المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٢٩ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 372 - سورة البقرة الجزء الاول يقوؿ: "اللهم العن فلانا، وفلانا" (ٔ) . لأدمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك؛ ولأف الكافر المعين قد يهديو الله للإسلاـ إف كاف حيا؛ وإف كاف ميتا فقد قاؿ النبي "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" (ٕ) .. ٛ- أف كفر بني إسراديل ما ىو إلا بغي، وحسد؛ لقولو تعالى: (بغيا أف ينزؿ الله من فضلو على من يشاء من عباده). ٜ- أف من رد الحق من ىذه الأمة لأف فلانا الذي يرى أنو أقل منو ىو الذي جاء بو؛ فقد شابو اليهود. ٓٔ- أنو يجب على الإنساف أف يعرؼ الحق بالحق لا بالرجاؿ؛ فما داـ أف ىذا الذي قيل حق فاتبعو من أي كاف مصدره؛ فاقبل الحق للحق؛ لا لأنو جاء بو فلاف، وفلاف. ٔٔ- أف العلم من أعظم فضل الله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :أف ينزؿ الله من فضلو على من يشاء}؛ ولا شك أف العلم أفضل من الماؿ؛ وإذا أردت أف تعرؼ الفرؽ بين فضل العلم، وفضل الماؿ فانظر إلى العلماء في زمن الخلفاء السابقين؛ الخلفاء السابقوف قل ذكرىم؛ والعلماء في وقتهم بقي ذكرىم: ىم يدرسوف الناس وىم في قبورىم؛ وأولئك الخلفاء نسوا؛ اللهم إلا من كاف خليفة لو مآثر موجودة، أو محمودة؛ فدؿ ىذا على أف فضل العلم أعظم من فضل الماؿ.. ٕٔ- إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :على من يشاء}؛ وىي عامة فيما يحبو الله، وما لا يحب؛ فما شاء الله كاف، وما لم يشأ لم يكن؛ وكل شيء علق بالمشيئة فهو مقروف بالحكمة؛ لقولو تعالى{ :وما تشاءوف إلا أف يشاء الله إف الله كاف عليما حكيما[ }الإنساف: ٖٓ]؛ فليست أفعاؿ الله وأحكامو لمجرد المشيئة؛ بل ىي لحكمة بالغة اقتضت المشيئة.. ٖٔ- أف ىذا الفضل الذي نزلو الله لا يجعل المفضل بو ربا يعبد؛ بل ىو من العباد. حتى ولو تميز بالفضل؛ لقولو تعالى: (على من يشاء من عباده) . وىذه الفاددة لها فروع نوضحها، فنقوؿ: إف من آتاه الله فضلا من العلم والنبوة لم يخرج بو عن أف يكوف عبدا؛ إذا لا يرتقي إلى منزلة الربوبية؛ فالرسوؿ عبد من عباد الله؛ فلا نقوؿ لمن نزؿ عليو الوحي: إنو يرتفع حتى يكوف ربا يملك النفع، والضرر، ويعلم الغيب.. ويتفرع عنها أف من آتاه الله من فضلو من العلم، وغيره ينبغي أف يكوف أعبد لله من غيره؛ لأف الله تعالى أعطاه من فضلو؛ فكاف حقو عليو أعظم من حقو على غيره؛ فكلما عظم الإحساف من الله عز وجل استوجب الشكر أكثر؛ ولهذا كاف النبي يقوـ في الليل حتى تتورـ قدماه؛ فقيل لو في ذلك؛ فقاؿ: "أفلا أكوف عبدا شكورا (ٖ) -ٔ أخرجو البخاري صٖٖٖ، كتاب المغازي، باب ٕٕ: (ليس لك من الأمر شيء) ، حديث رقم ٜٙٓٗ. -ٕأخرجو البخاري صٜٓٔ، كتاب الجنائز، باب ٜٚ: ما ينيى من سب الأموات، حديث رقم ٖٜٖٔ. ٖ- أخرجو البخاري صٛٛ، كتاب التيجد، باب ٙ: قيام النبي الميل، حديث رقم ٖٓٔٔ؛ وأخرجو مسمم صٜٙٔٔ، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب ٛٔ: إكثار الأعمال والاجتياد في العبادة، حديث رقم ٕٗٔٚ [ٜٚ]ٜٕٔٛ.

عدد الصفحات ٣٧٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 373 - سورة البقرة الجزء الاول ويتفرع عنها فرع ثالث: أف بعض الناس اغتر بما آتاه الله من العلم، فيتعالى في نفسو، ويتعاظم حتى إنو ربما لا يقبل الحق؛ فحرـ فضل العلم في الحقيقة.. ٗٔ- أف العقوبات تتراكم بحسب الذنوب جزاء وفاقا؛ لقولو تعالى: (فباءوا بغضب على غضب) . ٘ٔ- أف المستكبر يعاقب بنقيض حالو؛ لقولو تعالى{ :عذاب مهين}بعد أف ترفعوا؛ فعوقبوا بما يليق بذنوبهم؛ وعلى ىذا جرت سنة الله سبحانو وتعالى في خلقو؛ قاؿ الله تعالى{ :فك أخذنا بذنبو[ }العنكبوت: ٓٗ]، وقاؿ تعالى: {جزءا وفاقا}النبأ: ٕٙ) . ٙٔ- أف الإظهار في موضع الإضمار من أساليب البلاغة، وفيو من الفوادد ما سبق ذكره قريبا.. ٚٔ- إثبات الغضب من الله سبحانو وتعالى، لقولو تعالى{ :فباءوا بغضب على غضب}؛ والغضب من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئتو؛ وىكذا كل صفة من صفات الله تكوف على سبب.. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنػْزَؿَ اللَّوُ قَالُوا نػُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِؿَ عَلَيػْنَا وَيَكْفُرُوفَ بِمَا وَرَاءَهُ وَىُوَ الْحَق مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تػَقْتػُلُوفَ أَنْبِيَاءَ اللَّوِ مِنْ قػَبْلُ إِفْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (ٜٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وإذا قيل لهم} أي لليهود؛ وأبهم القادل ليكوف شاملا لكل من قاؿ لهم ىذا القوؿ: إما الرسوؿ وإما غيره؛ {آمنوا بما أنزؿ الله} أي صدقوا بو مع قبولو، والإذعاف لو؛ لأف الإيماف شرعا: التصديق مع القبوؿ، والإذعاف؛ وليس كل من صدؽ يكوف مؤمنا حتى يكوف قابلا مذعنا؛ والدليل على ذلك أف أبا طالب كاف مصدقا برسوؿ الله ولم يكن مؤمنا؛ لأنو لم يقبل، ولم يذعن؛ و "ما" اسم موصوؿ؛ المراد بو: القرآف العظيم؛ و {أنزؿ الله} أي من عنده.. قولو تعالى{ :قالوا} ىذا جواب: {إذا} ؛ {نؤمن بما أنزؿ علينا}يعنوف بو التوراة؛ {ويكفروف بما وراءه} يعنوف بو القر آف؛ و "وراء" ىنا بمعنى سوى؛ {وىو الحق} :ىذه الجملة حاؿ من "ما" في قولو تعالى: {بما وراءه} يعني أف ىذا الذي كفروا بو ىو الحق؛ وضده الباطل. وىو الضادع سدى الذي لا يستفاد منو؛ أما الحق فهو الثابت المفيد النافع؛ وىذا الوصف بلا شك ينطبق على القرآف؛ {مصدقا} :حاؿ أيضا من {ىو}أي الضمير؛ وسبق معنى كونو مصدقا لما معهم؛ وقولو تعالى ىنا: {لما معهم} يعني التوراة.. قاؿ الطبري: عن السدي: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزؿ الله قالوا نؤمن بما أنزؿ علينا ويكفروف بما وراءه) ، وىو القرآف. يقوؿ الله جل ثناؤه: (وىو الحق مصدقا لما معهم) . وإنما قاؿ جل ثناؤه: (مصدقا لما معهم) ، لأف كتب الله يصدؽ بعضها بعضا. ففي الإنجيل والقرآف من الأمر باتباع محمد ، والإيماف بو وبما جاء بو، مثل الذي

عدد الصفحات ٣٧٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 374 - سورة البقرة الجزء الاول من ذلك في توراة موسى عليو السلاـ. فلذلك قاؿ جل ثناؤه لليهود - إذْ أخبرىم عما وراء كتابهم الذي أنزلو على موسى صلوات الله عليو، من الكتب التي أنزلها إلى أنبيادو -: إنو الحق مصدقا للكتاب الذي معهم، يعني: أنو لو موافق فيما اليهود بو مكذبوف. قاؿ: وذلك خبر من الله أنهم من التكذيب بالتوراة، على مثل الذي ىم عليو من التكذيب بالإنجيل والفرقاف، عنادا لله، وخلافا لأمره، وبغيا على رسلو صلوات الله عليهم. قاؿ ابن العثيمين: ثم قاؿ تعالى مكذبا لقولهم: {نؤمن بما أنزؿ علينا{ : }قل فلم تقتلوف أنبياء الله من قبل إف كنتم مؤمنين}؛ الخطاب في {قل} إما للرسوؿ ؛ وإما لكل من يتأتى خطابو؛ {فلم} :اللاـ حرؼ جر؛ و "ما" اسم استفهاـ دخل عليو حرؼ جر، فوجب حذؼ ألفها للتخفيف؛ والاستفهاـ للإنكار، والتوبيخ؛ يعني لو كنتم صادقين بأنكم تؤمنوف بما أنزؿ عليكم فلم تقتلوف أنبياء الله؛ لأف قتلهم لأنبياء الله مستلزـ لكفرىم بهم. أي بأنبياء الله؛ {من قبل}أي من قبل بعثة الرسوؿ . وقولو تعالى{ :أنبياء} فيها قراءتاف{ :أنبئاء}بالهمزة؛ و {أنبياء}بالياء، مثل: "النبي"، و "النبيء"؛ و"النبيء" جمعو أنبئاء؛ و"النبي" جمعو أنبياء.. قاؿ الطبري: أف الله خاطب الذين أدركوا رسوؿ الله من يهود بني إسراديل - بما خاطبهم في سورة البقرة وغيرىا من سادر السور - بما سلف من إحسانو إلى أسلافهم، وبما سلف من كفراف أسلافهم نعمو، وارتكابهم معاصيو، واجترادهم عليو وعلى أنبيادو، وأضاؼ ذلك إلى المخاطبين بو، نظير قوؿ العرب بعضها لبعض: فعلنا بكم يوـ كذا كذا وكذا، وفعلتم بنا يوـ كذا كذا وكذا - على نحو ما قد بيناه في غير موضع من كتابنا ىذا -، يعنوف بذلك أف أسلافنا فعلوا ذلك بأسلافكم، وأف أوادلنا فعلوا ذلك بأوادلكم. فكذلك ذلك في قولو: (فلم تقتلوف أنبياء الله من قبل) ، إذْ كاف قد خرج على لفظ الخبر عن المخاطبين بو خبرا من الله تعالى ذكره عن فعل السالفين منهم - على نحو الذي بينا - جاز أف يقاؿ "من قبل"، إذْ كاف معناه: قل: فلم يقتل أسلافكم أنبياء الله من قبل"؟ وكاف معلو ما بأف قولو: (فلم تقتلوف أنبياء الله من قبل) ، إنما ىو خبر عن فعل سلفهم. وأما قولو: (إف كنتم مؤمنين) ، فإنو يعني: إف كنتم مؤمنين بما نزؿ الله عليكم كما زعمتم. وإنما عنى بذلك اليهود الذين أدركوا رسوؿ الله وأسلافهم - إف كانوا وكنتم، كما تزعموف أيها اليهود، مؤمنين. وإنما عيرىم جل ثناؤه بقتل أوادلهم أنبياءه، عند قولهم حين قيل لهم: (آمنوا بما أنزؿ الله. قالوا: نؤمن بما أنزؿ علينا. لأنهم كانوا لأوادلهم - الذين تولوا قتل أنبياء الله، مع قيلهم: نؤمن بما أنزؿ علينا - متولين، وبفعلهم راضين. فقاؿ لهم: إف كنتم كما تز عموف مؤمنين بما أنزؿ عليكم، فلم تتولوف قتلة أنبياء الله؟ أي: ترضوف أفعالهم.

عدد الصفحات ٣٧٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 375 - سورة البقرة الجزء الاول (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف القرآف كلاـ الله؛ لقولو تعالى{ :آمنوا بما أنزؿ الله}؛ لأف ما أنزؿ الله ىو القرآف. وىو كلاـ؛ والكلاـ ليس عينا قادمة بذاتها؛ بل ىو صفة في غيره؛ فإذا كاف صفة في غيره، وىو نازؿ من عند الله لزـ أف يكوف كلاـ الله عز وجل.. ٕ- علو الله سبحانو وتعالى؛ لأنو إذا كاف القرآف كلامو، وىو نازؿ من عنده دؿ على علو المتكلم بو. ٖ- كذب اليهود في قولهم{ :نؤمن بما أنزؿ علينا}؛ لأنهم لو آمنوا بو لآمنوا بمحمد ، كما قاؿ تعالى{ :الذين يتبعوف الرسوؿ النبي الأمي الذي يجدونو مكتوبا عندىم في التوراة والإنجيل يأمرىم بالمعروؼ وينهاىم عن المنكر ... [ }الأعراؼ: ٚ٘ٔ]إلخ.. ٗ- عتو اليهود، وعنادىم؛ لأنهم يقولوف: لا نؤمن إلا بما أنزؿ علينا ... ٘- أف من دعي إلى الحق من ىذه الأمة، وقاؿ: "المذىب كذا، وكذا ". يعني ولا أرجع عنو ففيو شبو من اليهود. لأف الواجب إذا دعيت إلى الحق أف تقوؿ: "سمعنا وأطعنا"؛ ولا تعارضو بأي قوؿ كاف، أو مذىب.. ٙ- وجوب قبوؿ الحق من كل من جاء بو.. ٚ- إفحاـ الخصم بإقامة الحجة عليو من فعلو؛ ووجو ذلك أف الله أقاـ على اليهود الحجة على فعلهم؛ لأنهم قالوا: نؤمن بما أنزؿ علينا وىم قد قتلوا أنبياء الله الذين جاءوا بالكتاب إليهم؛ فإف قولهم{ :نؤمن بما أنزؿ علينا}ليس بحق؛ لأنو لو كانوا مؤمنين حقيقة ما قتلوا الأنبياء؛ ولهذا قاؿ تعالى: (قل فلم تقتلوف أنبياء الله من قبل إف كنتم مؤمنين) . وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبػَيػِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بػَعْدِهِ وَأَنػْتُمْ ظَالِمُوفَ (ٕٜ) قولو تعالى{ :ولقد جاءكم موسى} الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات : القسم المقدر، واللاـ الموطئة للقسم. وىي للتوكيد؛ و "قد" وىي ىنا للتحقيق؛ لأنها دخلت على الماضي؛ و {جاءكم } :الخطاب لليهود؛ والدليل على أنو لليهود قولو تعالى{ :موسى} ؛ لأف موسى نبيهم؛ وىنا خاطبهم باعتبار الجنس لا باعتبار الشخص؛ إذ إف موسى لم يأت ىؤلاء الذين كانوا في عهد الرسوؿ لكنو أتى بني إسراديل الذين ىؤلاء منهم.. قولو تعالى{ :بالبينات}: الباء للمصاحبة، أو للتعدية؛ يعني: جاءكم مصحوبا بالبينات؛ أو أف البينات ىي التي جيء بها، فتكوف للتعدية؛ و "البينات" صفة لموصوؼ محذوؼ؛ والتقدير: بالآيات البينات. أي بالعلامات الدالة

عدد الصفحات ٣٧٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 376 - سورة البقرة الجزء الاول على رسالتو؛ ومنها: اليد، والعصا، والحجر، وفلق البحر، والجراد الذي أرسل على آؿ فرعوف، والسنوف، وأشياء كثيرة، مثل القمل، والضفادع، والدـ.. قاؿ الطبري: وإنما سماىا الله "بينات" لتبينها للناظرين إليها أنها معجزة لا يقدر على أف يأتي بها بشر، إلا بتسخير الله ذلك لو. وإنما ىي جمع "بينة"، مثل "طيبة وطيبات". قولو تعالى{ :ثم} تفيد الترتيب بمهلة. يعني ثم بعد أف مضى عليكم وقت أمكنكم أف تتأملوا في ىذه الآيات، وأف تعرفوىا: الذي حصل أنكم لم ترفعوا بها رأسا: {اتخذتم العجل} :"اتخذ" من أفعاؿ التصيير، كقولو تعالى: {واتخذ الله إبراىيم خليلا[ }النساء: ٕ٘ٔ]يعني صيره؛ إذا ىي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ، والخبر؛ المفعوؿ الأوؿ: {العجل} ؛ والمفعوؿ الثاني محذوؼ تقديره: إلها؛ وحذؼ للعلم بو، كما قاؿ ابن مالك في الألفية:. (وحذؼ ما يعلم جادز) و {العجل} ىو ولد البقرة، وليس عجلا من حيواف؛ ولكنو عجل من حلي: صنعوا من الحلي مجسما كالعجل، وجعلوا فيو ثقبا تدخلو الريح، فيكوف لو صوت كخوار الثور، فأغواىم السامري، وقاؿ لهم: ىذا إلهكم وإلو موسى فنسي؛ لأف موسى كاف قد ذىب منهم لميقات ربو على أنو ثلاثوف يوما، فزاد الله تعالى عشرا، فصار أربعين يوما؛ فقاؿ لهم السامري: إف موسى ضل عن إلهو؛ ولهذا تخلف، فلم يرجع؛ فهو قد ضل، ولم يهتد إلى إلهو؛ فهذا إلهكم، وإلو موسى، فاتخذوه إلها.. قولو تعالى{ :من بعده} أي من بعد ذىاب موسى لميقات ربو؛ لأف موسى رجع إليهم، وقاؿ للسامري عن إلهو: {لنحرقنو ثم لننسفنو في اليم نسفا[ }طو: ٜٚ]؛ وجر ى ىذا: فحرقو موسى ، ونسفو في البحر. قولو تعالى: {وأنتم ظالموف} أي معتدوف؛ وأصل الظلم النقص، كما في قولو تعالى{ :كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منو شيئا[ }الكهف: ٖٖ]؛ وسمي العدواف ظلما؛ لأنو نقص في حق المعتدى عليهم؛ وجملة: {وأنتم ظالموف} حاؿ في موضع النصب من فاعل {اتخذتم} أي والحاؿ أنكم ظالموف؛ وىذا أبلغ في القبح: أف يعمل الإنساف العمل القبيح وىو يعلم أنو ظالم.. قاؿ الطبري: فإنو يعني بذلك أنكم فعلتم ما فعلتم من عبادة العجل وليس ذلك لكم، وعبدتم غير الذي كاف ينبغي لكم أف تعبدوه. لأف العبادة لا تنبغي لغير الله. وىذا توبيخ من الله لليهود، وتعيير منو لهم، وإخبار منو لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا - من اتخاذ العجل إلها وىو لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، بعد الذي علموا أف ربهم ىو الرب الذي يفعل من الأعاجيب وبدادع الأفعاؿ ما أجراه على يدي موسى صلوات الله عليو، من الأمور التي لا يقدر عليها أحد من خلق الله، ولم يقدر عليها فرعوف وجنده مع بطشو وكثرة أتباعو، وقرب عهدىم بما عاينوا من عجادب حِكَم الله - فهم إلى تكذيب محمد وجحود ما في كتبهم = التي زعموا أنهم بها مؤمنوف = من صفتو ونعتو، مع بعد ما بينهم وبين عهد موسى من المدة - أسرع وإلى التكذيب بما جاءىم بو موسى من ذلك أقرب.

عدد الصفحات ٣٧٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 377 - سورة البقرة الجزء الاول (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- إقامة البرىاف على عناد اليهود؛ ووجو ذلك أنو قد جاءىم موسى بالبينات، فاتخذوا العجل إلها.. ٕ- سفاىة اليهود، وغباوتهم، لاتخاذىم العجل إلها مع أنهم ىم الذين صنعوه.. ٖ- أف اليهود اغتنموا فرصة غياب موسى مما يدؿ على ىيبتهم لو؛ لقولو تعالى{ :من بعده}يعني من بعد ذىاب موسى إلى ميقات ربو.. ٗ- أف اليهود عبدوا العجل عن ظلم، وليس عن جهل؛ لقولو تعالى: (وأنتم ظالموف). وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفػَعْنَا فػَوْقَكُمُ الط ورَ خُذُوا مَا آتػَيػْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيػْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قػُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِىِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِوِ إِيمَانُكُمْ إِفْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (ٖٜ) قولو تعالى{ :وإذ أخذنا ميثاقكم{ : }إذ} تأتي في القرآف كثيرا؛ والمعربوف يعربونها بأنها مفعوؿ لفعل محذوؼ؛ تقديره: اذكر؛ وإذا كاف الخطاب لأكثر من واحد يقدر: اذكروا، أي اذكروا إذ أخذنا ميثاقكم؛ و "الميثاؽ": العهد؛ وسمي العهد ميثاقا؛ لأنو يتوثق بو.. قولو تعالى{ :ورفعنا فوقكم الطور} وىو الجبل المعروؼ؛ رفعو الله عز وجل على رؤوسهم تهديدا لهم؛ فجعلوا يشاىدونو فوقهم كأنو ظلة؛ فسجدوا خوفا من الله عز وجل، وجعلوا ينظروف إلى الجبل وىم يتضرعوف إلى الله سبحانو وتعالى بكشف كربتهم؛ ولهذا ذكر بعض أىل العلم عن اليهود أنهم يروف أف أفضل سجدة يسجدوف لله بها أف يسجدوا وقد أداروا وجوىهم إلى السماء؛ يقولوف: ىذه السجدة أنجانا الله بها؛ فهي أشرؼ سجدة عندنا.. قولو تعالى{ :خذوا} فعل أمر؛ وىو في محل نصب مقولا لقوؿ محذوؼ. أي: قلنا: خذوا. {ما أتيناكم} أي ما أعطيناكم؛ والمراد بو التوراة {بقوة} أي بجد، ونشاط؛ فالجد: العزيمة الثابتة؛ والنشاط: القوة في التنفيذ؛ {واسمعوا} أي سماع قبوؿ، واستجابة؛ فأمروا بأف يأخذوا بالتوراة بقوة، وأف يسمعوا، ويستجيبوا، وينقادوا. قاؿ الطبري: يعني بقولو جل ثناؤه: (وإذ أخذنا ميثاقكم) ، واذكروا إذ أخذنا عهود كم، بأف خذوا ما آتيناكم من التوراة - التي أنزلتها إليكم أف تعملوا بما فيها من أمري، وتنتهوا عما نهيتكم فيها - بجد منكم في ذلك ونشاط، فأعطيتم على العمل بذلك ميثاقكم، إذ رفعنا فوقكم الجبل.

عدد الصفحات ٣٧٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 378 - سورة البقرة الجزء الاول وأما قولو: ( واسمعوا) ، فإف معناه: واسمعوا ما أمرتكم بو وتقبلوه بالطاعة، كقوؿ الرجل للرجل يأمره بالأمر: "سمعت وأطعت"، يعني بذلك: سمعت قولك، وأطعت أمرؾ. يعني بقولو: "السمع"، قبوؿ ما يسمع، و"الطاعة" لما يؤمر. فكذلك معنى قولو: (واسمعوا) ، اقبلوا ما سمعتم واعملوا بو. فمعنى الآية: وإذ أخذنا ميثاقكم أف خذوا ما آتيناكم بقوة، واعملوا بما سمعتم، وأطيعوا الله، ورفعنا فوقكم الطور من أجل ذلك. قاؿ ابن العثيمين: وكاف الجواب: {قالوا سمعنا} أي بآذاننا؛ {وعصينا} أي بأفعالنا؛ فما سمعوا السمع الذي طلب منهم؛ ولكنهم استكبروا عنو؛ وظاىر الآية الكريمة أنهم قالوا ذلك لفظا: {سمعنا وعصينا} ؛ وقاؿ بعضهم: قالوا: {سمعنا}بألسنتهم، وعصوا بأفعالهم؛ فيكوف التعبير بالعصياف ىو عبارة عن أفعالهم، وأنهم لم يقولوا بألسنتهم: {وعصينا}؛ وىذا ضعيف؛ لأف الواجب حمل اللفظ على ظاىره حتى يقوـ دليل صحيح على أنو غير مراد، ولأنو لا يمتنع أف يقولوا: "سمعنا وعصينا" بألسنتهم و ىم الذين قالوا لموسى{ :لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة[ }البقرة: ٘٘]؛ فالذين تجرأوا أف يقولوا{ :لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}يتجرؤوف أف يقولوا: {سمعنا وعصينا} بألسنتهم؛ وكأف الذين قالوا: إف المراد بالمعصية ىنا فعل المعصية؛ وليس معناه أنهم قالوا بألسنتهم: {وعصينا} كأنهم قالوا: إنهم التزموا بهذا والجبل فوؽ رؤوسهم؛ ومن كاف ىذه حالو لا يمكن أف يقوؿ: "سمعنا، وعصينا" والجبل فوقو؛ ويمكن الجواب عن ىذا بأنهم قالوا ذلك بعد أف فرج عنهم؛ و"العصياف": ىو الخروج عن الطاعة بترؾ المأمور، أو فعل المحظور؛ فمن ترؾ الجماعة وىي و اجبة عليو فهو عاص؛ ومن زنى، أو سرؽ، أو شرب الخمر فهو أيضا عاص لله. ورسولو.. قاؿ الطبري: فإنو خبر من الله - عن اليهود الذين أخذ ميثاقهم أف يعملوا بما في التوراة، وأف يطيعوا الله فيما يسمعوف منها - أنهم قالوا حين قيل لهم ذلك: سمعنا قولك، وعصينا أمرؾ. قولو تعالى{ :وأشربوا في قلوبهم العجل} : قاؿ بعضهم: إنو على تقدير مضاؼ؛ والتقدير: أشربوا في قلوبهم حب العجل؛ لأف العجل نفسو لا يمكن أف يشرب في القلب؛ ومعنى {أشربوا} :أنو جعل ىذا الحب كأنو ماء سقي بو القلب؛ إذا امتزج بالقلب كما يمتزج الماء بالمدر إذا أشرب إياه؛ والمدر ىو الطين اليابس؛ فهذا القلب أشرب فيو حب العجل، ولكن عبر بالعجل عن حبو؛ لأنو أبلغ؛ فكأف نفس العجل دخل في قلوبهم؛ والذي أشرب ىذا في قلوبهم ىو الله سبحانو وتعالى؛ ولكن من بلاغة القرآف أف ما يكرىو الله يعبر عنو غالبا بالبناء لما لم يسم فاعلو؛ لأف

عدد الصفحات ٣٨٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 379 - سورة البقرة الجزء الاول النبي يقوؿ: "والشر ليس إليك" (ٔ) ، وقاؿ الله تعالى عن الجن{ :وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أـ أراد بهم ربهم رشدا[ }الجن: ٓٔ]؛ ففي الشر قالوا{ :أريد}، ولم ينسبوه إلى الله؛ أما الرشد فنسبوه إلى الله عز وجل.. قولو تعالى{ :بكفرىم} الباء ىنا للسببية؛ أي بسبب كفرىم بالله السابق على عبادة العجل؛ لأنهم قد نووا الإثم قبل أف يقعوا فيو؛ فصاروا كفارا بو، ثم أشربوا في قلوبهم العجل حتى صاروا لا يمكن أف يتحولوا عنو: قاؿ لهم ىاروف {يا قوـ إنما فتنتم بو وإف ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري[ }طو: ٜٓ]؛ ولكن كاف جوابهم لهاروف{ :لن نبرح عليو عاكفين حتى يرجع إلينا موسى[ }طو: ٜٔ]؛ فأصروا؛ لأنهم أشربوا في قلوبهم العجل بكفرىم..(ٕ) قولو تعالى{ :قل} :يخاطب الله سبحانو وتعالى النبي أو يخاطب كل من يصح توجيو الخطاب إليو. أي قل أيها النبي؛ أو قل أيها المخاطب؛ {بئسما يأمركم بو إيمانكم}بئس" فعل ماض يراد بو إنشاء الذـ؛ و "ما" نكرة مبنية على السكوف في محل نصب تمييز، يعني: بئس شيئا يأمركم بو إيمانكم عبادة العجل؛ يعني: إذا كاف عبادة العجل ىو مقتضى إيمانكم فإف إيمانكم قد أمركم بأمر قبيح؛ يعني: أين إيمانكم وأنتم قد أشرب في قلوبكم العجل؟! وأف ىذا الإيماف الذي زعمتموه ىو الذي حبب إليكم عبادة العجل، وعبدتموه.. قولو تعالى{ :إف كنتم مؤمنين} أي صادقين في دعوى الإيماف؛ و {إف} شرطية، والمقصود بها التحدي؛ يعني: إف كنتم مؤمنين حقيقة فكيف يأمركم إيمانكم بهذا العمل القبيح!!!. قاؿ الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد ليهود بني إسراديل: بئس الشيء يأمركم بو إيمانكم؛ إف كاف يأمركم بقتل أنبياء الله ورسلو، والتكذيب بكتبو، وجحود ما جاء من عنده. ومعنى "إيمانهم": تصديقهم الذي زعموا أنهم بو مصدقو ف من كتاب الله، إذْ قيل لهم: آمنوا بما أنزؿ الله. فقالوا: نؤمن بما أنزؿ علينا. وقولو: (إف كنتم مؤمنين) ، أي: إف كنتم مصدقين كما زعمتم بما أنزؿ الله عليكم، وإنما كذبهم الله بذلك - لأف التوراة تنهي عن ذلك كلو، وتأمر بخلافو. فأخبرىم أف تصديقهم بالتوراة، إف كاف يأمرىم بذلك، فبئس الأمر تأمر بو. وإنما ذلك نفي من الله تعالى ذكره عن التوراة، أف تكوف تأمر بشيء مما يكرىو الله من أفعالهم، وأف يكوف التصديق بها يدؿ على شيء من مخالفة أمر الله، وإعلاـ منو جل ثناؤه أف الذي يأمرىم بذلك أىواؤىم، والذي يحملهم عليو البغي والعدواف. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف الله تعالى أخذ الميثاؽ على بني إسراديل بالإيماف؛ لقولو تعالى{ :وإذ أخذنا ميثاقكم ... }إلخ.. ٔ- أخرجو مسمم صٓٓٛ، كتاب صلاة المسافرين، باب ٕٙ: صلاة النبي ودائو بالميل، حديث رقم ٕٔٛٔ [ٕٔٓ]ٔٚٚ. ٔ- (قمت): انظر تفسير الآية (ٖٛٔ) من سورة الأعراف.

عدد الصفحات ٣٨١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 381 - سورة البقرة الجزء الاول ٕ- أف بني إسراديل ما آمنوا إلا عن كره؛ لأنهم لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور.. ٖ- بياف قدرة الله عز وجل.. ٗ- أف أمر الكوف كلو بيد الله عز وجل، وأنو سبحانو وتعالى قادر على خرؽ العادات؛ لقولو تعالى{ :ورفعنا فوقكم الطور.. ٘- وجوب تلقي شريعة الله بالقوة دوف الكسل والفتور، لقولو تعالى{ :خذوا ما آتيناكم بقوة} ٙ- بياف عتو بني إسراديل؛ لقولو تعالى{ :قالوا سمعنا وعصينا}؛ وىذا أبلغ ما يكوف في العتو؛ لأنو كاف يمكن أف يكوف العصياف عن جهل؛ لكنهم قالوا{ :سمعنا وعصينا} ٚ- أف السمع نوعاف: سمع استجابة، وسمع إدراؾ؛ مثاؿ الأوؿ{ :خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا}؛ ومثاؿ الثاني: (سمعنا وعصينا) . ٛ- أف المؤمن حقا لا يأمره إيمانو بالمعاصي؛ لقولو تعالى{ :إف كنتم مؤمنين}يعني إف كنتم مؤمنين حقا ما اتخذتم العجل إلها.. ٜ- أف الشر لا يسنده الله تعالى إلى نفسو؛ بل يذكره بصيغة المبني لما لم يسم فاعلو؛ لقولو تعالى{ :وأشربوا في قلوبهم}؛ ولهذا نظير من القرآف، كقولو تعالى{ :وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أـ أراد بهم ربهم رشدا} [الجن: ٓٔ]؛ والنبي يقوؿ: "والشر ليس إليك"؛ فالشر في المفعوؿ. لا في الفعل؛ الخير والشر كل من خلق الله عز وجل؛ لكن الشر بالنسبة لإيجاد الله لو ىو خير، وليس بشر؛ لأف الله سبحانو وتعالى ما أوجده إلا لحكمة بالغة، وغاية محمودة. وإف كاف شرا. لكن الشر في المفعولات. أي المخلوقات؛ وأما نفس الفعل فهو ليس بشر؛ أرأيت الرجل يكوي ابنو بالنار. والنار مؤلمة محرقة. لكنو يريد أف يشفى. فهذا المفعوؿ الواقع من الفاعل شر مؤلم محرؽ لكن غايتو محمودة. وىو شفاء الولد؛ فيكوف خيرا باعتبار غايتو.. ٓٔ- أف الله تعالى قد يبتلي العبد، فيملأ قلبو حبا لما يكرىو الله عز وجل؛ لقولو تعالى: (وأشربوا في قلوبهم العجل) ٔٔ- أف الإيماف الحقيقي لا يحمل صاحبو إلا على طاعة الله؛ لقولو تعالى: (قل بئسما يأمركم بو إيمانكم إف كنتم مؤمنين).

عدد الصفحات ٣٨٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 381 - سورة البقرة الجزء الاول قُلْ إِفْ كَانَتْ لَ كُمُ الدَّارُ الآْخِرَةُ عِنْدَ اللَّوِ خَالِصَةً مِنْ دُوفِ النَّاسِ فػَتَمَنػَّوُا الْمَوْتَ إِفْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (ٜٗ) وَلَنْ يػَتَمَنػَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّوُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (ٜ٘) وَلَتَجِدَنػَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَ لَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يػَوَد أَحَدُىُمْ لَوْ يػُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا ىُوَ بِمُزَحْزِحِوِ مِنَ الْعَذَابِ أَفْ يػُعَمَّرَ وَاللَّوُ بَصِيرٌ بِمَا يػَعْمَلُوفَ (ٜٙ) قاؿ الطبري قولو تعالى{ :قل إف كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دوف الناس}: ىذه الآية مما احتج الله بها لنبيو محمد على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، وفضح بها أحبارىم وعلماءىم. وذلك أف الله جل ثناؤه أمر نبيو أف يدعوىم إلى قضية عادلة بينو وبينهم، فيما كاف بينو وبينهم من الخلاؼ. كما أمره الله أف يدعو الفريق الآخر من النصارى - إذ خالفوه في عيسى صلوات الله عليو وجادلوا فيو - إلى فاصلة بينو وبينهم من المباىلة. وقاؿ لفريق اليهود: إف كنتم محقين فتمنوا الموت، فإف ذلك غير ضاركم، إف كنتم محقين فيما تدعوف من الإيماف وقرب المنزلة من الله. بل إف أعطيتم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم، فإنما تصيروف إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جنانو، إف كاف الأمر كما تزعموف: من أف الدار الآخرة لكم خالصة دوننا. وإف لم تعطوىا علم الناس أنكم المبطلوف ونحن المحقوف في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم. فامتنعت اليهود من إجابة النبي إلى ذلك، لعلمها أنها تمنت الموت ىلكت، فذىبت دنياىا، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها. كما امتنع فريق النصارى - الذين جادلوا النبي في عيسى، إذْ دعوا إلى المباىلة - من المباىلة. فبلغنا أف رسوؿ الله قاؿ: "لو أف اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدىم من النار. ولو خرج الذين يباىلوف رسوؿ الله ، لرجعوا لا يجدوف أىلا ولا مالا". فانكشف - لمن كاف مشكلا عليو أمر اليهود يومئذ - كذبهم وبهتهم وبغيهم على رسوؿ الله ، وظهرت حجة رسوؿ الله وحجة أصحابو عليهم، ولم تزؿ والحمد لله ظاىرة عليهم وعلى غير ىم من سادر أىل الملل. وإنما أُمر رسوؿ الله أف يقوؿ لهم: (تمنوا الموت إف كنتم صادقين) ، لأنهم - فيما ذكر لنا- قالوا: ( نَحْنُ أَبػْنَاءُ اللَّوِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ )الماددة: ٛٔ]، وقالوا: ( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَافَ ىُودًا أَوْ نَصَارَى[ )البقرة: ٔٔٔ]فقاؿ الله لنبيو محمد : قل لهم إف كنتم صادقين فيما تزعموف، فتمنوا الموت. فأباف الله كذبهم بامتناعهم من تمني ذلك، وأفلج حجة رسوؿ الله . قاؿ ابن العثيمين: {كانت} ىنا ناقصة، وخبرىا يجوز أف يكوف الجار والمجرور في قولو تعالى: {لكم}؛ وتكوف {خالصة} حا من {الدار} .يعني: حاؿ كونها خالصة من دوف الناس؛ ويجوز أف يكوف الخبر: {خالصة} ؛ والمعنى واحد؛ والمراد بػ {الدار الآخرة} الجنة؛ وإنما قاؿ تعالى ذلك؛ لأنهم قالوا: " لن تمسنا النار إلا أياما

عدد الصفحات ٣٨٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 382 - سورة البقرة الجزء الاول معدودة، وبعدىا تخلفوننا أنتم في النار؛ ونكوف نحن في الجنة". ىذا كلاـ اليهود؛ والذي يقوؿ ىذا الكلاـ يدعي أف الدار الآخرة خالصة. أي خاصة. لو من دوف الناس، وأف المستحق للنار منهم يدخلها أياما معدودة، ثم يخرج إلى الجنة.. قولو تعالى{ :فتمنوا الموت} أي اطلبوا حصولو {إف كنتم صادقين} أي في دعواكم أف الدار الآخرة خالصة لكم من دوف الناس؛ لأنها حينئذ تكوف لكم خيرا من الدنيا؛ فتمنوا الموت لتصلوا إليها؛ وىذا تحد لهم؛ ولهذا قاؿ الله تعالى ىنا: {ولن يتمنوه أبدا} ؛ وفي سورة الجمعة قاؿ تعالى{ :و يتمنونو أبدا[ }الجمعة: ٚ]وذلك؛ لأنهم يعلموف كذب دعواىم أف لهم الدار الآخرة خالصة.. وظاىر الآية الكريمة على ما فسرنا أف الله تعالى أمر نبيو أف يتحداىم بأنو إف كانت الدار الآخرة لهم كما يزعموف فليتمنوا الموت ليصلوا إليها؛ وىذا لا شك ىو ظاىر الآية الكريمة؛ وىو الذي رجحو ابن جرير، وكثير من المفسرين؛ وذىب بعض العلماء إلى أف المراد بقولو تعالى: {فتمنوا الموت} أي فباىلونا، وتمنوا الموت لمن ىو كاذب منا؛ فتكوف ىذه مثل قولو تعالى في سورة آؿ عمراف{ :فمن حاجك فيو من بعد ما جاءؾ من العلم فقل تعالوا ندع أبنادنا وأبنادكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين[ }آؿ عمراف: ٔٙ]؛ فيكو ف المعنى: تمنوا الموت عن طريق المباىلة؛ ورجح ىذا ابن كثير؛ وضعف الأوؿ بأنو لو كاف المراد: تمنوا حصوؿ الموت لكانوا يحتجوف أيضا علينا نحن، ويقولوف: أنتم أيضا إف كنتم تقولوف: إف الدار الآخرة لكم فتمنوا الموت؛ لأف تحديكم إيانا بذلك ليس بأولى من تحدينا إياكم بو؛ لأنكم أنتم أيضا تقولوف: إف الدار الآخرة لكم، وأف اليهود بعد بعثة الرسوؿ في النار؛ فتمنوا الموت أنتم أيضا، والجواب عن ذلك أنا لم ندع أف الدار الآخرة خالصة لنا من دوف الناس؛ بل نؤمن بأف الدار الآخرة لكل من آمن وعمل صالحا سواء كاف من ىذه الأمة أـ من غيرىا؛ وىذا المعنى الذي نحا إليو ابن كثير. رحمو الله. مخالف لظاىر السياؽ؛ فلا يعوؿ عليو؛ وقد عرفت الانفكاؾ منو ... قاؿ الطبري: وىذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود وكراىتهم الموت، وامتناعهم عن الإجابة إلى ما دعوا إليو من تمني الموت، لعلمهم بأنهم إف فعلوا ذلك فالوعيد بهم نازؿ، والموت بهم حاؿ؛ ولمعرفتهم بمحمد أنو رسوؿ من الله إليهم مرسل، وىم بو مكذبوف، وأنو لم يخبرىم خبرا إلا كاف حقا كما أخبر. فهم يحذروف أف يتمنوا الموت، خوفا أف يحل بهم عقاب الله بما كسبت أيديهم من الذنوب. عن ابن عباس: (ولن يتمنوه أبدا) ، يقوؿ: يا محمد، ولن يتمنوه أبدا، لأنهم يعلموف أنهم كاذبوف. ولو كانوا صادقين لتمنوه ورغبوا في التعجيل إلى كرامتي، فليس يتمنونو أبدا بما قدمت أيديهم. وأما قولو: (بما قدمت أيديهم) ، فإنو يعني بو: بما أسلفتو أيديهم. وإنما ذلك مثل، على نحو ما تتمثل بو العرب في كلامها. فتقوؿ للرجل يؤخذ بجريرة جرىا أو جناية جناىا فيعاقب عليها: "نالك ىذا بما جنت يداؾ، وبما كسبت يداؾ، وبما قدمت يداؾ"، فتضيف ذلك إلى "اليد". ولعل الجناية التي جناىا فاستحق عليها العقوبة، كانت باللساف

عدد الصفحات ٣٨٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 383 - سورة البقرة الجزء الاول أو بالفرج أو بغير ذلك من أعضاء جسده سوى اليد. وإنما قيل ذلك بإضافتو إلى "اليد"، لأف عُظْمَ جنايات الناس بأيديهم، فجرى الكلاـ باستعماؿ إضافة الجنايات التي يجنيها الناس إلى "أيديهم"، حتى أضيف كل ما عوقب عليو الإنساف مما جناه بسادر أعضاء جسده، إلى أنها عقوبة على ما جنتو يده. فلذلك قالو جل ثناؤه للعرب: (ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم) ، يعني بو: ولن يتمنى اليهود الموت بما قدموا أمامهم في حياتهم من كفرىم بالله، في مخالفتهم أمره وطاعتو في اتباع محمد وما جاء بو من عند الله، وىم يجدونو مكتوبا عندىم في التوراة، ويعلموف أنو نبي مبعوث. فأضاؼ جل ثناؤه ما انطوت عليو قلوبهم، وأضمرتو أنفسهم، ونطقت بو ألسنتهم - من حسد محمد ، والبغي عليو، وتكذيبو وجحود رسالتو - إلى أيديهم، وأنو مما قدمتو أيديهم، لعلم العرب معنى ذلك في منطقها وكلامها . إذ كاف جل ثناؤ ه إنما أنزؿ القرآف بلسانها وبلغتها. عن ابن عباس: (بما قدمت أيديهم) ، يقوؿ: بما أسلفت أيديهم. وأما قولو: (والله عليم بالظالمين) ، فإنو يعني جل ثناؤه: والله ذو علم بظلمة بني آدـ - يهودىا ونصاراىا وسادر أىل الملل غيرىا - وما يعملوف. وظلم اليهود: كفرىم بالله في خلافهم أمره وطاعتو في اتباع محمد ، بعد أف كانوا يستفتحوف بو وبمبعثو، وجحودىم نبوتو وىم عالموف أنو نبي الله ورسولو إليهم. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} ؛ اللاـ في {لتجدنهم} موطئة للقسم؛ والنوف للتوكيد؛ وعليو تكوف الجملة مؤك دة بثلاثة مؤكدات : القسم، واللاـ، والنوف؛ والضمير الهاء يعود على اليهود؛ و {أحرص} اسم تفضيل؛ و "الحرص" ىو أف يكوف الإنساف طامعا في الشيء مشفقا من فواتو؛ والحرص يستلزـ بذؿ المجهود؛ ولهذا قاؿ الرسوؿ "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز" (ٔ) ؛ ونكر {حياة} ليفيد أنهم حريصوف على أي حياة كانت. وإف قلت؛ حتى لو لم يأتهم إلا لحظة فهم أحرص الناس عليها.. قولو تعالى{ :ومن الذين أشركوا } أي الشرؾ الأكبر؛ واختلف المفسروف فيها؛ فمنهم من قاؿ: ىو مستأنف، والكلاـ منقطع عما قبلو؛ والتقدير: ومن الذين أشركوا من يود أحدىم لو يعمر ... ؛ وىذا وإف كاف محتملا لفظا، لكنو في المعنى بعيد جدا؛ ومنهم من قاؿ: إنو معطوؼ على قولو تعالى: {الناس}يعني: ولتجدنهم أحرص الناس، وأحرص من الذين أشركوا؛ يعني: اليهود أحرص من المشركين على الرغم من أف اليهود أىل كتاب يؤمنوف بالبعث، وبالجنة، وبالنار؛ والمشركوف لا يؤمنوف بذلك، والذي لا يؤمن بالبعث يصير أحرص الناس على حياة؛ لأنو يرى أنو إذا مات انتهى أمره، ولا يعود؛ فتجده يحرص على ىذه الحياة التي يرى أنها ىي رأس مالو؛ وىذا القوؿ ىو الصواب.. -ٔ أخرجو مسمم صٕٗٔٔ، كتاب القدر، باب ٛ: الإيمان بالقدر والإذعان لو، حديث رقم ٗٚٚٙ [ٖٗ]ٕٗٙٙ.-

عدد الصفحات ٣٨٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 384 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري: يعني جل ثناؤه بقولو: (ومن الذين أشركوا ) ، وأحرص من الذين أشركوا على الحياة، كما يقاؿ: "ىو أشجع الناس ومن عنترة" بمعنى: ىو أشجع من الناس ومن عنترة. فكذلك قولو: (ومن الذين أشركوا ) . لأف معنى الكلاـ: ولتجدف -يا محمد- اليهود من بني إسراديل، أحرص من الناس على حياة ومن الذين أشركوا . فلما أضيف "أحرص" إلى "الناس" وفيو تأويل "من"، أظهرت بعد حرؼ العطف، ردا - على التأويل الذي ذكرنا. وإنما وصف الله جل ثناؤه اليهود بأنهم أحرص الناس على الحياة، لعلمهم بما قد أعد لهم في الآخرة على كفرىم بما لا يقر بو أىل الشرؾ، فهم للموت أكره من أىل الشرؾ الذين لا يؤمنوف بالبعث، لأنهم يؤ منوف بالبعث، ويعلموف ما لهم ىنالك من العذاب. والمشركوف لا يصدقوف بالبعث ولا العقاب، فاليهود أحرص منهم على الحياة وأكره للموت. عن ابن عباس: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا ) ، وذلك أف المشرؾ لا يرجو بعثا بعد الموت، فهو يحب طوؿ الحياة؛ وأف اليهودي قد عرؼ ما لو في الآخرة من الخزي، بما ضيع مما عنده من العلم (ٔ). قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :يود أحدىم لو يعمر ألف سنة} ؛ "الود" خالص المحبة؛ والضمير في {أحدىم} يعود على المشركين لا غير على القوؿ الأوؿ: أي أف قولو تعالى: {ومن الذين أشركوا }مستأنف؛ وعلى القوؿ الثاني: يحتمل أف يكوف الضمير عاددا على اليهود؛ ويصير انقطع الكلاـ عند قولو تعالى: {أشركوا }. وقولو تعالى{ :لو يعمر} أي لو يزاد في عمره؛ و"العمر" ىو الحياة؛ و {لو} ىنا مصدرية؛ وكلما جاءت بعد "ود" فهي مصدرية، كما في قولو تعالى{ :ودوا لو تدىن فيدىنوف} [القلم: ٜ]، وقولو تعالى: {يودوا لو أنهم بادوف في الأعراب[ }الأحزاب: ٕٓ]؛ ومعنى "مصدرية" أنها بمعنى "أف" تؤوؿ، وما بعدىا بمصدر، فيقاؿ في الآية. {يود أحدىم لو يعمر ألف سنة} :يود أحدىم تعميره ألف سنة؛ و "السنة" ىي العاـ؛ والمراد بها ىنا السنة الهلالية. لا الشمسية. لأف الكلمات إذا أطلقت تحمل على الاصطلاح الشرعي؛ وقد قاؿ الله تعالى{ :إف عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوـ خلق السموات والأرض منها أربعة حرـ[ }التوبة: ٖٙ]؛ فالميقات الذي وضع الله للعباد إنما ىو بالأشهر الهلالية، كما قاؿ تعالى{ :يسألونك عن الأىلة قل ىي مواقيت للناس والحج[ }البقرة: ٜٛٔ]، وكما قاؿ تعالى في القمر{ :وقدره منازؿ لتعلموا عدد السنين والحساب[ }يونس: ٘] قولو تعالى{ :وما ىو بمزحزحو من العذاب} أي بدافعو، ومانعو؛ {أف يعمر{ : }أف} ، والفعل بعدىا فاعل "زحزح "؛ والتقدير: وما ىو بمزحزحو تعميره؛ لأف "مزحزح " اسم فاعل يعمل عمل فعلو؛ والمعنى أنو لو عمر ألف سنة، أو أكثر وىو مقيم على معصية الله تعالى فإف ذلك لن يزحزحو من العذاب؛ بل إف الإنساف إذا ازداد عمره وىو في معصية الله ازداد عذابو؛ ولهذا جاء في الحديث: "شركم من طاؿ عمره، وساء عملو" (ٕ) . -ٔ سيرة ابن ىشام ٕ: ٜٔٔ. ٕ- أخرجو أحمد ٘/ٓٗ، حديث رقم ٕٙٛٙٓ؛ وأخرجو الترمذي صٙٛٛٔ، كتاب الزىد، باب ٕٕ: أي الناس خير وأييم شر، حديث رقم ٖٖٕٓ؛ مدار الحديث عمى عمي بن زيد، قال الحافظ في التقريب: ضعيف، وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح بما قبمو ٕ/ٕٔٚ، حديث رقم ٜٜٛٔ.

عدد الصفحات ٣٨٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 385 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :وا بصير بما يعملوف{ : }بصير} ىنا بمعنى عليم؛ أي أنو جل وعلا عليم بكل ما يعملونو في السر، والعلانية من عمل صالح، وعمل سيء.. قاؿ الطبري: والله ذو إبصار بما يعملوف، لا يخفي عليو شيء من أعمالهم، بل ىو بجميعها محيط، ولها حافظ ذاكر، حتى يذيقهم بها العقاب جزاءىا. وأصل "بصير" "مبصر" - من قوؿ القادل: "أبصرت فأنا مبصر"، ولكن صرؼ إلى "فعيل"، كما صرؼ "مسمع" إلى "سميع"، و"عذاب مؤلم" إلى "أليم"، "ومبدع السموات" إلى بديع، وما أشبو ذلك. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيات:ٔ- تكذيب اليهود الذين قالوا: "لنا الآخرة، ولكم الدنيا، لن تمسنا النار إلا أياما معدودة"؛ ووجهو: أف الله تعالى قاؿ لهم{ :فتمنوا الموت}، وقد قاؿ تعالى{ :ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم}. ٕ- أف الكافر يكره الموت لما يعلم من سوء العاقبة؛ لقولو تعالى: (بما قدمت أيديهم) . ٖ- إثبات السببية. تؤخذ من الباء في قولو تعالى: (بما قدمت أيديهم) . ٗ- إثبات علم الله تعالى للمستقبل؛ لقولو تعالى{ :ولن يتمنوه أبدا}؛ فوقع الأمر كما أخبر بو.. ٘- جواز تخصيص العموـ لغرض؛ لقولو تعالى{ :وا عليم بالظالمين}فخص علمو بالظالمين تهديدا لهم.. ٙ- أف اليهود أحرص الناس على حياة ... ٚ- إبطاؿ قولهم: "لن تمسنا النار إلا أياما معدودة"، ثم يخرجوف منها، ويكونوف في الجنة؛ لأف من كاف كذلك لا يكره الموت.. ٛ- أف الناس يتفاوتوف في الحرص على الحياة؛ لقولو تعالى{ :أحرص}؛ و {أحرص}اسم تفضيل ٜ- أف المشركين من أحرص الناس على الحياة، وأنهم يكرىوف الموت؛ لقولو تعالى{ :ومن الذين أشركوا }مما يدؿ على أنهم في القمة في كراىة الموت ما عدا اليهود.. ٓٔ- أف طوؿ العمر لا يفيد المرء شيئا إذا كاف في معصية الله؛ لقولو تعالى: (وما ىو بمزحزحو من العذاب أف يعمر) ٔٔ- غور فهم السلف حين كرىوا أف يدعى للإنساف بالبقاء؛ فإف الإماـ أحمد كره أف يقوؿ للإنساف: "أطاؿ الله بقاءؾ"؛ لأف طوؿ البقاء قد ينفع، وقد يضر؛ إذا الطريق السليم أف تقوؿ: "أطاؿ الله بقاءؾ على طاعة الله"، أو نحو ذلك.. ٕٔ- أف الله سبحانو وتعالى محيط بأعماؿ ىؤلاء كغيرىم؛ لقولو تعالى{ :وا بصير بما يعملوف}؛ والبصر ىنا

عدد الصفحات ٣٨٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 386 - سورة البقرة الجزء الاول بمعنى العلم؛ ويمكن أف يكوف بمعنى الرؤية؛ قاؿ النبي "لو كشفو لأحرقت سبحات وجهو ما انتهى إليو بصره من خلقو" (ٔ) ؛ فأثبت لله بصرا؛ لكن تفسيره بالعلم أعم.. قُلْ مَنْ كَافَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّوُ نػَزَّلَوُ عَلَى قػَلْبِكَ بِإِذْفِ اللَّوِ مُصَدِّقًا لِمَا بػَيْنَ يَدَيْوِ وَىُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (ٜٚ) مَنْ كَافَ عَدُوًّا لِلَّوِ وَمَلاَ دِكَتِوِ وَرُسُلِوِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَاؿَ فَإِفَّ اللَّوَ عَدُو لِلْكَافِرِينَ (ٜٛ) قاؿ الطبري: أجمع أىل العلم بالتأويل جميعا على أف ىذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسراديل، إذ زعموا أف جبريل عدو لهم، وأف ميكاديل ولي لهم. و إنما كاف سبب قيلهم ذلك، من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسوؿ الله في أمر نبوتو. حدثنا أبو كريب قاؿ، حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهراـ، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس أنو قاؿ: حضرت عصابة من اليهود رسوؿ الله فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلاؿ نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي. فقاؿ رسوؿ الله : سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيو، لئن أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه، لتتابعُني على الإسلاـ. فقالوا: ذلك لك. فقاؿ رسوؿ الله : سلوني عما شئتم. فقالوا: أخبرنا عن أربع خلاؿ نسألك عنهن: أخبرنا، أي الطعاـ حرـ إسراديل على نفسو من قبل أف تنزؿ التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكوف الذكر منو والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوـ ومن وليو من الملادكة؟ فقاؿ رسوؿ الله : "عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعني! فأعطوه ما شاء من عهد وميثاؽ. فقاؿ: "نشدتكم بالذي أنزؿ التوراة على موسى، ىل تعلموف أف إسراديل مرض مرضا شديدا فطاؿ سقمو منو، فنذر نذرا لئن عافاه الله من سقمو ليحرمن أحب الطعاـ والشراب إليو، وكاف أحب الطعاـ إليو لحم الإبل - قاؿ أبو جعفر: فيما أروي: وأحب الشراب إليو ألبانها؟ فقالوا: اللهم نعم. فقاؿ رسوؿ الله : أشهد الله عليكم وأنشدكم بالله الذي لا إلو إلا ىو، الذي أنزؿ التوراة على موسى، ىل تعلموف أف ماء الرجل أبيض غليظ، وأف ماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كاف لو الولد والشبو بإذف الله، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كاف الولد ذكرا بإذف الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كاف الولد أنثى بإذف الله؟ قالوا: اللهم نعم. قاؿ: اللهم اشهد! قاؿ: وأنشدكم بالذي أنزؿ التوراة على موسى، ىل تعلموف أف ىذا النبي الأمي تناـ عيناه ولا يناـ قلبو؟ قالوا: اللهم نعم! قاؿ: اللهم اشهد! قالوا: أنت الآف تحدثنا من وليك من الملادكة، فعندىا نتابعك أو نفارقك. قاؿ: فإف وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وىو وليو. قالوا: فعندىا نفارقك، لو كاف وليك سواه من الملادكة، تابعناؾ وصدقناؾ. قاؿ: "فما يمنعكم أف تصدقوه؟ قالوا: إنو عدونا. فأنزؿ -ٔأخرجو مسمم صٜٓٚ، كتاب الإيمان، باب ٜٚ: في قولو عميو السلام: "إن الله لا ينام" ... ، حديث رقم ٕٗٗ [ٖٜٕ]ٜٚٔ.

عدد الصفحات ٣٨٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 387 - سورة البقرة الجزء الاول الله عز وجل: (من كاف عدوا لجبريل فإنو نزلو على قلبك بإذف الله) إلى قولو (كأنهم لا يعلموف) ، فعندىا باءوا بغضب على غضب. (ٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :قل} أي يا محمد؛ ويجوز أف يكوف المراد: كل من يتوجو إليو الخطاب؛ {من كاف عدوا لجبريل} أي معاديا لو؛ "وجبريل" ىو الملك الموكل بالوحي؛ وكاف اليهود يعادونو، ويقو لوف: "إنو ينزؿ بالعذاب"؛ {فإنو نزلو على قلبك} :فيو إعراباف: الأوؿ: أف الجملة جواب الشرط؛ ووجو ارتباطو بفعل الشرط من الناحية المعنوية تأكيد ذـ ىؤلاء اليهود المعادين لجبريل، كأنو لم يكن فيو ما يوجب العداوة إلا أنو نزلو على قلبك؛ وىذا يشبو تأكيد المدح بما يشبو الذـ، كقوؿ القادل:. (ولا عيب فيهم غير أف سيوفهم بهن فلوؿ من قراع الكتادب). فالمعنى: من كاف عدوا لجبريل فلا موجب لعداوتو إلا أنو نزلو. أي القرآف. على قلبك؛ وىذا الوصف يقتضي ولايتو. لا عداوتو؛ وقيل: إف جواب الشرط محذوؼ؛ والتقدير: من كاف عدوا لجبريل فليمت غيظا؛ لكن الإعراب الأوؿ أصح، وأبلغ.. قاؿ السعدي أي: قل لهؤلاء اليهود، الذين زعموا أف الذي منعهم من الإيماف بك، أف وليك جبريل عليو السلاـ، ولو كاف غيره من ملادكة الله، لآمنوا بك وصدقوا، إف ىذا الزعم منكم تناقض وتهافت، وتكبر على الله، فإف جبريل عليو السلاـ ىو الذي نزؿ بالقرآف من عند الله على قلبك، وىو الذي ينزؿ على الأنبياء قبلك، والله ىو الذي أمره، وأرسلو بذلك، فهو رسوؿ محض. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :على قلبك} أي قلب النبي ؛ وىذا كقولو تعالى{ :نزؿ بو الروح الأمين * على قلبك[ }الشعراء: ٖٜٔ، ٜٗٔ]؛ وإنما كاف نزولو على قلبو؛ لأف القلب محل العقل، والفهم، كما قاؿ تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكوف لهم قلوب يعقلوف بها[ }الحج: ٙٗ] قاؿ الشنقيطي ظَاىِرُ ىَذِهِ الآْيَةِ أَفَّ جِبْرِيلَ أَلْقَى الْقُرْآفَ فِي قػَلْبِ النَّبِيِّ - - مِنْ غَيْرِ سَمَاعِ قِرَاءَةٍ ، وَنَظِيرُىَا فِي ذَلِكَ قػَوْلُوُ تػَعَالَى: (نػَزَؿَ بِوِ الر وحُ الأَْمِينُ عَلَى قػَلْبِكَ ) الآْيَةَ [ٕٙ \ ٖٜٔ، ٜٗٔ]وَلَكِنَّوُ بػَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَفَّ مَعْنَى -ٔ الأثر: إسناده صحيح. يونس بن بكير بن واصل الشيباني: ثقة، من تكمم فيو فلا حجة لو، وأخرج لو مسمم في صحيحو. وترجمتو في التيذيب، والكبير لمبخاري ٗ / ٕ / ٔٔٗ، وابن سعد ٙ: ٜٕٚ، وابن أبي حاتم ٗ /ٕ /ٖٕٙ. ووقع في المطبوعة ىنا"يونس عن بكير" وىو خطأ واضح. عبد الحميد بن بيرام - بفتح الباء وسكون الياء - الفزاري : ثقة، وثقو أحمد وابن معين وغيرىما . وتكمم فيو بعضيم من أجل روايتو عن شير بن حوشب، وىو راويتو، ولكن شير ثقة أيضًا، كما أشرنا في: ٜٛٗٔ. والحديث رواه أحمد في المسند، مطولا : ٕٗٔ٘، وابن سعد في الطبقات ٔ/ٔ/٘ٔٔ - ٙٔٔ، كلاىما من ىاشم بن القاسم، عن عبد الحميد بن بيرام، بيذا الإسناد. ثم رواه أحمد: ٕ٘ٔ٘، عن محمد بن بكار، عن عبد الحميد بن بيرام، بو ولم يذكر لفظو، إحالة عمى ما قبمو. ورواه أحمد أيضًا: ٕٗٔٚ، مختصرا، عن حسين، ىو ابن محمد المروزي عن عبد الحميد بن بيرام . ورواه أيضًا: ٖٕٛٗ، من وجو آخر، أطول قميلا. وكذلك رواه أبو نعيم في الحمية ٗ: ٖٗٓ - ٖ٘ٓ من ىذا الوجو. وذكر الييثمي الرواية: ٖٕٛٗ، وأشار إلى ما في الرواية: ٕٗٔ٘ من الزيادة، في مجمع الزوائد ٛ: ٕٗٔ - ٕٕٗ، وقال:"رواه أحمد والطبراني، ورجاليما ثقات".ونقل ابن كثير في التفسير ٔ: ٖٕٛ - ٜٖٕ رواية الطبري التي ىنا، ثم أشار إلى رواية المسند: ٕٗٔ٘. ثم نقل رواية المسند: ٖٕٛٗ فيو ٔ: ٕٓٗ، ونقل روايتي المسند أيضًا ٕ: ٙٛٔ - ٚٛٔ.

عدد الصفحات ٣٨٩