.
عدد الصفحات ٤٤٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 443 - سورة البقرة الجزء الاول ٘- أف الجزاء من جنس العمل.. ٙ- عظم الثواب؛ لإضافتو إلى الله في قولو تعالى: (عند ربو) ٚ- انتفاء الخوؼ، والحزف لمن تعبد لله سبحانو وتعالى بهذين الوصفين؛ وىما الإخلاص والمتابعة؛ ولهذا قاؿ تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وىم مهتدوف}الأنعاـ: ٕٛ) ٛ- حسن عاقبة المؤمنين بانتفاء الخوؼ، والحزف عنهم؛ وغير المؤمنين تملأ قلوبهم رعبا، وحزنا؛ قاؿ تعالى: {وتقطعت بهم الأسباب[ }البقرة: ٙٙٔ]، وقاؿ تعالى{ :كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما ىم بخارجين من النار[ }البقرة: ٚٙٔ]، وقاؿ تعالى{ :وأنذرىم يوـ الحسرة[ }مريم: ٜٖ]إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تحسر ىؤلاء الذين لم يهتدوا إلى صراط الحميد.. ٜ- الحث على الإخلاص لله سبحانو وتعالى في العبادة، واتباع الشرع فيها؛ لأف الله إنما أخبرنا بهذا الثواب لمن أخلص، واتبع الشريعة من أجل أف نقوـ بذلك؛ وليس لمجرد الخبر؛ وىكذا يقاؿ في كل ما أخبر الله بو من ثواب على طاعة، أو عقاب على معصية؛ فإنو إنما يراد بو الحث على الطاعة، والزجر عن المعصية.. وَقَالَتِ الْيػَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيػَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَىُمْ يػَتػْلُوفَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَاؿَ الَّذِينَ لاَ يػَعْ لَمُوفَ مِثْلَ قػَوْلِهِمْ فَاللَّوُ يَحْكُمُ بػَيػْنػَهُمْ يػَوْـَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيوِ يَخْتَلِفُوفَ (ٖٔٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وقالت اليهود ليست النصارى على شيء} يعني على شيء من الدين.. قولو تعالى{ :وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} يعني على شيء من الدين.. وإنما قالت اليهود ذلك؛ لأنهم يكفروف بعيسى، ولا يروف شريعتو دينا؛ وقالت النصارى: {ليست اليهود على شيء} ؛ لأنهم يروف أف الدين الحق ما كانوا عليو، واليهود قد كفروا بو؛ أما عن دعوى اليهود فإنها باطلة على كل تقدير؛ لأف النصارى بلا شك على دين قبل بعثة النبي ؛ وأما دعوى النصارى في اليهود فحق؛ لأف دينهم نسخ بما جاء بو عيسى؛ إذ إنهم يجب عليهم أف يؤمنوا بعيسى؛ فإذا كذبوه لم يكونوا على شيء من الدين؛ بل ىم كفار.. قولو تعالى{ :وىم يتلوف الكتاب} الجملة ىذه حالية؛ والضمير {ىم} يعود على اليهود، و النصارى؛ يعني: والحاؿ أف ىؤلاء المدعين كلهم {يتلوف الكتاب}يعني يقرؤونو؛ والمراد بػ {الكتاب} الجنس، فيشمل التوراة، والإنجيل؛ و "كتاب" فعاؿ بمعنى مفعوؿ؛ لأف الكتب المنزلة من السماء تكتب وتقرأ؛ ولا سيما أف التوراة كتبها الله بيده سبحانو وتعالى..
عدد الصفحات ٤٤٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 444 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى: {كذلك قاؿ الذين لا يعلموف مثل قولهم} ؛ قاؿ المعربوف: إف الكاؼ في مثل ىذا التعبير اسم بمعنى "مثل"، وأنها منصوبة على المفعولية المطلقة؛ وأف "ذلك" اسم إشارة يشير إلى المصدر؛ أي مثل ذلك القوؿ قاؿ: {الذين لا يعلموف} ؛ يعني: الذين لم يقرؤوا كتابا؛ وكلمة {مثل قولهم} تأكيد لػ {كذلك} ؛ قالوا: لأف العامل الواحد لا ينصب معمولين بمعنى واحد.. وقولو تعالى{ :الذين لا يعلموف} ؛ قاؿ بعض المفسرين: المراد بهم كفار قريش. أىل الجاىلية.؛ فإنهم قالوا: إف محمدا ليس على دين، وليس على شيء؛ وقاؿ بعض المفسرين: إنهم أمم سابقة؛ وقاؿ بعض المفسرين: إنهم طوادف من اليهود، والنصارى؛ يعني أف الذين يتلوف الكتاب من اليهود، والنصارى قالوا مثل قوؿ الذين لا يعلموف منهم؛ فاستوى قوؿ عالمهم، وجاىلهم؛ والأحسن أف يقاؿ: إف الآية عامة. مثل ما اختاره ابن جرير، وغيره.؛ والقاعدة أف النص من الكتاب، والسنة إذا كاف يحتمل معنيين لا منافاة بينهما، ولا يترجح أحدىما على الآخر فإنو يحمل على المعنيين جميعا؛ لأنو أعم في المعنى؛ وىذا من سعة كلاـ الله عز وجل، وكلاـ رسولو ، وشموؿ معناىما؛ وىذه قاعدة مهمة ينبغي أف يحتفظ بها الإنساف.. قولو تعالى{ :فا يحكم بينهم يوـ القيامة} ؛ الفاء حرؼ عطف؛ ولفظ الجلالة مبتدأ؛ وجملة: {يحكم} في محل رفع خبر المبتدأ؛ و {يحكم} للمستقبل؛ و "الحكم" معناه القضاء، والفصل بين الشيئين؛ والله. تبارؾ وتعالى. يوـ القيامة يقضي بين الناس فيما كانوا فيو يختلفوف؛ فيبين لصاحب الحق حقو، ويجزيو بو؛ و {يوـ القيامة} ىو اليوـ الذي يبعث فيو الناس. قولو تعالى{ :فيما كانوا فيو يختلفوف} أي في الخلاؼ الواقع بينهم؛ ومعلوـ أف ىناؾ خلافا بين اليهود، والنصارى؛ بل النصارى الآف مختلفوف في مللهم بعضهم مع بعض اختلافا جوىريا في الأصوؿ؛ واليهود كذلك على خلاؼ؛ وكذلك المسلموف عامة مع الكفار؛ والذي يحكم بينهم ىو الله عز وجل يوـ القيامة.. قاؿ الطبري: فالله يقضي فيفصل بين ىؤلاء المختلفين،-القادل بعضهم لبعض: لستم على شيء من دينكم - يوـ قياـ الخلق لربهم من قبورىم - فيتبين المحق منهم من المبطل، بإثابة المحق ما وعد أىل طاعتو على أعمالو الصالحة، ومجازاتو المبطل منهم بما أوعد أىل الكفر بو على كفرىم بو - فيما كانوا فيو يختلفوف من أديانهم ومللهم في دار الدنيا. وإنما عنى "بالقيامة" قياـ الخلق من قبورىم لربهم. فمعنى "يوـ القيامة": يوـ قياـ الخلادق من قبورىم لمحشرىم.
عدد الصفحات ٤٤٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 445 - سورة البقرة الجزء الاول (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف الأمم الكافرة يكفر بعضها بعضا؛ فهم أعداء بعضهم لبعض من جهة؛ وأولياء بعضهم لبعض من جهة أخرى: بالنسبة لنا ىم بعضهم لبعض ولي؛ وبالنسبة لما بينهم بعضهم لبعض عدو؛ فالإسلاـ عدو مشترؾ لليهودية، والنصرانية، وسادر الكفار؛ فيجب أف يتولى بعضنا بعضا.. ٕ- شدة قبح قوؿ من خالف الحق وىو يعلمو؛ لقولو تعالى{ :وىم يتلوف الكتاب}؛ فهذه الجملة تفيد زيادة القبح فيما قالوه، حيث قالوا ذلك وىم يتلوف الكتاب، ويعرفوف الحق؛ فالنصارى تتلو التوراة، وتعرؼ أف اليهود تدين بالتوراة. وىم على دين صحيح قبل بعثة عيسى.؛ واليهود أيضا يتلوف الإنجيل، ويعرفوف أف عيسى حق؛ لكنهم كفروا استكبارا؛ ولا ريب أف الذي ينكر الحق مع العلم بو أعظم قبحا من الذي ينكر الحق مع الجهل بو؛ لأف ىذا معاند مكابر بخلاؼ الجاىل، فالجاىل ينكر الحق للجهل بو؛ ثم إذا تبين لو الحق اتبعو إذا كاف المانع لو من إتباعو الجهل؛ لكن العالم لا عذر لو.. ٖ- إثبات يوـ القيامة؛ لقولو تعالى{ :فا يحكم بينهم يوـ القيامة}؛ والإيماف بيوـ القيامة أحد أركاف الإيماف الستة؛ ولأىميتو يقرنو الله سبحانو وتعالى كثيرا بالإيماف بو عز وجل ... ٗ- إثبات الحكم لله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :فا يحكم بينهم}؛ وحكم الله سبحانو وتعالى ينقسم إلى ثلاثة أقساـ: شرعي، وكوني، وجزادي؛ فالشرعي: مثل قولو تعالى في سورة الممتحنة{ :ذلكم حكم الله يحكم بينكم[ }الممتحنة: ٓٔ]؛ والكوني: مثل قولو تعالى عن أخي يوسف{ :فلن أبرح الأرض حتى يأذف لي أبي أو يحكم الله لي وىو خير الحاكمين[ }يوسف: ٓٛ]؛ والجزادي: مثل ىذه الآية{ :فا يحكم بينهم يوـ القيامة}؛ والحكم الجزادي ىو ثمرة الحكم الشرعي؛ لأنو مبني عليو: إف خيرا فخير؛ وإف شرا فشر؛ ىذا الحكم يوـ القيامة بين الناس إما بالعدؿ؛ أو بالفضل؛ ولا يمكن أف يكوف بالظلم؛ لقولو تعالى{ :وما ربك بظلاـ للعبيد[ }فصلت: ٙٗ]، وقولو تعالى{ :و يظلم ربك أحدا[ }الكهف: ٜٗ]، وقولو تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلتو بينكم محرما" (ٔ) ؛ ىذا بالنسبة لحقوؽ الله؛ أما بالنسبة لحقوؽ الخلق فيما بينهم فيقضى بينهم بالعدؿ.. فإذا قاؿ قادل: إذا كاف الله تعالى يجزي المؤمنين بالفضل، فما الجواب عن قولو تعالى{ :ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط[ }يونس: ٗ]؟ فالجواب: أف ىذا ىو الذي أوجبو الله على نفسو؛ والفضل زيادة؛ والمقاـ مقاـ تحذير ... ٘- أف ىؤلاء الذين اختلفوا في الحق، والباطل، سوؼ يكوف القضاء بينهم يوـ القيامة بين يدي الله عز وجل؛ فيجزي صاحب الحق بعملو، ويجزي صاحب الباطل بعملو؛ لقولو تعالى{ :فا يحكم بينهم يوـ القيامة فيما كانوا فيو يختلفوف}، وقولو تعالى{ :فا يحكم بينكم يوـ القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا[ }النساء: -ٔ أخرجو مسمم صٜٕٔٔ، كتاب البر والصمة، باب ٘ٔ: تحريم الظمم، حديث رقم ٕٚ٘ٙ [٘٘]ٕٚٚ٘.
عدد الصفحات ٤٤٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 446 - سورة البقرة الجزء الاول ٔٗٔ]؛ ولهذا لا يوجد حكم يبين للخصم أف الحق لو دوف خصمو إلا في ىذا؛ فالقاضي مثلا لا يقوؿ لأحد الخصمين: "لن يكوف لخصمك سبيل عليك" حتى يتبين، ويأتي كل بحجتو؛ لكن ىنا بين الله أف الكافرين ليس لهم سبيل على المؤمنين؛ لأف الحجة واضحة للجميع.. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّوِ أَفْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُوُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَافَ لَهُمْ أَفْ يَدْخُلُوىَا إِلاَّ خَادِفِينَ لَهُمْ فِي الد نػْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (ٗٔٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ومن أظلم{ : }من} اسم استفهاـ؛ وىي مبتدأ؛ و {أظلم} خبرىا؛ والاستفهاـ ىنا بمعنى النفي؛ يعني لا أحد أظلم؛ والميزاف الذي يبين أف الاستفهاـ بمعنى النفي أنك لو حذفت الاستفهاـ، وأقمت النفي مقامو لصح؛ والفاددة من تحويل النفي إلى الاستفهاـ أنو أبلغ في النفي؛ إذ إف الاستفهاـ الذي بمعنى النفي مشرب معنى التحدي؛ كأنو يقوؿ: بينوا لي أي أحد أظلم من كذا وكذا . وقولو تعالى{ :أظلم} اسم تفضيل من الظلم؛ وأصلو في اللغة النقص؛ وىو أف يفرط الإنساف فيما يجب؛ أو يعتدي فيما يحرـ؛ ويدؿ على ىذا قولو تعالى{ :كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منو شيئا[ }الكهف: ٖٖ]أي لم تنقص؛ وىو في الشرع بهذا المعنى؛ لأف الظلم عبارة عن تفريط في واجب، أو انتهاؾ لمحرـ وىذا نقص. قولو تعالى{ :ممن منع مساجد الله أف يذكر فيها اسمو}«من» حرؼ جر؛ و {من} اسم موصوؿ؛ أي من الذي منع؛ وأضيفت المساجد إلى الله عز وجل؛ لأنها محل عبادتو؛ فتكوف الإضافة ىنا من باب التشريف. وقولو تعالى{ :مساجد الله} منصوب على أنو مفعوؿ {منع} ؛ و {أف يذكر فيها اسمو} بدؿ منو. قولو تعالى{ :وسعى في خرابها} معطوؼ على {منع} ؛ يعني جمع وصفين: منع المساجد أف يذكر فيها اسمو؛ والسعي في خرابها؛ والخراب ىو الفساد، كما قاؿ تعالى{ :يخربوف بيوتهم بأيديهم[ }الحشر: ٕ] قاؿ الشنقيطي قَاؿَ بػَعْضُ الْعُلَمَاءِ : نػَزَلَتْ فِي صَدِّ الْمُشْرِكِينَ النَّبِيَّ - - عَنِ الْبػَيْتِ الْحَرَاـِ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ عَاـَ سِتٍّ . وَعَلَى ىَذَا الْقَوْؿِ : فَالْخَرَابُ مَعْنَوِي ، وَىُوَ خَرَابُ الْمَسَاجِدِ بِمَنْعِ الْعِبَادَةِ فِيهَا. وَىَذَا الْقَوْؿُ يػُبػَيػِّنُوُ وَيَشْهَدُ لَوُ قػَوْلُوُ تػَعَالَى: (ىُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَد وكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَاـِ ) الآْيَةَ [ٛٗ \ ٕ٘] وَقَاؿَ بػَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْخَرَابُ الْمَذْكُورُ ىُوَ الْخَرَابُ الْحِسِّي . وَالآْيَةُ نػَزَلَتْ فِيمَنْ خَرَّبَ بػَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَىُوَ بُخْتػَنَصَّرُ أَوْ غَيػْرُهُ وَىَذَا الْقَوْؿُ يػُبػَيػِّنُوُ وَيَشْهَدُ لَوُ قػَوْلُوُ جَلَّ وَعَلاَ : (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآْخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوىَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّؿَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبػِّرُوا مَا عَلَوْا تػَتْبِيرًا[ )ٚٔ \ ٚ]
عدد الصفحات ٤٤٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 447 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ السعدي: أي: لا أحد أظلم وأشد جرما، ممن منع مساجد الله، عن ذكر الله فيها، وإقامة الصلاة وغيرىا من الطاعات. {وسعى}أي: اجتهد وبذؿ وسعو {في خرابها} الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: ىدمها وتخريبها، وتقذيرىا، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها، وىذا عاـ، لكل من اتصف بهذه الصفة، فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش، حين صدوا رسوؿ الله عنها عاـ الحديبية، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس، وغيرىم من أنواع الظلمة، الساعين في خرابها، محادة لله، ومشاقة. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :أولئك} اسم إشارة يعود إلى الذين منعوا مساجد الله أف يذكر فيها اسمو، وسعوا في خرابها؛ {ما كاف لهم أف يدخلوىا إلا خادفين}يحتمل ثلاثة معاف: الأوؿ: ما كاف ينبغي لهؤلاء أف يدخلوىا إلا خادفين فضلا عن أف يمنعوا عباد الله؛ لأنهم كافروف بالله عز وجل؛ فليس لهم حق أف يدخلوا المساجد إلا خادفين. الثاني: أف ىذا خبر بمعنى النهي؛ يعني: لا تدعوىم يدخلوىا - إذا ظهرتم عليهم - إلا خادفين. الثالث: أنها بشارة من الله عز وجل أف ىؤلاء الذين منعوا المساجد - ومنهم المشركوف الذين منعوا النبي المسجد الحراـ - ستكوف الدولة عليهم، ولا يدخلونها إلا وىم ترجف قلوبهم. قاؿ السعدي: فجازاىم الله، بأف منعهم دخولها شرعا وقدرا، إلا خادفين ذليلين، فلما أخافوا عباد الله، أخافهم الله، فالمشركوف الذين صدوا رسولو، لم يلبث رسوؿ الله إلا يسيرا، حتى أذف الله لو في فتح مكة، ومنع المشركين من قرباف بيتو، فقاؿ تعالى{ :يا أيها الذين آمنوا إنما المشركوف نجس فلا يقربوا المسجد الحراـ بعد عامهم ىذا} وأصحاب الفيل، قد ذكر الله ما جرى عليهم، والنصارى، سلط الله عليهم المؤمنين، فأجلوىم عنو. وىكذا كل من اتصف بوصفهم، فلا بد أف ينالو قسطو، وىذا من الآيات العظيمة، أخبر بها الباري قبل وقوعها، فوقعت كما أخبر. واستدؿ العلماء بالآية الكر يمة، على أنو لا يجوز تمكين الكفار من دخوؿ المساجد. قاؿ البغوي: وَأَمَرَ النَّبِي مُنَادِيًا يػُنَادِي: «أَلاَ لاَ يَحُجَّنَّ بػَعْدَ ىَذَا الْعَاـِ مُشْرِؾٌ » ، فػَهَذَا خَوْفػُهُمْ، وَثػَبَتَ فِي الشَّرْعِ أَفْ لاَ يُمَكَّنَ مُشْرِؾٌ مِنْ دُخُوؿِ الْحَرَـِ، لَهُمْ فِي الد نْيا خِزْيٌ الذ ؿ وَالْهَوَافُ وَالْقَتْلُ وَالسَّبْيُ والنفي.(ٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :لهم في الدنيا خزي} أي ذؿ، وعار {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} أي عقوبة عظيمة. قاؿ السعدي: وإذا كاف لا أظلم ممن منع مساجد الله أف يذكر فيها اسمو، فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية، كما قاؿ تعالى{ :إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوـ الآخر}. بل قد أمر ٔ- أخرجو البخاري ٜٖٙ ومسمم ٖٚٗٔ وغيرىما في أثناء حديث ويأتي في مطمع سُورَةِ التَّوْبَةِ إِنْ شَاءَ المَّوُ تعالى.
عدد الصفحات ٤٤٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 448 - سورة البقرة الجزء الاول الله تعالى برفع بيوتو وتعظيمها وتكريمها، فقاؿ تعالى{ :في بيوت أذف الله أف ترفع ويذكر فيها اسمو} وللمساجد أحكاـ كثيرة، يرجع حاصلها إلى مضموف ىذه الآيات الكريمة. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف المعاصي تختلف قبحا؛ لقولو تعالى{ :ومن أظلم}؛ و {أظلم}اسم تفضيل؛ واسم التفضيل يقتضي مفضلا، ومفضلا عليو؛ وكما أف المعاصي تختلف، فكذلك الطاعات تختلف: بعضها أفضل من بعض؛ وإذا كانت الأعماؿ تختلف فالعامل نتيجة لها يختلف؛ فبعض الناس أقوى إيمانا من بعض؛ وبهذا نعرؼ أف القوؿ الصحيح قوؿ أىل السنة، والجماعة في أف الإيماف يزيد، وينقص، والناس يتفاوتوف تفاوتا عظيما لا في الكسب القلبي، ولا في الكسب البدني: فإف الناس يتفاوتوف في اليقين؛ ويتفاوتوف في الأعماؿ الظاىرة من قوؿ أو فعل. يتفاوتوف في اليقين: فإف الإنساف نفسو تتفاوت أحوالو بين حين وآخر؛ في بعض الأحياف يصفو ذىنو وقلبو حتى كأنما يشاىد الآخرة رأي عين؛ وفي بعض الأحياف تستولي عليو الغفلة، فيقل يقينو؛ ولهذا قاؿ الله تعالى لإبراىيم{ :أو لم تؤمن قاؿ بلى ولكن ليطمئن قلبي[ }البقرة: ٕٓٙ]؛ وتفاوت الناس في العلم، واليقين أمر معلوـ: فلو أتى رجل، وقاؿ: «قدـ فلاف» - والرجل ثقة عندي - صار عندي علم بقدومو؛ فإذا جاء آخر، وقاؿ: «قدـ فلاف» ازداد علمي؛ فإذا جاء الثالث ازداد علمي أكثر؛ فإذا رأيتو ازداد علمي؛ فالأمور العلمية تتفاوت في إدراؾ القلوب لها. أيضا يتفاوت الناس في الأقواؿ: فالذي يسبح الله عشر مرات أزيد إيمانا ممن يسبحو خمس مرات؛ وىذه زيادة كمية الإيماف؛ كذلك يتفاوت الناس في الأعماؿ من حيث جنس العمل: فالمتعبد بالفريضة أزيد إيمانا من المتعبد بالنافلة؛ لقولو تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليو» (ٔ) ؛ فبهذا يكوف القوؿ الصواب بلا ريب قوؿ أىل السنة، والجماعة أف الإيماف يزيد وينقص. ٕ- جواز منع دخوؿ المساجد لمصلحة؛ لقولو تعالى{ :أف يذكر فيها اسمو}؛ ومنع مساجد الله لو أسباب؛ فتارة تمنع المساجد من أف تمتهن فرشها، أو أرضها، أو كتبها، أو مصاحفها؛ فتغلق الأبواب حماية لها؛ وتارة تغلق أبوابها خوفا من الفتنة، كما لو اجتمع فيها قوـ لإثارة الفتن، والتشويش على العامة؛ فتغلق منعا لهؤلاء من الاجتماع؛ وتارة تغلق لترميمها، وإصلاحها؛ وتارة تغلق خوفا من سرقة ما فيها؛ ففي كل ىذه الصور إغلاقها مباح، أو مطلوب. ٖ- تحريم منع المساجد من أف يذكر فيها اسم الله سواء كاف ذكر الله: صلاة، أو قراءة للقرآف، أو تعليما للعلم، أو غير ذلك. ٔ- أخرجو البخاري ص٘ٗ٘ - ٙٗ٘، كتاب الرقاق، باب ٖٛ التواضع، حديث رقم ٕٓ٘ٙ.
عدد الصفحات ٤٥٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 449 - سورة البقرة الجزء الاول وأخذ بعض العلماء من ىذه الآية: تحريم التحجر؛ وىو أف يضع شيئا في الصف، فيمنع غيره من الصلاة فيو، ويخرج من المسجد؛ قالوا: لأف ىذا منع المكاف الذي تحجره بالمسجد أف يذكر فيو اسم الله؛ لأف ىذا المكاف أحق الناس بو أسبق الناس إليو؛ وىذا قد منع من ىو أحق بالمكاف منو أف يذ كر فيو اسم الله؛ وىذا مأخذ قوي؛ ولا شك أف التحجر حراـ: أف الإنساف يضع شيئا، ويذىب، ويبيع، ويشتري، ويذىب إلى بيتو يستمتع بأولاده، وأىلو؛ وأما إذا كاف الإنساف في نفس المسجد فلا حرج أف يضع ما يحجز بو المكاف بشرط ألا يتخطى الرقاب عند الوصوؿ إليو، أو تصل إليو الصفوؼ؛ فيبقى في مكانو؛ لأنو حينئذ يكوف قد شغل مكانين. ٗ- شرؼ المساجد؛ لإضافتها إلى الله؛ لقولو تعالى{ :مساجد الله}؛ والمضاؼ إلى الله ينقسم إلى ثلاثة أقساـ: إما أف يكوف أوصافا؛ أو أعيانا؛ أو ما يتعلق بأعياف مخلوقة؛ فإذا كاف المضاؼ إلى الله وصفا فهو من صفاتو غير مخلوؽ، مثل كلاـ الله، وعلم الله؛ وإذا كاف المضاؼ إلى الله عينا قادمة بنفسها فهو مخلوؽ وليس من صفاتو، مثل مساجد الله، وناقة الله، وبيت الله؛ فهذه أعياف قادمة بنفسها إضافتها إلى الله من باب إضافة المخلوؽ لخالقو على وجو التشريف؛ ولا شيء من المخلوقات يضاؼ إلى الله عز وجل إلا لسبب خاص بو؛ ولولا ىذا السبب ما خص بالإضافة؛ وإذا كاف المضاؼ إلى الله ما يتعلق بأعياف مخلوقة فهو أيضا مخلوؽ؛ وىذا مثل قولو تعالى{ :ونفخت فيو من روحي} [الحجر: ٜٕ]؛ فإف الروح ىنا مخلوقة؛ لأنها تتعلق بعين مخلوقة. ٘- أف المصليات التي تكو ف في البيوت، أو الدوادر الحكومية لا يثبت لها ىذا الحكم؛ لأنها مصليات خاصة؛ فلا يثبت لها شيء من أحكاـ المساجد. ٙ- أنو لا يجوز أف يوضع في المساجد ما يكوف سببا للشرؾ؛ لأف {مساجد الله}معناىا موضع السجود لو؛ فإذا وضع فيها ما يكوف سببا للشرؾ فقد خرجت عن موضوعها، مثل أف نقبر فيها الموتى؛ فهذا محرـ؛ لأف ىذا وسيلة إلى الشرؾ. ٚ- وجوب تطهير المساجد؛ وىذا مأخوذ من إضافتها إلى الله تلك الإضافة القاضية بتشريفها، وتعظيمها؛ ولهذا قاؿ تعالى{ :وطهر بيتي للطادفين والعاكفين والركع السجود} ٛ- أف الناس فيها سواء؛ لأف الله تعالى أضافها إلى نفسو{ :مساجد الله}؛ والناس عباد الله - بالنسبة إلى الله في المسجد سواء -؛ فكل من أتى إلى ىذه المساجد لعبادة الله فإنو لا فرؽ بينو وبين الآخرين. وىنا نقوؿ: إف للعالم الحق أف يتخذ مكانا يجعلو لإلقاء الدرس، وتعليم الناس؛ لكنو إذا أقيمت الصلاة لا يمنع الناس - ىو، وغيره سواء -. ٜ- أف ذكر الله لا بد أف يكوف باسمو، فتقوؿ: لا إلو إلا الله؛ سبحاف الله؛ سبحاف ربك رب العزة عما يصفوف؛ سبحاف ربي العظيم؛ فالذكر باللساف لا يكوف إلا باسم الله؛ أما ذكر القلب فيكوف ذكرا لله، وذكرا لأسمادو؛ فقد يتأمل الإنساف في قلبو أسماء الله، ويتدبر فيها، ويكوف ذكرا للاسم؛ وقد يتأمل في أفعاؿ الله عز وجل، ومخلوقاتو، وأحكامو الشرعية. أما ذكره بالضمير المفرد فبدعة، وليس بذكر، مثل طريقة الصوفية الذين يقولوف: أفضل الذكر أف تقوؿ:
عدد الصفحات ٤٥١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 451 - سورة البقرة الجزء الاول «ىو» ، «ىو» ؛ «ىو» ، «ىو» ؛ قالوا: لأنك لا تشاىد إلا الله، والعياذ بالله؛ فهم يروف أف أكمل حاؿ الإنساف ىو الفناء، أي يفنى عن مشاىدة ما سوى الله، بحيث إنو ما شاىد إلا الله؛ ويقولوف: ليس بلازـ أف تقوؿ: «لا إلو إلا الله» :تثبت إلهين: واحد منفي، والثاني مثبت! بل قل: «ىو» ، «ىو» ، «ىو» ؛ فهذا لا شك من البدع؛ وليس ذكرا لله عز وجل؛ بل ىو من المنكر. ٓٔ- تحريم تخريب المساجد؛ لقولو تعالى{ :وسعى في خرابها}؛ ويشمل الخراب الحسي، والمعنوي؛ لأنو قد يتسلط بعض الناس - والعياذ بالله - على ىدـ المساجد حسا بالمعاوؿ، والقنابل؛ وقد يخربها معنى، بحيث ينشر فيها البدع والخرافات المنافية لوظيفة المساجد. ٔٔ- البشارة للمؤمنين بأف العاقبة لهم، وأف ىؤلاء الذين منعوىم لن يدخلوىا إلا وىم خادفوف؛ وىذا على أحد الاحتمالات التي ذكرناىا. ٕٔ- أف عقوبة من منع مساجد الله أف يذكر فيها اسمو وسعى في خرابها، الخزي والعار في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة. ٖٔ- أف الذنب إذا كاف فيو تعد على العباد فإف الله قد يجمع لفاعلو بين العقوبتين: عقوبة الدنيا، وعقوبة الآخرة؛ عقوبة الدنيا ليشفي قلب المظلوـ المعتدى عليو؛ ولا شك أف الإنساف إذا اعتدى عليك، ثم رأيت عقوبة الله فيو أنك تفرح بأف الله سبحانو وتعالى اقتص لك منو؛ أما إذا كاف في حق الله فإف الله تعالى لا يجمع عليو بين عقوبتين؛ لقولو تعالى{ :وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير[ }الشورى: ٖٓ] ٗٔ- إثبات يوـ القيامة؛ لقولو تعالى{ :ولهم في الآخرة عذاب عظيم} ٘ٔ- أف عذاب الآخرة أعظم من عذاب الدنيا، كما أف نعيم الآخرة أكمل من نعيم الدنيا؛ ولكن الله سبحانو وتعالى يري عباده نموذجا من ىذا، ومن ىذا؛ لأنو لا يستقيم فهم الوعيد، ولا فهم الوعد، إلا بمشاىدة نموذج من ذلك؛ لو كاف الله توعد بالنار، ونحن لا ندري ما ىي النار، فلا نخاؼ إلا خوفا إجماليا عاما؛ وكذلك لو وعد بالنعيم والجنة، ولا نعرؼ نموذجا من ىذا النعيم، لم يكن الوعد بو حافزا للعمل. وَلِلَّوِ الْمَشْرِؽُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيػْنَمَا تػُوَل وا فػَثَمَّ وَجْوُ اللَّوِ إِفَّ اللَّوَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٘ٔٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :و المشرؽ والمغرب} ؛ اللاـ للاختصاص؛ يعني أف الله سبحانو وتعالى مختص بملك المشرؽ، والمغرب؛ وأما من سواه فملكو محدود؛ و {المشرؽ} مكاف الشروؽ؛ و {المغرب} مكاف الغروب؛ وقد وردت المشرؽ، والمغرب في القرآف على ثلاثة أوجو: مفردة، ومثناة، وجمع؛ فجاءت مفردة ىنا فقاؿ تعالى: {و المشرؽ و المغرب}؛ وجاءت مثناة في قولو تعالى{ :رب المشرقين ورب المغربين[ }الرحمن : ٚٔ]،
عدد الصفحات ٤٥٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 451 - سورة البقرة الجزء الاول وجمعا في قولو تعالى{ :ف أقسم برب المشارؽ والمغارب[ }المعارج : ٓٗ]؛ والجمع بين ىذه الأوجو الثلاثة أف نقوؿ: أما «المشرؽ» ف ينافي «المشارؽ» ، ولا «المشرقين» ؛ لأنو مفرد محلى بػ «أؿ» ؛ فهو للجنس الشامل للواحد، والمتعدد؛ وأما {رب المشرقين ورب المغربين}، و {رب المشارؽ والمغارب}فالجمع بينهما أف يقاؿ: إف جمع {المشارؽ}، و {المغارب}باعتبار الشارؽ، والغارب؛ لأف الشارؽ، والغارب كثير: الشمس، والقمر، والنجوـ؛ كلو لو مشرؽ، ومغرب؛ فمن يحصي النجوـ! أو باعتبار مشرؽ كل يوـ، ومغربو؛ لأف كل يوـ للشمس مشرؽ، ومغرب؛ وللقمر مشرؽ، ومغرب؛ وثنى باعتبار مشرؽ الشتاء، ومشرؽ الصيف؛ فمشرؽ الشتاء تكوف الشمس في أقصى الجنوب؛ ومشرؽ الصيف في أقصى الشماؿ؛ وبينهما مسافات عظيمة لا يعلمها إلا الله؛ وسورة «الرحمن » أكثر ما فيها بصيغة التثنية؛ فلذلك كاف من المناسب اللفظي أف يذكر المشرؽ، والمغرب بصيغة التثنية؛ أما عند العظمة فذكرت بالجمع{ :ف أقسم برب المشارؽ والمغارب إنا لقادروف * على أف نبدؿ خيرا منهم وما نحن بمسبوقين[ }المعارج : ٓٗ، ٔٗ]؛ فقولو تعالى: {و المشرؽ و المغرب} أي مشرؽ كل شارؽ؛ ومغرب كل غارب؛ ويحتمل أف المراد لو كل شيء؛ لأف ذكر المشرؽ والمغرب يعني الإحاطة والشموؿ. قاؿ الطبري: لله ملكهما وتدبيرىما، كما يقاؿ: "لفلاف ىذه الدار"، يعني بها: أنها لو، ملكا. فذلك قولو: (ولله المشرؽ والمغرب) ، يعني أنهما لو، ملكا وخلقا. و"المشرؽ" ىو موضع شروؽ الشمس، وىو موضع طلوعها، كما يقاؿ: لموضع طلوعها منو "مطلع" بكسر اللاـ. عن علي، عن ابن عباس قاؿ، كاف أوؿ ما نسخ من القرآف القبلة، وذلك أف رسوؿ الله لما ىاجر إلى المدينة، وكاف أكثر أىلها اليهود، أمره الله عز وجل أف يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود. فاستقبلها رسوؿ الله بضعة عشر شهرا، فكاف رسوؿ الله يحب قبلة إبراىيم عليو السلاـ، فكاف يدعو وينظر إلى السماء، فأنزؿ الله تبارؾ وتعالى: (قَدْ نػَرَى تػَقَل بَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [ )سورة البقرة: ٗٗٔ]إلى قولو: (فػَوَل وا وُجُوىَكُمْ شَطْرَهُ [ )سورة البقرة: ٗٗٔ-ٓ٘ٔ]، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: (مَا ولاىم عَنْ قِبػْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيػْهَا[ )سورة البقرة: ٕٗٔ]، فأنزؿ الله عز وجل: (قُلْ لِلَّوِ الْمَشْرِؽُ وَالْمَغْرِبُ ) ، وقاؿ: (فَأَيػْنَمَا تػُوَل وا فػَثَمَّ وَجْوُ اللَّوِ ) . (ٔ) قاؿ البغوي: قَاؿَ ابْنُ عَبَّاسٍ : خَرَجَ نػَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوؿِ اللَّوِ فِي سَفَرٍ قػَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبػْلَ ةِ إِلَى الْكَعْبَةِ، -ٔالحديث: عمي: ىو ابن أبي طمحة الياشمي: ثقة، تكمموا فيو. والراجح أن كلاميم فيو من أجل تشيعو. ولكن لم يسمع من ابن عباس، فروى ابن أبي حاتم في المراسيل، ص: ٕ٘، عن دحيم قال:"إن عمي بن أبي طمحة لم يسمع من ابن عباس التفسير". وروي عن أبيو أبي حاتم مثل ذلك. وفي التيذيب أنو ذكره ابن حبان في الثقات، وقال:"روى عن ابن عباس، ولم يره ". فيذا إسناد ضعيف، لانقطاعو. ولكن معناه ثابت عن ابن عباس، من وجو صحيح. فرواه أبو عبيد القاسم بن سلام، في كتاب الناسخ والمنسوخ - فيما نقل ابن كثير ٔ: ٕٛٛ -"أخبرنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جر يج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس.." فذكر نحوه. وىذا إسناد صحيح، من جية رواية ابن جريج عن عطاء، وىو ابن أبي رباح. وأما"عثمان ابن عطاء"، فإنو"الخراساني ". وىو ضعيف. وحجاج بن محمد: سمعو منيما، من ثقة ومن ضعيف، فلا بأس. ورواه الحاكم ٕ: ٕٚٙ - ٕٛٙ، من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وقال:"ىذا حديث صحيح عمى شرط الشيخين، ولم يخرجاه بيذه السياقة". ووافقو الذىبي. وىو كما قالا.
عدد الصفحات ٤٥٣ومن ضعيف، فلا بأس. ورواه الحاكم ٕ: ٕٚٙ - ٕٛٙ، من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وقال:"ىذا حديث صحيح عمى شرط الشيخين، ولم يخرجاه بيذه السياقة". ووافقو الذىبي. وىو كما قالا. وذكره السيوطي ٔ: ٛٓٔ، ونسبو لأبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححو، والبييقي في سننو.
عدد الصفحات ٤٥٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 452 - سورة البقرة الجزء الاول فَأَصَابػَهُمُ الضَّبَابُ وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فػَتَحَرَّوُا الْقِبػْلَةَ وَصَلَّوْا، فػَلَمَّا ذَىَبَ الضَّبَابُ اسْتَبَافَ لَهُمْ أَنػَّهُمْ لَمْ يُصِيبُوا، وَأَنػَّهُمْ مُخْطِئُوفَ فِي تَحَرِّيهِمْ ، فػَلَمَّا قَدِمُوا سَأَلُوا رَسُوؿِ اللَّوِ عَنْ ذَلِكَ، فػَنػَزَلَتْ ىَذِهِ الآْيَةُ .(ٔ) وَقَاؿَ عَبْدُ اللَّوِ بْنُ عُمَرَ : نػَزَلَتْ فِي الْمُسَافِرِ يُصَلِّي التَّطَو عَ حَيْثُ مَا تػَوَجَّهَتْ بِوِ رَاحِلَتُوُ . عَنْ عَبْدِ اللَّوِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّوِ بْنِ عُمَرَ ، قَاؿَ : كَافَ رَسُوؿِ اللَّوِ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِوِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ مَا تػَوَجَّهَتْ بِوِ .(ٕ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :فأينما تولوا فثم وجو الله}؛ «أين» شرطية؛ و «ما» زاددة للتوكيد؛ و {تولوا} فعل الشرط مضارع مجزوـ بأداة الشرط؛ وعلامة جزمو حذؼ النو ف؛ وقولو تعالى{ :فثم وجو الله}الفاء رابطة لجواب الشرط؛ و {ثم} اسم إشارة يشار بو للبعيد؛ وىو ظرؼ متعلق بمحذوؼ خبر مقدـ؛ {وجو} مبتدأ مؤخر؛ والجملة من المبتدأ وخبره في محل جزـ جواب الشرط. قولو تعالى{ :تولوا} أي تتجهوا؛ {فثم} أي فهناؾ؛ والإشارة إلى الجهة التي تولوا إليها؛ و {وجو الله} :اختلف فيو المفسروف من السلف، والخلف، فقاؿ بعضهم: المراد بو وجو الله الحقيقي؛ وقاؿ بعضهم: المراد بو الجهة: {فثم وجو الله} يعني: في المكاف الذي اتجهتم إليو جهة الله عز وجل؛ وذلك؛ لأف الله محيط بكل شيء. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٙصٕٔ: فػَتَدَبػَّرْ ىَذَا فَإِنَّوُ كَثِيرًا مَا يػَغْلَطُ النَّاسُ فِي ىَذَا الْمَوْضِعِ إذَا تػَنَازَعَ الْنػ فَاةِ وَالْمُثْبِتَةُ فِي صِفَةٍ وَدَلاَلَةٍ نُصَّ عَلَيػْهَا يُرِيدُ الْمُرِيدُ أَفْ يَجْعَلَ ذَلِكَ اللَّفْظَ - حَيْثُ وَرَدَ - دَالاًّ عَلَى الصِّفَةِ وَظَاىِرًا فِيهَا. ثُمَّ يػَقُوؿُ النَّافِي: وَىُنَاؾَ لَمْ تَدُؿَّ عَلَى الصِّفَةِ فَلاَ تَدُؿ ىُنَا. وَقَدْ يػَقُوؿُ بػَعْضُ الْمُثْبِتَةِ : دَلَّتْ ىُنَا عَلَى الصِّفَةِ فػَتَكُوفُ دَالَّ ةً ىُنَاؾَ؛ بَلْ لَمَّا رَأَوْا بػَعْضَ الن صُوصِ تَدُؿ عَلَى الصِّفَةِ جَعَلُوا كُلَّ آيَةٍ فِيهَا مَا يػَتػَوَىَّمُوفَ أَنَّوُ يُضَاؼُ إلَى اللَّوِ تػَعَالَى - إضَافَةَ صِفَةٍ - مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ . كَقَوْلِوِ تػَعَالَى{ :فػَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّوِ } وَىَذَا يػَقَعُ فِيوِ طَوَادِفُ مِنْ الْمُثْبِتَةِ والْنػ فَاةِ وَىَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْغَلَطِ فَإِفَّ الدَّلاَلَةَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِ سِيَاقِوِ . وَمَا يُحَف بِوِ مِنْ الْقَرَادِنِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْحَالِيَّةِ وَىَذَا مَوْجُودٌ فِي أَمْرِ الْ مَخْلُوقِينَ يػُرَادُ بِأَلْفَاظِ الصِّفَاتِ مِنػْهُمْ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ غَيػْرُ الصِّفَاتِ . وَأَنَا أَذْكُرُ لِهَذَا مِثَالَيْنِ نَافِعَيْنِ (أَحَدُىُمَا صِفَةُ الْوَجْوِ فَإِنَّوُ لَمَّا كَافَ إثػْبَاتُ ىَذِهِ الصِّفَةِ مَذْىَبَ أَىْلِ الْحَدِيثِ وَالْ مُتَكَلِّمَةِ الصفاتية: مِنْ الْكُلاَّبِيَة وَالأَْشْعَرِيَّةِ -ٔأخرجو ابن مردويو من حديث الْ كَمْبِي عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابن عباس بنحوه كما في «تفسير ابن كثير» (ٔ/ ٗٙٔ) . وا سناده ساقط لأجل الكمبي وورد بنحوه أخرجو الترمذي ٖ٘ٗ وابن ماجو ٕٓٓٔ والطيالسي ٘ٗٔٔ والدارقطني (ٔ/ ٕٕٚ) وأبو نعيم (ٔ/ ٜٚٔ) والطبري (ٖٗٛٔ) و (٘ٗٛٔ) والبييقي (ٕ/ ٔٔ) من حديث عامر بن ربيعة وفيو أشعث بن سعيد، وبو أعمّو الترمذي، وتوبع عند الطيالسي، وا نما عمتو عاصم بن عبيد الله، وىو واه. وورد من حديث جابر أخرجو الدارقطني (ٔ/ ٕٚ) والحاكم (ٔ/ ٕٙٓ) والبييقي (ٕ/ ٓٔ ؤٕ) وا سناده ضعيف لضعف أبي سيل.
عدد الصفحات ٤٥٤ّو الترمذي، وتوبع عند الطيالسي، وا نما عمتو عاصم بن عبيد الله، وىو واه. وورد من حديث جابر أخرجو الدارقطني (ٔ/ ٕٚ) والحاكم (ٔ/ ٕٙٓ) والبييقي (ٕ/ ٓٔ ؤٕ) وا سناده ضعيف لضعف أبي سيل. وورد من طرق ضعيفة تبمغ بالحديث درجة الحسن كما قال الحافظ ابن كثير (ٔ/ ٖٙٔ) وانظر مزيد الكلام عميو في تفسير ابن كثير وتفسير الشوكاني ٕٔٔ وكلاىما بتخريجي، والله الموفق. ٕ- إسناده صحيح عمى شرطيما، أبو مصعب ىو أحمد بن أبي بكر. خرجو المصنف من طريق مالك، وىو في «الموطأ» (ٔ/ ٔ٘ٔ) عن ابن دينار بيذا الإسناد. وأخرجو البخاري (ٜٙٓٔ) ومسمم (ٓٓٚ) والنسائي (ٔ/ ٕٗٗ وٕ/ ٔٙ) والشافعي (ٔ/ ٙٙ- ٚٙ) وأبو عوانة (ٕ/ ٖٖٗ) وأحمد (ٕ/ ٙٗ وٙٙ) وابن حبان (ٕٚٔ٘) والبييقي (ٕ/ ٗ) من طرق عن ابن دينار بو. وورد بنحوه من وجو آخر عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ المَّوِ بن عمر. أخرجو مسمم (ٓٓٚ) ح (ٜٖ) وأبو داود ٕٕٗٔ والنسائي (ٔ/ ٖٕٗ وٕٗٗ) و (ٕ/ ٔٙ) وابن خزيمة (ٜٓٓٔ) وابن الجارود (ٕٓٚ) وابن حبان (ٕٕٔٗ) والبييقي (ٕ/ ٜٔٗ) .
عدد الصفحات ٤٥٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 453 - سورة البقرة الجزء الاول والكَرَّامِيَة وَكَافَ نػَفْيػُهَا مَذْىَبَ الْجَهْمِيَّة: مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِىِمْ وَمَذْىَبَ بػَعْضِ الصفاتية مِنْ الأَْشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِىِمْ صَارَ بػَعْضُ النَّاسِ مِنْ الطَّادِفَتػَيْ نِ كُلَّمَا قػَرَأَ آيَةً فِيهَا ذِكْرُ الْوَجْوِ جَعَلَهَا مِنْ مَوَارِدِ النػِّزَاعِ فَالْمُثْبِتُ يَجْعَلُهَا مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي لاَ تػُتَأَوَّؿُ بِالصَّرْؼِ وَالنَّافِي يػَرَى أَنَّوُ إذَا قَاـَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنػَّهَا لَيْسَتْ صِفَةً فَكَذَلِكَ غَ يػْرُىَا. (مِثَاؿُ ذَلِكَ قػَوْلو تػَعَالَى {وَلِلَّوِ الْمَشْرِؽُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيػْنَمَا تػُوَل وا فػَثَمَّ وَجْوُ اللَّوِ }أَدْخَلَهَا فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ طَوَادِفُ مِنْ الْمُثْبِتَةِ والْنػ فَاةِ حَتَّى عَدَّىَا " أُولَئِكَ " كَابْنِ خُزَيْمَة مِمَّا يػُقَرِّرُ إثػْبَاتَ الصِّفَةِ وَجَعَلَ " النَّافِيَةَ " تػَفْسِيرَىَا بِغَيْرِ الصِّفَةِ حُجَّةً لَهُمْ فِي مَوَارِدِ النػِّزَاعِ . وَلِهَذَا لَمَّا اجْتَمَعْنَا فِي الْمَجْلِسِ الْمَعْقُودِ وَكُنْت قَدْ قػُلْت: أَمْهَلْت كُلَّ مَنْ خَالَفَنِي ثَلاَثَ سِنِينَ إفْ جَاءَ بِحَرْؼِ وَاحِدٍ عَنْ السَّلَفِ يُخَالِفُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْتو كَانَتْ لَوُ الْحُجَّةُ وَفػَعَلْت وَجَعَلَ الْمُعَارِضُوفَ يػُفَتِّشُوفَ الْكُتُبَ فَظَفِرُوا بِمَا ذَكَرَهُ البيهقي فِي كِتَابِ " الأَْسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ " فِي قػَوْلو تػَعَالَى {وَلِلَّوِ الْمَشْرِؽُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيػْنَمَا تػُوَل وا فػَثَمَّ وَجْوُ اللَّوِ } فَإِنَّوُ ذَكَرَ عَنْ مُجَاىِدٍ وَالشَّافِعِيِّ أَفَّ الْمُرَادَ قِبػْلَةُ اللَّوِ فػَقَاؿَ أَحَدُ كُبػَرَادِهِمْ - فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي - قَدْ أَحْضَرْت نػَقْلاً عَنْ السَّلَ فِ بِالتَّأْوِيلِ فػَوَقَعَ فِي قػَلْبِي مَا أَعَدَّ فػَقُلْت: لَعَلَّك قَدْ ذَكَرْت مَا رُوِيَ فِي قػَوْلو تػَعَالَى {وَلِلَّوِ الْمَشْرِؽُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيػْنَمَا تػُوَل وا فػَثَمَّ وَجْوُ اللَّوِ } قَاؿَ: نػَعَمْ . قػُلْت: الْمُرَادُ بِهَا قِبػْلَةُ اللَّوِ فػَقَ اؿَ : قَدْ تَأَوَّلَهَا مُجَاىِدٌ وَالشَّافِعِي وَىُمَا مِنْ السَّلَفِ . وَلَمْ يَكُنْ ىَذَا الس ؤَاؿُ يَرِدُ عَلَيَّ؛ فَإِنَّوُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا نَاظَرُونِي فِيوِ صِفَةَ الْوَجْوِ وَلاَ أُثْبِتػُهَا لَكِنْ طَلَبُوىَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَكَ لاَمِي كَافَ مُقَيَّدًا كَمَا فِي الأَْجْوِبَةِ فػَلَمْ أَرَ إحْقَاقػَهُمْ فِي ىَذَا الْمَقَاـِ بَلْ قػُلْت ىَذِهِ الآْيَةُ لَيْسَتْ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ أَصْلاً وَلاَ تػَنْدَرِجُ فِي عُمُوـِ قػَوْؿِ مَنْ يػَقُوؿُ : لاَ تػُؤَوَّؿُ آيَاتُ الصِّفَاتِ . قَاؿَ : أَلَيْ سَ فِيهَا ذِكْرُ الْوَجْوِ فػَلَمَّا قػُلْت: الْمُرَادُ بِهَا قِبػْلَةُ اللَّوِ . قَاؿَ : أَلَيْسَتْ ىَذِهِ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ؟ قػُلْت: لاَ . لَيْسَتْ مِنْ مَوَارِدِ النػِّزَاعِ فَإِنِّي إنَّمَا أُسَلِّمُ أَفَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْوِ - ىُنَا - الْقِبػْلَةُ فَإِ فَّ " الْوَجْوَ " ىُوَ الْجِهَةُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يػُقَاؿُ : قَصَدْت ىَذَا الْوَجْوَ وَسَافػَرْت إلَى ىَذَا " الْوَجْوِ " أَيْ : إلَى ىَذِهِ الْجِهَةِ وَىَذَا كَثِيرٌ مَشْهُورٌ فَالْوَجْوُ ىُوَ الْجِهَةُ . وَىُوَ الْوَجْوُ : كَمَا فِي قػَوْلو تػَعَالَى {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ ىُوَ مُوَلِّيهَا}أَيْ مُتػَوَلِّيهَا فػَقَوْلُوُ تػَعَالَى: {وِجْهَةٌ ىُوَ مُوَلِّيهَا}كَقَوْلِوِ{ :فَأَيػْنَمَا تػُوَل وا فػَثَمَّ وَجْوُ اللَّوِ }كِلْتَا الآْيػَتػَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مُتػَقَارِبػَتَافِ وَكِلاَىُمَا فِي شَأْفِ
عدد الصفحات ٤٥٥ِجْهَةٌ ىُوَ مُوَلِّيهَا}كَقَوْلِوِ{ :فَأَيػْنَمَا تػُوَل وا فػَثَمَّ وَجْوُ اللَّوِ }كِلْتَا الآْيػَتػَيْنِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مُتػَقَارِبػَتَافِ وَكِلاَىُمَا فِي شَأْفِ الْقِبػْلَ ةِ وَالْوَجْوِ وَالْجِهَةِ ىُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الآْيػَتػَيْنِ : أَنَّا نػُوَلِّيوِ : نَسْتػَقْبِلُوُ . قػُلْت: وَالسِّيَاؽُ يَدُؿ عَلَيْوِ لأَِنَّوُ قَاؿَ { :فَأَيػْنَمَا تػُوَل وا}وَأَيْنَ مِنْ الظ رُوؼِ وَتػُوَل وا أَيْ تَسْتػَقْبِلُوا. فَالْمَعْنَى: أَي مَوْضِعٍ اسْتػَقْبػَلْتُمُوهُ فػَهُنَالِكَ وَجْوُ اللَّوِ فػَقَدْ جَعَلَ وَجْوَ اللَّوِ فِي الْمَكَافِ الَّذِي يَسْتػَقْبِلُوُ ىَذَا بػَعْدَ قػَوْلِوِ { :وَلِلَّوِ الْمَشْرِؽُ وَالْمَغْرِبُ }وَىِيَ الْجِهَاتُ كُل هَا كَمَا فِي الآْيَةِ الأُْخْرَى{ :قُلْ لِلَّوِ الْمَشْرِؽُ وَالْمَغْرِبُ يػَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } فَأَخْبػَرَ أَفَّ الْجِهَاتِ لَوُ فَدَؿَّ عَلَى أَفَّ الإِْضَافَةَ إضَافَةُ تَخْصِيصٍ وَتَشْرِيفٍ؛ كَأَنَّوُ قَاؿَ جِهَةُ اللَّوِ وَقِبػْلَةُ اللَّوِ . وَلَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُسَ لِّمُ أَفَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ جِهَةُ اللَّوِ أَيْ قِبػْلَةُ اللَّوِ وَلَكِنْ يػَقُوؿُ : ىَذِهِ الآْيَةُ تَدُؿ عَلَى الصِّفَةِ وَعَلَى أَفَّ الْعَبْدَ يَسْتػَقْبِلُ رَبَّوُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ { :إذَا قَاـَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلاَةِ فَإِفَّ اللَّوَ قِ بَلَ وَجْهِوِ }وَكَمَا فِي قػَوْلِوِ { :لاَ يػَزَاؿُ اللَّوُ مُقْبِلاً عَلَى عَبْدِهِ بِوَجْهِوِ مَا دَاـَ مُقْبِلاً عَلَيْوِ فَإِذَا انْصَرَؼَ صَرَؼَ وَجْهَوُ عَنْوُ }وَيػَقُوؿُ: إفَّ الآْيَةَ دَلَّتْ عَلَى الْمَعْنػَيػَيْنِ . فػَهَذَا شَيْءٌ آخَرُ لَيْسَ ىَذَا مَوْضِعَوُ . وَالْغَرَضُ أَنَّوُ إذَا قِيلَ : " فػَثَمَّ قِبػْلَةُ اللَّوِ " لَمْ يَكُنْ ىَذَا مِنْ التَّأْوِيلِ الْمُتػَنَازَعِ فِيوِ؛ الَّذِي يػُنْكِرُهُ مُنْكِرُو تَأْوِيلِ آيَاتِ الصِّفَاتِ؛ وَلاَ ىُوَ مِمَّا يَسْتَدِؿ بِوِ عَلَيْهِمْ الْمُثْبِتَةُ فَإِفَّ ىَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ فِي نػَفْسِوِ وَالآْيَةُ دَالَّةٌ عَلَيْوِ وَإِفْ كَانَتْ دَالَّةً عَلَى ثػُبُوتِ صِفَةٍ فَذَاؾَ شَيْءٌ آخَرُ
عدد الصفحات ٤٥٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 454 - سورة البقرة الجزء الاول وَيػَبػْقَى دَلاَلَةُ قػَوْلِهِمْ : {فػَثَم وَجْوُ اللَّوِ } عَلَى فػَثَمَّ قِبػْلَةُ اللَّوِ ىَلْ ىُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْ قِبػْلَةِ وَجْهًا بِاعْتِبَارِ أَفَّ الْوَجْوَ وَالْجِهَةَ وَاحِدٌ؟ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَفَّ مَنْ اسْتػَقْبَلَ وَجْوَ اللَّوِ فػَقَدْ اسْتػَقْبَلَ قِبػْلَةَ اللَّوِ؟ فػَهَذَا فِيوِ بُحُوثٌ لَيْسَ ىَذَا مَوْضِعَهَا. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :إف الله واسع عليم}؛ «الواسع» يعني واسع الإحاطة، وواسع الصفات؛ فهو واسع في علمو، وفي قدرتو، وسمعو، وبصره، وغير ذلك من صفاتو؛ و {عليم} أي ذو علم؛ وعلمو محيط بكل شيء. قاؿ الطبري (واسع): يسع خلقو كلهم بالكفاية والإفضاؿ والجود والتدبير. وأما قولو: (عليم) ، فإنو يعني أنو عليم بأفعالهم لا يغيب عنو منها شيء ولا يعزب عن علمو، بل ىو بجميعها عليم. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- انفراد الله بالملك؛ لتقديم الخبر في قولو تعالى{ :و المشرؽ والمغرب} ٕ- عموـ ملك الله؛ لأف المشرؽ والمغرب يحتوياف كل شيء. ٖ- إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ لقولو تعالى{ :فأينما تولوا فثم وجو الله} ٗ- عموـ ملك الله تعالى للمشرؽ، والمغرب خلقا وتقديرا؛ ولو أف يوجو عباده إلى ما شاء منهما من مشرؽ ومغرب؛ فلو ملك المشرؽ والمغرب توجيها؛ وقد سبق أف قولو تعالى{ :ما ننسخ من آية أو ننسها ... [ }البقرة: ٙٓٔ] إلى آيات نسخ القبلة كلو تمهيد لتحويل القبلة؛ فكأف الله تعالى يقوؿ: لله المشرؽ والمغرب فإذا شاء جعل اتجاه القبلة إلى المشرؽ؛ وإذا شاء جعلو إلى المغرب؛ فأينما تولوا فثم وجو الله. ٘- إثبات اسمين من أسماء الله؛ وىما{ :واسع}، و {عليم} ٙ- إثبات سعة الله، وعلمو؛ ونستفيد صفة ثالثة من جمع السعة والعلم؛ للإشارة إلى أف علم الله واسع بمعنى أنو لا يفوتو شيء من كل معلوـ لا في الأرض، ولا في السماء. وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّوُ وَلَدًا سُبْحَانَوُ بَلْ لَوُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ كُل لَوُ قَانِتُوفَ (ٙٔٔ) بَ دِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يػَقُوؿُ لَوُ كُنْ فػَيَكُوفُ (ٚٔٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وقالوا اتخذ الله ولدا} أي قالت النصارى، واليهود، والمشركوف، اتخذ الله ولدا؛ اليهود قالت: عزير ابن الله؛ والنصارى قالت: المسيح ابن الله؛ والمشركوف قالوا: الملادكة بنات الله، فنزه الله نفسو عن ذلك بقولو تعالى: {سبحانو} أي تنزيها لو أف يكوف لو ولد؛ لأنو الغني بذاتو عن جميع مخلوقاتو؛ وىو سبحانو
عدد الصفحات ٤٥٦