المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٣٣ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 429 - سورة البقرة الجزء الاول من بعد ما تبين لهم الحق في أمر محمد، وأنو نبي إليهم وإلى خلقي كافة. وقد قيل إف الله جل ثناؤه عنى بقولو: (ود كثير من أىل الكتاب) ، كعب بن الأشرؼ. قاؿ ابن حجر العسقلاني في (العجاب في بياف الأسباب): وقد أخرج الواحدي من طريق محمد بن يحي الذىلي ما أخرجو في الزىريات من طريق الزىري، أخبرني عبدالرحمن بن عبداللّو بن كعب بن مالك عن أبيو: أف كعب بن الأشرؼ كاف يهودياً شاعراً، فكاف يهجو النبي ويحرّض عليو كفار قريش في شعره، وكاف المشركوف واليهود من أىل المدينة، يؤذوف النبي وأصحابو أشد الأذى، فأمرىم اللّو بالصبر والعفو. وفيهم نزلت: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَىْلِ الْكِتَابِ لَوْ يػَرُد ونَكُمْ مِنْ بػَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنػْفُسِهِمْ مِنْ بػَعْدِ مَا تػَبػَيَّنَ لَهُمُ الْحَق فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا)(ٔ). وىذا سند صحيح. وأخرجو أبو داو د من ىذا الوجو دوف ىذا الكلاـ الأخير. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ود كثير من أىل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا}؛ {ود} بمعنى أحب؛ بل إف "الود" خالص المحبة؛ والمعنى: أف كثيرا من أىل الكتاب يودوف بكل قلوبهم أف يردوكم كفارا؛ أي يرجعوكم كفارا؛ وعلى ىذا فػ {يردونكم} تنصب مفعولين؛ الأوؿ: الكاؼ في {يردونكم} ؛ والثاني: {كفارا}؛ و {أىل الكتاب} ىم اليهود، والنصارى؛ والمراد بػ {الكتاب} التوراة، والإنجيل؛ و {لو} ىنا مصدرية؛ وضابطها أف تقع بعد "ود" ونحوىا؛ و {من بعد إيمانكم} أي من بعد أف ثبت الإيماف في قلوبكم.. قولو تعالى{ :حسدا} مفعوؿ لأجلو عاملو: {ود}؛ أي ودوا من أجل الحسد؛ يعني ىذا الود لا لشيء سوى الحسد؛ لأف ما أنتم عليو نعمة عظيمة؛ وىؤلاء الكفار أعداء؛ والعدو يحسد عدوه على ما حصل لو من نعمة الله؛ و "الحسد" تمني زواؿ نعمة الله على الغير سواء تمنى أف تكوف لو، أو لغيره، أو لا لأحد؛ فمن تمنى ذلك فهو الحاسد؛ وقيل: "الحسد" كراىة نعمة الله على الغير.. قاؿ الطبري: حسدكم أىل الكتاب على ما أعطاكم الله من التوفيق، ووىب لكم من الرشاد لدينو والإيماف برسولو، وخصكم بو من أف جعل رسولو إليكم رجلا منكم رؤوفا بكم رحيما، ولم يجعلو منهم، فتكونوا لهم تبعا. قاؿ القرطبي: الحسد نوعاف : مذموـ ومحمود ، فالمذموـ أف تتمنى زواؿ نعمة الله عن أخيك المسلم ، وسواء تمنيت مع ذلك أف تعود إليك أو لا ، وىذا النوع الذي ذمو الله تعالى في كتابو بقولو { :أَـْ يَحْسُ دُوفَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاىُمُ اللَّوُ مِنْ فَضْلِوِ [ }النساء : ٗ٘]وإنما كاف مذموما لأف فيو تسفيو الحق سبحانو ، وأنو أنعم على من لا يستحق. وأما المحمود فهو ما جاء في صحيح الحديث من قولو عليو السلاـ : "لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله القرآف -ٔ رواه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب( ٕٕ) كيف كان إخراج الييود من المدينة، حديث رقم( ٖٓٓٓ)،ٖ\ٗ٘ٔ. والواحدي في أسباب النزول صٖ٘-ٖٙ. وابن أبي حاتم في تفسيره حديث رقم( ٜٓٓٔ) ٔ\ٖٖٔ-ٕٖٖ. وابن المنذلر كما في الدر المنثور ٔ\ٚٓٔ. والبييقي في الدلائل ٖٜٙٔ-ٜٛٔ. والطبرا ني في المعجم الكبير حديث رقم (ٗ٘ٔ-٘٘ٔ)ٜٔ\ٙٚ-ٛٚ. وسنده صحيح وانظر تفسير ابن كثير ٔ\ٖ٘ٔ.

عدد الصفحات ٤٣١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 431 - سورة البقرة الجزء الاول فهو يقوـ بو آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقو آناء الليل وآناء النهار" . وىذا الحسد معناه الغبطة. وكذلك ترجم عليو البخاري "باب الاغتباط في العلم والحكمة". وحقيقتها : أف تتمنى أف يكوف لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزوؿ عنو خيره ، وقد يجوز أف يسمى ىذا منافسة ، ومنو قولو تعالى { :خِتَامُوُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فػَلْيَتػَنَافَسِ الْمُتػَنَافِسُوفَ [ }المطففين : ٕٙ]. قاؿ ابن العثيمينقولو تعالى: {من عند أنفسهم} أي ىذه المودة التي يودونها ليست لله، ولا من الله؛ ولكن من عند أنفسهم.. قولو تعالى{ :من بعد ما تبين} أي من بعد ما ظهر {لهم} أي لهؤلاء الكثيرين؛ {الحق} أي ما أنتم عليو من الحق؛ و "الحق" ىو الشيء الثابت؛ فإف وصف بو الحكم فالمراد بو العدؿ؛ وإف وصف بو الخبر فالمراد بو الصدؽ؛ فػ {الحق} الصدؽ في الأخبار، والعدؿ في الأحكاـ؛ ودين الإسلاـ على ىذا؛ وما جاء بو الرسوؿ على ىذا؛ فإف أخباره صدؽ، وأحكامو عدؿ.. قولو تعالى{ :فاعفوا واصفحوا} الخطاب للمؤمنين عامة؛ ويدخل فيهم الرسوؿ ؛ و "العفو" بمعنى ترؾ المؤاخذة على الذنب؛ كأنو من عفا الأثر: إذا زاؿ لتقادمو؛ و {اصفحوا} :قيل: إنو من باب عطف المترادفين، كقوؿ الشاعر: (فألفى قولها كذبا ومينا) و"الكذب" و"المين" معناىما واحد؛ ولكن الصواب أف بين "العفو"، و "الصفح" فرقا؛ فػ "العفو" ترؾ المؤاخذة على الذنب؛ و "الصفح" الإعراض عنو؛ مأخوذ من صفحة العنق؛ وىو أف الإنساف يلتفت، ولا كأف شيئا صار. يوليو صفحة عنقو.؛ فػ "الصفح" معناه الإعراض عن ىذا بالكلية وكأنو لم يكن؛ فعلى ىذا يكوف بينهما فرؽ؛ فػ "الصفح" أكمل إذا اقترف بػ "العفو".. قولو تعالى{ :حتى يأتي الله بأمره} أي بأمر سوى ذلك؛ وىو الأمر بالقتاؿ.. قاؿ الطبري: يعني جل ثناؤه بقولو: (فاعفوا) فتجاوزوا عما كاف منهم من إساءة وخطأ في رأي أشاروا بو عليكم في دينكم، إرادة صدكم عنو، ومحاولة ارتدادكم بعد إيمانكم - وعما سلف منهم من قيلهم لنبيكم : (وَاسْمَعْ غَيػْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ) ، [النساء: ٙٗ]، و(اصفحوا) عما كاف منهم من جهل في ذلك حتى يأتي الله بأمره، فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء، ويقضي فيهم ما يريد. فقضى فيهم تعالى ذكره، وأتى بأمره، فقاؿ لنبيو ، وللمؤمنين بو: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يػُؤْمِنُوفَ بِاللَّوِ وَلا بِالْيػَوْـِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُوفَ مَا حَرَّـَ اللَّوُ وَرَسُولُوُ وَلا يَدِينُوفَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يػُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَىُمْ صَاغِرُوفَ [ . )التوبة: ٜٕ]فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح، بفرض قتالهم على المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يد

عدد الصفحات ٤٣٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 431 - سورة البقرة الجزء الاول صغارا. عن ابن عباس قولو: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إف الله على كل شيء قدير) ، ونسخ ذلك قولو: (فَاقػْتػُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُ مُوىُمْ ) ، [التوبة: ٘] . قاؿ ابن عطية: وقاؿ قوـ: ليس ىذا حد المنسوخ، لأف ىذا في نفس الأمر كاف التوقيف على مدتو. عن الربيع في قولو: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) ، قاؿ: اعفوا عن أىل الكتاب حتى يحدث الله أمرا. فأحدث الله بعد فقاؿ: (قاتلوا الذين لا يؤمنوف بالله ولا باليوـ الآخر) ، إلى: (وىم صاغروف) . قاؿ الشنقيطي: ىَذِهِ الآْيَةُ فِي أَىْلِ الْكِتَابِ كَمَا ىُوَ وَاضِحٌ مِنَ السِّيَاؽِ، وَالأَْمْرُ فِي قػَوْلِوِ (بِأَمْرِهِ ) . قَاؿَ بػَعْضُ الْعُلَمَاءِ : ىُوَ وَاحِدُ الأَْ وَامِرِ، وَقَاؿَ بػَعْضُهُمْ : ىُوَ وَاحِدُ الأُْمُورِ، فػَعَلَى الْقَوْؿِ الأَْوَّؿِ : بِأَنَّوُ الأَْمْرُ الَّذِي ىُوَ ضِد النػَّهْيِ ؛ فَإِفَّ الأَْمْرَ الْمَذْكُورَ ىُوَ الْمُصَرَّحُ بِوِ فِي قػَوْلِوِ : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يػُؤْمِنُوفَ بِاللَّوِ وَلاَ بِالْيػَوْـِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُوفَ مَا حَرَّـَ اللَّوُ وَرَسُولُوُ وَلاَ يَدِينُوفَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يػُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَىُمْ صَاغِرُوفَ [ )ٜ \ ٜٕ]وَعَلَى الْقَوْؿِ بِأَنَّوُ وَاحِدُ الأُْمُورِ : فػَ هُوَ مَا صَرَّحَ اللَّوُ بِوِ فِي الآْيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا أَوْقَعَ بِالْيػَهُودِ مِنَ الْقَتْلِ وَالتَّشْرِيدِ كَقَوْلِوِ : (فَأَتَاىُمُ اللَّوُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَؼَ فِي قػُلُوبِهِمُ الر عْبَ يُخْرِبُوفَ بػُيُوتػَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَْبْصَارِ وَلَوْلاَ أَفْ كَتَبَ اللَّوُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبػَهُمْ ) الآْيَةَ [ٜ٘ \ ٕ، ٖ]إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ، وَالآْيَةُ غَيػْرُ مَنْسُوخَةٍ عَلَى التَّحْقِيقِ . قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٘ٔصٜٛ: وَالْمَنػْقُوؿُ عَنْ النَّبِيِّ فِي احْتِمَالِوِ وَعَفْوِهِ عَمَّنْ كَافَ يػُؤْذِيوِ كَثِيرٌ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :وَد كَثِيرٌ مِنْ أَىْلِ الْكِتَابِ لَوْ يػَرُد ونَكُمْ مِنْ بػَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنػْفُسِ هِمْ مِنْ بػَعْدِ مَا تػَبػَيَّنَ لَهُمُ الْحَق فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّوُ بِأَمْرِهِ }فَالآْمِرُ النَّاىِي إذَا أُوذِيَ وَكَافَ أَذَاهُ تػَعَدِّيًا لِحُدُودِ اللَّوِ وَفِيوِ حَق لِلَّوِ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ النػَّهْيُ عَنْوُ وَصَاحِبُوُ مُسْتَحِق لِلْعُقُوبَةِ؛ لَكِنْ لَمَّا دَخَلَ فِيوِ حَق الآْدَمِيِّ كَافَ لَوُ الْعَفْوُ عَنْوُ كَمَا لَوُ أَفْ يػَعْفُوَ عَنْ الْقَاذِؼِ وَالْقَاتِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَعَفْوُهُ عَنْوُ لاَ يُسْقِطُ عَنْ ذَلِكَ الْعُقُوبَةَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْ وِ لِحَقِّ اللَّوِ؛ لَكِنْ يُكْمِلُ لِهَذَا الآْمِرِ النَّاىِي مَقَاـَ الصَّبْرِ وَالْعَفْوِ الَّذِي شَرَعَ اللَّوُ لِمِثْلِوِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي قػَوْلو تػَعَالَى {وَإِفْ تَصْبِرُوا وَتػَتػَّقُوا فَإِفَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْـِ الأُْمُورِ }وَفِي قػَوْلِوِ { :فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّوُ بِأَمْرِهِ }ثُم ىُنَا فػَرْؽٌ لَطِيفٌ : أَمَّا الصَّبػْرُ فَإِنَّوُ مَأْمُورٌ بِوِ مُطْلَقًا فَلاَ يػُنْسَخُ . وَأَمَّا الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ فَإِنَّوُ جُعِلَ إلَى غَايَةٍ وَىُوَ : أَفْ يَأْتِيَ اللَّوُ بِأَمْرِهِ فػَلَ مَّا أَتَى بِأَمْرِهِ : بِتَمْكِينِ

عدد الصفحات ٤٣٣

بِوِ مُطْلَقًا فَلاَ يػُنْسَخُ . وَأَمَّا الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ فَإِنَّوُ جُعِلَ إلَى غَايَةٍ وَىُوَ : أَفْ يَأْتِيَ اللَّوُ بِأَمْرِهِ فػَلَ مَّا أَتَى بِأَمْرِهِ : بِتَمْكِينِ الرَّسُوؿِ وَنَصْرِهِ - صَارَ قَادِرًا عَلَى الْجِهَادِ لأُِولَئِكَ وَإِلْزَامِهِمْ بِالْمَعْرُوؼِ وَمَنْعِهِمْ عَنْ الْمُنْكَرِ - صَارَ يَجِبُ عَلَيْوِ الْعَمَلُ بِالْيَدِ فِي ذَلِكَ مَا كَافَ عَاجِزًا عَنْوُ وَىُوَ مَأْ مُورٌ بِالصَّبْرِ فِي ذَلِكَ كَمَا كَافَ مَأْمُورًا بِالصَّبْرِ أَوَّلاً . قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :إف الله على كل شيء قدير} أي لا يعتريو عجز في كل شيء فعلو.. قاؿ الطبري: إف الله - على كل ما يشاء بالذين وصفت لكم أمرىم من أىل الكتاب وغيرىم - قدير، إف شاء انتقم منهم بعنادىم ربهم، وإف شاء ىداىم لما ىداكم الله لو من الإيماف، لا يتعذر عليو شيء أراده، ولا يتعذر عليو أمر شاء قضاءه، لأف لو الخلق والأمر.

عدد الصفحات ٤٣٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 432 - سورة البقرة الجزء الاول (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- بياف شدة عداوة اليهود، والنصارى للأمة الإسلامية؛ وجو ذلك أف كثيرا منهم يودوف أف يردوا المسلمين كفارا حسدا من عند أنفسهم.. ٕ- أف الكفر بعد الإسلاـ يسمى ردة؛ لقولو تعالى{ :لو يردونكم}؛ ولهذا الذي يكفر بعد الإسلاـ لا يسمى باسم الدين الذي ارتد إليو؛ فلو ارتد عن الإسلاـ إلى اليهودية، أو النصرانية لم يعط حكم اليهود، والنصارى.. ٖ- أف الحسد من صفات اليهود، والنصارى ... ٗ- تحريم الحسد؛ لأف مشابهة الكفار بأخلاقهم محرمة؛ لقوؿ النبي : "من تشبو بقوـ فهو منهم" (ٔ) ؛ واعلم أف الواجب على المرء إذا رأى أف الله أنعم على غيره نعمة أف يسأؿ الله من فضلو، ولا يكره ما أنعم الله بو على الآخرين، أو يتمنى زوالو؛ لقولو تعالى{ :و تتمنوا ما فضل الله بو بعضكم على بعض للرجاؿ نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضلو[ }النساء: ٕٖ]؛ والحاسد لا يزداد بحسده إلا نارا تتلظى في جوفو؛ وكلما ازدادت نعمة الله على عباده ازداد حسرة؛ فهو مع كونو كارىا لنعمة الله على ىذا الغير مضاد لله في حكمو؛ لأنو يكره أف ينعم الله على ىذا المحسود؛ ثم إف الحاسد أو الحسود. مهما أعطاه الله من نعمة لا يرى لله فضلا فيها؛ لأنو لابد أف يرى في غيره نعمة أكثر مما أنعم الله بو عليو، فيحتقر النعمة؛ حتى لو فرضنا أنو تميز بأمواؿ كثيرة، وجاء إنساف تاجر، وكسب مكسبا كبيرا في سلعة معينة تجد ىذا الحاسد يحسده على ىذا المكسب بينما عنده ملايين كثيرة؛ وكذلك أيضا بالنسبة للعلم: بعض الحاسدين إذا برز أحد في مسألة من مسادل العلم تجده. وإف كاف أعلم منو. يحسده على ما برز بو؛ وىذا يستلزـ أف يحتقر نعمة الله عليو؛ فالحسد أمره عظيم، وعاقبتو وخيمة؛ والناس في خير، والحسود في شر: يتتبع نعم الله على العباد؛ وكلما رأى نعمة صارت جمرة في قلبو؛ ولو لم يكن من خلق الحسد إلا أنو من صفات اليهود لكاف كافيا في النفور منو.. ٘- علم اليهود، والنصارى أف الإسلاـ منقبة عظيمة لمتبعو؛ لقولو تعالى{ :حسدا}؛ لأف الإنساف لا يحسد إلا على شيء يكوف خيرا، ومنقبة؛ ويدؿ لذلك قولو تعالى{ :ما يود الذين كفروا من أىل الكتاب ولا المشركين أف ينزؿ عليكم من خير من ربكم[ }البقرة: ٘ٓٔ] ٙ- وجوب الحذر من اليهود، والنصارى؛ ما داـ كثير منهم يودوف لنا ىذا فإنو يجب علينا أف نحذر منهم.. -ٔ أخرجو أحمد ٕ/ٓ٘، حديث رقم ٗٔٔ٘، وأخرجو أبو داود صٛٔ٘ٔ، كتاب المباس، باب ٗ: في لبس الشيرة، حديث رقم ٖٔٓٗ، وأخرجو ابن أبي شيبة في المصنفن كتاب السير، باب ٜٚ: ما قالوا فيما ذكر من الرماح واتخاذىا، حديث رقم ٖٖٙٓٓ، قال الحافظ في الفتح ٓٔ/ٕٔٚ: أخرجو أبو داود بسند حسن؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح ٕ/ٗٓ٘، وقال في الإرواء: صحيح ٘/ٜٓٔ، حديث رقم ٜٕٙٔ.

عدد الصفحات ٤٣٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 433 - سورة البقرة الجزء الاول ٚ- بياف خبث طوية ىؤلاء الذين يودوف لنا الكفر؛ لقولو تعالى{ :من عند أنفسهم}؛ ليس من كتاب، ولا من إساءة المسلمين إليهم؛ ولكنو من عند أنفسهم: أنفس خبيثة تود الكفر للمسلمين حسدا.. ٛ- أف ىؤلاء الذين يودو ف الكفر للمسلمين قد تبين لهم الحق؛ فلو كانوا جاىلين بأف المسلمين على حق، وقالوا: "لا نريد أف نكوف على دين مشكوؾ فيو" لكاف لهم بعض العذر؛ ولكنهم قد تبين لهم الحق، وعلموا أف الرسوؿ حق، وأف دينو حق، وأف المؤمنين على حق؛ ومع ذلك فهم يودوف ىذه المودة، ويسعوف بكل سبيل أف يصلوا إلى غايتهم؛ فمن أحب شيئا سعى في تحصيلو؛ فكثير من ىؤلاء اليهود والنصارى يسعوف بكل ما يستطيعوف من قوة مادية، أو أخلاقية، أو غيرىما ليردوا المسلمين بعد الإيماف كفارا.. ٜ- مراعاة الأحواؿ، وتطور الشريعة، حيث قاؿ تعالى{ :فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره}... ٓٔ- أف الذـ إنما يقع على من تبين لو الحق؛ وأما الجاىل فهو معذور بجهلو إذا لم يقصر في طلب العلم.. ٔٔ- جواز مهادنة الكفار إذا لم يكن للمسلمين قوة.. ٕٔ- إثبات الحكمة لله عز وجل، حيث أمر بالعفو، والصفح إلى أف يأتي الله بأمره؛ لأف الأمر بالقتاؿ قبل وجود أسبابو، وتوفر شروطو من القوة المادية والبشرية، ينافي الحكمة.. ٖٔ- الرد على منكري قياـ الأفعاؿ الاختيارية بالله عز وجل؛ والذي عليو أىل السنة والجماعة أف الله سبحانو وتعالى فعاؿ لما يريد فعلا يليق بجلالو وعظمتو، وما تقتضيو حكمتو؛ لقولو تعالى{ :حتى يأتي الله بأمره} ٗٔ- ثبوت القدرة لله عز وجل، وأنها شاملة لكل شيء؛ لقولو تعالى: (إف الله على كل شيء قدير) ٘ٔ- الرد على المعتزلة القدرية؛ لأنهم يقولوف: إف الإنساف مستقل بعملو؛ وإذا كاف مستقلا بعملو لزـ من ذلك أف الله لا يقدر على تغييره؛ لأنو إف قدر على تغييره صار العبد غير مستقل.. ٙٔ- بشارة المؤمنين بأف الله سبحانو وتعالى سيغير حالهم المقتضية للعفو والصفح، إلى قوة يستطيعوف بها جهاد العدو.. ٚٔ- اتباع الحكمة في الدعوة إلى الله بالصبر، والمصابرة حتى يتحقق النصر، وأف تعامل كل حاؿ بما يناسبها.. وَأَقِيمُوا الصَّ لاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تػُقَدِّمُوا لأَِنػْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّوِ إِفَّ اللَّوَ بِمَا تػَعْمَلُوفَ بَصِيرٌ (ٓٔٔ) قاؿ السعدي: ثم أمرىم الله بالاشتغاؿ في الوقت الحاضر، بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وفعل كل القربات، ووعدىم أنهم مهما فعلوا من خير، فإنو لا يضيع عند الله، بل يجدونو عنده وافرا موفرا قد حفظو.

عدد الصفحات ٤٣٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 434 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وأقيموا الصلاة} يعني أدوا الصلاة على و جو الكماؿ؛ لأف إقامة الشيء جعلو قيما معتدلا مستقيما؛ فمعنى {أقيموا الصلاة}أي ادتوا بها كاملة بشروطها، وواجباتها، وأركانها، ومكملاتها. قولو تعالى{ :وآتوا الزكاة } أي أعطوىا؛ وىنا حذؼ المفعوؿ الثاني؛ والتقدير: وآتوا الزكاة مستحقيها؛ و {الزكاة } المفعوؿ الأوؿ؛ ومستحقوىا قد بينهم الله في سورة براءة في قولو تعالى{ :إنما الصدقات للفقراء ... }إلخ [التوبة: ٓٙ]و"الزكاة " في اللغة النماء، والزيادة؛ ومنو قولهم: " زكا الزرع " إذا نما، وزاد؛ وفي الشرع ىي دفع ماؿ مخصوص لطادفة مخصوصة تعبدا لله عز وجل؛ وسميت زكاة؛ لأنها تزكي الإنساف، كما قاؿ الله تعالى{ :خذ من أموالهم صدقة تطهرىم وتزكيهم بها[ }التوبة: ٖٓٔ]؛ فهي تزكي الإنساف في أخلاقو، وعقيدتو، وتطهره من الرذادل؛ لأنها تخرجو من حظيرة البخلاء إلى حظيرة الأجواد، والكرماء؛ وتكفر سيئاتو.. قولو تعالى{ :وما تقدموا لأنفسكم}؛ {ما} شرطية؛ لأنها جزمت فعل الشرط، وجوابو.. قولو تعالى{ :من خير} يشمل ما يقدمو من الماؿ، والأعماؿ؛ وىو بياف للمبهم في اسم الشرط.. قاؿ الطبري: وأما قولو: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) ، فإنو يعني جل ثناؤه بذلك: ومهما تعملوا من عمل صالح في أياـ حياتكم، فتقدموه قبل وفاتكم ذخرا لأنفسكم في معادكم، تجدوا ثوابو عند ربكم يوـ القيامة، فيجازيكم بو. و"الخير" ىو العمل الذي يرضاه الله. وإنما قاؿ: (تجدوه) ، والمعنى: تجدوا ثوابو، لاستغناء سامعي ذلك بدليل ظاىر على معنى المراد منو. عن الربيع قولو: (تجدوه) يعني: تجدوا ثوابو عند الله. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :إف الله بما تعملوف بصير} ؛ ىذه الجملة مؤكدة بػ {إف} مع أف الخطاب ابتدادي؛ إذ إنو لم يوجو إلى متردد، ولا منكر؛ والخطاب إذا لم يوجو لمنكر، ولا متردد فإنو يسمى ابتداديا؛ والابتدادي لا يؤكد؛ لأنو لا حاجة لذلك؛ و لكنو قد يؤكد لا باعتبار حاؿ المخاطب؛ لكن باعتبار أىمية مدلولو؛ فهنا لو أىمية عظيمة: أف الله سبحانو وتعالى يخبرنا أنو بكل ما نعمل بصير؛ و {ما} اسم موصوؿ يفيد العموـ؛ أي بما نعمل قلبيا، وبدنيا؛ قوليا، وفعليا؛ لأف القلوب لها أعماؿ كالمحبة، والخوؼ، والرجاء، والرغبة، وما أشبو ذلك؛ و {بما تعملوف} متعلقة بػ {بصير} ؛ وقدمت عليها لغرضين؛ الأوؿ: مراعاة الفواصل؛ لأف التي قبلها فاصلة بالراء: {قدير} ، وبعدىا: {بصير} ؛ والثاني: من أجل الحصر؛ والحصر ىنا وإف كاف يقلل من العموـ لكنو يفيد الترىيب والترغيب؛ لأنو إذا قيل: أيهما أعظم في التهديد أو الترغيب، أف نقوؿ: إف الله بصير بكل شيء مما نعمل، ومما لا نعمل؛ أو أنو بصير بما نعمل فقط؟ فالجواب: أف الأوؿ أعم؛ والثاني أبلغ في التهديد، أو الترغيب؛ وىو المناسب ىنا؛ كأنو يقوؿ: لو لم يكن الله بصيرا إلا بأعمالكم فإنو كاؼ في ردعكم، وامتثالكم؛ و {بصير} ليس من البصر الذي ىو الرؤية؛ لكن من البصر الذي بمعنى العلم؛ لأنو أشمل حيث يعم العمل القلبي، والبدني؛ والعمل القلبي لا يدرؾ بالرؤية.

عدد الصفحات ٤٣٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 435 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري: وىذا خبر من الله جل ثناؤه للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين، أنهم مهما فعلوا من خير وشر سرا و علانية، فهو بو بصير لا يخفى عليو منو شيء، فيجزيهم بالإحساف خيرا، وبالإساءة مثلها. وىذا الكلاـ وإف كاف خرج مخرج الخبر، فإف فيو وعدا ووعيدا، وأمرا وزجرا . وذلك أنو أعلم القوـ أنو بصير بجميع أعمالهم، ليجدوا في طاعتو، إذْ كاف ذلك مذخورا لهم عنده حتى يثيبهم عليو، كما قاؿ: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) ، وليحذروا معصيتو، إذْ كاف مطلعا على راكبها، بعد تقدمو إليو فيها بالوعيد عليها، وما أوعد عليو ربنا جل ثناؤه فمنهي عنو، وما وعد عليو فمأمور بو. وأما قولو: (بصير) ، فإنو "مبصر" صرؼ إلى "بصير"، كما صرؼ "مبدع " إلى "بديع"، و"مؤلم" إلى "أليم". (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- وجوب إقامة الصلاة؛ والصلاة تشمل الفريضة والنافلة؛ ومن إقامة الفرادض كثرة النوافل؛ لأنو جاء في الحديث (ٔ) أف النوافل تكمل بها الفرادض يو ـ القيامة؛ ما من إنساف إلا وفي فريضتو نقص؛ لكن ىذه النوافل تكملها، وترقعها.. ٕ- وجوب إيتاء الزكاة . يعني لمستحقيها ... ٖ- أف الصلاة أوكد من الزكاة؛ ولهذا يقدمها الله عليها في الذكر .. ٗ-أف إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة من أسباب النصر؛ لأف الله ذكرىا بعد قولو: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} [البقرة: ٜٓٔ]؛ وقد جاء ذلك صريحا في قولو تعالى{ :ولينصرف الله من ينصره إف الله لقوي عزيز * الذين إف مكناىم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروؼ ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور[ }الحج: ٓٗ، ٔٗ] ٘- أنو ينبغي للإنساف أف يتشاغل بالأىم فالأىم مع الدعوة إلى الله عز وجل.. ٙ- أف كل خير يقدمو العبد لربو عز وجل فإنو سيجد ثوابو عنده ... ٚ- أف الثواب عاـ لجميع الأعماؿ صغيرىا، وكبيرىا؛ لقولو تعالى{ :من خير}؛ فإنها نكرة في سياؽ الشرط؛ فتفيد العموـ؛ فأي خير قدمتو قليلا كاف، أو كثيرا ستجد ثوابو؛ قاؿ الرسوؿ : "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (ٕ) .. ٛ- الترغيب في فعل الخير، حيث إف الإنساف يجد ثوابو عند ربو مدخرا لو. وىو أحوج ما يكوف إليو ... -ٔ كما في سنن أبي داود في الصلاة، باب قول النبي : "كل صلاة لا يتميا صاحبيا تتم من تطوعو"، من حديث أنس بن حكيم حديث رقم (ٗٙٛ) . والترمذي باب ما جاء أن أول ما يحاسب بو العبد يوم القيامة الصلاة حديث رقم (ٖٔٗ) ، والنسائي في الصلاة. باب المحاسبة عمى الصلاة. ٕ- اخرجو البخاري، ٔٔٔ، كتاب الزكاة، باب ٓٔ: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، حديث رقم ٚٔٗٔ، وأخرجو مسمم صٖٛٛ، كتاب الزكاة، باب ٕٓ: الحث عمى الصدقة ولو بشق تمرة ... ، حديث رقم ٖٕٛٗ [ٚٙ]ٙٔٓٔ.

عدد الصفحات ٤٣٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 436 - سورة البقرة الجزء الاول ٜ- أف الإنساف إذا قدـ خيرا فإنما يقدمو لنفسو؛ لقولو تعالى{ :وما تقدموا لأنفسكم من خير}؛ ولهذا ليس لو من مالو إلا ما أنفق لله؛ وما أخره فلوارثو.. ٓٔ- عموـ علم الله سبحانو وتعالى بكل ما نعمل.. ٔٔ- التحذير من المخالفة؛ لقولو تعالى: (إف الله بما تعملوف بصير). وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَافَ ىُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيػ هُمْ قُلْ ىَاتُوا بػُرْىَانَكُمْ إِفْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (ٔٔٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وقالوا} أي اليهود، والنصارى؛ {لن يدخل الجنة إلا من كاف ىودا} ىذا قوؿ اليهود؛ {أو نصارى} ىذا قوؿ النصارى.. قولو تعالى{ :تلك أمانيهم} أي تلك المقالة؛ و {أمانيهم} جمع أمنية؛ وىي ما يتمناه الإنساف بدوف سبب يصل بو إليو.. قاؿ الطبري: فإنو خبر من الله تعالى ذكره عن قوؿ الذين قالوا: (لن يدخل الجنة إلا من كاف ىودا أو نصارى) ، أنو أماني منهم يتمنونها على الله بغير حق ولا حجة ولا برىاف، ولا يقين علم بصحة ما يدعو ف، ولكن بادعاء الأباطيل وأماني النفوس الكاذبة. عن قتادة: (تلك أمانيهم) ، أماني يتمنونها على الله كاذبة. عن الربيع: (تلك أمانيهم) ، قاؿ: أماني تمنوا على الله بغير الحق. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :قل} أي يا محمد؛ {ىاتوا} :فعل أمر؛ لأف ما دؿ على الطلب، ولحقتو العلامة فهو فعل أمر؛ يقاؿ: "ىاتي" للمرأة؛ "ىاتيا" للاثنين؛ والأمر ىنا للتحدي، والتعجيز؛ {برىانكم} أي دليلكم؛ من "برىن على الشيء": إذا بينو؛ أو من "بره الشيء": إذا وضح بالعلامة؛ فعلى الأوؿ تكوف النوف أصلية؛ وعلى الثاني تكوف النوف زاددة؛ وعلى القولين جميعا فػ "البرىاف" ىو الذي يتبين بو حجة الخصم؛ يعني ما نقبل كلامكم إلا إذا أقمتم عليو الدليل؛ فإذا أقمتم عليو الدليل فهو على العين، والرأس.. قولو تعالى{ :إف كنتم صادقين} يعني أف ىذا أمر لا يمكن وقوعو؛ فهو تحد، كقولو تعالى{ :فتمنوا الموت إف كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم[ }البقرة: ٜٗ، ٜ٘]؛ فإذا كانوا صادقين في زعمهم أنو لن يدخل الجنة إلا من كاف ىودا، أو نصارى فليأتوا بالبرىاف؛ ولن يأتوا بو؛ إذا يكونوف كاذبين. قاؿ الطبري: وىذا أمر من الله جل ثناؤه لنبيو بدعاء الذين قالوا: (لن يدخل الجنة إلا من كاف ىودا أو نصارى) - إلى أمر عدؿ بين جميع الفرؽ: مسلمها ويهودىا ونصاراىا، وىو إقامة الحجة على دعواىم التي ادعوا: من أف الجنة لا يدخلها إلا من كاف ىودا أو نصارى. يقوؿ الله لنبيو محمد : يا محمد، قل للزاعمين أف الجنة لا

عدد الصفحات ٤٣٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 437 - سورة البقرة الجزء الاول يدخلها إلا من كاف ىودا أو نصارى، دوف غيرىم من سادر البشر: (ىاتوا برىانكم) ، على ما تزعموف من ذلك، فنسلم لكم دعواكم إف كنتم في دعواكم - من أف الجنة لا يدخلها إلا من كاف ىودا أو نصارى - محقين. والبرىاف: ىو البياف والحجة والبينة. عن قتادة: (ىاتوا برىانكم) ، ىاتوا بينتكم. عن السدي و عن مجاىد و عن الربيع (ىاتوا برىانكم): ىاتوا حجتكم. وىذا الكلاـ، وإف كاف ظاىره ظاىر دعاء القادلين: (لن يدخل الجنة إلا من كاف ىودا أو نصارى) - إلى إحضار حجة على دعواىم ما ادعوا من ذلك، فإنو بمعنى تكذيب من الله لهم في دعواىم وقيلهم، لأنهم لم يكونوا قادرين على إحضار برىاف على دعواىم تلك أبدا. وقد أباف قولو: (بػَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَوُ لِلَّوِ وَىُوَ مُحْسِنٌ ) ، عن أف الذي ذكرنا من الكلاـ، بمعنى التكذيب لليهود والنصارى في دعواىم ما ذكر الله عنهم. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- بياف ما كاف عليو اليهود، والنصار ى من الإعجاب بما ىم عليو من الدين.. ٕ- تعصب اليهود، والنصارى؛ وتحجيرىم لفضل الله ... ٖ- أف ما ادعوه كذب؛ لقولو تعالى{ :تلك أمانيهم}؛ فعلى قوؿ ىؤلاء اليهود يكوف النصارى، والمسلموف لن يدخلوا الجنة؛ وقد سبق أف قالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ثم تخلفوننا فيها؛ وعلى قوؿ النصارى لا يدخل اليهود، ولا المسلموف الجنة؛ أما اليهود فصحيح: فإنهم كفروا بعيسى، وبمحمد؛ ومن كفر بهما فإنو لن يدخل الجنة؛ وأما بالنسبة للمسلمين فغير صحيح؛ بل المسلموف ىم أىل الجنة؛ وأما اليهود والنصارى الذين لم يتبعوا رسوؿ الله فهم أىل النار؛ لقوؿ النبي : "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من ىذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بما أرسلت بو إلا كاف من أصحاب النار" (ٔ) ؛ فالحاصل أف ىذا القوؿ. وىو قولهم: لن يدخل الجنة إلا من كاف ىودا أو نصارى. كذب من الطرفين؛ ولهذا قاؿ تعالى{ :تلك أمانيهم}؛ وقاؿ النبي : "الكيس من داف نفسو وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسو ىواىا وتمنى على الله الأماني (ٕ)".. ٗ- أف من اغتر بالأماني، وطمع في المنازؿ العالية بدوف عمل لها ففيو شبو من اليهود، والنصارى.. ٔ- أخرجو مسمم صٖ٘ٚ، كتاب الإيمان، باب ٓٚ: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد إلى جميع الناس ... ، حديث رقم ٖٙٛ ][ٕٓٗ ٖ٘ٔ. ٕ- أخرجو أحمد ٗ/ٕٗٔ، حديث رقم ٖٕ٘ٚٔ، وأخرجو الترمذي صٜٜٛٔ، كتاب صفة القيامة، باب ٕ٘: حديث الكيس من دان نفسو ... ،. حديث رقم ٜٕ٘ٗ؛ وأخرجو ابن ماجة صٖٕ٘ٚ، كتاب الزىد، باب ٖٔ: ذكر الموت والاستعداد لو، حديث رقم ٕٓٙٗ، وأخرجو الحاكم في مستدركو ٔ/ٚ٘ ٗ/ٕٔ٘؛ وقال: ىذا حديث صحيح الإسناد؛ وقال الذىبي في ذيل المستدرك (ٔ/ٚ٘) : أبو بكر واه، وقال في ذيل المستدرك ٗ/ٕٔ٘: "صحيح" ىـ؛ وقال الألباني: "ضعيف" (ضعيف ابن ماجة صٜٖٗ، حديث رقم ٖٜٓ) ، فمدار الحديث عمى أبي بكر بن أبي مريم، قال الحافظ في التقريب: "ضعيف" تحرير التقريب ٗ/ٛ٘ٔ.

عدد الصفحات ٤٣٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 438 - سورة البقرة الجزء الاول ٘- عدؿ الله عز وجل في مخاطبة عباده، حيث قاؿ تعالى{ :قل ىاتوا برىانكم}؛ لأف ىذا من باب مراعاة الخصم، وأنو إف كاف لكم بينة فهاتوىا؛ وىذا لا شك من أبلغ ما يكوف من العدؿ؛ وإلا فالحكم لله العلي الكبير.. ٙ- أف ىؤلاء لا برىاف لهم على ما ادعوه بدليل أنهم لم يأتوا بو.. ٚ- أنهم كاذبوف؛ لقولو تعالى{ :إف كنتم صادقين}؛ ولو كاف لهم أدنى حيلة بما يبرر قولهم، ويصدقو لأتوا بها.. بػَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَوُ لِلَّوِ وَىُوَ مُحْسِنٌ فػَلَوُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّوِ وَلاَ خَوْؼٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ ىُمْ يَحْزَنُوفَ (ٕٔٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :بلى} ىذا إبطاؿ للنفي في قولهم: {لن يدخل } ...إلخ؛ وإف كاف بعض المفسرين يقوؿ: إف {بلى} ىنا بمعنى "بل"؛ ولكن نقوؿ: {بلى}ىنا حرؼ جواب تفيد إبطاؿ النفي؛ يعني لما قالوا: {لن يدخل الجنة } ... إلخ قاؿ الله تعالى: {بلى}أي يدخل الجنة من ليس ىودا، أو نصارى؛ وبينو بقولو تعالى: {من أسلم وجهو لله وىو محسن فلو أجره}؛ {من} شرطية؛ وىي مبتدأ؛ وجواب الشرط قولو تعالى: {فلو أجره} ؛ قاؿ الطبري وأما قولو: (من أسلم وجهو لله) ، فإنو يعني بػ "إسلاـ الوجو": التذلل لطاعتو والإذعاف لأمره. وأصل "الإسلاـ": الاستسلاـ، لأنو "من استسلمت لأمره"، وىو الخضوع لأمره. وإنما سمي "المسلم" مسلما بخضوع جوارحو لطاعة ربو. عن الربيع: (بػَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَوُ ) ، يقوؿ: أخلص لله. وكما قاؿ زيد بن عمرو بن نفيل: وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... لو المزف تحمل عذبا زلالا يعني بذلك: استسلمت لطاعة من استسلم لطاعتو المزف وانقادت لو. وخص الله جل ثناؤه بالخبر عمن أخبر عنو بقولو: (بػَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَوُ لِلَّوِ ) ، بإسلاـ وجهو لو دوف سادر جوارحو، لأف أكرـ أعضاء ابن آدـ وجوارحو وجهو، وىو أعظمها عليو حرمة وحقا، فإذا خضع لشيء وجهو الذي ىو أكرـ أجزاء جسده عليو فغيره من أجزاء جسده أحرى أف يكوف أخضع لو. ولذلك تذكر العرب في منطقها الخبر عن الشيء، فتضيفو إلى "وجهو" وىي تعني بذلك نفس الشيء وعينو، كقوؿ الأعشى: أَؤُوِّؿ الحكم على وَجهو ... ليس قضادي بالهوى الجادر يعني بقو لو: "على وجهو": على ما ىو بو من صحتو وصوابو. فكذلك معنى قولو جل ثناؤه: (بػَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَوُ لِلَّوِ ) ، إنما يعني: بلى من أسلم لله بدنو، فخضع لو بالطاعة جسده، وىو محسن في إسلامو لو جسده، فلو أجره عند ربو. فاكتفى بذكر "الوجو" من ذكر "جسده" لدلالة الكلاـ على المعنى الذي أريد بو بذكر "الوجو".

عدد الصفحات ٤٤٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 439 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن العثيمين: والمراد بػ "الوجو" القصد، والنية، والإرادة؛ "أسلم وجهو لله" أي جعل اتجاىو، وقصده، وإرادتو خالصا لله عز وجل؛ وعبر بػ "الوجو" لأنو الذي يدؿ على قصد الإنساف؛ ولهذا يقاؿ: أين كاف وجو فلاف؟ يعني: أين كاف قصده، واتجاىو.. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٕصٕٓٙ: فَإِفَّ وَجْهَوُ ىُوَ قَصْدُهُ ، وَتػَوَج هُوُ الَّذِي ىُوَ أَصْلُ عَمَلِوِ وَىُوَ عَمَلُ قػَلْبِوِ الَّذِي ىُوَ مِلْكُ بَدَنِوِ ، فَإِذَا تػَوَجَّوَ قػَلْبُوُ تَبِعَوُ أَيْضًا تػَوَجَّوَ وَجْهُوُ ، فَاسْتَتْبَعَ الْقَصْدَ الَّذِي ىُوَ الأَْصْلُ مِنْ الْقَلْبِ ، الَّذِي ىُوَ الأَْصْلُ لِلْعَمَلِ ، الَّذِي ىُوَ تػَبَعٌ مِنْ الْوَجْوِ وَسَادِرِ الْبَدَفِ الَّذِي ىُوَ تػَبَعٌ ، فػَيَكُوفُ قَدْ أَسْلَمَ عَمَلَوُ الْبَاطِنَ وَالظَّاىِرَ ، وَأَعْضَاءَهُ الْبَاطِنَةَ وَالظَّاىِرَةَ لِلَّوِ؛ أَيْ سَلَّمَوُ لَوُ وَأَخْلَصَوُ لِلَّوِ كَمَا فِي الإِْسْلاَـِ اللاَّزِـِ وَىُوَ قػَوْلُوُ { :أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } وَقػَوْلُوُ عَنْ بلقيس{ :إنِّي ظَلَمْتُ نػَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَافَ لِلَّوِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وَقػَوْلُوُ عَنْ إبػْرَاىِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ { :رَبػَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ }أَيْ مُنػْقَادَةً مُخْلِصَةً . قاؿ ابن العثيمين وقولو تعالى{ :وىو محسن} :الجملة في محل نصب على الحاؿ من فاعل {أسلم} ؛ يعني: أسلم والحاؿ أنو محسن. أي متبع لشريعة الله ظاىرا، وباطنا ... قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٕٔصٕٔ٘: وَقَاؿَ تػَعَالَى - لَمَّا ذَكَرَ قػَوْؿَ الْيػَهُودِ وَالنَّصَارَى -{:لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلاَّ مَنْ كَافَ ىُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيػ هُمْ قُلْ ىَاتُوا بػُرْىَانَكُمْ إفْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }فَأَمَرَ أَفْ يُطَالِبػَهُمْ بِالْبػُرْىَافِ عَلَى ىَذَا النػَّفْيِ الْعَاـِّ وَمَا فِيوِ مِنْ الإِْثػْبَاتِ الْبَاطِلِ ثُمَّ قَاؿَ { :بػَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَوُ لِلَّوِ وَىُوَ مُحْسِنٌ فػَلَوُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّوِ وَلاَ خَوْؼٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ ىُمْ يَحْزَنُوفَ }فَأَخْبػَرَ سُبْحَانَوُ عَمَّنْ مَضَى مِمَّنْ كَافَ مُتَمَسِّكًا بِدِينِ حَقٍّ مِنْ الْيػَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّ ابِئِينَ وَعَنْ الْمُؤْمِنِينَ بػَعْدَ مَبػْعَثِ مُحَمَّدٍ أَنَّوُ مَنْ جَمَعَ " الْخِصَاؿَ الثَّلاَثَ " الَّتِي ىِيَ جِمَاعُ الصَّلاَحِ وَىِيَ الإِْيمَافُ بِالْخَلْقِ وَالْبػَعْثِ : بِالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ؛ الإِْيمَافُ بِاَللَّوِ وَالْيػَوْـِ الآْخِرِ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ؛ وَىُوَ أَدَاءُ الْمَأْمُورِ بِوِ وَتػَرْؾُ الْمَنْهِيِّ عَنْوُ . فَإِفَّ لَوُ حُصُوؿُ الثػَّوَابِ وَىُوَ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّوِ وَانْدِفَاعُ الْعِقَابِ . فَلاَ خَوْؼٌ عَلَيْوِ مِمَّا أَمَامَوُ وَلاَ يَحْزَفُ عَلَى مَا وَرَاءَهُ؛ وَلِذَلِ كَ قَاؿَ { :بػَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَوُ لِلَّوِ وَىُوَ مُحْسِنٌ }إخْلاَصِ الدِّينِ لِلَّوِ وَىُوَ عِبَادَتُوُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَوُ وَىُوَ حَقِيقَةُ قػَوْلِوِ { :إيَّاؾَ نػَعْبُدُ وَإِيَّاؾَ نَسْتَعِينُ }وَىُوَ مُحْسِنٌ . ؼَ " الأَْوَّؿُ " وَىُوَ إسْلاَـُ الْوَجْوِ ىُوَ النػِّيَّةُ وَىَذَا " الثَّانِي " - وَىُوَ الإِْحْسَافُ - ىُوَ الْعَمَلُ . وَىَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي ىَاتػَيْنِ الآْيػَتػَيْنِ ىُوَ الإِْيمَافُ الْعَاـ وَالإِْسْلاَـُ الْعَاـ الَّذِي أَوْجَبَوُ اللَّوُ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ مِنْ الأَْوَّ لِينَ وَالآْخَرِينَ .

عدد الصفحات ٤٤١

ذِي ذَكَرَهُ فِي ىَاتػَيْنِ الآْيػَتػَيْنِ ىُوَ الإِْيمَافُ الْعَاـ وَالإِْسْلاَـُ الْعَاـ الَّذِي أَوْجَبَوُ اللَّوُ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ مِنْ الأَْوَّ لِينَ وَالآْخَرِينَ . وقاؿ رحمو اللّو في الاستقامة جٕصٕٖٓ: وَىَذَا ىُوَ الاسلاـ الْعَاـ الَّذِي لاَ يقبل الله من اُحْدُ غَيره قَاؿَ تػَعَالَى {وَمن يبتغ غير الإِْسْلاَـ دينا فػَلَنْ يقبل مِنْوُ وَىُوَ فِي الآْخِرَة من الخاسرين}سُورَة آؿ عمرَاف ٘ٛ وَقَاؿَ تػَعَ الَى {شهد الله انو لاَ الو الا ىُوَ وَالْمَلاَدِكَة واولو الْعلم قَادِما بِالْقِسْطِ لاَ الو الا ىُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم اف الدّين عِنْد الله الاسلاـ } سُورَة آؿ عمرَاف ٔٛ-ٜٔ. والاسلاـ يجمع مَعْنيين احدىما: الاستسلاـ والانقياد فَلاَ يكوف متكبرا. وَالثَّانِي: الاخلاص من قػَوْلو تػَعَالَى {ورج سلما لرجل}سُورَة الزمر ٜٕ فَلاَ يكوف مُشْتَركا وَىُوَ اف يسلم العَبْد لله رب الْعَالمين كَمَا قَاؿَ

عدد الصفحات ٤٤١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 441 - سورة البقرة الجزء الاول تػَعَالَى{وَمن يرغب عَن مِلَّة ابراىيم الا من سفو نَفسو وَلَقَد اصطفيناه فِي الد نػْيَا وانو فِي الاخرة لمن الصَّالِ حين اذ قَاؿَ لَوُ ربو اسْلَمْ قَاؿَ اسلمت لرب الْعَالمين ووصى بهَا ابراىيم بنيو وَيػَعْقُوب يَا بني اف الله اصْطفى لكم الدّين فَلاَ تموتن الا وانتم مُسلمُوفَ }سُورَة الْبَقر ة ٖٓٔ -ٕٖٔ. وَقَاؿَ تػَعَالَى {قل انني ىَدَانِي رَبِّي الى صِرَاط مُسْتَقِيم دينا قيمً ا مِلَّة ابراىيم حَنِيفا وَمَا كَافَ من الْمُشْركين قل اف صَلاَتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لاَ شريك لَوُ وَبِذَلِك أمرت وانا اوؿ الْمُسلمين }سُورَة الانعاـ ٔٙٔ-ٖٙٔ. والاسلاـ يسْتػَعْمل لاَزِما معدي بِحرؼ اللاَّـ مثل مَا ذكر فِي ىَذِه الآيات وَ مثل قػَوْلو تػَعَالَى {قَالَت رب إِنِّي ظلمت نَفسِي وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَاف لله رب الْعَالمين}سُورَة النَّمْلٗٗ. وَمثل قػَوْلو تػَعَالَى {وأنيبوا إِلَى ربكُم وَأَسْلمُوا لَوُ من قبل أَف يأتيكم الْعَذَاب ثمَّ لاَ تنْصرُوفَ }سُورَة الزمر ٗ٘. وَمثل قػَوْلو{أفغير دين الله يػَبػْغُوفَ وَلو اسْلَمْ من فِي السَّمَوَات والارض طَوْعًا وَكرىا واليو يرجعُوفَ }سُورَة آؿ عمرَاف ٖٛ. وَمثل قػَوْلو {قل اندعوا من دوف الله مَالا ينفعنا وَلاَ يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ ىدَانَا الله كَالَّذي استهوتو الشَّيَاطِين فِي الأرض حيراف لَوُ أصحاب يَدعُونَوُ إلى الْهَدْي ادتنا قل إف ىدى الله ىُوَ الْهَدْي وأمرنا لنسلم لرب الْعَالمين واف أقيموا الصَّلاَة واتقوه وَىُوَ الَّذِي إليو تحشروف}سُورَة الأنعاـ ٔٚ- ٕٚ. وَ يسْتػَعْمل مُتػَعَدِّيا مَقْرُونا بِالإِْحْسَافِ كَقَوْلِو تػَعَالَى {وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إلا من كَافَ ىودا أو نَصَارَى تِلْكَ أمانيهم قل ىاتوا برىانكم إف كُنْتُم صَادِقين بلَى من اسْلَمْ وَجهو لله وَىُوَ محسن فَلوُ أجره عِنْد ربو وَلاَ خوؼ عَلَيْهِم وَلاَ ىم يَحْزَنُوفَ }سُورَة الْبػَقَرَة ٔٔٔ-ٕٔٔ. وَقَولو تػَعَالَى {وَمن أحسن دينا مِمَّن أسلم وَجهو لله وَىُوَ محسن وَاتبع مِلَّة إِبػْرَاىِيم حَنِيفا وَاتخذ الله إِبػْرَاىِيم خَلِيلاً }سُورَة النِّسَاء ٕ٘ٔ. فقد أنكر الله أف يكوف دين أحسن من ىَذَا الدّين ىُوَ اسلاـ الْوَجْو لله مَعَ الاحساف وَاخْبػَرْ انو كل {من أسلم وَجهو لله وَىُوَ محسن فَلوُ أجره عِنْد ربو وَلاَ خوؼ عَلَيْهِم وَلاَ ىم يَحْزَنُوفَ } سُورَة الْبػَقَرَة ٕٔٔ اثْبتْ ىَذِه الْكَلِمَة الجامعة والقضية الْعَامَّة ردا لما زَعمو من زَعمو انو لاَ يدْخل الْجنَّة الا متهود أو متنصر. وَىَذَافِ الوصفاف وىما اسلاـ الْوَجْو لله والاحساف ىما الاصلاف المتقدماف وىما كَوف القَوْؿ وَالْعَمَل خَالِصا لله صَوَابا مُوَافقا للسّنة والشريعة وَذَلِكَ إف إِسْلاَـ الْوَجْو لله ىُوَ يتَضَمَّن اخلاص الْقَصْد وَالنػِّيَّة لله كَ مَا قَاؿَ بَعضهم ... اسْتغْفر الله ذَنبا لست محصيو ... رب الْعباد إليو الْوَجْو وَالْعمل ... وَقد اسْتعْمل ىُنَا اربعة الفاظ اسلاـ الْوَجْو واقامة الْوَجْو كَقَوْلِو تػَعَالَى {وَأقِيمُوا وُجُوىكُم عِنْد كل مَسْجِد }سُورَة الأعراؼ ٜٕ وَقَولو تػَعَالَى {فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيػْهَا}سُورَة الرّوـ ٖٓ وتوجيو الْوَجْو كَقَوْؿ الْخَلِيل {وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات والارض حَنِيفا وَمَا أنا من الْمُشْركين}سُورَة الأنعاـ ٜٚ. وَكَذَلِكَ كَافَ النَّبِي يػَقُوؿ فِي دُعَاء الاستفتاح فِي صلاَتو {وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات والارض حَنِيفا وَمَا أنا من الْمُشْركين}سُورَة الأنعاـ ٜٚ. وَكَافَ يػَقُوؿ إذا أوى إلى فرَاشو اللَّهُمَّ أسلمت نَفسِي إليك ووجهت وَجْهي إليك

عدد الصفحات ٤٤٢

{وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات والارض حَنِيفا وَمَا أنا من الْمُشْركين}سُورَة الأنعاـ ٜٚ. وَكَافَ يػَقُوؿ إذا أوى إلى فرَاشو اللَّهُمَّ أسلمت نَفسِي إليك ووجهت وَجْهي إليك رَوَاهُ الْبَراء بن عَازِب فِي الصَّحِيح أيضا فَالْوَجْو يتػَنَاوَؿ المتوجو بِكَسْر الْجِيم والمتوجو بِفَتْح الْجِيم إليو ويتناوؿ التػَّوَج و نَفسو كَمَا يػُقَاؿ أَي وَجو تُرِيدُ أَي: أَي جِهَة وناحية تقصد وَذَلِكَ إنهما متلازماف فَحَيْثُ توجو الإنساف توجو وَجهو

عدد الصفحات ٤٤٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 441 - سورة البقرة الجزء الاول وَوَجهو مُسْتػَلْزـ لتوجهو وَىَذَا فِي بَاطِنو وَظَاىره جَمِيعًا فَهِيَ اربعة أمور وَالْبَاطِن ىُوَ الأصل، وَالظَّاىِر ىُوَ الْكَمَاؿ والشعار فإذا توجو قلبو إلى شَيْء تبعو وَجهو الظَّاىِر فَإِذا كَافَ العَبْد قَصده وَمرَاده وتوجهو إلى الله فػَهَذَا صَ لاَح إرادتو وقصده فَإِذا كَافَ مَعَ ذَلِك محسنا فقد اجْتمع لَوُ أف يكوف عملو صَالحا واف يكوف لله تػَعَالَى كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى {فَمن كَافَ يػَرْجُو لِقَاء ربو فليعمل عملا صَالحا وَلاَ يُشْرؾ بِعبَادة ربو أحدا}الْكَهْفٓٔٔ. وَىُوَ قَوؿ عمر : اللَّهُمَّ اجْعَ ل عَمَلي كُلو صَالحا واجعلو لوجهك خَالِصا وَلاَ تجْعَل لأحد فِيوِ شَيْئا. وَالْعَمَل الصَّالح ىُوَ الاحساف وَىُوَ فعل الْحَسَنَات وَىُوَ مَا أمر الله بِوِ وَالَّذِي أمر الله بِوِ ىُوَ الَّذِي شَرعو الله وَىُوَ الْمُوَافق لكتاب الله وَسنة رَسُولو فقد اخبر الله تػَعَالَى انو من اخلص قَصده لله وَكَافَ محسنا فِي عملو فَإِنَّوُ مُسْتَحقّ للثَّواب سَالم من الْعقَاب. وَلِهَذَا كَافَ أدمة السّلف رَحِمهم الله يجمعُوفَ ىذَيْن الأصلين كَقَوْؿ الفضيل بن عِيَاض فِي قػَوْلو تػَعَالَى {ليَبػْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا}سُورَة الْملك ٕ. قَاؿَ أخلصو وأصوبو فَقيل لَوُ يَا أبا على مَا أخلصو وأصوبو فػَقَاؿَ إف الْعَمَل إذا كَافَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل وإذا كَافَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل حَتَّى يكوف خَالِصا صَوَابا والخالص اف يكوف لله وَالصَّوَاب أف يكوف على السّنة. وَقد روى ابْن شاىين واللالكادي عَن سعيد بن جُبَير قَاؿَ لاَ يقبل قَوؿ إلا بِعَمَل وَلاَ يقبل قَوؿ وَعمل إلا بنية وَلاَ يقبل قَوؿ وَعمل وَنِيَّة إلا بموافقة السّنة ورويا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ مثلو وَلَفظ مَا روى عَن الْحسن ((لاَ يصلح)) مَكَاف (( لاَ يقبل)). وىذا فِيوِ رد على المرجئة الَّذين يجْعَلُوفَ مُجَرّد القَوْؿ كَافِيا، فَأخْبر أَنو لاَ بُد من قَوؿ وَعمل، إذ الإيماف قَوؿ وَعمل لاَ بُد من ىذَيْن، كَمَا قد بسطناه فِي غير ىَذَا الْموضع (ٔ)، وَبينا أف مُجَرّد تَصْدِيق الْقلب ونطق اللِّسَاف مَعَ البغض لله وشرادعو والاستكبار على الله وشرادعو لا يكوف إيمانا -بِاتػِّفَاؽ الْمُؤمنِينَ - حَتَّى يقْتَرف بالتصديق عمل صَالح. وَ أصل الْعَمَل عمل الْقلب وَىُوَ الْحبّ والتعظيم الْمنَافِي للبغض والاستكبار ثمَّ قَالُوا: لاَ يقبل قَوؿ وَعمل إلا بنية، وَىَذَا ظَاىر، فَإِف القَوْؿ وَالْعَمَل إذا لم يكن خَالِصا لله لم يقبلو الله تػَعَالَى ثمَّ قَالُوا: لاَ يقبل قَوؿ وَعمل وَنِيَّة إلا بموافقة السّنة، وَىِي الشَّرِيعَة، وَىِي مَا أمر الله بِوِ وَرَسُولو لأَِف القَوْؿ وَالْعَمَل وَالنػِّيَّة الَّذِي لاَ يكوف مسنونا مَشْرُوعا قد أمر الله بِوِ ، يكوف بِدعَة وكل بِدعَة ضَلاَلَة لَيْسَ مِمَّا يُحِبوُ الله، فَلاَ يقبلو الله، وَلاَ يصلح مثل أعماؿ الْمُشْركين وأىل الْكتاب . قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :فلو أجره} أي ثوابو؛ وشبهو بالأجر؛ لأف الله التزـ بو للعامل.. قولو تعالى{ :عند ربو} :أضاؼ العندية إليو لفاددتين:. الفاددة الأولى: أنو عظيم؛ لأف المضاؼ إلى العظيم عظيم؛ ولهذا جاء في حديث أبي بكر الذي علمو الرسوؿ إياه أنو قاؿ: "فاغفر لي مغفرة من عندؾ (ٔ) ".. )-ٔقمت): أنظر كلام شيخ الإسلام عن الإيمان عند تفسير الآية ٖ من سورة البقرة.

عدد الصفحات ٤٤٣