المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٢٨ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 356 - سورة البقرة الجزء الاول ٛ- وجوب القوؿ الحسن؛ لقولو تعالى{ :وقولوا للناس حسنا}؛ وضد القوؿ الحسن قولاف؛ قوؿ سوء؛ وقوؿ ليس بسوء، ولا حسن؛ أما قوؿ السوء فإنو منهي عنو؛ وأما القوؿ الذي ليس بسوء، ولا حسن فليس مأمورا بو، ولا منهيا عنو؛ لكن تركو أفضل؛ ولهذا وصف الله عباد الرحمن بأنهم{ :لا يشهدوف الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما[ }الفرقاف: ٕٚ]؛ وقاؿ الرسوؿ "من كاف يؤمن بالله واليوـ الآخر فليقل خيرا؛ أو ليصمت" (ٔ) ٜ- الأمر بإقامة الصلاة على وجو الوجوب فيما لا تصح الصلاة إلا بو؛ وعلى وجو الاستحباب فيما تصح الصلاة بدونو وىو من كمالها.. ٓٔ- أف الصلوات مفروضة على من كاف قبلنا.. ٔٔ- وجوب إيتاء الز كاة؛ لقولو تعالى: (وآتوا الزكاة ) ٕٔ- وجوب الزكاة على من كاف قبلنا؛ ولكن لا يلزـ أف يكونوا مساوين لنا في الأمواؿ التي تجب فيها الزكاة، ولا في مقدار الزكاة، ولا في أىلها الذين تدفع إليهم.. ٖٔ- أف بني إسراديل مع ىذا الميثاؽ الذي أخذه الله عليهم لم يقوموا بو إلا القليل منهم.. ومنها: أف تولي بني إسراديل كاف توليا كبيرا، حيث كاف توليا بإعراض.. ٘ٔ- أف المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض.. ٙٔ- أف التولي قد يكوف بإعراض، وقد يكوف بغير إعراض؛ لأنو لو كاف بإعراض مطلقا لم يستقم قولو: (وأنتم معرضوف) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُوفَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُوفَ أَنػْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقػْرَرْتُمْ وَأَنػْتُمْ تَشْهَدُوفَ (ٗٛ) ثُمَّ أَنػْتُمْ ىَؤُلاَءِ تػَقْتػُلُوفَ أَنػْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُوفَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِىِمْ تَظَاىَرُوفَ عَلَيْهِ مْ بِالإِْثْمِ وَالْعُدْوَافِ وَإِفْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تػُفَادُوىُمْ وَىُوَ مُحَرَّـٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفػَتػُؤْمِنُوفَ بِبػَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُوفَ بِبػَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يػَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الد نػْيَا وَيػَوْـَ الْقِيَامَةِ يػُرَد وفَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّوُ بِغَافِلٍ عَمَّا تػَعْمَلُوفَ (٘ٛ) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتػَرَوُا الْحَيَاةَ الد نػْيَا بِالآْخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنػْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ ىُمْ يػُنْصَرُوفَ (ٙٛ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وإذ أخذنا ميثاقكم} يذكرىم الله سبحانو وتعالى بالميثاؽ الذي أخذه عليهم؛ وبين الله تعالى الميثاؽ ىنا بأمرين:. -ٔ أخرجو البخاري صٜٓ٘، كتاب الأدب، باب ٖٔ؛ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، حديث رقم ٛٔٓٙ؛ وأخرجو مسمم صٛٛٙ، كتاب الإيمان، باب ٜٔ: الحث عمى إكرام الجار ... ، حديث رقم ٖٚٔ [ٗٚ]ٚٗ.

عدد الصفحات ٣٥٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 357 - سورة البقرة الجزء الاول الأوؿ: قولو تعالى{ :لا تسفكوف دماءكم } أي لا تريقونها؛ و"السفك"، و"السفح" بمعنى واحد؛ والمراد بسفك الدـ: القتل، كما قاؿ الرسوؿ في مكة: "لا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوـ الآخر أف يسفك بها دما" (ٔ) أي يقتل نفسا بغير حق؛ و {دماءكم } أي دماء بعضكم؛ لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قاؿ الرسوؿ : "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناىم" (ٕ) ، وقاؿ: "ويجير عليهم أقصاىم (ٖ) . الأمر الثاني: قولو تعالى{ :و تخرجوف أنفسكم من دياركم } ؛ المراد: لا يخرج بعضكم بعضا من دياركم؛ ولا شك أف الإخراج من الوطن شاؽ على النفوس؛ وربما يكوف أشق من القتل.. قولو تعالى{ :ثم أقررتم وأنتم تشهدوف} أي ثم بعد ىذا الميثاؽ بقيتم عليو، وأقررتم بو، وشهدتم عليو، ولم يكن الإقر ار غادبا عنكم، أو منسيا لديكم؛ بل ىو باؽ لا زادل؛ ثم بعد ىذا الميثاؽ، والإقرار بو، والشهادة عليو {أنتم ىؤلاء تقتلوف أنفسكم}؛ و {ىؤلاء} منادى حذؼ منو حرؼ النداء. أي: يا ىؤلاء؛ وليست خبر المبتدأ؛ و {أنتم} :مبتدأ خبره جملة: {تقتلوف} ؛ والخطاب لمن كاف في عهد الرسوؿ ؛ وإنما وجو إليهم؛ لأنهم من الأمة التي فعلت ذلك، ورضوا بو.. وقولو تعالى{ :تقتلوف أنفسكم} أي يقتل بعضكم بعضا؛ {وتخرجوف فريقا منكم من ديارىم} أي تجلونهم عن الديار؛ وىذا وقع بين طوادف اليهود قرب بعثة النبي حيث قتل بعضهم بعضا، وأخرج بعضهم بعضا من ديارىم.. قولو تعالى{ :تظاىروف} بتخفيف الظاء؛ وفيها قراءة أخرى{ :تظاىروف}بتشديد الظاء؛ وأصلو: تتظاىروف؛ ولكن أبدلت التاء ظاء، ثم أدغمت بالظاء الأصلية؛ و {تظاىروف} أي تعالوف؛ لأف الظهور معناه العلو، كما قاؿ الله تعالى: {ىو الذي أرسل رسولو بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلو[ }الصف: ٜ]يعني ليعليو؛ وسمي العلو ظهورا: من الظهر؛ لأف ظهر الحيواف أعلاه؛ وقيل{ :تظاىروف}أي تعينوف من يعتدي على بعضكم في عدوانو.. قولو تعالى{ :بالإثم} أي بالمعصية؛ {والعدواف} أي الاعتداء على الغير بغير حق؛ فكل عدواف معصية؛ وليست كل معصية عدوانا. إلا على النفس: فالرجل الذي يشرب الخمر عاص، وآثم؛ والرجل الذي يقتل معصوما ىذا آثم، ومعتد؛ والذي يخرجو من بلده آثم، ومعتد؛ ولهذا قاؿ تعالى: {تظاىروف عليهم بالإثم والعدواف} ؛ فهؤلاء بعد ما -ٔ أخرجو البخاري صٕٔ، كتاب العمم، باب ٖٚ: ليبمغ العمم الشاىد الغائب، حديث رقم ٗٓٔ؛ وأخرجو مسمم صٖٜٓ - ٜٗٓ، كتاب الحج، باب ٕٛ: تحريم مكة وتحريم صيدىا وخلاىا ... ، حديث رقم ٖٖٗٓ [ٙٗٗ]ٖٗ٘ٔ. -ٕ أخرجو البخاري صٕٚ٘، كتاب الجزية والموادعة، باب ٚٔ: إثم من عاىد ثم غدر، حديث رقم ٜٖٚٔ؛ وأخرجو مسمم صٜ٘ٓ، كتاب الحج، باب ٘ٛ: فضل المدينة ودعاء النبي فييا بالبركة ... ، حديث رقم ٕٖٖٚ [ٚٙٗ]ٖٓٚٔ. -ٖ اخرجو أبو داود صٕٛٗٔ، كتاب الجياد، باب ٚٗٔ: في السرية ترد عمى أىل العسكر، حديث رقم ٕٔ٘ٚ؛ وأخرجو ابن ماجو صٖٕٛٙ، كتاب الديات، باب ٖٔ: المسممون تتكافأ دماؤىم، حديث رقم ٕ٘ٛٙ، قال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح ٕ/ٓٚٔ.

عدد الصفحات ٣٥٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 358 - سورة البقرة الجزء الاول أخذ عليهم الميثاؽ مع الإقرار، والشهادة لم يقوموا بو؛ أخرجوا أنفسهم من ديارىم، وتظاىروا عليهم بالإثم، والعدواف.. قولو تعالى{ :وإف يأتوكم } أي يجيئوف إليكم؛ {أسارى} :جمع أسير؛ وتجمع أيضا على أسرى، كما في قولو تعالى{ :يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى[ }الأنفاؿ: ٓٚ]؛ والأسير ىو الذي استولى عليو عدوه؛ ولا يلزـ أف يأسره بالحبل؛ لكن الغالب أنو يؤسر بو؛ لئلا يهرب؛ و {تفادوىم} أي تفكوىم من الأسر بفداء؛ وفي قراءة (تفدوىم). قولو تعالى{ :وىو محرـ عليكم إخراجهم} يعني: تفدوف المأسورين وىو محرـ عليكم إخراجهم من ديارىم؛ فأنتم لم تقوموا بالإيماف بالكتاب كلو؛ ولهذا قاؿ الله تعالى: {أفتؤمنوف ببعض الكتاب وتكفروف ببعض} ؛ والاستفهاـ ىنا للإنكار، والتوبيخ؛ والفاء في قولو تعالى: {أفتؤمنوف} عاطفة؛ وسبق الكلاـ على مثل ذلك؛ أعني وقوع العاطف بعد ىمزة الاستفهاـ ؛ ووجو كونهم يؤمنوف ببعض الكتاب، ويكفروف ببعض: أنهم كفروا بما نهوا عنو من سفك الدماء، وإخراج أنفسهم من ديارىم؛ وآمنوا بفدادهم الأسرى؛ والذي يعبد الله على ىذه الطريق لم يعبد الله حقيقة؛ وإنما عبد ىواه؛ فإذا صار الحكم الشرعي يناسبو قاؿ: آخذ بو؛ وإذا كاف لا يناسبو راوغ عنو بأنواع التحريف، والتماس الأعذار.. قولو تعالى{ :فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة}؛ "ما" نافية؛ والجزاء، والمجازاة، والمعاقبة معناىا واحد؛ أو متقارب؛ ومعنى "الجزاء": إثابة العامل على عملو؛ والمعنى: ما ثوابكم على عملكم ىذا إلا خزي في الحياة الدنيا؛ و "الخزي" معناه الذؿ.. قولو تعالى{ :ويوـ القيامة} أي يوـ البعث؛ وسمي بذلك؛ لأف الناس يقوموف فيو من قبورىم لرب العالمين؛ ولأنو يقوـ فيو الأشهاد؛ ولأنو يقاـ فيو العدؿ؛ و {يوـ القيامة}ظرؼ متعلق بػ {يردوف} أي يرجعوف من ذؿ الدنيا، وخزيها؛ {إلى أشد العذاب}أي أعظمو؛ و {العذاب} :العقوبة.. قولو تعالى{ :وما الله بغافل} : ىذه صفة سلبية. أي نفى الله سبحانو وتعالى عن نفسو صفة الغفلة؛ وذلك لكماؿ علمو، ومراقبتو؛ و {عما تعملوف} :بالتاء؛ وفيها قراءة{ :يعملوف}بالياء.. قاؿ الطبري: وما الله بساه عن أعمالهم الخبيثة، بل ىو محص لها وحافظها عليهم حتى يجازيهم بها في الآخرة، ويخزيهم في الدنيا، فيذلهم ويفضحهم. قاؿ السعدي: وىذا الفعل المذكور في ىذه الآية، فعل للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة، وذلك أف الأوس والخزرج - وىم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي مشركين، وكانوا يقتتلوف على عادة الجاىلية، فنزلت عليهم الفرؽ الثلاث من فرؽ اليهود، بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أىل المدينة.

عدد الصفحات ٣٦٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 359 - سورة البقرة الجزء الاول فكانوا إذا اقتتلوا أعاف اليهودي حليفو على مقاتليو الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود، فيقتل اليهودي اليهودي، ويخرجو من دياره إذا حصل جلاء ونهب، ثم إذا وضعت الحرب أوزارىا، وكاف قد حصل أسارى بين الطادفتين فدى بعضهم بعضا. والأمور الثلاثة كلها قد فرضت عليهم، ففرض عليهم أف لا يسفك بعضهم دـ بعض، ولا يخرج بعضهم بعضا، وإذا وجدوا أسيرا منهم، وجب عليهم فداؤه، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين، فأنكر الله عليهم ذلك فقاؿ: {أفتؤمنوف ببعض الكتاب} وىو فداء الأسير {وتكفروف ببعض} وىو القتل والإخراج. وفيها أكبر دليل على أف الإيماف يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواىي، وأف المأمورات من الإيماف، قاؿ تعالى: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا} وقد وقع ذلك فأخزاىم الله، وسلط رسولو عليهم، فقتل من قتل، وسبى من سبى منهم، وأجلى من أجلى. {ويوـ القيامة يردوف إلى أشد العذاب} أي: أعظمو {وما الله بغافل عما تعملوف} . ثم أخبر تعالى عن السبب الذي أوجب لهم الكفر ببعض الكتاب، والإيماف ببعضو فقاؿ: {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} توىموا أنهم إف لم يعينوا حلفاءىم حصل لهم عار، فاختاروا النار على العار. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :أولئك} :المشار إليو ىؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد؛ {اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} أي اختاروا الدنيا على الآخرة؛ فالآخرة عندىم مزىود فيها مبيعة؛ والدنيا مرغوب فيها مشتراة؛ و وصفت ىذه الحياة بالدنيا لدنوىا زمنا. لأنها سابقة على الآخرة؛ ولدنوىا منزلة. لأنها دوف الآخرة؛ وقد صح عن النبي أنو قاؿ: "لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها (ٔ) ".. وقولو تعالى{ :بالآخرة}: الباء ىنا للبدؿ؛ وىي تدخل دادما على الثمن، كقولهم: "اشتريت الثوب بدينار": فالدينار ىو الثمن؛ ويقاؿ: "اشتريت الدينار بثوب": فالثوب ىو الثمن.. قولو تعالى{ :ف يخفف عنهم العذاب} أي لا يهوف عنهم لا زمنا، ولا شدة، ولا قوة؛ {و ىم ينصروف} أي ولا أحد يمنع عنهم عذاب الله؛ لقولو تعالى{ :وقاؿ الذين في النار لخزنة جهنم ادعو ا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب * قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلاؿ[ }غافر: ٜٗ، ٓ٘] قاؿ الطبري فإنو أخبر عنهم أنو لا ينصرىم في الآخرة أحد، فيدفع عنهم بنصرتو عذاب الله - لا بقوتو ولا بشفاعتو ولا غيرىما. قاؿ ابن العثيمين : فهم يادسوف من الخروج؛ فلم يقولوا: "أخرجنا من النار"، ولم يقولوا: "يخفف عنا دادما"؛ بل قالوا{ :يخفف عنا يوما من العذاب}يتمنوف أف العذاب يخفف عنهم يوما واحدا من الأبدي السرمدي؛ ولكن ذلك ٔ- أخرجو أحمد ٘/ٖٖٓ، حديث رقم ٖٖٕٛٔ؛ وأخرجو البخاري صٕٖٕ، كتاب الجياد والسير، باب ٖٚ: فضل رباط يوم في سبيل الله، حديث رقم ٕٜٕٛ..

عدد الصفحات ٣٦١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 361 - سورة البقرة الجزء الاول لا يحصل لهم؛ فيقاؿ لهم توبيخا، وتقريعا، وتنديما{ :أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا}؛ ولا ينفعهم الدعاء، كما قاؿ تعالى{ :وما دعاء الكافرين إلا في ضلاؿ}، أي ضياع .. (الفوادد) ٔ- أف بني إسراديل أخذ عليهم تحريم قتاؿ بعضهم بعضا؛ لقولو تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكوف دماءكم ) ٕ- تحر يم إخراج بعضهم بعضا من ديارىم.. ٖ- أف الأمة كالنفس الواحدة؛ لقولو تعالى: (لا تسفكوف دماءكم ولا تخرجوف أنفسكم) . ٗ- الأسلوب البليغ في قولو تعالى{ :لا تسفكوف دماءكم ولا تخرجوف أنفسكم من دياركم }؛ وذلك أف مثل ىذا التعبير فيو الحث البليغ على اجتناب ما نهي عنو، وكأف الذي اعتدى على غيره قد اعتدى على نفسو. ٘- أف بني إسراديل قد أقروا على أنفسهم بهذا الميثاؽ، وشهد بعضهم على بعض؛ لقولو تعالى{ :ثم أقررتم وأنتم تشهدوف.. ٙ- بياف تمرد بني إسراديل؛ حيث إنهم نقضوا العهد الذي أخذه الله عليهم، فصار بعضهم يقتل بعضا، ويخرج بعضهم بعضا من ديارىم.. ٚ- أف بعضهم يتعالى على بعض بالإثم، والعدواف.. ٛ- تحريم التظاىر على الغير بغير حق؛ لقولو تعالى{ :تظاىروف عليهم بالإثم والعدواف}؛ وأما إذا علا عليو بحق فإف ىذا لا بأس بو؛ فإف الله سبحانو وتعالى فضل العباد بعضهم على بعض، كما قاؿ تعالى{ :إف أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: ٖٔ]، وقاؿ تعالى{ :ف تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلوف والله معكم ولن يتركم أعمالكم} [محمد: ٖ٘] ٜ- تناقض بني إسراديل في دينهم، وقبولهم للشريعة؛ حيث إنو يقتل بعضهم بعضا، ويخرج فريقا من ديارىم؛ ثم إذ أتى بعضهم أسير ا فاداه. أي دفع فدية لفك أسره؛ لأنو واجب عليهم في شريعتهم أف يفدي بعضهم بعضا؛ وىذا من الإيماف ببعض الكتاب، والكفر ببعضو؛ ولهذا قاؿ الله تعالى{ :أفتؤمنوف ببعض الكتاب وتكفروف ببعض}... ٓٔ- أف الكفر ببعض الشريعة كفر بجميعها؛ وجو ذلك أف الله توعد ىؤلاء الذين يؤمنوف ببعض الكتاب، ويكفروف ببعض؛ ومثل ذلك إذا آمن ببعض الرسل دوف بعض فإنو كفر بالجميع؛ ودليل ذلك قولو تبارؾ وتعالى{ :كذبت قوـ نوح المرسلين[ }الشعراء: ٘ٓٔ]ونوح ىو أوؿ الرسل لم يسبقو رسوؿ؛ ومع ذلك جعل الله المكذبين لو مكذبين لجميع الرسل؛ ولقولو تعالى{ :إف الذين يكفروف بالله ورسلو ويريدوف أف يفرقوا بين الله ورسلو ويقولوف نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدوف أف يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك ىم الكافروف حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا[ }النساء: ٓ٘ٔ، ٔ٘ٔ]

عدد الصفحات ٣٦٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 361 - سورة البقرة الجزء الاول ٔٔ- مضاعفة العقوبة على بني إسراديل؛ لقولو تعالى: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوـ القيامة يردوف إلى أشد العذاب) ٕٔ- إثبات يوـ القيامة؛ وىو اليوـ الذي يقوـ فيو الناس لرب العالمين مبعوثين من قبورىم.. ٖٔ- تهديد الذين نقضوا العهد؛ لقولو تعالى: (وما الله بغافل عما تعملوف) ٗٔ- كماؿ علم الله سبحانو وتعالى، ومراقبتو لخلقو.. ٘ٔ- إثبات أف صفات الله تعالى ثبوتية، ومنفية؛ لكن يجب أف نعلم أف النفي المحض لا يوجد في صفات الله تعالى؛ وإنما النفي الواقع في صفاتو لبياف كماؿ ضد ذلك المنفي؛ ففي قولو تبارؾ وتعالى{ :و يظلم ربك أحدا[ }الكهف: ٜٗ]إثبات كماؿ العدؿ مع نفي الظلم عنو؛ وفي قولو تعالى{ :وما مسنا من لغوب[ }ؽ: ٖٛ]إثبات كماؿ القوة مع نفي اللغوب عنو؛ وعلى ىذا فقس؛ فالضابط في الصفات التي نفاىا الله تعالى عن نفسو أنها تدؿ على نفي تلك الصفة، وعلى ثبوت كماؿ ضدىا ... ٙٔ- توبيخ من اختار الدنيا على الآخرة؛ وىو مع كونو ضلالا في الدين سفو في العقل؛ إذ إف الدنيا متاع قليل، ثم يزوؿ؛ والآخرة خير، وأبقى.. ٚٔ- أف ىؤلاء القوـ خالدوف في العذاب أبد الآبدين؛ لقولو تعالى{ :ف يخفف عنهم العذاب} ٛٔ- أف المجرـ لا يجد ناصرا لو يمنعو من عذاب الله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :و ىم ينصروف} (مسألة) ىذا الذي قصو الله تعالى علينا من أخبار بني إسراديل مضمونو التحذير من الوقوع فيما وقعوا فيو ولكن مع الأسف أف بعض ىذه الأمة وقعوا في جنس ما وقع فيو بنو إسراديل؛ وىذا مصداؽ قوؿ النبي "لتركبن سنن من كاف قبلكم (ٔ) ".. -ٔ أخرجو أحمد ٘/ٕٛٔ، حديث رقم ٕٕٕٕٗ؛ وأخرجو الترمذي صٔٚٛٔ، كتاب الفتن، باب ٛٔ: ما جاء لتركبن سنن من كان قبمكم، حديث رقم ٕٓٛٔ؛ وأخرجو ابن حبان في صحيحو ٛ/ٕٛٗ، باب: ذكر الأخبار عن اتباع ىذه الأمة سنن من قبميم من الأمم، حديث رقم ٚٙٙٙ، وقال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح ٕ/ٖٕ٘، حديث رقم ٔٚٚٔ.

عدد الصفحات ٣٦٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 362 - سورة البقرة الجزء الاول وَلَقَدْ آتػَيػْنَا مُ وسَى الْكِتَابَ وَقػَفَّيػْنَا مِنْ بػَعْدِهِ بِالر سُلِ وَآتػَيػْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبػَيػِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُوؿٌ بِمَا لاَ تػَهْوَى أَنػْفُسُكُمُ اسْتَكْبػَرْتُمْ فػَفَرِيقًا كَذَّبػْتُمْ وَفَرِيقًا تػَقْتػُلُو فَ (ٚٛ) وَقَالُوا قػُلُوبػُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنػَهُمُ اللَّوُ بِكُفْرِىِمْ فػَقَلِيلاً مَا يػُؤْمِنُوفَ (ٛٛ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ولقد} اللاـ موطئة للقسم؛ و "قد" للتحقيق؛ وعليو فتكوف ىذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات . وىي: القسم المقدر، واللاـ الموطئة للقسم، و "قد"؛ و {آتينا} أي أعطينا؛ و {موسى} ىو ابن عمراف أفضل أنبياء بني إسراديل؛ و {الكتاب} المراد بو ىنا التوراة.. قولو تعالى{ :وقفينا من بعده بالرسل} أي أتبعنا من بعده بالرسل؛ لأف التابع يأتي في قفا المتبوع .. قاؿ الطبري: وأما قولو: (وقفينا) ، فإنو يعني: وأردفنا وأتبعنا بعضهم خلف بعض، كما يقفو الرجل الرجل : إذا سار في أثره من ورادو. وأصلو من "القفا"، يقاؿ منو: "قفوت فلانا: إذا صرت خلف قفاه، كما يقاؿ: "دبرتو": إذا صرت في دبره. ويعني بقولو: (من بعده) ، من بعد موسى. ويعني بػ (الرسل) : الأنبياء، وىم جمع "رسوؿ". يقاؿ: "ىو رسوؿ وىم رسل"، كما يقاؿ: "ىو صبور وىم قوـ صبر، وىو رجل شكور وىم قوـ شكر. وإنما يعني جل ثناؤه بقولو: (وقفينا من بعده بالرسل) ، أي أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد وشريعة واحدة. لأف كل من بعثو الله نبيا بعد موسى إلى زماف عيسى ابن مريم، فإنما بعثو يأمر بني إسراديل بإقامة التوراة، والعمل بما فيها، والدعاء إلى ما فيها. فلذلك قيل: (وقفينا من بعده بالرسل) ، يعني على منهاجو وشريعتو، والعمل بما كاف يعمل بو. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وآتينا عيسى ابن مريم} أي أعطيناه {البينات} صفة لموصوؼ محذوؼ؛ والتقدير: الآية البينات. أي الظاىرات في الدلالة على صدقو، وصحة رسالتو؛ وىذه الآية البينات تشمل الآيات الشرعية، كالشريعة التي جاء بها؛ والآيات القدرية الكونية، كإحياء الموتى، وإخراجهم من قبورىم بإذف الله.. قولو تعالى{ :وأيدناه} أي قويناه، كقولو تعالى{ :فأيدنا الذين آمنوا على عدوىم فأصبحوا ظاىرين[ }الصف: ٗٔ] أي قويناىم عليهم؛ وىو معروؼ اشتقاقو؛ لأنو من "الأيد" بمعنى القوة، كما قاؿ الله تعالى{ :والسماء بنيناىا بأيد} [الذاريات: ٚٗ]أي بقوة..

عدد الصفحات ٣٦٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 363 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :بروح القدس} من باب إضافة الموصوؼ إلى صفتو. أي بالروح المقدس؛ و"القدس"، و"القدس" بمعنى الطاىر؛ واختلف المفسروف في المراد بػ "روح القدس":. القوؿ الأوؿ: أف المراد روح عيسى؛ لأنها روح قدسية طاىرة؛ فيكوف معنى: {أيدناه بروح القدس} أي أيدناه بروح طيبة طاىرة تريد الخير، ولا تريد الشر.. والقوؿ الثاني: أف المراد بػ "ر وح القدس": الإنجيل؛ لأف الإنجيل وحي؛ والوحي يسمى روحا، كما قاؿ الله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا[ }الشورى: ٕ٘] والقوؿ الثالث: أف المراد بػ "روح القدس" جبريل. عليو الصلاة والسلاـ. كما قاؿ تعالى{ :قل نزلو روح القدس من ربك[ }النحل: ٕٓٔ]وىو جبريل؛ وقاؿ النبي لحساف بن ثابت وىو يهجو المشركين : "اللهم أيده بروح القدس" (ٔ) أي جبريل؛ وىذا أصح الأقواؿ. وىو أف المراد بػ "روح القدس": جبريل. عليو الصلاة والسلاـ. يكوف قرينا لو يؤيده، ويقويو، ويلقنو الحجة على أعدادو؛ وىذا الذي رجحناه ىو الذي رجحو ابن جرير، وابن كثير. أف المراد بػ "روح القدس": جبريل عليو الصلاة والسلاـ.. قولو تعالى{ :أفكلما}: الهمزة للاستفهاـ الإنكاري، والتوبيخ؛ والفاء عاطفة؛ و "كلما" أداة شرط تفيد التكرار؛ ولا بد فيها من شرط، وجواب؛ والشرط ىنا: قولو تعالى: {جاءكم } ؛ والجواب: {استكبرتم}.. وقولو تعالى{ :أفكلما جاءكم رسوؿ} أي من الله؛ {بما} أي بشرع؛ {لا تهوى أنفسكم} أي لا تريد؛ {استكبرتم} أي سلكتم طريق الكبرياء، والعلو على ما جاءت بو الرسل؛ {ففريقا} أي طادفة؛ ونصب على أنو مفعوؿ مقدـ لػ {كذبتم}؛ {وفريقا تقتلوف} أي وطادفة أخرى تقتلونهم؛ وقدـ المفعوؿ على عاملو؛ لإفادة الحصر مع مراعاة رؤوس الآي؛ والحصر ىنا في أحد شيئين لا ثالث لهما: إما التكذيب؛ وإما القتل. يعني مع التكذيب.. وىنا قاؿ تعالى: {كذبتم} .فعل ماض؛ وقاؿ تعالى: {تقتلوف} .فعل مضارع؛ فأما كوف الأوؿ فعلا ماضيا فالأمر فيو ظاىر؛ لأنو وقع منهم التكذيب؛ وأما الإتياف بفعل مضارع بالنسبة للقتل فهو أولا مراعاة لفواصل الآية؛ لأنو لو قاؿ: "فريقا قتلتم" لم تتناسب مع التي قبلها، والتي بعدىا؛ ثم إف بعض العلماء أبدى فيها نكتة: وىي أف ىؤلاء اليهود استمر قتلهم الرسل حتى آخرىم محمد فإنهم قتلوا الرسوؿ بالسم الذي وضعوه لو في خيبر؛ فإنو ما زاؿ -ٔ أخرجو البخاري صٖٛ، كتاب الصلاة، باب ٛٙ: الشعر في المسجد، حديث رقم ٖ٘ٗ؛ وأخرجو مسمم صٗٔٔٔ - ٘ٔٔٔ، كتاب فضائل الصحابة، باب ٖٗ: فضائل حسان بن ثابت ، حديث رقم ٖٗٛٙ [ٔ٘ٔ] ٕ٘ٛٗ.

عدد الصفحات ٣٦٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 364 - سورة البقرة الجزء الاول يتأثر منو حتى إنو في مرض موتو قاؿ: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني، وىذا أواف انقطاع الأبهر مني" (ٔ) ؛ قاؿ الزىري: إف النبي مات شهيدا؛ لأف اليهود تسببوا في قتلو؛ وىذا ليس ببعيد أف يكوف ىذا من أسرار التعبير بالمضار ع في القتل؛ وإف كاف قد يرد عليو أف التكذيب استمر حتى زمن الرسوؿ فلماذا لم يقل: "فريقا تكذبوف وفريقا تقتلوف"؟! والجواب عن ىذا أف القتل أشد من التكذيب؛ فعبر عنو بالمضارع المستمر إلى آخر الرسل.. فإف قيل: كيف يصح قوؿ الزىري: إف النبي مات شهيدا؛ لأف اليهود كانوا سببا في قتلو، وقد قاؿ الله تعالى: {وا يعصمك من الناس}؟ فالجواب: المراد بقولو تعالى{ :يعصمك من الناس}حاؿ التبليغ؛ أي بلغ وأنت في حاؿ تبليغك معصوـ، ولهذا لم يعتد عليو أحد أبدا في حاؿ تبليغو، فقتلو.. قاؿ الطبري: يقوؿ الله جل ثناؤه لهم: يا معشر يهود بني إسراديل، لقد آتينا موسى التوراة، وتابعنا من بعده بالرسل إليكم، وآتينا عيسى ابن مريم البينات والحجج، إذ بعثناه إليكم، وقويناه بروح القدس، وأنتم كلما جاءكم رسوؿ من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتم عليهم - تجبرا وبغيا - استكبار إمامكم إبليس، فكذبتم بعضا منهم. وقتلتم بعضا. فهذا فعلكم أبدا برسلي. وقولو: (أفكلما) ، وإف كاف خرج مخرج التقرير في الخطاب، فهو بمعنى الخبر. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٚصٖٓٛ: وَىَذَا اللَّفْظُ الَّذِي ىُوَ لَفْظُ الاِسْتِفْهَاـِ؛ ىُوَ إنْكَارٌ لِذَلِكَ عَلَيْهِمْ . وَذَـ لَهُمْ عَلَيْوِ وَإِنَّمَا يُذَم وفَ عَلَى مَا فػَعَلُوهُ فػَعُلِمَ أَنػَّهُمْ كَانُوا كُلَّمَا جَاءَىُمْ رَسُوؿٌ بِمَا لاَ تػَهْوَى أَنػْفُسُهُمْ اسْتَكْبػَرُوا فػَيػَقْتػُلُوفَ فَرِيقًا مِنْ الأَْنْبِيَاءِ وَيُكَذِّبُوفَ فَرِيقًا؛ وَىَذَا حَاؿُ الْمُسْتَكْبِرِ الَّذِي لاَ يػَقْبَلُ مَا لاَ يػَهْوَاهُ؛ فَإِفَّ النَّبِيَّ قَدّ فَسَّرَ الْكِبػْرَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِأَنَّوُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّوِ بْنِ مَسْعُودٍ . قَاؿَ : قَاؿَ النَّبِي {لاَ يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَافَ فِي قػَلْبِوِ مِثػْقَاؿُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَافٍ وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَافَ فِي قػَلْبِوِ مِثػْقَاؿُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ فػَقَاؿَ رَجُلٌ : يَا رَسُوؿَ اللَّوِ الرَّجُلُ يُحِب أَفْ يَكُوفَ ثػَوْبُوُ حَسَنًا وَنػَعْلُوُ حَسَنًا أَفَمِنْ الْ كِبْرِ ذَاؾَ؟ فػَقَاؿَ : لاَ إفَّ اللَّوَ جَمِيلٌ يُحِب الْجَمَاؿَ وَلَكِنَّ الْكِبػْرَ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ }وَبَطَرُ الْحَقِّ جَحْدُهُ وَدَفػْعُوُ وَغَمْطُ النَّاسِ احْتِقَارُىُمْ وَازْدِرَاؤُىُمْ . قولو تعالى{ :وقالوا} أي بنو إسراديل معتذرين عن ردىم ما جاء بو الرسوؿ ؛ {قلوبنا غلف} جمع أغلف؛ و"الأغلف" ىو الذي عليو غلاؼ يمنع من وصوؿ الحق إليو. يعني مغلفة لا تصل إليها دعوة الرسل؛ وىذه حجة باطلة؛ ولهذا قاؿ تعالى: {بل لعنهم الله بكفرىم}؛ و {بل} للإضراب الإبطالي. أي أف الله تعالى أبطل حجتهم ٔ- أخرجو البخاري معمقا صٕٕٖ، كتاب المغازي، باب ٗٛ: مرض النبي ووفاتو ... ، حديث رقم ٕٛٗٗ؛ وأخرجو الحاكم موصولا ٖ/ٛ٘، كتاب المغازي، وقال: حديث صحيح عمى شرط الشيخين، وأقره الذىبي؛ وأخرجو أبو داود صٗ٘٘ٔ، كتاب الديات، باب ٙ: فيمن سقى رجلا سما أو اطعمو فمات، حديث رقم ٕٔ٘ٗ، وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح ٖ/ٜٔ.

عدد الصفحات ٣٦٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 365 - سورة البقرة الجزء الاول ىذه، وبين أنو تعالى: {لعنهم} .أي طردىم، وأبعدىم عن رحمتو؛ {بكفرىم}أي بسبب كفرىم، حيث اختاروا الكفر على الإيماف؛ و "كفر" مصدر مضاؼ إلى فاعلو؛ ولم يذكر مفعولو ليعم الكفر بكل ما يجب الإيماف بو.. قاؿ ابن القيم في التفسير القيم: قد اختلف في معنى قولهم «قػُلُوبُنا غُ لْفٌ » . فقالت طادفة: المعنى قلوبنا أوعية للحكمة والعلم. فما بالها لا تفهم عنك ما أتيت بو؟ أو لا تحتاج إليك؟ وعلى ىذا فيكوف «غلف» جمع غلاؼ. والصحيح: قوؿ أكثر المفسرين: إف المعنى قلوبنا لا تفقهو، ولا تفهم ما تقوؿ. وعلى ىذا فهو جمع أغلف، كأحمر وحمر. قاؿ أبو عبيدة: كل شيء في غلاؼ فهو أغلف، كما يقاؿ: سيف أغلف، وقوس أغلف، ورجل أغلف، غير مختوف. وقاؿ ابن عباس وقتادة: على قلوبنا غشاوة، فهي في أوعية، فلا تعي ولا تفقو ما تقوؿ. ىذا ىو الصواب في معنى الآية لتكرر نظادره في القرآف. كقولهم:(ٔٗ: ٘ قػُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ ) وقولو تعالى: (ٛٔ: ٕٓٔ كانَتْ أَعْيػُنػُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي) ونظادر ذلك. وأما قوؿ من قاؿ: ىي أوعية للحكمة، فليس في اللفظ ما يدؿ عليو البتة. وليس لو في القرآف نظير يحمل عليو، ولا يقاؿ مثل ىذا اللفظ في مدح الإنساف نفسو بالعلم والحكمة، فأين وجدتم في الاستعماؿ قوؿ القادل: قلبي غلاؼ، وقلوب المؤمنين العالمين غلف، أي أوعية للعلم. والغلاؼ قد يكوف وعاء للجيد والرديء. فلا يلزـ من كوف القلب غلافا أف يكوف داخلو العلم والحكمة. وىذا ظاىر جدا. فإف قيل: فالإضراب: «بل» على ىذا القوؿ الذي قويتموه، ما معناه؟. أما على القوؿ الآخر فظاىر، أي ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة، بل مطبوع عليها. قيل: وجو الإضراب في غاية الظهور. وىو انهم احتجوا بأف الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء بو الرسوؿ ومعرفتو، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهو. فكيف تقوـ بو عليهم الحجة؟ وكأنهم ادعوا أفّ قلوبهم خلقت في غلف، فهم معذوروف في عدـ الإيماف. فأكذبهم الله وقاؿ:( بَلْ لَعَنػَهُمُ اللَّوُ بِكُفْرِىِمْ )وفي الآية الأخرى: ٗ(: ٗ٘ٔ بَلْ طَبَعَ اللَّوُ عَلَيْها بِكُفْرِىِمْ ) فأخبر سبحانو أف الطبع والإبعاد عن توفيقو وفضلو إنما كاف بكفرىم الذي اختاروه لأنفسهم، وآثروه على الإيماف. فعاقبهم عليو بالطبع واللعنة. والمعنى: لم يخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقو، ثم أمرىم بالإيماف، وىم لا يفقهونو، بل اكتسبوا أعمالا عاقبناىم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها. قولو تعالى{ :فقلي ما يؤمنوف} أي قليلا إيمانهم؛ وعلى ىذا تكوف {ما} إما مصدرية؛ وإما زاددة لتوكيد القلة؛ وىل المراد بالقلة العدـ، أو ىي على ظاىرىا؟ المعنى الأوؿ أقرب؛ لأف الظاىر من حالهم عدـ الإيماف بالكلية؛ ولا يمتنع أف يراد بالقلة العدـ إذا دلت عليو القرادن الحالية، أو اللفظية.. قاؿ الطبري: وأولى التأويلات في قولو: (فقليلا ما يؤمنوف) بالصواب، ما نحن متقنوه إف شاء الله. وىو أف الله جل ثناؤه أخبر أنو لعن الذين وصف صفتهم في ىذه الآية، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيماف بما أنزؿ الله إلى نبيو محمد

عدد الصفحات ٣٦٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 366 - سورة البقرة الجزء الاول . ولذلك نصب قولو: (فقليلا) ، لأنو نعت للمصدر المتروؾ ذكره. ومعناه: بل لعنهم الله بكفرىم، فإيمانا قليلا ما يؤمنوف. فقد تبين إذًا بما بينا فساد القوؿ الذي روي عن قتادة في ذلك. لأف معنى ذلك، لو كاف على ما روي من أنو يعني بو: فلا يؤمن منهم إلا قليل، أو فقليل منهم من يؤمن، لكاف "القليل" مرفوعا لا منصوبا. لأنو إذا كاف ذلك تأويلو، كاف "القليل" حينئذ مرافعا "ما". فإذْ نصب "القليل" – و "ما" في معنى "من" أو "الذي" -فقد بقيت "ما" لا مرافع لها. وذلك غير جادز في لغة أحد من العرب. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيتين:ٔ- إثبات رسالة موسى؛ لقولو تعالى: ( ولقد آتينا موسى الكتاب). ٕ- تأكيد الخبر ذي الشأف. وإف لم ينكر المخاطب؛ لقولو تعالى{ :ولقد آتينا}؛ فإنها مؤكدة بثلاث مؤكدات مع أنو لم يخاطب بها من ينكر؛ وتأكيد الكلاـ يكوف في ثلاثة مواضع:. أولا: إذا خوطب بو المنكر، وقد قاؿ علماء البلاغة: إنو في ىذه الحاؿ يؤكد وجوبا.. ثانيا: إذا خوطب بو المتردد؛ وقد قاؿ علماء البلاغة: إنو في ىذه الحاؿ يؤكد استحسانا.. ثالثا: إذا كاف الخبر ذا أىمية بالغة فإنو يحسن توكيده . وإف خوطب بو من لم ينكر، أو يتردد.. ٖ- أف من بعد موسى من الرسل من بني إسراديل تبع لو؛ لقولو تعالى{ :وقفينا من بعده بالرسل}؛ ويشهد لهذا قولو تعالى{ :إنا أنزلنا التوراة فيها ىدى ونور يحكم بها النبيوف الذين أسلموا للذين ىادوا والربانيوف والأحبار}الماددة: ٗٗ) ٗ- ثبوت رسالة عيسى؛ لقولو تعالى: (وآتينا عيسى بن مريم البينات) ٘- أف من ليس لو أب فإنو ينسب إلى أمو؛ لأف عيسى عليو السلاـ نسب إلى أمو.. وبهذا نعرؼ أف القوؿ الراجح من أقواؿ أىل العلم أف أـ من ليس لو أب شرعا ىي عصبتو؛ فإف عدمت فعصبتها. خلافا لمن قاؿ: إف أمو ليس لها تعصيب؛ ويظهر أثر ذلك بالمثاؿ: فلو مات من ليس لو أب عن أمو، وخالو: فلأمو الثلث والباقي لخالو. على قوؿ من يقوؿ: إف الأـ لا تعصيب لها؛ أما على القوؿ الراجح: فلأمو الثلث فرضا، والباقي تعصيبا.. ٙ- أف عيسى بن مريم أعطاه الله سبحانو وتعالى آيات كونية، وشرعية؛ مثاؿ الشرعية: الإنجيل؛ ومثاؿ الكونية: إحياء الموتى، وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمو، والأبرص، وأنو يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيو، فيكوف طيرا يطير بإذف الله؛ وكذلك أيضا يخبرىم بما يأكلوف، وما يدخروف في بيوتهم؛ قاؿ العلماء: إنما أعطي ىذه الآية الكونية؛ لأف الطب في عهده ارتقى إلى درجة عالية، فأتاىم بآيات لا يقدر الأطباء على مثلها؛ كما أف محمدا ترقى في عهده الكلاـ إلى منزلة عالية في البلاغة، والفصاحة؛ فآتاه الله سبحانو وتعالى القرآف العظيم الذي عجزوا أف يأتوا بمثلو..

عدد الصفحات ٣٦٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 367 - سورة البقرة الجزء الاول ٚ- أف الله سبحانو وتعالى أيد عيسى بجبراديل؛ لقولو تعالى{ :وأيدناه بروح القدس.. } ٛ- أف الملادكة من جملة تسخيرىم للخلق أنهم يؤيدوف من أمرىم الله بتأييده؛ ولهذا قاؿ النبي لحساف بن ثابت: "اللهم أيده بروح القدس ".. ٜ- بياف عتو بني إسراديل، وأنهم لا يريدوف الحق؛ لقولو تعالى: (أفكلما جاءكم رسوؿ بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلوف). ٓٔ- أف بني إسراديل يبادروف بالاستكبار عند مجيء الرسل إليهم، ولا يتأنوف؛ لقولو تعالى{ :أفكلما جاءكم }، ثم قاؿ تعالى{ :استكبرتم}؛ لأف مقتضى ترتب الجزاء على الشرط أف يكوف الجزاء عقيبا للشرط: كلما وجد الشرط وجد الجزاء فورا.. ٔٔ- توبيخ ولوـ بني إسراديل، وبياف مناىجهم بالنسبة للشرادع، وبالنسبة لمن جاء بالشرادع؛ ففي الشرادع: لا يقبلوف إلا ما وافق أىواءىم، وبالنسبة لمن جاء بالشرادع بما لا تهوى أنفسهم: انقسموا إلى قسمين: فريقا يكذبوف؛ وفريقا يقتلوف مع التكذيب.. ٕٔ- أف من استكبر عن الحق إذا كاف لا يوافق ىواه من ىذه الأمة فهو شبيو ببني إسراديل؛ فإذا استكبر عن الحق. سواء تحيل على ذلك بالتحريف؛ أو أقر بأف ىذا الحق، ولكنو استكبر عنو. فإنو مشابو ببني إسراديل.. والخارجوف عن الحق ينقسموف إلى قسمين: قسم يقر بو، ويعترؼ بأنو عاص؛ وىذا أمره واضح، وسبيلو بين، وقسم آخر يستكبر عن الحق، ويحاوؿ أف يحرؼ النصوص إلى ىواه؛ وىذا الأخير أشد على الإسلاـ من الأوؿ؛ لأنو يتظاىر بالاتباع وىو ليس من أىلو.. ٖٔ- أف بعض الناس يستكبر عن الحق؛ لأنو مخالف لهواه.. ٗٔ- أف بني إسراديل انقسموا في الرسل الذين جاءوا بما لا تهوى أنفسهم إلى قسمين: قسم كذبوىم؛ وقسم آخر قتلوىم مع التكذيب ... ٘ٔ- أف ىؤلاء الذين لم يقبلوا الحق احتجوا بما ليس بحجة؛ فقالوا: قلوبنا غلف.. ٙٔ- أف من صنع مثل صنيعهم فهو شبيو بهم؛ يوجد أناس نسمع عنهم أنهم إذا نصحوا، ودعوا إلى الحق قالوا: "ما ىدانا الله"؛ وىؤلاء مشابهوف لليهود الذين قالوا: (قلوبنا غلف) ٚٔ- أف القلوب بفطرتها ليست غلفاء؛ لقولو تعالى{ :بل لعنهم الله}؛ وىذا الإضراب للإبطاؿ. يعني ليست القلوب غلفاء لا تقبل الحق، لكن ىناؾ شيء آخر ىو الذي منع من وصل الحق؛ وىو لعن الله إياىم بسبب كفرىم.. ٛٔ- أف الفطرة من حيث ىي فطرة تقبل الحق، ولكن يوجد لها موانع.. ٜٔ- بياف أف الأسباب مهما قويت إذا غلب عليها المانع لم تؤثر شيئا؛ فالقلوب وإف كانت مفطورة على الدين القيم لكن إذا وجد موانع لم تتمكن من الهدى؛ وقد قيل: إف الأمور لا تتم إلا بوجود أسبابها، وانتفاء موانعها.. ٕٓ- إثبات الأسباب، وأف لها تأثيرا في مسبباتها بإذف الله؛ لقولو تعالى: (بل لعنهم الله بكفرىم) .

عدد الصفحات ٣٦٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 368 - سورة البقرة الجزء الاول ٕٔ- أف الإيماف في ىؤلاء اليهود قليل، أو معدوـ؛ لقولو تعالى: (فقليلا ما يؤمنوف). وَلَمَّا جَاءَىُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّوِ مُصَدِّؽٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قػَبْلُ يَسْتػَفْتِحُوفَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فػَلَمَّا جَاءَىُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِوِ فػَلَعْنَةُ اللَّوِ عَلَى الْكَافِرِينَ (ٜٛ) بِئْسَمَا اشْتػَرَوْا بِوِ أَنػْفُسَهُمْ أَفْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنػْزَؿَ اللَّوُ بػَغْيًا أَفْ يػُنػَزِّؿَ اللَّوُ مِنْ فَضْلِوِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِ بَادِهِ فػَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (ٜٓ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ولما جاءىم كتاب}: ىو القرآف؛ ونكر ة ىنا للتعظيم؛ وأكد تعظيمو بقولو تعالى: {من عند الله} ، وأضافو الله تعالى إليو؛ لأنو كلامو. كما سيأتي في الفوادد إف شاء الله.. قولو تعالى{ :مصدؽ لما معهم} :لو معنياف:. الأوؿ: أنو حكم بصدقها، كما قاؿ في قولو تعالى{ :آمن الرسوؿ بما أنزؿ إليو من ربو والمؤمنوف كل آمن بالله وملادكتو وكتبو ورسلو[ }البقرة: ٕ٘ٛ]؛ فهو يقوؿ عن التوراة: إنو حق، وعن الإنجيل: إنو حق؛ وعن الز بور: إنو حق؛ فهو يصدقها، كما لو أخبرؾ إنساف بخبر، فقلت: "صدقت" تكوف مصدقا لو.. المعنى الثاني: أنو جاء مطابقا لما أخبرت الكتب السابقة. التوراة، والإنجيل؛ فعيسى بن مريم (قاؿ{ :إني رسوؿ الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسوؿ يأتي من بعدي اسمو أحمد[ }الصف: ٙ]؛ فجاء ىذا الكتاب مصدقا لهذه البشارة.. وقولو تعالى{ :لما معهم} أي من التوراة، والإنجيل؛ وىذا واضح أف التوراة أخبرت بالرسوؿ إما باسمو، أو بوصفو الذي لا ينطبق على غيره.. قولو تعالى{ :وكانوا من قبل} أي من قبل أف يجيئهم {يستفتحوف}أي يستنصروف، ويقولوف سيكوف لنا الفتح، والنصر {على الذين كفروا} أي من المشركين الذين ىم الأوس، والخزرج؛ لأنهم كانوا على الكفر، ولم يكونوا من أىل الكتاب. كما ىو معروؼ؛ فكانوا يقولوف: إنو سيبعث نبي، وسنتبعو، وسننتصر عليكم؛ لكن لما جاءىم الشيء الذي يعرفونو كما يعرفوف أبناءىم كفروا بو؛ {فلعنة الله} :اللعنة: ىي الطرد، والإبعاد عن رحمة الله؛ {على الكافرين} أي حاقة عليهم؛ وىو مظهر في موضع الإضمار؛ إذ كاف مقتضى السياؽ: "فلما جاءىم ما عرفوا كفروا

عدد الصفحات ٣٧٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 369 - سورة البقرة الجزء الاول بو فلعنة الله عليهم"؛ والإظهار في موضع الإضمار لو فوادد؛ منها: مراعاة الفواصل كما ىنا؛ ومنها الحكم على موضع الضمير بما يقتضيو ىذا الوصف؛ ومنها الإشعار بالتعليل؛ ومنها إرادة التعميم.. قاؿ الطبري فمعنى الآية: فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيادو، المنكرين لما قد ثبت عندىم صحتو من نبوة محمد . ففي إخبار الله عز وجل عن اليهود - بما أخبر الله عنهم بقولو: (فلما جاءىم ما عرفوا كفروا بو) - البياف الواضح أنهم تعمدوا الكفر بمحمد ، بعد قياـ الحجة بنبوتو عليهم، وقطع الله عذرىم بأنو رسولو إليهم. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :بئسما اشتروا بو أنفسهم}بئس" فعل ماض لإنشاء الذـ؛ يقابلها "نعم": فهي فعل ماض لإنشاء المدح؛ و"بئس"، و"نعم" اسماف جامداف لا يتصرفاف. أي لا يتحولاف عن صيغة الماضي؛ و "ما" اسم موصوؿ بمعنى الذي. أي بئس الذي اشتروا بو أنفسهم؛ أو إنها نكرة موصوفة، والتقدير: "بئس شيئا اشتروا بو أنفسهم"، و {اشتروا} فسرىا أكثرىم بمعنى باعوا؛ وىو خلاؼ المشهور؛ لأف معنى "اشترى الشيء": اختاره؛ والمختار للشيء لا يكوف بادعا لو؛ والصحيح أنها على بابها؛ ووجهو أف ىؤلاء الذين اختاروا الكفر كانوا راغبين فيو، فكانوا مشترين لو.. قولو تعالى{ :أف يكفروا{ : }أف} ىنا مصدرية؛ والفعل بعدىا مؤوؿ بمصدر، والتقدير: كفرىم؛ وىو المخصوص بالذـ؛ وإعرابو مبتدأ مؤخر خبره الجملة قبلو؛ {بما أنزؿ الله} :"ما" ىذه اسم موصوؿ بمعنى الذي؛ والمراد بو: القرآف؛ لأنو تعالى قاؿ في الأوؿ: {ولما جاءىم كتاب من عند الله مصدؽ لما معهم}؛ و {بغيا} مفعوؿ لأجلو عاملو: قولو تعالى: {يكفروا} ؛ و "البغي" فسره كثير من العلماء بالحسد؛ والظاىر أنو أخص من الحسد؛ لأنو بمعنى العدواف؛ لأف الباغي ىو العادي، كما قيل: على الباغي تدور الدوادر؛ وقيل: البغي: مرتع مبتغيو وخيم؛ فالبغي ليس مجرد الحسد فقط؛ نعم، قد يكوف ناتجا عن الحسد؛ والذين فسروه بالحسد فسروه بسببو.. قاؿ الطبري: وىذه الآية - وما أخبر الله فيها عن حسد اليهود محمدا وقومو من العرب، من أجل أف الله جعل النبوة والحكمة فيهم دوف اليهود من بني إسراديل، حتى دعاىم ذلك إلى الكفر بو، مع علمهم بصدقو، وأنو نبي لله مبعوث ورسوؿ مرسل نظير ه الآية الأخرى في سورة النساء، وذلك قولو، (أَلَمْ تػَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يػُؤْمِنُوفَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيػَقُولُوفَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ىَؤُلاءِ أَىْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنػَهُمُ اللَّوُ وَمَنْ يػَلْعَنِ اللَّوُ فػَلَنْ تَجِدَ لَوُ نَصِيرًا أَـْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يػُؤْتُوفَ النَّاسَ نَقِيرًا أَـْ يَحْسُدُوفَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاىُمُ اللَّوُ مِنْ فَضْلِوِ فػَقَدْ آتػَيػْنَا آؿَ إِبػْرَاىِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتػَيػْنَاىُمْ مُلْكًا عَظِيمًا[ )سورة النساء: ٔ٘-ٗ٘]

عدد الصفحات ٣٧١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 371 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :أف ينزؿ الله من فضلو}الفضل" في اللغة: زيادة العطاء؛ والمراد بػ "الفضل" ىنا الوحي، أو القرآف، كما قالو تعالى{ :قل بفضل الله وبرحمتو فبذلك فليفرحوا ىو خير مما يجمعوف}(يونس: ٛ٘) . قولو تعالى{ :على من يشاء من عباده{ : }من} اسم موصوؿ؛ والمراد: النبي لأف القرآف في الحقيقة نزؿ على النبي للناس، كما قاؿ تعالى{ :كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور[ }إبراىيم: ٔ]؛ و {يشاء} أي يريد بالإرادة الكونية؛ والمراد بػ {عباده}ىنا الرسل.. قولو تعالى{ :فباءوا} أي رجعوا؛ {بغضب} :الباء للمصاحبة. يعني رجعوا مصطحبين لغضب من الله سبحانو وتعالى؛ ونكره للتعظيم؛ ولهذا قاؿ بعض الناس: إف المراد بػ "الغضب": غضب الله سبحانو وتعالى، وغيره. حتى المؤمنين من عباده يغضبوف من فعل ىؤلاء، وتصرفهم.. قولو تعالى{ :على غضب} .كقولو تعالى{ :ظلمات بعضها فوؽ بعض[ }النور: ٓٗ]يعني غضبا فوؽ غضب؛ فما ىو الغضب الذي باءوا بو؟ وما ىو الغضب الذي كاف قبلو؟ الجواب: الغضب الذي باءوا بو أنهم كفروا بما عرفوا، كما قاؿ تعالى{ :فلما جاءىم ما عرفوا كفروا بو}؛ والغضب السابق أنهم استكبروا عن الحق إذا كاف لا تهواه أنفسهم، كما قاؿ تعالى{ :أفكلما جاءكم رسوؿ بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم[ }البقرة: ٚٛ]؛ والغضب الثالث: قتلهم الأنبياء، أو تكذيبهم؛ فهذه ثلاثة أنواع من أسباب الغضب؛ وقد يكوف أيضا ىناؾ أنواع أخرى.. قاؿ الطبر ي: فرجعت اليهود من بني إسراديل - بعد الذي كانوا عليو من الاستنصار بمحمد والاستفتاح بو، وبعد الذي كانوا يخبروف بو الناس من قبل مبعثو أنو نبي مبعوث - مرتدين على أعقابهم حين بعثو الله نبيا مرسلا فباءوا بغضب من الله استحقوه منو بكفرىم بمحمد حين بعث، وجحودىم نبوتو، وإنكارىم إياه أف يكوف ىو الذي يجدوف صفتو في كتابهم، عنادا منهم لو وبغيا وحسدا لو وللعرب على غضب سالف، كاف من الله عليهم قبل ذلك، سابقٍ غضبو الثاني، لكفرىم الذي كاف قبل عيسى ابن مريم، أو لعبادتهم العجل، أو لغير ذلك من ذنوب كانت لهم سلفت، يستحقوف بها الغضب من الله. عن ابن عباس: (فباءوا بغضب على غضب) ، فالغضب على الغضب، غضبو عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وىي معهم، وغضب بكفرىم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم. (ٔ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وللكافرين عذاب مهين} :ىذا إظهار في موضع الإضمار فيما يظهر؛ لأف ظاىر السياؽ أف يكوف بلفظ الضمير. أي ولهم عذاب مهين؛ والإظهار في موضع الإضمار لو فوادد سبق بيانها قريبا.. ٔ- الأثر: سيرة ابن ىشام ٕ: ٜٓٔ.

عدد الصفحات ٣٧٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 371 - سورة البقرة الجزء الاول وقولو تعالى{ :عذاب} أي عقوبة؛ و {مهين} أي ذو إىانة، وإذلاؿ؛ ولو لم يكن من إذلالهم. حين يقولوف: {ربنا أخرجنا منها فإف عدنا فإنا ظالموف[ }المؤمنوف: ٚٓٔ]إ قوؿ الله عز وجل لهم{ :اخسئوا فيها ولا تكلموف} [المؤمنوف: ٛٓٔ]لكفى.. قاؿ الطبري: وللجاحدين نبوة محمد من الناس كلهم، عذاب من الله، إما في الآخرة، وإما في الدنيا والآخرة، (مهين) ىو المذؿ صاحبو، المخزي، الملبسو ىوانا وذلة. فإف قاؿ قادل: أي عذاب ىو غير مهين صاحبو، فيكوف للكافرين المهين منو؟ قيل: إف المهين ىو الذي قد بينا أنو المورث صاحبو ذلة وىوانا، الذي يخلد فيو صاحبو، لا ينتقل من ىوانو إلى عز وكرامة أبدا، وىو الذي خص الله بو أىل الكفر بو وبرسلو. وأما الذي ىو غير مهين صاحبو، فهو ما كاف تمحيصا لصاحبو. وذلك ىو كالسارؽ من أىل الإسلاـ، يسرؽ ما يجب عليو بو القطع فتقطع يده، والزاني منهم يزني فيقاـ عليو الحد، وما أشبو ذلك من العذاب والنكاؿ الذي جعلو الله كفارات للذنوب التي عذب بها أىلها، وكأىل الكبادر من أىل الإسلاـ الذين يعذبوف في الآخرة بمقادير جرادمهم التي ارتكبوىا، ليمحصوا من ذنوبهم، ثم يدخلوف الجنة. فإف كل ذلك، وإف كاف عذابا، فغير مهين من عذب بو. إذ كاف تعذيب الله إياه بو ليمحصو من آثامو، ثم يورده معدف العز والكرامة، ويخلده في نعيم الجناف. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيتين:ٔ- أف القرآف من عند الله عز وجل؛ لقولو تعالى: (كتاب من عند الله). ٕ- أف القرآف كلامو سبحانو وتعالى تكلم بو حقيقة؛ لقولو تعالى{ :كتاب من عند الله}؛ ومعلوـ أف الكلاـ ليس جسما يقوـ بنفسو حتى نقوؿ: إنو مخلوؽ.. ٖ- التنويو بفضل القرآف؛ لقولو تعالى{ :مصدؽ لما معهم}، ولقولو تعالى: (من عند الله). ٗ- أف اليهود كانوا يعرفوف أف النبي سيبعث، وتكوف لو الغلبة؛ لقولو تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحوف على الذين كفروا}يعني يستنصروف. أي يطلبوف النصر؛ أو يعدوف بو؛ فقبل نزوؿ القرآف، وقبل مجيء الرسوؿ يقولوف للعرب: إنو سيبعث نبي، وينزؿ عليو كتاب، وننتصر بو عليكم، ولما جاءىم الرسوؿ الذي كانوا يستفتحوف بو كفروا بو ... ٘- أف اليهود لم يخضعوا للحق؛ حتى الذي يقروف بو لم يخضعوا لو؛ لأنهم كفروا بو؛ فيدؿ على عتوىم، وعنادىم.. ٙ- أف الكافر مستحق للعنة الله، وواجبة عليو؛ لقولو تعالى: (فلعنة الله على الكافرين). ٚ- استدؿ بعض العلماء بهذه الآية على جواز لعن الكافر المعين؛ ولكن لا دليل فيها؛ لأف اللعن الوارد في الآية على سبيل العموـ؛ ثم ىو خبر من الله عز وجل، ولا يلزـ منو جواز الدعاء بو؛ ويدؿ على منع لعن المعين أف النبي كاف

عدد الصفحات ٣٧٣