بَدَؿٍ كَصَدَقَةِ النَّجْوَى. وَيػُنْسَخُ الْقُرْآفُ بِالْقُرْآفِ . قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى جٕٓصٕٛٔ: وَأَمَّا " نَسْخُ الْقُرْآفِ بِالس نَّةِ " فػَهَذَا لاَ يُجَوِّزُهُ الشَّافِعِي ؛ وَلاَ أَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْوُ؛ وَيُجَوِّزُهُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى. وَىُوَ قػَوْؿُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِىِمْ وَقَدْ احْتَج وا عَلَى ذَلِ كَ بِأَفَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَْقػْرَبِينَ نَسَخَهَا قػَوْلُوُ { :إف اللَّوَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّوُ فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثِ }وَىَذَا غَلَطٌ فَإِفَّ ذَلِكَ إنَّمَا نَسَخَوُ آيَةُ الْمَوَارِيثِ كَمَا اتػَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ السَّلَفُ؛ فَإِنَّوُ لَمَّا قَاؿَ بػَعْدَ ذِكْرِ الْفَرَادِضِ { :تِلْكَ حُدُودُ اللَّوِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّوَ وَرَسُولَوُ يُدْخِلْوُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَْنػْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ { }وَمَنْ يػَعْصِ اللَّوَ وَرَسُولَوُ وَيػَتػَعَ دَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْوُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَوُ عَذَابٌ مُهِينٌ }فػَلَمَّا ذَكَرَ أَفَّ الْفَرَادِضَ الْمُقَدَّرَةَ حُدُودُهُ وَنػَهَى عَنْ
عدد الصفحات ٤١٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 418 - سورة البقرة الجزء الاول تػَعَدِّيهَا: كَافَ فِي ذَلِكَ بػَيَافُ أَنَّوُ لاَ يَجُوزُ أَفْ يػُزَادَ أَحَدٌ عَلَى مَا فػَرَضَ اللَّوُ لَوُ وَ ىَذَا مَعْنَى قػَوْؿِ النَّبِيِّ {إف اللَّوَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّوُ فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثِ }وَإِ فػَهَذَا الْحَدِيثُ وَحْدَهُ إنَّمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَنَحْوُهُ مِنْ أَىْلِ الس نَنِ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَوْ كَافَ مِنْ أَ خْبَارِ الآْحَادِ لَمْ يَجُزْ أَفْ يَجْعَلَ مُجَرَّدَ خَبَرٍ غَيْرِ مَعْلُوـٍ الصِّحَّةِ نَاسِخًا لِلْقُرْآفِ . وَبِالْجُمْلَةِ فػَلَمْ يػَثْبُتْ أَفَّ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآفِ نُسِخَ بِسُنَّةِ بِلاَ قػُرْآفٍ وَقَدْ ذَكَرُوا مِنْ ذَلِكَ قػَوْلو تػَعَالَى {فَأَمْسِكُوىُنَّ فِي الْبػُيُوتِ حَتَّى يػَتػَوَفَّاىُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّوُ لَهُنَّ سَبِيلاً }وَقَدْ ثػَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّوُ قَاؿَ { :خُذُوا عَنِّي؛ خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّوُ لَهُنَّ سَبِيلاً الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِادَةٍ وَتػَغْرِيبُ عَاـٍ وَالثػَّيِّبُ بِالثػَّيِّبِ جَلْدُ مِادَةٍ وَالرَّجْمُ }وَىَذِهِ الْحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُىُمَا: أَفَّ ىَذَا لَيْسَ مِنْ النَّسْخِ الْمُتػَنَازَعِ فِيوِ؛ فَإِفَّ اللَّوَ مَدَّ الْحُكْمَ إلَى غَايَةٍ وَالنَّبِي بػَيَّنَ تِلْكَ الْغَايَةَ لَكِنَّ الْغَايَةَ ىُنَا مَجْهُولَةٌ فَصَارَ ىَذَا يػُقَاؿُ : إنَّوُ نَسْخٌ بِخِلاَؼِ الْغَايَةِ الْبػَيػِّنَةِ فِي نػَفْسِ الْخِطَابِ كَقَوْلِوِ { :ثُم أَتِم وا الصِّيَاـَ إلَى اللَّيْلِ } فَإِف ىَذَا لاَ يُسَمَّى نَسْخًا بِلاَ رَيْبٍ . الْوَجْوُ الثَّانِي: أَفَّ جَلْدَ الزَّانِي ثَابِتٌ بِنَصِّ الْقُرْآفِ وَكَذَلِكَ الرَّجْمُ كَافَ قَدْ أُنْزِؿَ فِيوِ قػُرْآفٌ يػُتػْلَى ثُمَّ نُسِخَ لَفْظُوُ وَبَقِيَ حُكْمُوُ وَىُوَ قػَوْلُوُ : وَالشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنػَيَا فَارْجُمُوىُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالاً مِنْ اللَّوِ وَاَللَّوُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَقَدْ ثػَبَتَ الرَّجْمُ بِالس نَّةِ الْمُتػَوَاتِرَةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ . وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَمَّا يُدَّعَى مِنْ نَسْخِ قػَوْلِوِ { :وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَادِكُمْ } الآْيَةَ؛ فَإِفَّ ىَذَا إفْ قَدَرَ أَنَّوُ مَنْسُوخٌ فػَقَدْ نَسَخَوُ قػُرْآفٌ جَاءَ بػَعْدَهُ؛ ثُمَّ نُسِخَ لَفْظُوُ وَبَقِيَ حُكْمُوُ مَنػْقُولاً بِالتػَّوَاتُرِ وَلَيْسَ ىَذَا مِنْ مَوَارِدِ النػِّزَاعِ؛ فَإِفَّ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَد وَسَادِرَ الأَْ دِمَّةِ يُوجِبُوفَ الْعَمَلَ بِالس نَّةِ الْمُتػَوَاتِرَةِ الْمُحْكَمَةِ وَإِفْ تَضَمَّنَتْ نَسْخًا لِبػَعْضِ آيِ الْقُرْآفِ لَكِنْ يػَقُولُوفَ : إنَّمَا نُسِخَ الْقُرْآفُ بِالْقُرْآفِ لاَ بِمُجَرَّدِ الس نَّةِ وَيَحْتَج وفَ بِقَوْلِوِ تػَعَالَى{ :مَا نػَنْسَ خْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نػُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنػْهَا أَوْ مِثْلِهَا}وَيػَرَوْفَ مِنْ تَمَاـِ حُرْمَةِ الْقُرْآفِ أَفَّ اللَّوَ لَمْ يػَنْسَخْوُ إلاَّ بِقُرْآفِ . قاؿ ابن العثيمين قولو{ :ننسها} من النسياف؛ وىو ذىوؿ القلب عن معلوـ؛ وأما {ننسأىا} فهو من "النسأ"؛ وىو التأخير؛ ومعناه: تأخير الحكم، أو تأخير الإنزاؿ؛ أي أف الله يؤخر إنزالها، فتكوف الآية لم تنزؿ بعد؛ ولكن الله سبحانو وتعالى أبدلها بغيرىا؛ وأما على قراءة {ننسها}فهو من النسياف؛ بمعنى نجعل الرسوؿ ينساىا، كما في قولو تعالى{ :سنقردك فلا تنسى * إلا ما شاء الله[ }الأعلى: ٙ. ٚ]؛ والمراد بو ىنا رفع الآية؛ وليس مجرد النسياف؛ لأف مجرد النسياف لا يقتضي النسخ؛ فالنبي
عدد الصفحات ٤٢٠جعل الرسوؿ ينساىا، كما في قولو تعالى{ :سنقردك فلا تنسى * إلا ما شاء الله[ }الأعلى: ٙ. ٚ]؛ والمراد بو ىنا رفع الآية؛ وليس مجرد النسياف؛ لأف مجرد النسياف لا يقتضي النسخ؛ فالنبي قد ينسى بعض الآية؛ وىي باقية كما في الحديث: "أف النبي قرأ في الصلاة فترؾ شيئا لم يقرأه فقاؿ لو رجل : تركت آية كذا وكذا، فقاؿ رسوؿ الله : ىلا أذكر تنيها (ٔ) ".. قولو تعالى{ :نأت بخير منها} ىو جواب الشرط؛ والخيرية ىنا بالنسبة للمكلف؛ ووجو الخيرية. كما يقوؿ العلماء. أف النسخ إف كاف إلى أشد فالخيرية بكثرة الثواب؛ وإف كاف إلى أخف فالخيرية بالتسهيل على العباد مع تماـ -ٔ أخرجو أبو داود صٜٕٓٔ، كتاب الصلاة، باب ٛ٘ٔ: الفتح عمى الإمام في الصلاة، حديث رقم ٜٚٓ، أ، قال الألباني في صحيح أبي داود، حسن، ٔ/ٕٗ٘.
عدد الصفحات ٤٢٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 419 - سورة البقرة الجزء الاول الأجر؛ وإف كاف بالمماثل فالخيرية باستسلاـ العبد لأحكاـ الله عز وجل، وتماـ انقياده لها، كما قاؿ تعالى{ :وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسوؿ ممن ينقلب على عقبيو[ }البقرة: ٖٗٔ] قولو تعالى{ :أو مثلها} أي نأتي بمثلها.. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٚٔصٜٕ: وَالْمَقْصُ ودُ أَفْ نػُبػَيِّنَ أَفَّ مِثْلَ ىَذَا ىُوَ مِنْ الْعِلْمِ الْمُسْتَقِرِّ فِي نػُفُوسِ الأُْمَّةِ السَّابِقِينَ وَالتَّابِعِينَ وَلَمْ يػُعْرَؼْ قَط أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ رَدَّ مِثْلَ ىَذَا وَلاَ قَاؿَ : لاَ يَكُوفُ كَلاَـُ اللَّوِ بػَعْضُوُ أَشْرَؼُ مِنْ بػَ عْضٍ فَإِنَّوُ كُل وُ مِنْ صِفَاتِ اللَّوِ وَنَحْوَ ذَلِكَ إنَّمَا حَدَثَ ىَذَا الإِْنْكَارُ لَمَّا ظَهَرَتْ بِدَعُ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ اخْتػَلَفُوا فِي الْكِتَابِ وَجَعَلُوهُ عِضِينَ . وَمِمَّنْ ذَكَرَ " تػَفْضِيلَ بػَعْضِ الْقُرْآفِ عَلَى بػَعْضٍ فِي نػَفْ سِوِ " أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيػْرُىُمَا كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الإسفرايني وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَأَبِي إسْحَاؽَ الشِّيرَازِيِّ وَغَيْرِىِمْ وَمِثْلِ الْقَاضِي أَبِي يػَعْلَى وَالْحَلْوَانِيِّ الْكَبِيرِ وَابْنِوِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنِ عَقِيلٍ . قَاؿَ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي" كِتَابِ الْوَاضِحِ فِي أُصُوؿِ الْفِقْوِ " فِي احْتِجَاجِوِ عَلَى أَفَّ الْقُرْآفَ لاَ يػُنْسَخُ بِالسَّنَةِ قَاؿَ : فَمِنْ ذَلِكَ قػَوْلُوُ { :مَا نػَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نػُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنػْهَا أَوْ مِثْلِهَا}وَلَيْسَتْ الس نَّةُ مِثْلَ الْقُرْآفِ وَلاَ خَيػْرًا مِنْوُ فػَبَطَلَ النَّسْخُ بِهَا لأَِنَّوُ يػُؤَدِّي إلَى الْمُحَاؿِ وَىُوَ كَوْفُ خَبَرِهِ بِخِلاَؼِ مُخْبِرِهِ وَذَلِكَ مُحَاؿٌ عَلَى اللَّوِ فَمَا أَدَّى إلَيْوِ فػَهُوَ مُحَاؿٌ . قَاؿَ : فَإِفْ قِيلَ : أَصْلُ اسْتِدْلاَلِكُمْ مَبْنِي عَلَى أَفَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ الْفَضْلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِوِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنػْهَا لَكُمْ وَذَلِكَ يػَرْجِعُ إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ فِي حَقِّنَا: إمَّا سُهُولَةٌ فِي التَّكْلِيفِ فػَهُوَ خَيػْرٌ عَاجِلٌ أَوْ أَكْثػَرُ ثػَوَابًا لِكَوْنِوِ أَثػْقَلَ وَأَشَقَّ وَيَكُوفُ نػَفْعًا فِي الآْجِلِ وَالْعَاقِبَةِ وَكِلاَىُمَا قَدْ يػَتَحَقَّقُ بِطَرِيقِ الس نَّةِ . وَيَحْتَمِلُ : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنػْهَا لاَ نَاسِخًا لَهَا بَلْ يَكُ وفُ تَكْلِيفًا مُبْتَدَأً ىُوَ خَيػْرٌ لَكُمْ وَإِفْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُوُ الْقُرْآفَ النَّاسِخَ وَلاَ الس نَّةُ النَّاسِخَةُ . قَالُوا: يػُوَضِّحُ ىَذِهِ التَّأْوِيلاَتِ أَفَّ الْقُرْآفَ نػَفْسَوُ لَيْسَ بػَعْضُوُ خَيػْرًا مِنْ بػَعْضٍ فَلاَ بُدَّ أَفْ يَصْرِفُ وا اللَّفْظَ عَنْ ظَاىِرِهِ مِنْ خَيْرٍ يػَعُودُ إلَى التَّكْلِيفِ لاَ إلَى الطَّرِيقِ . وَقَاؿَ فِي الْجَوَابِ : قػَوْلُهُمْ : الْخَيػْرُ يػَرْجِعُ إلَى مَا يَخُص نَا مِنْ سُهُولَةٍ أَوْ ثػَوَابٍ لاَ يَصِح ؛ لأَِنَّوُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَاؿَ : " لَكُمْ ". فػَ لَمَّا حَذَؼَ ذَلِكَ دَؿَّ عَلَى مَا يػَقْتَضِيوِ الإِْطْلاَؽُ وَىُوَ كَوْفُ النَّاسِخِ خَيػْرًا مِنْ جِهَةِ نػَفْسِوِ وَذَاتِوِ وَمِنْ جِهَةِ الاِنْتِفَاعِ بِوِ فِي الْعَاجِلِ وَالآْجِلِ عَلَى أَفَّ ظَاىِرَهُ يػَقْتَضِي بِآيَاتِ خَيْرٍ مِنػْهَا فَإِفَّ ذَلِكَ يػَعُودُ إلَى الْجِنْسِ كَمَا إذَا قَاؿَ الْقَادِلُ :
عدد الصفحات ٤٢١ِهَةِ الاِنْتِفَاعِ بِوِ فِي الْعَاجِلِ وَالآْجِلِ عَلَى أَفَّ ظَاىِرَهُ يػَقْتَضِي بِآيَاتِ خَيْرٍ مِنػْهَا فَإِفَّ ذَلِكَ يػَعُودُ إلَى الْجِنْسِ كَمَا إذَا قَاؿَ الْقَادِلُ : مَا آخُذُ مِنْك دِينَارًا إلاَّ أُعْطِيك خَيػْرًا مِنْوُ لاَ يػُعْقَلُ بِالإِْطْلاَؽِ إلاَّ دِينَارًا خَيػْرًا مِنْوُ فػَيَتَخَيػَّرُ مِنْ الْجِنْسِ أَوَّلاً ثُمَّ النػَّفْعِ فَإِمَّا أَفْ يػَرْجِعَ ذَلِكَ إلَى ثػَوْبٍ أَوْ عَرَضٍ غَيْرِ الدِّينَارِ فَلاَ وَفِي آخِرِ الآْيَةِ مَا يَشْهَدُ بِأَنَّوُ أَرَادَ بِوِ الْقُرْآفَ لأَِنَّوُ قَاؿَ { :أَلَمْ تػَعْلَمْ أَفَّ اللَّوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }وَوَصْفُوُ لِنػَفَسِوِ بِالْقُدْرَةِ يَدُؿ عَلَى أَفَّ الَّذِي يَأْ تِي بِوِ ىُوَ أَمْرٌ يػَرْجِعُ إلَيْوِ دُوفَ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ قػَوْلُوُ {أَوْ مِثْلِهَا}يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ لأَِفَّ الْمُمَاثػَلَةَ يػَقْتَضِي إطْلاَقػَهَا مِنْ كُلِّ وَجْوٍ لاَ سِيَّمَا وَقَدْ أَنػَّثػَهَا تَأْنِيثَ الآْيَةِ فَكَأَنَّوُ قَاؿَ : نَأْتِ بِآيَةِ خَيْرٍ مِنػْهَا أَوْ بِآيَةِ مِثْلِهَا. " قػُلْت ": وَأَيْضًا فَلاَ يَجُوزُ أَفْ يػُرَادَ بِالْخَيْرِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِوِ أَخَفَّ عَمَلاً أَوْ أَشَقَّ وَأَكْثػَرَ ثػَوَابًا لأَِفَّ ىَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ ثَابِتَافِ لِكُلِّ مَا أَمَرَ اللَّوُ بِوِ مُبْ تَدَأً وَنَاسِخًا فَإِنَّوُ إمَّا أَفْ يَكُوفَ أَيْسَرَ مِنْ غَيْرِهِ فِي الد نػْيَا وَإِمَّا أَفْ يَكُوفَ أَشَقَّ فػَيَكُوفُ ثػَوَابُوُ أَكْثػَرَ فَإِذَا كَانَتْ ىَذِهِ الصِّفَةُ لاَزِمَةً لِجَمِيعِ الأَْحْكَاـِ لَمْ يُحْسِنْ أَفْ يػُقَاؿَ مَا نػَنْسَخُ مِنْ حُ كْمٍ
عدد الصفحات ٤٢١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 421 - سورة البقرة الجزء الاول نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْوُ أَوْ مِثْلِوِ فَإِفَّ الْمَنْسُوخَ أَيْضًا يَكُوفُ خَيػْرًا وَمَثَلاً بِهَذَا الاِعْتِبَارِ فَإِنػَّهُمْ إفْ فَسَّرُوا الْخَيػْرَ بِكَوْنِوِ أَسْهَلَ فػَقَدْ يَكُوفُ الْمَنْسُوخُ أَسْهَلَ فػَيَكُوفُ خَيػْرًا وَإِفْ فَسَّرُوهُ بِكَوْنِ وِ أَعْظَمَ أَجْرًا لِمَشَقَّتِوِ فػَقَدْ يَكُوفُ الْمَنْسُوخُ كَذَلِكَ وَاَللَّوُ قَدْ أَخْبػَرَ أَنَّوُ لاَ بُدَّ أَفْ يَأْتِيَ بِخَيْرٍ مِمَّا يػَنْسَخُوُ أَوْ مِثْلِوِ فَلاَ يَأْتِي بِمَا ىُوَ دُونَوُ . وَأَيْضًا فػَعَلَى مَا قَالُوهُ لاَ يَكُوفُ شَيْءٌ خَ يػْرًا مِنْ شَيْءٍ بَلْ إفْ كَافَ خَيػْرًا مِنْ جِهَةِ الس هُولَةِ فَذَلِكَ خَيػْرٌ مِنْ جِهَةِ كَثػْرَةِ الأَْجْرِ . قَاؿَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَأَمَّا قػَوْلُهُمْ إفَّ الْقُرْآفَ فِي نػَفْسِوِ لاَ يػَتَخَايػَرُ وَلاَ يػَتػَفَاضَلُ فػَعُلِمَ أَنَّوُ لَمْ يَرِدْ بِوِ الْخَ يػْرَ الَّذِي ىُوَ الأَْفْضَلِيَّةُ فػَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِفَّ تػَوْحِيدَ اللَّوِ الَّذِي فِي " سُورَةِ الإِْخْلاَصِ " وَمَا ضَمِنػَهَا مِنْ نػَفْيِ التَّجَز ؤِ وَالاِنْقِسَاـِ أَفْضَلُ مِنْ " تػَبَّتْ " الْمُتَضَمِّنَةِ ذَـِّ أَبِي لَهَبٍ وَذَـِّ زَوْجَتِوِ إفْ شِئْت فِي كَوْفِ الْمَدْحِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَدْحِ وَإِفْ شِئْت فِي الإِْعْجَازِ فَإِفَّ تِلاَوَةَ غَيْرِىَا مِنْ الآْيَاتِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنػْهَا الْفَصَاحَةُ وَالْبػَيَافُ أَفْضَلُ وَلَيْسَ مِنْ حَيْثُ كَافَ الْمُتَكَلِّمُ وَاحِدًا لاَ يَكُوفُ التػَّفَ اضُلُ لِمَعْنَى يػَعُودُ إلَى الْكَلاَـِ ثَانِيًا كَمَا أَفَّ الْمُرْسَلَ وَاحِدٌ لِذِي الن وفِ وَإِبػْرَاىِيمَ ، وَإِبػْرَاىِيمُ أَفْضَلُ مِنْ ذِي الن وفِ . قَاؿَ : وَأَمَّا قػَوْلُهُمْ { :نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنػْهَا}لاَ يَكُوفُ نَاسِخًا بَلْ مُبْتَدَأً فَلاَ يَ صِح لأَِنَّوُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَزَاءِ مَجْزُومًا وَىَذَا يػُعْطِي الْبَدَلِيَّةَ وَالْمُقَابػَلَةَ مِثْلَ قػَوْلِهِمْ : إفْ تُكْرِمْنِي أُكْرِمْك وَإِفْ أَطَعْتَنِي أَطَعْتُك يػَقْتَضِي أَفْ يَكُوفَ الْجَزَاءُ مُقَابػَلَةً وَبَدَلاً لاَ فِعْلاً مُبْتَدَأً . قػُلْت: الْمَقْصِدُ ىُنَا ذِكْرُ مَا نَصَرَهُ - مِنْ كَوْفِ الْقُرْآفِ فِي نػَفْسِوِ بػَعْضُوُ خَيػْرًا مِنْ بػَعْضٍ - لَيْسَ الْمَقْصُودُ الْكَلاَـُ فِي مَسْأَلَةِ النَّسْخِ . قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ألم تعلم} الهمزة ىنا للاستفهاـ؛ والمراد بو التقرير؛ وكلما جاءت على ىذه الصيغة فالاستفهاـ فيها للتقرير، مثل{ :ألم نشرح لك صدرؾ[ }الشرح: ٔ]؛ فقولو تعالى: {ألم تعلم} يقرر الله المخاطب. سواء قلنا: إنو الرسوؿ ؛ أو كل من يتأتى خطابو. بالاستفهاـ بأنو يعلم {أف الله على كل شيء قدير}؛ يعني أنك قد علمت قدرة الله على كل شيء؛ ومنها القدرة على النسخ.. وقولو تعالى{ :قدير} :لما أريد بها الوصف جاءت على صيغة "فعيل"؛ لكن إذا أريد بها الفعل تكوف بصيغة "الفاعل"، كما في قولو تعالى{ :قل ىو القادر على أف يبعث عليكم عذابا من فوقكم[ }الأنعاـ: ٘ٙ]؛ و "القدرة" صفة تقوـ بالقادر بحيث يفعل الفعل بلا عجز؛ و"القوة" صفة تقوـ بالقوي بحيث يفعل الفعل بلا ضعف؛ إذا المقابل للقدرة: العجز؛ لقولو تعالى{ :وما كاف الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنو كاف عليما قديرا[ }فاطر: ٗٗ]؛ والمقابل للقوة: الضعف، قاؿ تعالى{ :ا الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة[ }الروـ: ٗ٘ ]؛ والفرؽ الثاني بينهما: أف "القوة" يوصف بها من لو إرادة، وما ليس لو إرادة؛ فيقاؿ: رجل قوي؛ وحديد قوي؛ وأما "القدرة" فلا يوصف بها إلا ذو إرادة؛ فلا يقاؿ: حديد قادر..
عدد الصفحات ٤٢٢}الروـ: ٗ٘ ]؛ والفرؽ الثاني بينهما: أف "القوة" يوصف بها من لو إرادة، وما ليس لو إرادة؛ فيقاؿ: رجل قوي؛ وحديد قوي؛ وأما "القدرة" فلا يوصف بها إلا ذو إرادة؛ فلا يقاؿ: حديد قادر.. قاؿ ابن كثير: يػُرْشِدُ تػَعَالَى بِهَذَا إِلَى أَنَّوُ الْ مُتَصَرِّؼُ فِي خَلْقِوِ بِمَا يَشَاءُ، فػَلَوُ الْخَلْقُ وَالأَْمْرُ وَىُوَ الْمُتَصَرِّؼُ، فَكَمَا خَلَقَهُمْ كَمَا يَشَاءُ، وَيُسْعِدُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُشْقِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُصِح مَنْ يَشَاءُ، وَيُمْرِضُ مَنْ يَشَاءُ، وَيػُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ، وَيَخْ ذُؿُ مَنْ يَشَاءُ، كَذَلِكَ يَحْكُمُ فِي عِبَادِهِ بِمَا يَشَاءُ، فػَيَحِل مَا يَشَاءُ، وَيُحَرِّـُ مَا يَشَاءُ، وَيُبِيحُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْظُرُ مَا يَشَاءُ، وَىُوَ الذِي يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِوِ . وَلاَ يُسْأَؿُ عَمَّا يػَفْعَلُ وَىُ مْ يُسْأَلُوفَ . وَيَخْتَبِرُ عِبَادَهُ وَطَاعَتػَهُمْ لِرُسُلِوِ بِالنَّسْخِ،
عدد الصفحات ٤٢٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 421 - سورة البقرة الجزء الاول فػَيَأْمُرُ بِالشَّيْءِ لِمَا فِيوِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ التِي يػَعْلَمُهَا تػَعَالَى، ثُمَّ يػَنػْهَى عَنْوُ لِمَا يػَعْلَمُوُ تػَعَالَى.. فَالطَّاعَةُ كُل الطَّاعَةِ فِي امْتِثَاؿِ أَمْ رِهِ وَاتػِّبَاعِ رُسُلِوِ فِي تَصْدِيقِ مَا أَخْبػَرُوا. وَامْتِثَاؿِ مَا أَمَرُوا. وَتػَرْؾِ مَا عَنْوُ زَجَرُوا. وَفِي ىَذَا الْمَقَاـِ رَد عَظِيمٌ وَبػَيَافٌ بَلِيغٌ لِكُفْرِ الْيػَهُودِ وَتػَزْيِيفِ شُبػْهَتِهِمْ لَعَنػَهُمُ اللَّوُ فِي دَعْوَى اسْتِحَالَ ةِ النَّسْخِ إِمَّا عَقْلاً كَمَا زَعَمَوُ بعضهم جهلا وكفرا، ًَ وَإِمَّا نػَقْلاً كَمَا تَخَرَّصَوُ آخَرُوفَ مِنػْهُمُ افْتِرَاءً وَإِفْكًا. قػُلْتُ : الذِي يَحْمِلُ الْيػَهُودَ عَلَى الْبَحْثِ فِي مَسْأَلَةِ النَّسْخِ، إِنَّمَا ىُوَ الْكُفْرُ وَالْعِنَادُ، فَإِ نَّوُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يَدُؿ عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ فِي أَحْكَاـِ اللَّوِ تػَعَالَى؛ لأَِنَّوُ يَحْكُمُ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنَّوُ يػَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، مَعَ أَنَّوُ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي كُتُبِوِ الْمُتػَقَدِّمَةِ وَشَرَادِعِوِ الْمَاضِيَةِ، كَ مَا أَحَلَّ لآِدَـَ تػَزْوِيجَ بػَنَاتِوِ مِنْ بَنِيوِ، ثُمَّ حَرَّـَ ذَلِكَ، وَكَمَا أَبَاحَ لِنُوحٍ بػَعْدَ خُرُوجِوِ مِنَ السَّفِينَةِ أَكْلَ جَمِيعِ الْحَيػَوَانَاتِ، ثُمَّ نَسَخَ حِل بعضها، وكاف نكاح الأختين مباح لإِِسْرَادِيلَ وَبَنِيوِ، وَقَدْ حُرِّـَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ التػَّوْرَاةِ وَمَا بػَعْدَىَا. وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ يَطُوؿُ ذِكْرُىَا، وَىُمْ يػَعْتَرِفُوفَ بِذَلِكَ وَيَصْدِفُوفَ عَنْوُ . وَمَا يُجَابُ بِوِ عَنْ ىَذِهِ الأَْدِلَّةِ بِأَجْوِبَةٍ لَفْظِيَّةٍ، فَلاَ تُصْرَؼُ الدَّلاَلَةُ فِي الْمَعْنَ ى، إِذْ ىُوَ الْمَقْصُودُ، وَكَمَا فِي كُتُبِهِمْ مَشْهُورًا مِنَ الْبِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ وَالأَْمْرِ بِاتػِّبَاعِوِ، فَإِنَّوُ يفيد وجوب متابعتو، عليو والسلاـ، وَأَنَّوُ لاَ يػُقْبَلُ عَمَلٌ إِلاَّ عَلَى شَرِيعَتِوِ . وَسَوَاءٌ قِيلَ إِفَّ الشَّرَادِعَ الْمُتػَقَدِّمَةَ مُغَيَّاة إِلَى بِعْثَتِوِ، عَلَيْوِ السَّلاَـُ، فَلاَ يُسَمَّى ذَلِكَ نَسْخًا كَقَوْلِوِ { :ثُم أَتِم وا الصِّيَاـَ إِلَى اللَّيْلِ [ }الْبػَقَرَةِ: ٚٛٔ]، وَقِيلَ : إِنػَّهَا مُطْلَقَةٌ، وَإِفَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ نَسَخَتػْهَا، فػَعَلَى كُ لِّ تػَقْدِيرٍ فػَوُجُوبُ اتػِّبَاعِوِ مُ تعَيَّنٌ لأَِنَّوُ جَاءَ بِكِتَابٍ ىُوَ آخِرُ الْكُتُبِ عَهْدًا بِاللَّوِ تػَبَارَؾَ وَتػَعَالَى. فَفِي ىَذَا الْمَقَاـِ بػَيَّنَ تػَعَالَى جَوَازَ النَّسْخِ، رَدًّا عَلَى الْيػَهُودِ، عَلَيْهِمْ لَعَادِنُ اللَّوِ، حَيْثُ قَاؿَ تػَعَالَى{ :أَلَمْ تػَعْلَمْ أَفَّ اللَّوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تػَعْلَمْ أَفَّ اللَّوَ لَوُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُوفِ اللَّوِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ }الآْيَةَ، فَكَمَا أَفَّ لَوُ الْمُلْكَ بِلاَ مُنَازِعٍ، فَكَذَلِكَ لَوُ الْحُكْمُ بِمَا يَشَاءُ، {أَ لَوُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ [ }الأَْعْرَاؼِ: ٗ٘]وَقُرِئَ فِي سُورَةِ آؿِ عِمْرَافَ، التِي نػَزَؿَ صَدْرُىَا خِطَابًا مَعَ أَىْلِ الْكِتَابِ، وُقُوعُ النسخ عند اليهود في وقولو تػَعَالَى{ :كُل الطَّعَاـِ كَافَ حِلا لِبَنِي إِسْرَادِيلَ إِلا مَا حَرَّـَ إِسْرَادِيلُ عَلَى نػَفْسِوِ }الآْيَةَ [آؿِ عِمْرَافَ : ٖٜ]كَمَا سَيَأْتِي تػَفْسِيرُىَا، وَالْمُسْلِمُوفَ كُل هُمْ مُتَّفِقُوفَ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ فِي أَحْكَاـِ اللَّوِ تػَعَالَى، لِمَا لَوُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَ مِ الْبَالِغَةِ، وَكُل هُمْ قَاؿَ بِوُقُوعِوِ .
عدد الصفحات ٤٢٣لْمُسْلِمُوفَ كُل هُمْ مُتَّفِقُوفَ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ فِي أَحْكَاـِ اللَّوِ تػَعَالَى، لِمَا لَوُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَ مِ الْبَالِغَةِ، وَكُل هُمْ قَاؿَ بِوُقُوعِوِ . قاؿ ابن العثيمين: تنبيو: من ىذا الموضع من السورة إلى ذكر تحويل القبلة في أوؿ الجزء الثاني تجد أف كل الآيات توطئة لنسخ استقباؿ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ ولهذا تجد الآيات بعدىا كلها في التحدث مع أىل الكتاب الذين أنكروا غاية الإنكار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة..
عدد الصفحات ٤٢٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 422 - سورة البقرة الجزء الاول (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- ثبوت النسخ، وأنو جادز عقلا، وواقع شرعا؛ وىذا ما اتفقت عليو الأمة إلا أبا مسلم الأصفهاني؛ فإنو زعم أف النسخ مستحيل؛ وأجاب عما ثبت نسخو بأف ىذا من باب التخصيص؛ وليس من باب النسخ؛ وذلك لأف الأحكاـ النازلة ليس لها أمد تنتهي إليو؛ بل أمدىا إلى يوـ القيامة؛ فإذا نسخت فمعناه أننا خصصنا الزمن الذي بعد النسخ. أي أخرجناه من الحكم.؛ فمثلا: وجوب مصابرة الإنساف لعشرة حين نزؿ كاف واجبا إلى يوـ القيامة شاملا لجميع الأزماف؛ فلما نسخ أخرج بعض الزمن الذي شملو الحكم، فصار ىذا تخصيصا؛ وعلى ىذا فيكوف الخلاؼ بين أبي مسلم وعامة الأمة خلافا لفظيا؛ لأنهم متفقوف على جواز ىذا الأمر؛ إلا أنو يسميو تخصيصا؛ وغيره يسمونو نسخا؛ والصواب تسميتو نسخا؛ لأنو صريح القرآف{ :ما ننسخ من آية أو ننسها}؛ ولأنو ىو الذي جاء عن السلف.. ٕ- أف الناسخ خير من المنسوخ؛ لقولو تعالى{ :نأت بخير منها}؛ أو مماثل لو عملا. وإف كاف خيرا منو مآلا.؛ لقولو تعالى: (أو مثلها). ٖ- أف أحكاـ الله سبحانو وتعالى تختلف في الخيرية من زماف إلى زماف؛ بمعنى أنو قد يكوف الحكم خيرا للعباد في وقت؛ ويكوف غيره خيرا لهم في وقت آخر.. ٗ- عظمة الله عز وجل لقولو تعالى{ :ما ننسخ}فإف الضمير ىنا للتعظيم؛ وىو سبحانو وتعالى أىل العظمة ... ٘- إثبات تماـ قدرة الله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :ألم تعلم أف الله على كل شيء قدير}؛ ومن ذلك أنو قادر على أف ينسخ ما يشاء.. ٙ- أف قدرة الله عامة شاملة؛ لقولو تعالى: (أف الله على كل شيء قدير) . ٚ- أف القادر على تغيير الأمور الحسية قادر على تغيير الأمور المعنوية؛ فالأمور القدرية الكونية الله قادر عليها؛ فإذا كاف قادرا عليها فكذلك الأمور الشرعية المعنوية؛ وىذا ىو الحكمة في قولو تعالى{ :ألم تعلم أف الله على كل شيء قدير}بعد ذكر النسخ.. ٛ- أف الشريعة تابعة للمصالح؛ لأف النسخ لا يكوف إلا لمصلحة؛ فإف الله لا يبدؿ حكما بحكم إلا لمصلحة.. قد يقوؿ قادل: ما الفاددة إذا من النسخ إذا كانت مثلها والله تعالى حكيم لا يفعل شيئا إلا لحكمة؟ فالجواب: أف الفاددة اختبار المكلف بالامتثاؿ؛ لأنو إذا امتثل الأمر أولا وآخرا، دؿ على كماؿ عبوديتو؛ وإذا لم يمتثل دؿ على أنو يعبد ىواه، ولا يعبد مولاه؛ مثاؿ ذلك: تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ ىذا بالنسبة للمكلف ليس فيو فرؽ أف يتجو يمينا، أو شمالا؛ إنما الحكمة من ذلك اختبار المرء بامتثالو أف يتجو حيثما وجو؛ أما المتجو إليو، وكونو أولى بالاتجاه إليو فلا ريب أف الاتجاه إلى الكعبة أولى من الاتجاه إلى بيت المقدس؛ ولهذا ضل من ضل، وارتد من ارتد بسبب تحويل القبلة: قاؿ الله تعالى{ :وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع
عدد الصفحات ٤٢٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 423 - سورة البقرة الجزء الاول الرسوؿ ممن ينقلب على عقبيو وإف كانت لكبيرة إلا على الذين ىدى الله[ }البقرة: ٖٗٔ]؛ فالإنساف يبتلى بمثل ىذا النسخ؛ إف كاف مؤمنا عابدا لله قاؿ: سمعت وأطعت؛ وإف كاف سوى ذلك عاند، وخالف: يقوؿ: لماذا ىذا التغيير! فيتبين بذلك العابد حقا، ومن ليس بعابد ... ٜ- أف الله تعالى وعد بأنو لا يمكن أف ينسخ شيئا إلا أبدلو بخير منو، أو مثلو؛ ووعده صدؽ.. ٓٔ- ذكر ما يطمئن بو العبد حين يخشى أف يقلق فكره؛ لقولو تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها). أَلَمْ تػَعْلَمْ أَفَّ اللَّوَ لَوُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُوفِ اللَّوِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (ٚٓٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ألم تعلم أف الله لو ملك السموات والأرض} أي أف الله وحده الذي لو ملك السموات، والأرض: ملك الأعياف، والأوصاؼ، والتدبير؛ فأعياف السموات، والأرض، وأوصافها ملك لله؛ و"التدبير" يعني أنو تعالى يملك التدبير فيها كما يشاء: لا معارض لو، ولا ممانع؛ و {السموات} جمع سماء؛ ويطلق على العلو، وعلى السقف المحفوظ. وىو المراد ىنا.؛ وىي سبع سموات كما جاء في القرآف الكريم، والسنة النبو ية؛ و {الأرض} أي جنس الأرضين، فيشمل السبع كلها.. قولو تعالى{ :وما لكم من دوف الله} أي من سواه؛ {من ولي} :فعيل بمعنى مفعل؛ أي ما من أحد يتولاكم فيجلب لكم الخير؛ {و نصير} أي ولا ناصر يدفع عنكم الشر؛ و {من} :حرؼ جر زادد إعرابا؛ ولكنو أصلي المعنى؛ إذ إف الغرض منو التنصيص على العموـ؛ يعني ما لكم أي ولي.. قاؿ الطبري فتأويل الآية إذًا: ألم تعلم يا محمد أف لي ملك السموات والأرض وسلطانهما دوف غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما ما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدؿ وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر منها ما أشاء؟ وىذا الخبر وإف كاف من الله عز وجل خطابا لنبيو محمد على وجو الخبر عن عظمتو، فإنو منو جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكاـ التوراة وجحدوا نبوة عيسى، وأنكروا محمدا ، لمجيئهما بما جاءا بو من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرىم الله أف لو ملك السموات والأرض وسلطانهما، فإف الخلق أىل مملكتو وطاعتو، عليهم السمع لو والطاعة لأمره ونهيو، وأف لو أمرَىم بما شاء ونهيَهم عما شاء، ونسخ ما شاء، وإقرار ما شاء، وإنساء ما شاء من أحكامو وأمره ونهيو. ثم قاؿ لنبيو وللمؤمنين معو: انقادوا لأمري، وانتهوا إلى طاعتي فيما أنسخ وفيما أترؾ فلا أنسخ، من أحكامي وحدودي وفرادضي، ولا يهولنكم خلاؼ مخالف لكم في أمري ونهيي وناسخي ومنسوخي، فإنو لا قيم بأمركم سواي، ولا ناصر لكم غيري، وأنا المنفرد بولايتكم، والدفاع عنكم، والمتوحد بنصرتكم
عدد الصفحات ٤٢٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 424 - سورة البقرة الجزء الاول بعزي وسلطاني وقوتي على من ناوأكم وحادكم، ونصب حرب العداوة بينو وبينكم، حتى أعلي حجتكم، وأجعلها عليهم لكم. وليس لكم، أيها المؤمنوف، بعد الله من قيم بأمركم، ولا نصير فيؤيدكم ويقويكم، فيعينكم على أعدادكم. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- تقرير عموـ ملك الله؛ لقولو تعالى{ :ألم تعلم أف الله لو ملك السموات والأرض}؛ ولا يرد على ىذا إضافة الملك للإنساف، كما في قولو تعالى{ :أو ما ملكت أيمانكم[ }النساء: ٖ]؛ فإف ىذه الإضافة ليست على سبيل الإطلاؽ؛ لأف ملك الإنساف للأشياء ملك محدود، وناقص، وقاصر؛ محدود من حين استيلادو عليو إلى أف يخرج عن ملكو ببيع، أو ىبة، أو موت، أو غير ذلك؛ كذلك ىو ناقص: فهو لا يملك التصرؼ فيو كما يشاء؛ بل تصرفو مقيد بما يباح لو شرعا؛ ولهذا لو أراد أف يحرؽ ملكو لم يملك ذلك؛ كذلك أيضا ملك الإنساف قاصر؛ فهو لا يملك إلا ما تحت يده؛ فلا يشمل ملك الآخرين.. ٕ- اختصاص ملك السموات، والأرض بالله؛ وىذا مأخوذ من تقديم الخبر، حيث إف تقديم الخبر يدؿ على الحصر؛ لقولو تعالى{ :لو ملك السموات والأرض} ٖ- أف من ملك الله أنو ينسخ ما يشاء، ويثبت؛ فكأف قولو تعالى{ :ألم تعلم أف الله لو ملك السموات والأرض} تعليل لقولو تعالى{ :ما ننسخ من آية}؛ فالمالك للسموات والأرض يتصرؼ فيهما كما شاء.. ٗ- أنو لا أحد يدفع عن أحد أراد الله بو سوءا؛ لقولو تعالى{ :وما لكم من دوف الله من ولي ولا نصير ٘- أنو يجب على المرء أف يلجأ إلى ربو في طلب الولاية، والنصر.. فإذا قاؿ قادل: إف الله سبحانو وتعالى يقوؿ{ :ىو الذي أيدؾ بنصره وبالمؤمنين[ }الأنفاؿ: ٕٙ]، ويقوؿ تعالى{ :إ تنصروه فقد نصره الله[ }التوبة: ٓٗ]؛ فأثبت نصرا لغير الله.. فالجواب: أف إثبات النصر لغير الله إثبات للسبب فقط؛ وليس نصرا مستقلا؛ والنصر المستقل من عند الله؛ أما انتصار بعضنا ببعض فإنو من باب الأخذ بالأسباب؛ وليس على وجو الاستقلاؿ ... ٙ- أف ما يريده الإنساف فهو إما جلب منفعة يحتاج إلى ولي يجلبها لو؛ وإما دفع مضرة يحتاج إلى نصير يدفعها عنو..
عدد الصفحات ٤٢٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 425 - سورة البقرة الجزء الاول أَـْ تُرِيدُوفَ أَفْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِ لَ مُوسَى مِنْ قػَبْلُ وَمَنْ يػَتَبَدَّؿِ الْكُفْرَ بِالإِْيمَافِ فػَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (ٛٓٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :أـ تريدوف أف تسألوا}؛ {أـ} ىنا منقطعة بمعنى "بل" وىمزة الاستفهاـ؛ أي: بل أتريدوف؛ والإضراب ىنا ليس للإبطاؿ؛ لأف الأوؿ ليس بباطل؛ بل ىو باؽ؛ فالإضراب ىنا إضراب انتقاؿ؛ و "الإرادة" ىنا بمعنى المشيئة؛ وإف شئت فقل: بمعنى المحبة؛ والخطاب ىنا قيل: إنو لليهود حينما سألوا النبي آيات يأتي بها؛ وقيل: إنو للمشركين؛ لقولو تعالى{ :وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا[ }الإسراء: ٜٓ]؛ وقيل: إنو للمسلمين؛ والآية صالحة للأقواؿ كلها؛ لأف محمدا رسوؿ للجميع؛ لكن تخصيصها باليهود يبعده قولو تعالى: {كما سئل موسى من قبل} ؛ فمعنى الآية: أتريدوف أف توردوا الأسئلة على رسولكم كما كاف بنو إسراديل تورد الأسئلة على رسولها؛ ولا شك أف الاستفهاـ ىنا يراد بو الإنكار على من يكثروف السؤاؿ على النبي .. قاؿ الطبري: عن ابن عباس: قاؿ رافع بن حريملة ووىب بن زيد لرسوؿ الله : ادتنا بكتاب تنزلو علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك! فأنزؿ الله في ذلك من قولهما: (أـ تريدوف أف تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) ، الآية. (ٔ) قولو تعالى{ :رسولكم} أضافو سبحانو وتعالى إليهم، مع أنو في آيات كثيرة أضافو الله إلى نفسو{ :يا أىل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم[ }الماددة: ٘ٔ]؛ والجمع بين ذلك: أف كل واحدة من الإضافتين تنزؿ على حاؿ: فهو رسوؿ الله باعتبار أنو أرسلو؛ ورسولنا باعتبار أنو أرسل إلينا؛ والمراد بو محمد بالإجماع .. قولو تعالى{ :كما سئل موسى من قبل} أي كما سأؿ بنو إسراديل موسى من قبل، كقولهم{ :لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة[ }البقرة: ٘٘]، وقولهم{ :اجعل لنا إلها كما لهم آلهة[ }الأعراؼ: ٖٛٔ]، و غير ذلك؛ فبنو إسراديل ىم المشهوروف بالأسئلة، والتعنت، والإعجاز؛ أما ىذه الأمة فإنها قد أدبها الله عز وجل فأحسن تأديبها: لا يسألوف إلا عن أمر لهم فيو حاجة.. قاؿ السعدي: ينهى الله المؤمنين، أو اليهود، بأف يسألوا رسولهم {كما سئل موسى من قبل} والمراد بذلك، أسئلة التعنت والاعتراض، كما قاؿ تعالى{ :يسألك أىل الكتاب أف تنزؿ عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} وقاؿ تعالى{ :يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إف تبد لكم تسؤكم }فهذه ونحوىا، ىي المنهي عنها. -ٔ الأثر في سيرة ابن ىشام ٕ: ٜٚٔ.
عدد الصفحات ٤٢٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 426 - سورة البقرة الجزء الاول وأما سؤاؿ الاسترشاد و التعلم، فهذا محمود قد أمر الله بو كما قاؿ تعالى {فاسألوا أىل الذكر إف كنتم لا تعلموف} ويقررىم عليو، كما في قولو {يسألونك عن الخمر والميسر}و {يسألونك عن اليتامى}ونحو ذلك. قاؿ الطبري: أتريدوف أيها القوـ أف تسألوا رسولكم من الأشياء نظير ما سأؿ قوـ موسى من قبلكم، فتكفروا -إف مُنِعتموه- في مسألتكم ما لا يجوز في حكمة الله إعطاؤكموه، أو أف تهلكوا إف كاف مما يجوز في حكمتو عطاؤكموه، فأعطاكموه، ثم كفرتم من بعد ذلك، كما ىلك من كاف قبلكم من الأمم التي سألت أنبياءىا ما لم يكن لها مسألتها إياىم، فلما أعطيت كفرت، فعوجلت بالعقوبات لكفرىا، بعد إعطاء الله إياىا سؤلها. قاؿ الطبري قولو تعالى{ :وَمَنْ يػَتَبَدَّؿِ الْكُفْرَ بِالإِيمَافِ } (ومن يتبدؿ) ، ومن يستبدؿ "الكفر"، ويعني بػ "الكفر"، الجحود بالله وبآياتو، (بالإيماف) ، يعني بالتصديق بالله وبآياتو والإقرار بو. قاؿ ابن العثيمين {فقد ضل} :أي تاه {سواء السبيل} أي وسط الطريق؛ يعني يخرج عن وسط الطريق إلى حافات الطريق، وإلى شعبها؛ وطريق الله واحد؛ وعليك أف تمشي في سواء الصراط. أي وسطو. حتى لا تعرض نفسك للضلاؿ.. قاؿ السعدي: ولما كانت المسادل المنهي عنها مذمومة، قد تصل بصاحبها إلى الكفر، قاؿ: {ومن يتبدؿ الكفر بالإيماف فقد ضل سواء السبيل} قاؿ الطبريفتأويل الكلاـ إذا: ومن يستبدؿ بالإيماف بالله وبرسولو الكفر، فيرتد عن دينو، فقد حاد عن منهج الطريق ووسطو الواضح المسبوؿ. وىذا القوؿ ظاىره الخبر عن زواؿ المستبدؿ بالإيماف والكفر عن الطريق، والمعْنِي بو الخبر عنو أنو ترؾ دين الله الذي ارتضاه لعباده، وجعلو لهم طريقا يسلكونو إلى رضاه، وسبيلا يركبونها إلى محبتو والفوز بجناتو. فجعل جل ثناؤه الطريق - الذي إذا ركب محجتو السادر فيو، ولزـ وسطو المجتاز فيو، نجا وبلغ حاجتو، وأدرؾ طلبتو - لدينو الذي دعا إليو عباده، مثلا لإدراكهم بلزومو واتباعو، طلباتهم في آخرتهم، كالذي يدرؾ اللازـ محجة السبيل - بلزومو إياىا - طلبتو من النجاة منها، والوصوؿ إلى الموضع الذي أمو وقصده. وجعل مثل الحادد عن دينو، الجادر عن اتباع ما دعاه إليو من عبادتو- في إخطادو ما رجا أف يدركو بعملو في آخرتو ويناؿ بو في معاده، وذىابو عما أمل من ثواب عملو، وبعده بو من ربو، مثلَ الحادد عن منهج الطريق وقصد السبيل، الذي لا يزداد وغولا في الوجو الذي سلكو، إلا ازداد من موضع حاجتو بعدا، وعن المكاف الذي أمو وأراده نأيا. وىذه السبيل التي أخبر الله عنها، أف من يتبدؿ الكفر بالإيماف فقد ضل سواءىا، ىي الصراط المستقيم"، الذي أمرنا بمسألتو الهداية لو بقولو: (اىدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم) . وفي قولو: (ومن يتبدؿ الكفر بالإيماف فقد ضل سواء السبيل) ، دليل واضح أف ىذه الآيات من قولو: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) ، خطاب من الله جل ثناؤه المؤمنين بو من أصحاب رسوؿ الله ، وعتاب منو لهم
عدد الصفحات ٤٢٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 427 - سورة البقرة الجزء الاول على أمر سلف منهم، مما سر بو اليهود، وكرىو رسوؿ الله لهم، فكرىو الله لهم، فعاتبهم على ذلك، وأعلمهم أف اليهود أىل غش لهم وحسد وبغي، وأنهم يتمنوف لهم المكاره، ويبغونهم الغوادل، ونهاىم أف ينتصحوىم، وأخبرىم أف من ارتد منهم عن دينو فاستبدؿ بإيمانو كفرا، فقد أخطأ قصد السبيل. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- إنكار كثرة الأسئلة لرسوؿ الله ؛ لأف الاستفهاـ{ :أـ تريدوف}يقصد بو الإنكار؛ وقد قاؿ النبي محذرا من ذلك: " ذروني ما تركتكم فإنما ىلك الذين من قبلكم بكثرة مسادلهم واختلافهم على أنبيادهم" (ٔ) ؛ وصح عن النبي : "أف أعظم المسلمين جرما من سأؿ عن شيء لم يحرـ فحرـ من أجل مسألتو" (ٕ) ؛ فهذا نهي، وإنكار على الذين يسألوف رسوؿ الله مسادل؛ والمطلوب من المسلم في زمن الوحي أف يسكت حتى ينزؿ ما أراد الله عز وجل من أمر أو نهي ... ٕ- تأكيد ذـ ىذا النوع من الأسئلة؛ لقولو تعالى{ :رسولكم}؛ فكأنو أراد أنو لما كاف رسولكم، فالذي ينبغي منكم عدـ إعناتو بالأسئلة.. ٖ- أف إرساؿ محمد من مصالحنا، ومنافعنا؛ لقولو تعالى: (رسولكم) .. ٗ- أف كثرة الأسئلة للنبي فيها مشابهة لليهود؛ لقولو تعالى: (كما سئل موسى من قبل) . ٘- أنو لا ينبغي إلقاء السؤاؿ إلا لمصلحة: إما رجل وقعت لو مسألة يسأؿ عن حكمها؛ أو طالب علم يتعلم ليستنتج المسادل من أصولها؛ أما الأسئلة لمجرد استظهار ما عند الإنساف فقط؛ أو أقبح من ذلك من يستظهر ما عند الإنساف ليضرب آراء العلماء بعضها ببعض، وما أشبو ذلك؛ أو لأجل إعنات المسؤوؿ، وإحراجو؛ فكل ىذا من الأشياء المذمومة التي لا تنبغي.. ٙ- ذـ بني إسراديل الذين أرسل إليهم موسى ، حيث إف الله سبحانو وتعالى ذكرىم في ىذه الآية على سبيل الذـ.. ٚ- أف اليهود كانوا سألوا موسى عن أشياء فكانت العاقبة فيها وخيمة: فقد سألوا عن أشياء بينت لهم؛ لكنهم لم يعملوا بها؛ فكانت نتيجة السؤاؿ الخيبة.. -ٔ أخرجو مسمم صٜٔٓ، كتاب الحج، باب ٖٚ: فرض الحج مرة في العمر، حديث رقم ٕٖٚ٘ [ٕٔٗ]ٖٖٚٔ. -ٕ أخرجو البخاري صٚٓٙ، كتاب الاعتصام، باب ٖ: ما يكره من كثرة السؤال، حديث رقم ٜٕٛٚ، وأخرجو مسمم صٕٜٓٔ - ٖٜٓٔ، كتاب الفضائل باب ٖٚ: توقيره وترك إكثار سؤالو ... ، حديث رقم ٙٔٔٙ [ٕٖٔ]ٖٕٛ٘.
عدد الصفحات ٤٢٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 428 - سورة البقرة الجزء الاول ٛ- إثبات رسالة موسى ؛ لقولو تعالى{ :كما سئل موسى من قبل}يعني: وىو رسوؿ.. ٜ- ذـ من استبدؿ الكفر بالإيماف؛ لقولو تعالى{ :ومن يتبدؿ الكفر بالإيماف فقد ضل سواء السبيل؛ وىذا يشمل من بقي على كفره بعد عرض الإيماف عليو، ومن ارتد بعد إيمانو؛ فإنو في الحقيقة تبديل؛ لأف كل مولود يولد على الفطرة؛ فإذا كفر فقد تبدؿ الكفر بالإيماف.. ٓٔ- أف من اختار الكفر على الإيماف فهو ضاؿ.. ٔٔ- عكس ىذه المسألة: أف من يتبدؿ الإيماف بالكفر فقد ىدي إلى سواء السبيل ... ٕٔ- الرد على الجبرية الذين يقولوف: إف الإنساف ليس لو إرادة في عملو، وأنو مجبر عليو؛ لقولو تعالى{ :ومن يتبدؿ الكفر بالإيماف} ٖٔ- أنو يجب على السادل أف يعمل بما أجيب بو؛ لأنو إذا علم ولم يعمل فقد تبدؿ الكفر بالإيماف من بعد ما تبين لو أنكر؛ فالواجب على المرء إذا سأؿ من يثق بو أف يعمل بقولو؛ ولهذا قاؿ العلماء: ومن سأؿ مفتيا ملتزما بقولو حرـ عليو أف يسأؿ غيره؛ لأنو حين سألو كاف يعتقد أف الذي يقولو ىو الشرع؛ فإذا كاف يعتقد ىذا فلا يسأؿ غيره؛ نعم، إذا سأؿ إنسانا يثق بو بناء على أف فتواه ىو الشرع، وأفتاه، ولكنو سمع في مجلس عالم آخر حكما نقيض الذي أفتي بو مدعما بالأدلة، فحينئذ لو أف ينتقل؛ بل يجب عليو؛ أو سأؿ عالما مقتنعا بقولو للضرورة. لأنو ليس عنده في البلد أعلم منو. على نية أنو إذا وجد أعلم منو سألو؛ فهذا أيضا يجوز أف يسأؿ غيره إذا وجد أعلم منو.. وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَىْلِ الْكِتَابِ لَوْ يػَرُد ونَكُمْ مِنْ بػَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنػْفُسِهِمْ مِنْ بػَعْدِ مَا تػَبػَيَّنَ لَهُمُ الْحَق فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّوُ بِأَمْرِهِ إِفَّ اللَّوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (ٜٓٔ) قاؿ الطبري: وقد صرح ىذا القوؿ من قوؿ الله جل ثناؤه، بأف خطابو بجميع ىذه الآيات من قولو: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) - وإف صرؼ في نفسو الكلاـ إلى خطاب النبي ، إنما ىو خطاب منو للمؤمنين و أصحابو، وعتاب منو لهم، ونهي عن انتصاح اليهود ونظرادهم من أىل الشرؾ وقبوؿ آرادهم في شيء من أمور دينهم - ودليل على أنهم كانوا استعملوا أو من استعمل منهم في خطابو ومسألتو رسوؿ الله الجفاء، وما لم يكن لو استعمالو معو، تأسيا باليهود في ذلك أو ببعضهم. فقاؿ لهم ربهم ناىيا عن استعماؿ ذلك: لا تقولوا لنبيكم كما تقوؿ لو اليهود: "راعنا"، تأسيا منكم بهم، ولكن قولوا: "انظرنا واسمعوا"، فإف أذى رسوؿ الله كفر بي، وجحود لحقي الواجب لي عليكم في تعظيمو وتوقيره، ولمن كفر بي عذاب أليم؛ فإف اليهود والمشركين ما يودوف أف ينزؿ عليكم من خير من ربكم، ولكن كثيرا منهم ودوا أنهم يردونكم من بعد إيمانكم كفارا، حسدا من عند أنفسهم لكم ولنبيكم محمد ،
عدد الصفحات ٤٣٠