المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٣٠ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 388 - سورة البقرة الجزء الاول ذَلِكَ أَفَّ الْمَلَكَ يػَقْرَؤُهُ عَلَيْوِ حَتَّى يَسْمَعَوُ مِنْوُ، فػَتَصِلُ مَعَ انِيوِ إِلَى قػَلْبِوِ بػَعْدَ سَمَاعِوِ، وَذَلِكَ ىُوَ مَعْنَى تػَنْزِيلِوِ عَلَى قػَلْبِوِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قػَوْلِوِ تػَعَالَى: (لاَ تُحَرِّؾْ بِوِ لِسَانَكَ لِتػَعْجَلَ بِوِ إِفَّ عَلَيػْنَا جَمْعَوُ وَقػُرْآنَوُ فَإِذَا قػَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قػُرْآنَوُ ثُمَّ إِفَّ عَلَيػْنَا بػَيَانَوُ [ )٘ٚ \ ٙٔ، ٜٔ]، وَقػَوْلِوِ : (وَلاَ تػَعْجَلْ بِالْقُرْآفِ مِنْ قػَبْلِ أَفْ يػُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُوُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا[ )ٕٓ \ ٗٔٔ] قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :بإذف الله} أي بإذنو الكوني القدري؛ {مصدقا لما بين يديو} :حاؿ من الضمير. الهاء في قولو تعالى {نزلو} ؛ يعني نزلو حاؿ كونو مصدقا لما بين يديو. أي لما سبقو من الكتب، كالتوراة، والإنجيل، وغيرىما من الكتب التي أخبرت عن نزوؿ القرآف؛ وسبق بياف معنى تصديق القرآف لما بين يديو. قاؿ الطبري: فإف جبريل نزؿ القرآف على قلبك، يا محمد، مصدقا لما بين يدي القرآف. يعني بذلك: مصدقا لما سلف من كتب الله أمامو، ونزلت على رسلو الذين كانوا قبل محمد . وتصديقو إياىا، موافقة معانيو معانيها في الأمر باتباع محمد وما جاء بو من عند الله، وىي تصدقو. (ٔ). عن ابن عباس: (مصدقا لما بين يديو) ، يقوؿ: لما قبلو من الكتب التي أنزلها الله، والآيات، والرسل الذين بعثهم الله بالآيات، نحو موسى ونوح وىود وشعيب وصالح، وأشباىهم من الرسل صلى الله عليهم. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وىدى} أي دلالة؛ {وبشرى}أي بشارة؛ و"البشارة" الإخبار بما يسر؛ وقد تأتي في الإخبار بما يضر، مثل قولو تعالى{ :فبشره بعذاب أليم[ }لقماف: ٚ]؛ و {للمؤمنين} متعلق بػ {بشرى} ؛ وإنما كاف بشرى للمؤمنين خاصة؛ لأنهم الذين قبلوه، وانتفعوا بو؛ "المؤمنوف" أي الذين آمنوا بما يجب الإيماف بو مع القبوؿ، والإذعاف؛ لأف الإيماف يدؿ على أمن، واستقرار؛ ولهذا قاؿ بعض العلماء: إنو يكوف في الأمور الغيبية دوف الأمور المحسوسة.. قاؿ الطبري: يعني بقولو جل ثناؤه: (وىدى) ودليل وبرىاف. وإنما سماه الله جل ثناؤه "ىدى"، لاىتداء المؤمن بو. و"اىتداؤه بو" اتخاذه إياه ىاديا يتبعو، وقاددا ينقاد لأمره ونهيو وحلالو وحرامو. و"الهادي" من كل شيء: ما تقدـ أمامو. ومن ذلك قيل لأوادل الخيل: "ىواديها"، وىو ما تقدـ أمامها، وكذلك قيل للعنق: "الهادي"، لتقدمها أماـ سادر الجسد. وأما "البشرى" فإنها البشارة. أخبر الله عباده المؤمنين جل ثناؤه، أف القرآف لهم بشرى منو، لأنو أعلمهم بما أعد لهم من الكرامة عنده في جناتو، وما ىم إليو صادروف في معادىم من ثوابو، وذلك ىو "البشرى" التي بشر الله بها المؤمنين في كتابو. لأف البشارة في كلاـ العرب، ىي: إعلاـ الرجل بما لم يكن بو عالما مما يسره من الخبر، قبل أف يسمعو من غيره، أو يعلمو من قبل غيره. وقد روي في ذلك عن قتادة قوؿ قريب المعنى مما قلناه: عن قتادة قولو: -ٔ في المطبوعة: "وىي تصديقو" والصو اب ما أثبت، يريد: وىي توافقو. كما فسر قبل.

عدد الصفحات ٣٩٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 389 - سورة البقرة الجزء الاول (ىدى وبشرى للمؤمنين) ، لأف المؤمن إذا سمع القرآف حفظو ووعاه، وانتفع بو واطمأف إليو، وصدؽ بموعود الله الذي وعد فيو، وكاف على يقين من ذلك. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :من كاف عدوا لله} أي معاديا لو مستكبرا عن عبادتو.. قولو تعالى{ :وملادكتو} يعني وعدوا لملادكتو؛ و "الملادكة" جمع ملك؛ وىم عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، وسخرىم لعبادتو يسبحوف الليل، والنهار لا يفتروف؛ ومنهم جبريل، وميكاديل، وإسرافيل الذين كاف النبي يذكر أسماءىم في افتتاح صلاة الليل (ٔ) .. قولو تعالى{ :ورسلو} جمع رسوؿ؛ وىم الذين أوحى الله تعالى إليهم بشرع، وأمرىم بتبليغو؛ أولهم نوح، وآخرىم محمد. صلى الله عليهم وسلم أجمعين.. قولو تعالى{ :وجبريل وميكاؿ} :معطوؼ على قولو تعالى: {وملادكتو} من باب عطف الخاص على العاـ؛ وعطف الخاص على العاـ يدؿ على شرؼ الخاص؛ فجبريل موكل بالوحي من الله إلى الرسل؛ و {ميكاؿ} ىو ميكاديل الموكل بالقطر، والنبات؛ وخص ىذين الملكين؛ لأف أحدىما موكل بما تحيى بو القلوب وىو جبريل؛ والثاني موكل بما تحيى بو الأرض وىو ميكاديل.. قولو تعالى{ :فإف الله عدو للكافرين} :ىذا جواب الشرط: من كاف عدوا لله فالله عدو لو؛ ومن كاف عدوا للملادكة فإف الله عدو لو؛ ومن كاف عدوا لرسلو فإف الله عدو لو؛ ومن كاف عدوا لجبريل فإف الله عدو لو؛ ومن كاف عدوا لميكاديل فإف الله عدو لو؛ وىنا أظهر في موضع الإضمار لفاددتين؛ إحداىما: لفظية؛ والثانية: معنوية؛ أما الفاددة اللفظية: فمناسبة رؤوس الآي؛ وأما الفاددة المعنوية فهي تتضمن ثلاثة أمور: الأوؿ: الحكم على أف من كاف عدوا لله ومن ذكر، بأنو يكوف كافرا؛ يعني: الحكم على ىؤلاء بالكفر؛ الثاني: أف كل كافر سواء كاف سبب كفره معاداة الله، أو لا، فالله عدو لو، ثالث: بياف العلة. وىي في ىذه الآية: الكفر.. قاؿ الطبري: وىذا خبر من الله جل ثناؤه من كاف عدوا لله، من عاداه، وعادى جميع ملادكتو ورسلو؛ وإعلاـ منو أف من عادى جبريل فقد عاداه وعادى ميكاديل، وعادى جميع ملادكتو ورسلو. لأف الذين سماىم الله في ىذه الآية ىم أولياء الله وأىل طاعتو، ومن عادى لله وليا فقد عادى الله وبارزه بالمحاربة، ومن عادى الله فقد عادى جميع أىل طاعتو وولايتو. لأف العدو لله عدو لأوليادو، والعدو لأولياء الله عدو لو. فكذلك قاؿ لليهود - الذين قالوا: إف جبريل عدونا من الملادكة، وميكاديل ولينا منهم-: (من كاف عدوا لله وملادكتو ورسلو وجبريل وميكاؿ فإف الله عدو للكافرين) ، من أجل أف عدو جبريل عدو كل ولي لله. فأخبرىم جل ثناؤه أف من كاف عدوا لجبريل، فهو لكل من ٔ- راجع صحيح مسمم صٓٓٛ، كتاب صلاة المسافرين، باب: ٕٙ: صلاة النبي ودعاؤه، حديث رقم ٔٔٛٔ [ٕٓٓ]ٓٚٚ.

عدد الصفحات ٣٩١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 391 - سورة البقرة الجزء الاول ذكره - من ملادكتو ورسلو وميكاؿ - عدو، وكذلك عدو بعض رسل الله، عدو لله ولكل ولي. فإف قاؿ قادل: أو ليس جبريل وميكاديل من الملادكة؟ قيل: بلى. فإف قاؿ: فما معنى تكرير ذكرىما بأسمادهما، وقد مضى ذكرىما في الآية في جملة أسماء الملادكة؟ قيل: معنى إفراد ذكرىما بأسمادهما، أف اليهود لما قالت: "جبريل عدونا، وميكاديل ولينا" - وزعمت أنها كفرت بمحمد ، من أجل أف جبريل صاحب محمد - أعلمهم الله أف من كاف لجبريل عدوا، فإف الله لو عدو، وأنو من الكافرين. فنص عليو باسمو وعلى ميكاديل باسمو، لئلا يقوؿ منهم قادل: إنما قاؿ الله: من كاف عدوا لله وملادكتو ورسلو، ولسنا لله ولا لملادكتو ورسلو أعداء. لأف الملادكة اسم عاـ محتمل خاصا، وجبريل وميكاديل غير داخلين فيو. وكذلك قولو: (ورسلو) ، فلست يا محمد داخلا فيهم. فنص الله تعالى على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم، ليقطع بذلك تلبيسهم على أىل الضعف منهم، ويحسم تمويههم أمورىم على المنافقين. وأما إظهار اسم الله في قولو: (فإف الله عدو للكافرين) ، وتكريره فيو - وقد ابتدأ أوؿ الخبر بذكره فقاؿ: (من كاف عدوا لله وملادكتو) - فلئلا يلتبس لو ظهر ذلك بكناية، فقيل: "فإنو عدو للكافرين"، على سامعو، من المَعْنِيّ بػ "الهاء" التي في "فإنو": أألله، أـ رسل الله جل ثناؤ ه، أـ جبريل، أـ ميكاديل؟ إذ لو جاء ذلك بكناية على ما وصفت، فإنو يلتبس معنى ذلك على من لم يوقف على المعني بذلك، لاحتماؿ الكلاـ ما وصفت. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيتين:ٔ- أف من الناس من يكوف عدوا لملادكة الله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :قل من كاف عدوا لجبريل}ووجو ذلك: أف مثل ىذا لكلاـ لو لم يكن لو أصل لكاف لغوا من القوؿ؛ والقرآف منزه عن ىذا اللغو.. ٕ- فضيلة جبريل. عليو الصلاة والسلاـ. لأف الله تعالى دافع عنو.. ٖ- ذكر الوصف الذي يستحق أف يكوف بو وليا لجبريل؛ لقولو تعالى{ :فإنو نزلو على قلبك}يعني: ومن كاف ىذه وظيفتو فإنو يستحق أف يكوف وليا.. ٗ- إثبات علو الله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :فإنو نزلو}؛ وإنما نزؿ بو من عند الله؛ والنزوؿ لا يكوف إلا من أعلى.. ٘- أف النبي قد وعى القرآف وعيا كاملا لا يتطرؽ إليو الشك؛ لقولو تعالى{ :نزلو على قلبك}؛ لأف ما نفذ إلى القلب حل في القلب؛ وإذا حل في القلب فهو في حرز مكين..

عدد الصفحات ٣٩٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 391 - سورة البقرة الجزء الاول ٙ- أف ىذا القرآف إنما نزؿ بإذف الله؛ لقولو تعالى{ :نزلو على قلبك بإذف الله}؛ والإذف ىنا كوني؛ وقد ذكر العلماء أف إذف الله تعالى نوعاف:. كوني: وىو المتعلق بالخلق، والتكوين، ولا بد من وقوع ما أذف الله تعالى فيو بهذا المعنى؛ مثالو قولو تعالى{ :من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنو[ }البقرة: ٕ٘٘]، وقولو تعالى{ :وما ىم بضارين بو من أحد إلا بإذف الله[ }البقرة: ٕٓٔ]وقولو تعالى{ :ما أصاب من مصيبة إلا بإذف الله[ }التغابن: ٔٔ] والثاني شرعي: وىو ما يتعلق بالشرع، والعبادة؛ مثالو قولو تعالى{ :قل آلله أذف لكم أـ على الله تفتروف[ }يونس: ٜ٘]؛ وقولو تعالى{ :أـ لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذف بو الله[ }الشورى: ٕٔ]؛ والفرؽ بينهما أف المأذوف بو شرعا قد يقع، وقد لا يقع؛ وأما المأذوف بو قدرا فواقع لا محالة؛ ومن جهة أخرى: أف المأذوف بو شرعا محبوب إلى الله عز وجل؛ والمأذوف بو قدرا قد يكوف محبوبا، وقد يكوف غير محبوب.. ٚ- أف القرآف بشرى للمؤمنين؛ وعلامة ذلك أنك تنتفع بو؛ فإذا وجدت نفسك منتفعا بو حريصا عليو تاليا لو حق تلاوتو فهذا دليل على الإيماف، فتنالو البشرى؛ وكل ما رأى الإنساف من نفسو كراىة القرآف، أو كراىة العمل بو، أو التثاقل في تطبيقو فليعلم أنو إنما فاقد للإيماف بالكلية، أو أف إيمانو ناقص.. ٛ- أف من عادى الله فهو كافر؛ لقولو تعالى{ :من كاف عدوا لله}، ثم قاؿ تعالى: (فإف الله عدو للكافرين) . ٜ- أف من كاف عدوا للملادكة، أو للرسل فإنو عدو لله؛ لأف الملادكة رسل الله، كما قاؿ تعالى{ :جاعل الملادكة رسلا[ }فاطر: ٔ]؛ والرسل البشريوف أيضا رسل لله؛ فمن عادى ملادكة الله من جبريل أو غيره، أو عادى الرسل من محمد أو غيره فقد عادى الله عز وجل.. فإف قيل: فهل من عادى المؤمنين يكوف معاديا لله؟ فالجواب: ىذا محل توقف في دلالة الآية عليو؛ اللهم إلا إذا عادى المؤمنين لكونهم تمسكوا بشريعة الرسل؛ فهذا يظهر أف الله يكوف عدوا لهم، لأف من عاداىم إنما فعل ذلك بسبب أنهم تمسكوا بما جاءت بو الرسل؛ فكاف حقيقة معاداتهم أنهم عادوا رسل الله، كما قاؿ أىل العلم في قولو تعالى{ :إف شانئك ىو الأبتر[ }الكوثر: ٖ]أي مبغضك، ومبغض ما جئت بو من السنة ىو الأبتر؛ وفي الحديث الصحيح أف الله تعالى في الحديث القدسي قاؿ: "من عادى لي وليا فقد آذنتو بالحرب" (ٔ) .. ٓٔ- أف كل كافر فالله عدو لو؛ لقولو تعالى: (فإف الله عدو للكافرين). ٔٔ- إثبات صفة العداوة من الله. أي أف الله يعادي؛ وىي صفة فعلية كالرضا، والغضب، والسخط، والكراىة؛ و "المعاداة" ضدىا الموالاة الثابتة للمؤمنين، كما قاؿ الله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا) (البقرة: ٕٚ٘) -ٔأخرجو البخاري ص٘ٗ٘، كتاب الرقاق، باب ٖٛ: التواضع، حديث رقم ٕٓ٘ٙ.

عدد الصفحات ٣٩٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 392 - سورة البقرة الجزء الاول وَلَقَدْ أَنػْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بػَيػِّ نَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُوفَ (ٜٜ) قاؿ الطبري: عن ابن عباس قاؿ: قاؿ ابن صوريا الفِطيوني لرسوؿ الله : (ٔ) يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفو، وما أنزؿ الله عليك من آية بينة فنتبعك بها! فأنزؿ الله عز وجل: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقوف) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ولقد} سبق الكلاـ عليها؛ {أنزلنا إليك} :الإنزاؿ إنما يكوف من الأعلى إلى الأسفل؛ وذلك؛ لأف القرآف كلاـ الله؛ والله تعالى فوؽ عباده.. قولو تعالى{ :آيات} جمع آية؛ والآية في اللغة: العلامة، لكنها في الحقيقة أدؽ من مجرد العلامة؛ لأنها تتضمن العلامة، والدليل؛ فكل آية علامة. ولا عكس؛ لكن العلماء. رحمهم الله. قد يفسروف الشيء بما يقاربو، أو يلازمو. وإف كاف بينهما فرؽ، كتفسيرىم "الريب" بالشك في قولو تعالى{ :لا ريب فيو[ }البقرة]:مع أف "الريب" أخص من مطلق الشك؛ لأنو شك مع قلق؛ وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلاـ ابن تيمية في رسالة "أصوؿ التفسير".. قولو تعالى{ :بينات} جمع بينة؛ وىن الواضحات في ذاتها، ودلالتها.. قاؿ الطبري: أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك: وتلك الآيات ىي ما حواه كتاب الله الذي أنزلو إلى محمد من خفايا علوـ اليهود ومكنوف سرادر أخبارىم وأخبار أوادلهم من بني إسراديل، والنبأ عما تضمنتو كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارىم وعلماؤىم - وما حرفو أوادلهم وأواخرىم وبدلوه، من أحكامهم التي كانت في التوراة. فأطلعها الله في كتابو الذي أنزلو على نبيو محمد . فكاف، في ذلك من أمره، الآيات البينات لمن أنصف نفسو، ولم يدعو إلى إىلاكها الحسد والبغي. إذ كاف في فطرة كل ذي فطرة صحيحة، تصديق من أتى بمثل الذي أتى بو محمد من الآيات البينات التي وصفت من غير تعلم تعلمو من بشر، ولا أخذ شيء منو عن آدمي. عن ابن عباس: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات) يقوؿ: فأنت تتلوه عليهم، وتخبرىم بو غدوة وعشية وبين ذلك، وأنت عندىم أمي لم تقرأ كتابا، وأنت تخبرىم بما في أيديهم على وجهو. يقوؿ الله: ففي ذلك لهم عبرة وبياف، وعليهم حجة لو كانوا يعلموف. وقولو تعالى{ :وما يكفر بها} أي بهذه الآيات البينات؛ {إ الفاسقوف} أي الخارجوف عن شريعة الله؛ فالمراد بػ "الفسق" ىنا الفسق الأكبر، كقولو تعالى في سورة السجدة{ :وأما الذين فسقوا فمأواىم النار[ }السجدة: ٕٓ] ٔ- في المطبوعة "القطيوني" بالقاف، وىو خطأ، و ىو من بني ثعمبة بن الفطيون (بكسر الفاء وسكون الطاء، وضم الياء) . قال السييمي: "الفطيون: كممة عبرانية تطمق عمى كل من ولي أمر الييود وممكيم". ورواية ابن جرير: "ابن صوريا"، والذي في سيرة ابن ىشام ٕ: ٜٙٔ"ابن صموبا الفطيوني". وقد ذكر ابن ىشام فيما روى من سيرة ابن إسحاق ٔ: ٓٙٔ - ٔٙٔ"الأعداء من ييود"، فعد في بني ثعمبة: ابن الفطيون: "عبد الله بن صوريا الأعور، ولم يكن في زمانو أحد أعمم بالتوراة منو، وابن صموبا، ومخيريق. وكان حبرىم، أسمم"، ولم أستطع أن أرجح أىو: ابن صوريا، أو - ابن صموبا - الذي كان من أمره ما كان. ولعميما روايتان مختمفتان عن ابن إسحاق.

عدد الصفحات ٣٩٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 393 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري: ولقد أنزلنا إليك، فيما أوحينا إليك من الكتاب علامات واضحات تبين لعلماء بني إسراديل و أحبارىم - الجاحدين نبوتك، والمكذبين رسالتك - أنك لي رسوؿ إليهم، ونبي مبعوث، وما يجحد تلك الآيات الدالات على صدقك ونبوتك، التي أنزلتها إليك في كتابي فيكذب بها منهم إلا الخارج منهم من دينو، التارؾ منهم فرادضي عليو في الكتاب الذي يدين بتصديقو. فأما المتمسك منهم بدينو، والمتبع منهم حكم كتابو، فإنو بالذي أنزلت إليك من آياتي مصدؽ وىم الذين كانوا آمنوا بالله وصدقوا رسولو محمدا من يهود بني إسراديل. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف القرآف وحي من الله عز وجل.. ٕ- عظمة القرآف؛ لأف الله سبحانو وتعالى أضافو إليو، وجعلو آية.. ٖ- ثبوت علو الله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :ولقد أنزلنا إليك آيات بينات}؛ والنزوؿ لا يكوف إلا من أعلى؛ وعلو الله سبحانو وتعالى من صفاتو الذاتية اللازمة لو التي لم يزؿ، ولا يزاؿ متصفا بها؛ وأما استواؤه على العرش فإنو من الصفات الفعلية؛ لأنو يتعلق بمشيئتو.. ٗ- وصف القرآف بأنو آيات بينات، ولا ينافي ىذا قولو تعالى{ :منو آيات محكمات ىن أـ الكتاب وأخر متشابهات[ }آؿ عمراف: ٚ]؛ لأف ىذا التشابو يكوف متشابها على بعض الناس دوف بعض؛ ولأنو يحمل على المحكم، فيكوف الجميع محكما، كما قاؿ تعالى{ :فأما الذين في قلوبهم زيع فيتبعوف ما تشابو منو ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلو وما يعلم تأويلو إلا الله والراسخوف في العلم ... [ }آؿ عمراف: ٚ]الآية.. فالحاصل: أف القرآف. ولله الحمد. آيات بينات؛ ولكنو يحتاج إلى قلب ينفتح لهذا القرآف حتى يتبين؛ أما قلب يكره القرآف، ثم يأتي بما يشتبو فيو ليضرب القرآف بعضو ببعض فهذا لا يتبين لو أبدا؛ إنما يتبين الهدى من القرآف لمن أراد الهدى؛ وأما من لم يرده فلا؛ ولهذا قاؿ تعالى{ :وما يكفر بها إلا الفاسقوف} ٘- أنو لا يكفر بالقرآف إلا الفاسق.. ٙ- أف من كفر بو فهو فاسق ... ٚ- إطلاؽ الفاسق على الكافر؛ وعلى ىذا يكوف الفسق على نوعين:. فسق أكبر مخرج عن الملة، كما في قولو تعالى{ :فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملوف * وأما الذين فسقوا فمأواىم النار[ }السجدة: ٜٔ، ٕٓ]الآية؛ ووجو الدلالة أنو تعالى جعل الفسق ىنا مقابلا للإيماف..

عدد الصفحات ٣٩٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 394 - سورة البقرة الجزء الاول والثاني: فسق أصغر لا يخرج من الإيماف؛ ولكنو ينافي العدالة، كقولو تعالى{ :ولكن الله حبب إليكم الإيماف وزينو في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوؽ والعصياف[ }الحجرات: ٚ]فعطف {الفسوؽ}على {الكفر}؛ والعطف يقتضي المغايرة.. (مسألة) تنقسم آيات الله تعالى إلى قسمين: كونية، وشرعية؛ فالكونية مخلوقاتو، كالشمس، والقمر، والنجوـ، والإنساف، وغير ذلك؛ قاؿ الله تعالى{ :ومن آياتو الليل والنهار والشمس والقمر[ }فصلت: ٖٚ]، وقاؿ تعالى{ :ومن آياتو خلق السموات والأرض واختلاؼ ألسنتكم وألوانكم إف في ذلك لآيات للعالمين[ }الروـ: ٕٕ]؛ وأما الشرعية فهي ما أنزلو الله تعالى على رسلو من الشرادع، كقولو تعالى{ :ىو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياتو} [الجمعة: ٕ]، وقولو تعالى{ :وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما ىذا إلا رجل يريد أف يصدكم عما كاف يعبد آباؤ كم[ }..سبأ: ٖٗ]الآية، وكذلك الآية التي نحن بصدد تفسيرىا.. أَوَ كُلَّمَا عَاىَدُوا عَهْدًا نػَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنػْهُمْ بَلْ أَكْثػَرُىُمْ لاَ يػُؤْمِنُوفَ (ٓٓٔ) وَلَمَّا جَاءَىُمْ رَسُوؿٌ مِنْ عِنْدِ اللَّوِ مُصَدِّؽٌ لِمَا مَعَهُمْ نػَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِ ينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّوِ وَرَاءَ ظُهُورِىِمْ كَأَنػَّهُمْ لاَ يػَعْلَمُوفَ (ٔٓٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :أو كلما} الهمزة ىنا للاستفهاـ؛ والواو للعطف؛ ومثل ىذه الصيغة متكررة في القرآف كثيرا؛ وقد سبق الكلاـ عليها؛ أما {كلما}فإنها أداة شرط تفيد التكرار. أي كثرة وقوع شرطها، وجوابها؛ وكلما حصل الشرط حصل الجواب؛ فإذا قلت: "كلما جاء زيد فأكرمو" اقتضى تكرار إكرامو بتكرر مجيئو قل، أو كثر.. قاؿ السعدي: وىذا فيو التعجيب من كثرة معاىداتهم، وعدـ صبرىم على الوفاء بها. فػ "كلما "تفيد التكرار، فكلما وجد العهد ترتب عليو النقض. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :عاىدوا عهدا}؛ "العهد": الميثاؽ الذي يكوف بين الطوادف سواء كاف ذلك بين أمة مسلمة وأمة كافرة؛ أو بين أمتين مسلمتين؛ أو بين أمتين كافرتين؛ والضمير في {عاىدوا} يعود على اليهود؛ {نبذه فريق منهم}النبذ": الطرح، والترؾ. أي ترؾ ىذا العهد جماعة منهم. أي من اليهود. فطرحوه، ولم يفوا بو؛ وىذا ىو حاؿ بني إسراديل مع الله سبحانو وتعالى، ومع عباد الله؛ فالله تعالى أخذ عليهم العهد، والميثاؽ؛ ومع ذلك نبذوا العهد، والميثاؽ؛ والنبي عاىدىم، ونبذوا عهده..

عدد الصفحات ٣٩٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 395 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري: وأما "العهد"، فإنو الميثاؽ الذي أعطتو بنو إسراديل ربهم ليعملن بما في التوراة مرة بعد أخرى، ثم نقض بعضهم ذلك مرة بعد أخرى. فوبخهم جل ذكره بما كاف منهم من ذلك، وعير بو أبناءىم إذ سلكوا منهاجهم في بعض ما كاف جل ذكره أخذ عليهم بالإيماف بو من أمر محمد من العهد والميثاؽ، فكفروا وجحدوا ما في التوراة من نعتو وصفتو، فقاؿ تعالى ذكره: أو كلما عاىد اليهود من بني إسراديل ربهم عهدا وأوثقوه ميثاقا، نبذه فريق منهم، فترك و ونقضو؟ عن ابن عباس قاؿ: قاؿ مالك بن الصيف - حين بعث رسوؿ الله ، وذكر ما أخذ عليهم من الميثاؽ، وما عهد الله إليهم فيو-: والله ما عهد إلينا في محمد ، وما أخذ لو علينا ميثاقا! فأنزؿ الله جل ثناؤه: (أو كلما عاىدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرىم لا يؤمنوف) . (ٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :بل أكثرىم لا يؤمنوف} ىذا الإضراب للانتقاؿ من وصف إلى وصف: من وصف نقض العهد ونبذه، إلى وصف عدـ الإيماف؛ فعليو يكوف ىذا الإضراب إثباتا لما قبلو، وزيادة وصف. وىو انتفاء الإيماف عن أكثرىم؛ لأف المؤمن حقيقة لا بد أف يفي بالعهد، كما قاؿ الله تعالى{ :وأوفوا بالعهد إف العهد كاف مسؤولا[ }الإسراء: ٖٗ]، وأخبر النبي أف آية المنافق ثلاث: "إذا وعد أخلف، وإذا عاىد غدر ... " (ٕ) ؛ ولو أنهم آمنوا ما نقضوا العهد الذي بينهم وبين الله، أو الذي بينهم وبين عباد الله .. قولو تعالى{ :ولما جاءىم رسوؿ من عند الله}؛ {لما} ىنا شرطية؛ وىي على أربعة أنحاء في اللغة العربية: شرطية؛ ونافية جازمة؛ وبمعنى "إلا"؛ وبمعنى "حين"؛ و {من عند الله} صفة لػ {رسوؿ} أي رسوؿ مرسل من عند الله. وىو محمد . قاؿ الطبري قولو تعالى{ :مصدؽ لما معهم} فإنو للذي ىو مع اليهود، وىو التوراة. فأخبر الله جل ثناؤه أف اليهود لما جاءىم رسوؿ الله من الله بتصديق ما في أيديهم من التوراة، أف محمدا نبي لله، (نبذ فريق) ، يعني بذلك: أنهم جحدوه ورفضوه بعد أف كانوا بو مقرين، حسدا منهم لو وبغيا عليو. وقولو: (من الذين أوتوا الكتاب) . وىم علماء اليهود الذين أعطاىم الله العلم بالتوراة وما فيها. ويعني بقولو: (كتاب الله) ، التوراة. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وراء ظهورىم} أي رموه بشدة وراء الظهر؛ وىو عبارة عن الانصراؼ التاـ عنو؛ لأنهم لو نبذوه أمامهم، أو عن اليمين، أو عن الشماؿ لكاف من الجادز أف يكونوا يأخذوف بو؛ لكن من ألقاه وراء ظهره كاف ذلك أبلغ في التولي، والإعراض عنو، وعدـ الرجوع إليو؛ لأف الشيء إذا خلف وراء الظهر فإنو لا يرجع إليو.. ٔ- الأثر: في سيرة ابن ىشام ٕ: ٜٙٔ، مع اختلاف يسير في المفظ. وقد ذكر ابن ىشام في ٕ: ٔٙٔ"مالك بن الصيف" وقال: "ويقال: ابن ضيف". -ٕ أخرجو البخاري ص٘، كتاب الإيمان، باب ٕٗ: علامات المنافق، حديث رقم ٖٖ؛ وأخرجو مسمم صٜٓٙ، كتاب الإيمان، باب ٕ٘: خصال المنافق، حديث رقم ٕٔٔ [ٚٓٔ]ٜ٘.

عدد الصفحات ٣٩٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 396 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ السعدي: (وراء ظهورىم) أي: طرحوه رغبة عنو {وراء ظهورىم} وىذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم ىذا من الجاىلين وىم يعلموف صدقو، وحقية ما جاء بو. تبين بهذا أف ىذا الفريق من أىل الكتاب لم يبق في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسوؿ، فصار كفرىم بو كفرا بكتابهم من حيث لا يشعروف. قاؿ الطبري: (كأنهم لا يعلموف) ، كأف ىؤلاء الذين نبذوا كتاب الله من علماء اليهود - فنقضوا عهد الله بتركهم العمل بما واثقوا الله على أنفسهم العمل بما فيو - لا يعلموف ما في التوراة من الأمر باتباع محمد وتصديقو. وىذا من الله جل ثناؤه إخبار عنهم أنهم جحدوا الحق على علم منهم بو ومعرفة، وأنهم عاندوا أمر الله فخالفوا على علم منهم بوجوبو عليهم. عن قتادة قولو: (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب) ، يقوؿ: نقض فريق من الذين أوتوا الكتاب "كتاب الله وراء ظهورىم، كأنهم لا يعلموف": أي أف القوـ كانوا يعلموف، ولكنهم أفسدوا علمهم، وجحدوا وكفروا وكتموا . عن السدي: قاؿ: لما جاءىم محمد عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآف، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر ىاروت وماروت. فذلك قوؿ الله: (كأنهم لا يعلموف) . قاؿ السعدي: ولما كاف من العوادد القدرية والحكمة الإلهية أف من ترؾ ما ينفعو، وأمكنو الانتفاع بو فلم ينتفع، ابتلي بالاشتغاؿ بما يضره، فمن ترؾ عبادة الرحمن، ابتلي بعبادة الأوثاف، ومن ترؾ محبة الله وخوفو ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفو ورجادو، ومن لم ينفق مالو في طاعة الله أنفقو في طاعة الشيطاف، ومن ترؾ الذؿ لربو، ابتلي بالذؿ للعبيد، ومن ترؾ الحق ابتلي بالباطل. كذلك ىؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله اتبعوا ما تتلوا الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليماف حيث أخرجت الشياطين للناس السحر، وزعموا أف سليماف عليو السلاـ كاف يستعملو وبو حصل لو الملك العظيم. وىم كذبة في ذلك، فلم يستعملو سليماف، بل نزىو الصادؽ في قيلو: {وما كفر سليماف}أي: بتعلم السحر، فلم يتعلمو، {ولكن الشياطين كفروا} بذلك. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٛصٔٗٔ: وَقَدْ قَاؿَ {لَتَتَّبِعُن سَنَنَ مَنْ كَافَ قػَبػْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ }(ٔ) الْحَدِيثَ . وَالْمُسْلِمُوفَ الَّ ذِينَ جَاءَىُمْ كِتَابُ اللَّوِ الْقُرْآفُ عَدَؿَ كَثِيرٌ مِمَّنْ أَضَلَّوُ الشَّيْطَافُ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِمْ إلَى أَفْ نػَبَذَ كِتَابَ اللَّوِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَاتػَّبَعَ مَا تػَتػْلُوهُ الشَّيَاطِينُ فَلاَ يػُعَظِّمُ مَنْ أَمَرَ الْقُرْآفُ بِمُوَ الاَتِوِ، وَلاَ يػُعَادِي مَنْ أَمَرَ الْقُرْآفُ بِمُعَادَاتِوِ، بَلْ يػُعَظِّمُ مَنْ رَآهُ يَأْتِي بِبػَعْضِ الْخَوَارِؽِ الَّتِي تَأْتِي بِمِثْلِهَا السَّحَرَةُ وَالْكُهَّافُ بِإِعَانَةِ الشَّيَاطِينِ لَهُمْ، وَىِيَ تَحْصُلُ بِمَا تػَتػْلُوهُ الشَّيَاطِينُ . ثُمَّ مِنػْهُمْ مَنْ يػَعْرِؼُ أَفَّ ىَذَا مِنْ الشَّيَاطِينِ، وَلَكِنْ يػُعَظِّمُوُ لِهَوَاهُ وَيػُفَضِّلُوُ عَلَى طَرِيقَةِ الْقُرْآفِ، وَىَؤُلاَءِ كُفَّارٌ، كَاَلَّذِينَ قَاؿَ اللَّوُ تػَعَالَى فِيهِمْ { :أَلَمْ تػَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِ تَابِ يػُؤْمِنُوفَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيػَقُولُوفَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ىَؤُلاَءِ أَىْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً { }أُولَئِكَ الَّذِينَ -ٔالبخاري في الاعتصام ( ٕٖٓٚ) ومسمم في العمم (ٜٕٙٙ\ٙ).

عدد الصفحات ٣٩٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 397 - سورة البقرة الجزء الاول لَعَنػَهُمُ اللَّوُ وَمَنْ يػَلْعَنِ اللَّوُ فػَلَنْ تَجِدَ لَوُ نَصِيرًا}وَىَؤُلاَءِ ضَاىَوْا الَّذِينَ قَاؿَ اللَّوُ تػَعَالَى فِيهِمْ { :وَلَمَّا جَاءَىُمْ رَسُوؿٌ مِنْ عِنْدِ اللَّوِ مُصَدِّؽٌ لِمَا مَعَهُمْ }- إلَى قػَوْلِوِ - {وَلَكِن الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيتين: ٔ- أف اليهود لا يوثق منهم بعهد؛ لأنهم كلما عاىدوا عهدا نبذه فريق منهم.. ٕ- أف نبذ فريق من الأمة يعتبر نبذا من الأمة كلها. ما لم يتبرؤوا منو؛ فإف تبرؤوا منو فإنهم لا يلحقهم عاره؛ لكن إذا سكتوا فإف نبذ الفريق نبذ للأمة كلهم؛ وجو ذلك أف الله وبخ ىؤلاء على نبذ فريق منهم مع أنهم لم يباشروه.. ٖ- أف من أىل الكتاب من لم ينبذ كتاب الله وراء ظهره؛ بل آمن بو كالنجاشي من النصارى، وعبد الله بن سلاـ من اليهود.. ٗ-أف من نبذ العهد من ىذه الأمة فقد ارتكب محظورين:. أحدىما: النفاؽ؛ لقوؿ النبي : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف؛ وإذا اؤتمن خاف" ، وفي الحديث الآخر: "أربع من كن فيو كاف منافقا خالصا، ومن كاف فيو واحدة منهن كاف فيو خصلة من النفاؽ حتى يدعها ... " (ٔ) ، وذكر منها: "إذا عاىد غدر".. والمحظور الثاني: مشابهة اليهود.. ٘- أف رسالة النبي حق؛ لقولو تعالى: (من عند الله) . ٙ- أف الرسوؿ قد أخبرت بو الكتب السابقة؛ لقولو تعالى: (مصدؽ لما معهم) . ٚ- أف رسالة النبي تقرر ما سبق من رسالات الرسل، لقولو تعالى: (مصدؽ لما معهم) .. ٛ- أنو مع ىذا البياف والوضوح، فإف فريقا من الذين أوتوا الكتاب نبذوا ىذا الكتاب الذي جاء بو محمد .. ٜ- أف نبذ من عنده كتاب وعلم أقبح ممن ليس عنده ذلك؛ ولهذا نص على قولو تعالى{ :فريق من الذين أوتوا الكتاب}؛ لإظهار شدة القبح من ىؤلاء في نبذىم؛ لأف النبذ مع العلم أقبح من النبذ مع الجهل.. ٓٔ- أف القرآف كلاـ الله، لأف الله تعالى أضافو إليو في قولو تعالى: (كتاب الله) . ٔٔ- توكيد قبح ما صنع ىؤلاء المكذبوف؛ لقولو تعالى{ :كأنهم لا يعلموف}؛ لأنهم في الواقع يعلموف؛ ولكن فعلهم كأنو فعل من لم يعلم؛ وكفر من علم أشد من كفر من لم يعلم.. ٕٔ- أف ىذا النبذ الذي كاف منهم لا يرجى بعده قبوؿ؛ لقولو تعالى{ :وراء ظهورىم}؛ لأف النبذ لو كاف أمامهم ربما يتلقونو بعد؛ كذلك لو كاف عن اليمين، والشماؿ، لكن إذا كاف وراء الظهر فمعناه استبعاد القبوؿ منهم.. -ٔأخرجو البخاري صٖٜٔ، كتاب المظالم، باب ٚٔ: إذا خاصم فجر، حديث رقم ٜٕ٘ٗ؛ وأخرجو مسمم صٜٓٙ، كتاب الإيمان، باب ٕ٘: خصال المنافق، حديث رقم ٕٓٔ [ٙٓٔ]ٛ٘.

عدد الصفحات ٣٩٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 398 - سورة البقرة الجزء الاول ٖٔ- شدة كراىية اليهود للقرآف، واستهانتهم بو، حيث نبذوه وراء ظهورىم.. وَاتػَّبػَعُوا مَا تػَتػْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَافَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَافُ وَلَكِنَّ الشَّيَ اطِينَ كَفَرُوا يػُعَلِّمُوفَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِؿَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ ىَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يػُعَلِّمَافِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يػَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتػْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فػَيَتػَعَلَّمُوفَ مِنػْهُمَا مَا يػُفَرِّقُوفَ بِوِ بػَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِوِ وَمَا ىُمْ بِضَارِّينَ بِوِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْفِ اللَّوِ وَيػَتػَعَلَّمُوفَ مَا يَضُر ىُمْ وَلاَ يػَنػْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتػَرَاهُ مَا لَوُ فِي الآْخِرَةِ مِنْ خَلاَؽٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِوِ أَنػْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يػَعْلَمُوفَ (ٕٓٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :واتبعوا} أي اليهود؛ و {تتلو} ىنا ليست بمعنى "تقرأ"؛ لكنو من: تلاه يتلوه. بمعنى: "تبعو"؛ أي ما تتبعو الشياطين، وتأخذ بو؛ {على ملك سليماف} أي في ملكو؛ أي في عهده؛ وإنما قاؿ تعالى: {على ملك سليماف}؛ لأف الله جمع لو بين النبوة، والملك، ووىبو ملكا لا ينبغي لأحد من بعده: فسخر لو الرياح، والجن، والشياطين؛ فإف سليماف عليو السلاـ كاف ملكا نبيا رسولا؛ وكل من ذكر في القرآف من الأنبياء فهم أنبياء رسل؛ لقولو تعالى{ :ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك[ }غافر: ٛٚ]؛ وعند اليهود. قاتلهم الله. أف سليماف ملك فقط؛ وىو لا ريب ملك، ونبي، ورسوؿ؛ وسليماف كاف بعد موسى عليو السلاـ؛ لقولو تعالى: {ألم تر إلى الملأ من بني إسراديل من بعد موسى ... [ }البقرة: ٕٙٗ]إلى قولو تعالى{ :وقتل داود جالوت[ }البقرة: ٕٔ٘]؛ وسليماف ىو ابن داود. عليهما السلاـ ... قاؿ الطبري: الفريق من أحبار اليهود وعلمادها، الذين وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم نبذوا كتابو الذي أنزلو على موسى، وراء ظهورىم، تجاىلا منهم وكفرا بما ىم بو عالموف، كأنهم لا يعلموف. فأخبر عنهم أنهم رفضوا كتابو الذي يعلموف أنو منزؿ من عنده على نبيو ، ونقضوا عهده الذي أخذه عليهم في العمل بما فيو، وآثروا السحر الذي تلتو الشياطين في ملك سليماف بن داود فاتبعوه، وذلك ىو الخسار والضلاؿ المبين. عن السدي: قاؿ: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعوف من كلاـ الملادكة فيما يكوف في الأرض من موت أو غيث أو أمر، فيأتوف الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس، فيجدونو كما قالوا. حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم فأدخلوا فيو غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة. فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا في بني إسراديل أف الجن تعلم الغيب. فبعث سليماف في الناس فجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوؽ، ثم دفنها تحت كرسيو. ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أف يدنو من الكرسي إلا احترؽ، وقاؿ: لا اسمع أحدا يذكر أف الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقو! فلما مات سليماف، وذىبت العلماء الذين كانوا يعرفوف أمر سليماف، وخلف بعد ذلك خلف، تمثل

عدد الصفحات ٤٠٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 399 - سورة البقرة الجزء الاول الشيطاف في صورة إنساف، ثم أتى نفرا من بني إسراديل، فقاؿ: ىل أدلكم على كنز لا تأكلونو أبدا؟ قالوا: نعم. قاؿ: فاحفروا تحت الكرسي. وذىب معهم فأراىم المكاف. وقاـ ناحية. فقالوا لو: فادف! قاؿ: لا ولكني ىاىنا في أيديكم، فإف لم تجدوه فاقتلوني! فحفروا فوجدوا تلك الكتب. فلما أخرجوىا قاؿ الشيطاف: إف سليماف إنما كاف يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر. ثم طار فذىب. وفشا في الناس أف سليماف كاف ساحرا، واتخذت بنو إسراديل تلك الكتب، فلما جاءىم محمد خاصموه بها، فذلك حين يقوؿ: (وما كفر سليماف ولكن الشياطين كفروا يعلموف الناس السحر) . (ٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وما كفر سليماف}أي بتعلم السحر؛ أو تعليمو.. قولو تعالى{ :ولكن الشياطين كفروا} بتشديد نوف {لكن} ، ونصب {الشياطين} ؛ وفي قراءة سبعية بتخفيف نوف {لكن}وإسكانها ثم كسرىا تخلصا من التقاء الساكنين؛ و {الشياطين} برفع النوف؛ فعلى القراءة الأولى تكوف الواو حرؼ عطف، و {لكن} حرؼ استدراؾ يعمل عمل "إف" ينصب الاسم، ويرفع الخبر، و {الشياطين} اسمها، وجملة: {كفروا} خبرىا؛ وعلى قراءة التخفيف تكوف الواو للعطف، و {لكن}حرؼ استدراؾ مبني على السكوف حرؾ بالكسر لالتقاء الساكنين، و {الشياطين} مبتدأ، وجملة: {كفروا} خبر المبتدأ.. وقولو تعالى{ :ولكن الشياطين} جمع شيطاف؛ وجاءت بالجمع؛ لأف الشياطين يوحي بعضهم إلى بعض، ويعلم بعضهم بعضا؛ و {كفروا} :فسر ىذا بقولو تعالى: {يعلموف الناس السحر}؛ و"السحر" في اللغة ىو كل شيء خفي سببو، ولطف؛ ومنو قوؿ الرسوؿ : "إف من البياف لسحرا" (ٕ) ؛ لأف البياف. وىو الفصاحة. يجذب النفوس، والأسماع حتى إف الإنساف يجد من نفسو ما يشده إلى سماع ىذا البياف، والتأثر بو، فيسحر الناس؛ لكن ليس ىو السحر الذي ورد ذمو؛ وإنما المراد بالسحر المذموـ: عقد، ورقى ينفث فيها الساحر، فيؤثر في بدف المسحور، وعقلو؛ وىو أنواع : منو ما يقتل؛ ومنو ما يمرض؛ ومنو ما يزيل العقل، ويخدر الإنساف؛ ومنو ما يغير حواس المرء، بحيث يسمع ما لم يكن، أو يشاىد الساكن متحركا، أو المتحرؾ ساكنا؛ ومنو ما يجلب المودة؛ ومنو ما يوجب البغضاء؛ المهم أف السحر أنواع؛ وأىلو يعرفوف ىذه الأنواع .. قولو تعالى{ :يعلموف الناس السحر} جملة حالية من الفاعل في {كفروا}يعني حاؿ كونهم يعلموف الناس السحر؛ ويجوز أف تكوف استئنافية لبياف نوع كفرىم.. ٔ- الأثر: في تفسير ابن كثير ٔ: ٜٕٗ. -ٕ أخرجو البخاري ص٘ٗٗ، كتاب النكاح، باب ٛٗ: الخطبة، حديث رقم ٙٗٔ٘؛ وأخرجو مسمم صٖٔٛ، كتاب الجمعة، باب ٖٔ: تخفيف الصلاة والخطبة، حديث رقم ٜٕٓٓ [ٚٗ]ٜٙٛ.

عدد الصفحات ٤٠١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 411 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري: إف قاؿ لنا قادل: وما ىذا الكلاـ، من قولو: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليماف) ، ولا خبر معنا قبل عن أحد أنو أضاؼ الكفر إلى سليماف، بل إنما ذكر اتباع من اتبع من اليهود ما تلتو الشياطين؟ فما وجو نفي الكفر عن سليماف، بعقب الخبر عن اتباع من اتبعت الشياطين في العمل بالسحر وروايتو من اليهود؟ قيل: وجو ذلك، أف الذين أضاؼ الله جل ثناؤه إليهم اتباع ما تلتو الشياطين على عهد سليماف من السحر والكفر من اليهود، نسبوا ما أضافو الله تعالى ذكره إلى الشياطين من ذلك، إلى سليماف بن داود. وزعموا أف ذلك كاف من علمو وروايتو، وأنو إنما كاف يستعبد من يستعبد من الإنس والجن والشياطين وسادر خلق الله بالسحر. فحسنوا بذلك - من ركوبهم ما حرـ الله عليهم من السحر - أنفسهم، (عند من كاف جاىلا بأمر الله ونهيو، وعند من كاف لا علم لو بما أنزؿ الله في ذلك من التوراة. وتبرأ بإضافة ذلك إلى سليماف - من سليماف، وىو نبي الله - منهم بشر، وأنكروا أف يكوف كاف لله رسولا وقالوا: بل كاف ساحرا. فبرأ الله سليماف بن داود من السحر والكفر عند من كاف منهم ينسبو إلى السحر والكفر وأكذب الآخرين الذين كانوا يعملوف بالسحر متزينين عند أىل الجهل في عملهم ذلك، بأف سليماف كاف يعملو. فنفى الله عن سليماف عليو السلاـ أف يكوف كاف ساحرا أو كافرا، وأعلمهم أنهم إنما اتبعوا - في عملهم بالسحر - ما تلتو الشياطين في عهد سليماف، دوف ما كاف سليماف يأمرىم من طاعة الله، واتباع ما أمرىم بو في كتابو الذي أنزلو على موسى صلوات الله عليو. عن سعيد بن جبير قاؿ: كاف سليماف يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر، فيأخذه فيدفنو تحت كرسيو في بيت خزانتو. فلم تقدر الشياطين أف يصلوا إليو، فدنت إلى الإنس فقالوا لهم: أتريدوف العلم الذي كاف سليماف يسخر بو الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنو في بيت خزانتو وتحت كرسيو. فاستثارتو الإنس فاستخرجوه فعملوا بو. فقاؿ أىل الحجاز: كاف سليماف يعمل بهذا، وىذا سحر! فأنزؿ الله جل ثناؤه على لساف نبيو محمد براءة سليماف. فقاؿ: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليماف) الآية، فأنزؿ الله براءة سليماف على لساف نبيو عليهما السلاـ. (ٔ) قاؿ ابن العثيمين قو لو تعالى{ :وما أنزؿ على الملكين ببابل ىاروت وماروت} يعني واتبعوا أيضا ما أنزؿ على الملكين؛ والجملة معطوفة على قولو: {واتبعوا ما تتلو} ؛ و {الملكين} بفتح اللاـ تثنية ملك؛ والفرؽ بين "ملك" و"ملك" أف "الملك" بفتح اللاـ واحد الملادكة؛ و"الملك" بكسر اللاـ: الحا كم الذي لو سلطة؛ و "بابل" اسم لبلد في العراؽ؛ و {ىاروت وماروت} عطف بياف على {الملكين} لبياف اسمهما؛ وىما اسماف أعجمياف؛ والمنزؿ عليهما شيء من أنواع السحر.. ٔ- الأثر: في تفسير ابن كثير ٔ: ٕٓ٘.

عدد الصفحات ٤٠٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 411 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري: أف معنى (ما) التي في قولو: (وما أنزؿ على الملكين) بمعنى "الذي"، وأف "ىاروت وماروت"، مترج م بهما عن الملكين، ولذلك فتحت أواخر أسمادهما، لأنهما في موضع خفض على الرد على "الملكين". ولكنهما لما كانا لا يجراف، فتحت أواخر أسمادهما. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وما يعلماف} أي الملكاف ىاروت، وماروت {من أحد} أي أحدا؛ وزيدت {من} للتوكيد .. قولو تعالى{ :حتى يقولا إنما نحن فتنة} أي اختبار للناس؛ ليتبين من يريد السحر ممن لا يريده.. قولو تعالى{ :ف تكفر} أي بتعلم السحر {فيتعلموف} أي الناس {ما يفرقوف بو}أي سحرا يفرقوف بو {بين المرء وزوجو} ؛ ويسمى ىذا النوع من السحر "الصرؼ"؛ ويقابلو سحر "العطف"؛ وىو من أشد أنواع السحر؛ لأنو يصل بصاحبو إلى الهيماف، والخبل.. قاؿ الطبري: فإف قاؿ قادل: وكيف يفرؽ الساحر بين المرء وزوجو؟ قيل: أف معنى "السحر": تخييل الشيء إلى المرء بخلاؼ ما ىو بو في عينو وحقيقتو، فتفريقو بين المرء وزوجو: تخييلو بسحره إلى كل واحد منهما شخص الآخر على خلاؼ ما ىو بو في حقيقتو، من حسن وجماؿ، حتى يقبحو عنده، فينصرؼ بوجهو ويعرض عنو، حتى يحدث الزوج لامرأتو فراقا. فيكوف الساحر مفرقا بينهما بإحداثو السبب الذين كاف منو فرقة ما بينهما. وقد دللنا، في غير موضع من كتابنا ىذا، على أف العرب تضيف الشيء إلى مسببو من أجل تسببو، وإف لم يكن باشر فعل ما حدث عن السبب، بما أغنى عن إعادتو في ىذا الموضع فكذلك تفريق الساحر بسحره بين المرء وزوجو. عن قتادة: (فيتعلموف منهما ما يفرقوف بو بين المرء وزوجو) ، وتفريقهما: أف يػُؤَخِّذَ كل واحد منهما عن صاحبو، ويبغض كل واحد منهما إلى صاحبو. فإف التبس على ذي غباء ما قلنا فقاؿ: وكيف يجوز لملادكة الله أف تعلم الناس التفريق بين المرء وزوجو؟ أـ كيف يجوز أف يضاؼ إلى الله تبارؾ وتعالى إنزاؿ ذلك على الملادكة؟ قيل لو: إف الله جل ثناؤه عرؼ عباده جميع ما أمرىم بو وجميع ما نهاىم عنو، ثم أمرىم ونهاىم بعد العلم منهم بما يؤمروف بو وينهوف عنو. ولو كاف الأمر على غير ذلك، لما كاف للأمر والنهي معنى مفهوـ. فالسحر مما قد نهى عباده من بني آدـ عنو، فغير منكر أف يكوف جل ثناؤه علمو الملكين اللذين سماىما في تنزيلو، وجعلهما فتنة لعباده من بني آدـ - كما أخبر عنهما أنهما يقولاف لمن يتعلم ذلك منهما: (إنما نحن فتنة فلا تكفر) - ليختبر بهما عباده الذين نهاىم عن التفريق بين المرء وزوجو، وعن السحر، فيمحص المؤمن بتركو التعلم منهما، ويخزي الكافر بتعلمو السحر والكفر منهما. ويكوف الملكاف في تعليمهما من علما ذلك - لله مطيعين، إذْ كانا -عن إذف الله لهما بتعليم ذلك من علماه -يعلماف. وقد عبد من دوف الله جماعة من أولياء الله، فلم يكن ذلك لهم ضادرا، إذ لم يكن ذلك بأمرىم إياىم

عدد الصفحات ٤٠٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 412 - سورة البقرة الجزء الاول بو، بل عبد بعضهم والمعبود عنو ناه. فكذلك الملكاف، غير ضادرىما سحر من سحر ممن تعلم ذلك منهما، بعد نهيهما إياه عنو، وعظتهما لو بقولهما: (إنما نحن فتنة فلا تكفر) ، إذ كانا قد أديا ما أمر بو بقيلهما ذلك. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وما ىم بضارين بو من أحد} أي ما ىؤلاء المتعلموف للسحر بضارين بو أحدا {إ بإذف الله} أي إلا بإذنو القدري. وىو بمعنى المشيئة.؛ و {من}في قولو تعالى: {من أحد} زاددة للتوكيد . قاؿ الطبري: وما المتعلموف من الملكين ىاروت وماروت ما يفرقوف بو بين المرء وزوجو، بضارين - بالذي تعلموه منهما، من المعنى الذي يفرقوف بو بين المرء وزوجو - من أحد من الناس إلا من قد قضى الله عليو أف ذلك يضره. فأما من دفع الله عنو ضره، وحفظو من مكروه السحر والنفث والر قى، فإف ذلك غير ضاره، ولا نادلو أذاه. قاؿ السعدي: ثم ذكر مفاسد السحر فقاؿ: {فيتعلموف منهما ما يفرقوف بو بين المرء وزوجو} مع أف محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرىما، لأف الله قاؿ في حقهما{ :وجعل بينكم مودة ورحمة}وفي ىذا دليل على أف السحر لو حقيقة، وأنو يضر بإذف الله، أي: بإرادة الله، والإذف نوعاف: إذف قدري، وىو المتعلق بمشيئة الله، كما في ىذه الآية، وإذف شرعي كما في قولو تعالى في الآية السابقة: {فإنو نزلو على قلبك بإذف الله}وفي ىذه الآية وما أشبهها أف الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في ىذا الأصل من فرؽ الأمة غير القدرية في أفعاؿ العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوىا عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسولو وإجماع الصحابة والتابعين. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٗٔصٕٗٔ: فَإِفَّ " الإِْذْفَ " نػَوْعَافِ : إذْفٌ بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ وَالْخَلْقِ وَإِذْفٌ بِمَعْنَى الإِْبَاحَةِ وَالإِْجَازَةِ . فَمِنْ الأَْوَّؿِ : قػَوْلُوُ فِي السِّحْرِ {وَمَا ىُمْ بِضَارِّينَ بِوِ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ بِإِذْفِ اللَّوِ } فَإِف ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّوِ وَقُدْرَتِوِ . وَإِلاَّ فػَهُوَ لَمْ يُبِحْ السِّحْرَ . وَالْقَدَرِيَّةُ تػُنْكِرُ ىَذَا " الإِْذْفَ " وَحَقِيقَةُ قػَوْلِهِمْ : إفَّ السِّحْرَ يَضُر بِدُوفِ إذْفِ اللَّوِ . وَكَذَلِكَ قػَوْلُوُ {وَمَا أَصَابَكُمْ يػَوْـَ الْتػَقَى الْجَمْعَافِ فَبِإِذْفِ اللَّوِ }فَإِف الَّذِي أَصَابػَهُمْ مِنْ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ وَالتَّمْثِيلِ وَالْهَزِيمَةِ : إذَا كَافَ بِإِذْنِوِ فػَهُوَ خَالِقٌ لأَِفػْعَاؿِ الْكُفَّارِ وَلأَِفػْعَاؿِ الْمُؤْمِنِينَ . وَالنػَّوْعُ الثَّانِي: قػَوْلُوُ {إنَّا أَرْسَلْنَاؾَ شَاىِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا{ }وَدَاعِيًا إلَى اللَّوِ بِإِذْنِوِ }وَقػَوْلُوُ {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تػَرَكْتُمُوىَا قَادِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْفِ اللَّوِ }فَإِف ىَذَا يػَتَضَمَّنُ إبَاحَتَوُ لِذَلِكَ وَإِجَازَتَوُ لَوُ وَرَفْعَ الْجُنَاحِ وَالْحَرَجِ عَنْ فَاعِلِوِ مَعَ كَوْنِوِ بِمَشِيئَتِوِ وَقَضَادِوِ . فػَقَوْلُوُ {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بِإِذْنِوِ }ىُوَ ىَذَا الإِْذْفُ الْكَادِنُ بِقَدَرِهِ وَشَرْعِوِ . وَلَمْ يُرِدْ بِمُجَرَّدِ الْمَشِيئَةِ وَ الْقَدَرِ . فَإِفَّ السِّحْرَ وَانْتِصَارَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَافَ بِذَلِكَ الإِْذْفُ . قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ويتعلموف} أي الناس من الملكين {ما يضرىم ولا ينفعهم} أي ما مضرتو محضة لا نفع فيها..

عدد الصفحات ٤٠٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 413 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ السعدي: ثم ذكر أف علم السحر مضرة محضة، ليس فيو منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي، كما قاؿ تعالى في الخمر والميسر{ :قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}فهذا السحر مضرة محضة، فليس لو داع أصلا فالمنهيات كلها إما مضرة محضة، أو شرىا أكبر من خيرىا. كما أف المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرىا أكثر من شرىا. قولو تعالى{ :ولقد علموا لمن اشتراه ما لو في الآخرة من خلاؽ} :الجملة مؤكدة بالقسم المقدر، واللاـ الواقعة في جوابو، و "قد"؛ و {لمن اشتراه} : اللاـ لاـ الابتداء؛ وىي معلقة للفعل {علموا} عن العمل؛ و "من" مبتدأ؛ وخبره جملة: {ما لو في الآخرة من خلاؽ}أي نصيب؛ والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي {علموا}أي علم ىؤلاء المتعلموف للسحر أف من ابتغاه بتعلمو ليس لو نصيب في الآخرة؛ وعلموا ذلك من قوؿ الملكين: (إنما نحن فتنة فلا تكفر). قاؿ الطبري: الفريق الذين لما جاءىم رسوؿ من عند الله مصدؽ لما معهم، نبذوا كتاب الله وراء ظهورىم كأنهم لا يعلموف، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليماف، فقاؿ جل ثناؤه: لقد علم النابذوف - من يهود بني إسراديل - كتابي وراء ظهورىم تجاىلا منهم - التاركوف العمل بما فيو من إتباعك يا محمد وإتباع ما جئت بو، بعد إنزالي إليك كتابي مصدقا لما معهم، وبعد إرسالك إليهم بالإقرار بما معهم وما في أيديهم، المؤثروف عليو إتباع السحر الذي تلتو الشياطين على عهد سليماف، والذي أنزؿ على الملكين ببابل ىاروت وماروت - لمن اشترى السحر بكتابي الذي أنزلتو على رسولي فآثره عليو ما لو في الآخرة من خلاؽ. عن قتادة: (ولقد علموا لمن اشتراه ما لو في الآخرة من خلاؽ) ، يقوؿ: قد علم ذلك أىل الكتاب في عهد الله إليهم: أف الساحر لا خلاؽ لو عند الله يوـ القيامة. قاؿ ابن زيد: (ولقد علموا لمن اشتراه ما لو في الآخرة من خلاؽ) ، قاؿ: قد علمت اليهود أف في كتاب الله في التوراة: أف من اشترى السحر وترؾ دين الله، ما لو في الآخرة من خلاؽ. فالنار مثواه ومأواه. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ولبئس ما شروا بو أنفسهم} اللاـ موطئة للقسم؛ والتقدير: والله لبئس ما شروا بو أنفسهم؛ و "بئس" فعل ماض لإنشاء الذـ. وىو جامد.؛ ومثلو: "نعم"، و"عسى"، و"ليس"؛ ويسمونها الأفعاؿ الجامدة؛ لأنها لا تتغير عن صيغتها: فلا تكوف مضارعا، ولا أمرا؛ و {ما} اسم موصوؿ؛ وىي فاعل "بئس"؛ والمخصوص بالذـ محذوؼ؛ و {شروا} بمعنى باعوا في اللغة العربية؛ لأف الشراء بيع؛ و"الاشتراء" ىو أخذ السلعة؛ فالمشتري طالب؛ والشاري جالب، قاؿ الله سبحانو وتعالى{ :ومن الناس من يشري نفسو ابتغاء مرضات الله[ }البقرة: ٕٚٓ]يعني يبيعها؛ فقولو تعالى: {لبئس ما شروا بو أنفسهم} أي باعوا بو أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة لما اشتروا

عدد الصفحات ٤٠٥