المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٢٧ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 343 - سورة البقرة الجزء الاول وَالأَْمْثَاؿَ فػَيَسْتػَوْعِبُ الأَْقْسَاـَ فػَ يَكُوفُ مَثَانِيَ وَيَذْكُرُ الأَْمْثَاؿَ فػَيَكُوفُ مُتَشَابِهًا وَىَؤُلاَءِ وَإِفْ كَانُوا يَكْتُبُوفَ ويقرؤوف فػَهُمْ أُمِّي وفَ مِنْ أَىْلِ الْكِتَابِ كَمَا نػَقُوؿُ نَحْنُ لِمَنْ كَافَ كَذَلِكَ ىُوَ أُمِّي وَسَاذِجٌ وَعَامِّي وَإِفْ كَافَ يَحْفَظُ الْقُرْآفَ وَيػَقْرَأُ الْمَكْتُوبَ إذَا كَافَ لاَ يػَعْرِؼُ مَعْنَاهُ . وَإِذَا كَافَ اللَّوُ قَدْ ذَـَّ ىَؤُلاَءِ الَّذِينَ لاَ يػَعْرِفُوفَ الْكِتَابَ إلاَّ تِلاَوَةً دُوفَ فػَهْمِ مَعَانِيوِ كَمَا ذَـَّ الَّذِينَ يُحَرِّفُوفَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِوِ مِنْ بػَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَىُمْ يػَعْلَمُوفَ دَؿَّ عَلَى أَفَّ كِلاَ النػَّوْعَيْنِ مَذْمُوـٌ : الْجَاىِلُ الَّذِي لاَ يػَفْهَمُ مَعَانِيَ الن صُوصِ وَالْكَاذِبُ الَّذِي يُحَرِّؼُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِوِ وَىَذَا حَاؿُ أَىْلِ الْبِدَعِ فَإِنػَّهُمْ أَحَدُ رَجُلَ يْنِ : إمَّا رَجُلٌ يُحَرِّؼُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِوِ وَيػَتَكَلَّمُ بِرَأْيِوِ وَيػُؤَوِّلُوُ بِمَا يُضِيفُوُ إلَى اللَّوِ فػَهَؤُلاَءِ يَكْتُبُوفَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ وَيػَقُولُوفَ ىُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّوِ وَيَجْعَلُوفَ تِلْكَ الْمَقَالاَتِ الَّتِي ابػْ تَدَعُوىَا ىِيَ مَقَالَةَ الْحَقِّ وَىِيَ الَّتِي جَاءَ بِهَا الرَّسُوؿُ وَاَلَّتِي كَافَ عَلَيػْهَا السَّلَفُ وَنَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ يُحَرِّفُوفَ الن صُوصَ الَّتِي تػُعَارِضُهَا. فػَهَؤُلاَءِ إذَا تػَعَمَّدُوا ذَلِكَ وَعَلِمُوا أَفَّ الَّذِي يػَفْعَلُونَوُ مُ خَالِفٌ لِلرَّسُوؿِ فػَهُمْ مِنْ جِنْسِ ىَؤُلاَءِ الْيػَهُودِ وَىَذَا يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَلاَحِدَةِ وَيُوجَدُ فِي بػَعْضِ الأَْشْيَاءِ فِي غَيْرِىِمْ . وَأَمَّا الَّذِينَ قَصْدُىُمْ اتػِّبَاعُ الرَّسُوؿِ بَاطِنًا وَظَاىِرًا وَغَلِطُوا فِيمَا كَتَبُوهُ وَتَأَوَّلُوهُ فػَهَؤُلاَءِ لَيْسُوا مِنْ جِنْسِهِمْ؛ لَكِنْ قَدْ وَقَعَ بِسَبَبِ غَلَطِهِمْ مَا ىُوَ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْبَاطِلِ كَمَا قِيلَ : إذَا زَؿَّ الْعَالِمُ زَؿَّ بِزَلَّتِوِ عَالَ مٌ وَىَذَا حَاؿُ الْمُتَأَوِّلِينَ مِنْ ىَذِهِ الأُْمَّةِ . وَإِمَّ ا رَجُلٌ مُقَلِّدٌ أُمِّي لاَ يػَعْرِؼُ مِنْ الْكِتَابِ إلاَّ مَا يَسْمَعُوُ مِنػْهُمْ أَوْ مَا يػَتػْلُوهُ ىُوَ وَلاَ يػَعْرِؼُ إلاَّ أَمَانِيَّ وَقَدْ ذَمَّوُ اللَّوُ عَلَى ذَلِكَ فػَعُلِمَ أَفَّ اللَّوَ ذَـَّ الَّذِينَ لاَ يػَعْرِفُوفَ مَعَانِيَ الْقُرْآفِ وَ لاَ يػَتَدَبػَّرُونَوُ وَلاَ يػَعْقِلُونَوُ كَمَا صَرَّحَ الْقُرْآفُ بِذَمِّهِمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فػَيَمْتَنِعُ مَعَ ىَذَا أَفْ يػُقَاؿَ : إفَّ أَكْثػَرَ الْقُرْآفِ أَوْ كَثِيرًا مِنْوُ لاَ يػَعْلَمُوُ أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ إلاَّ أَمَانِيَّ لاَ جِبْرِيلُ وَلاَ مُحَمَّدٌ وَلاَ الصَّحَابَةُ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِفَّ ىَذَا تَشْبِيوٌ لَهُمْ بِهَؤُلاَءِ فِيمَا ذَمَّهُمْ اللَّوُ بِوِ . فَإِفْ قِيلَ : أَفَلاَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَعْرِفَةُ مَعْنَى كُلِّ آيَةٍ؟ قِيلَ : نػَعَمْ لَكِنَّ مَعْرِفَةَ مَعَ انِي الْجَمِيعِ فػَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَعْرِفَةُ مَا لاَ بُدَّ مِنْوُ وَىَؤُلاَءِ ذَمَّهُمْ اللَّوُ لأَِنػَّهُمْ لاَ يػَعْلَمُوفَ مَعَانِيَ الْكِتَابِ إلاَّ تِلاَوَةً وَلَيْسَ عِنْدَىُمْ إلاَّ الظَّن وَىَذَا يُشْبِوُ قػَوْلَوُ { :وَإِنػَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْوُ مُرِيبٍ }فَإِفْ قِيلَ :

عدد الصفحات ٣٤٥

هُمْ لاَ يػَعْلَمُوفَ مَعَانِيَ الْكِتَابِ إلاَّ تِلاَوَةً وَلَيْسَ عِنْدَىُمْ إلاَّ الظَّن وَىَذَا يُشْبِوُ قػَوْلَوُ { :وَإِنػَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْوُ مُرِيبٍ }فَإِفْ قِيلَ : فػَقَدْ قَاؿَ بػَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ { :إ أَمَانِيَّ }إ مَا يػَقُولُونَوُ بِأَفػْوَاىِهِمْ كَذِبًا وَبَاطِلاً وَرُوِيَ ىَذَا عَنْ بػَعْضِ السَّلَفِ وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ . وَقَاؿَ : الأَْمَانِي الأَْكَاذِيبُ الْمُفْتػَعَلَةُ قَاؿَ بػَعْضُ الْعَرَبِ لاِبْنِ دَأْبٍ - وَىُوَ يُحَدِّثُ - أَىَذَا شَيْءٌ رَوَيْتو أَـْ تَمَنػَّيْتو أَيْ افػْتػَعَلْتو فَأَرَادَ بِالأَْمَانِيِّ الأَْشْيَاءَ الَّتِي كَتَبػَهَا عُلَمَاؤُىُمْ مِنْ قِبَلِ أَنػْفُسِهِمْ ثُمَّ أَضَافُو ىَا إلَى اللَّوِ مِنْ تػَغْيِيرِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ وَقَاؿَ بػَعْضُهُمْ : الأَْمَانِي يػَتَمَنػَّوْفَ عَلَى اللَّوِ الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ كَقَوْلِهِمْ { :لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً }وَقػَوْلِهِمْ{ :لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلاَّ مَنْ كَافَ ىُودًا أَوْ نَصَارَى}وَقػَوْلِهِمْ{ :نَحْنُ أَبػْنَاءُ اللَّوِ وَأَحِبَّاؤُهُ }وَىَذَا أَيْضًا يػُرْوَى عَنْ بػَعْضِ السَّلَفِ . قِيلَ : كِلاَ الْقَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ وَالصَّوَابُ الأَْوَّؿُ؛ لأَِنَّوُ سُبْحَانَوُ قَاؿَ { :وَمِنػْهُمْ أُمِّي وفَ لاَ يػَعْلَمُ وفَ الْكِتَابَ إلاَّ أَمَانِيَّ }وَىَذَا الاِسْتِثػْنَاءُ إمَّا أَفْ يَكُوفَ مُتَّصِلاً أَوْ مُنػْقَطِعًا فَإِفْ كَافَ مُتَّصِلاً لَمْ يَجُزْ اسْتِثػْنَاءُ الْكَذِبِ وَلاَ أَمَانِيِّ الْقَلْبِ مِنْ الْكِتَابِ وَإِفْ كَافَ مُنػْقَطِعًا فَالاِسْتِثػْنَاءُ الْمُنػْ قَطِعُ إنَّمَا يَكُوفُ فِيمَا كَافَ نَظِيرَ الْمَذْكُورِ وَشَبِيهًا لَوُ مِنْ بػَعْضِ الْوُجُوهِ فػَهُوَ مِنْ جِنْسِوِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ فِي اللَّفْظِ؛ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمَذْكُورِ؛ وَلِهَذَا لاَ يَصْلُحُ الْمُنػْقَطِعُ حَيْثُ يَصْلُحُ الاِسْتِثػْنَاءُ الْمُفَرَّغُ وَذَلِكَ كَقَوْلِوِ : {لاَ يَذُوقُوفَ فِيهَا الْمَوْتَ }ثُم قَاؿَ { :إ الْمَوْتَةَ الأُْولَى}فػَهَذَا مُنػْقَطِعٌ؛ لأَِنَّوُ يَحْسُنُ أَفْ يػُقَاؿَ : (لاَ يَذُوقُوفَ إلاَّ الْمَوْتَةَ الأُْولَى) وَكَذَلِكَ قػَوْلُوُ تػَعَالَى{ :لاَ تَأْكُلُوا أَ مْوَالَكُمْ بػَيػْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلاَّ أَفْ تَكُوفَ تِجَارَةً عَنْ تػَرَاضٍ مِنْكُمْ }لأَِنَّوُ يَحْسُنُ أَفْ

عدد الصفحات ٣٤٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 344 - سورة البقرة الجزء الاول يػُقَاؿَ : لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بػَيػْنَكُمْ إلاَّ أَفْ تَكُوفَ تِجَارَةً وَقػَوْلُوُ { :مَا لَهُمْ بِوِ مِنْ عِلْمٍ إلاَّ اتػِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قػَتػَلُوهُ يَقِينًا}يَصْلُحُ أَفْ يػُقَاؿَ وَمَا لَهُمْ إلاَّ اتػِّبَاعَ الظَّنِّ فػَهُنَا لَمَّا قَاؿَ { :لاَ يػَعْلَمُوفَ الْكِتَابَ إلاَّ أَمَانِيَّ }يَحْسُنُ أَفْ يػُقَاؿَ لاَ يػَعْلَمُونَوُ إلاَّ أَمَانِيَّ فَإِنػَّهُمْ يػَعْلَمُونَوُ تِلاَوَةً يقردونها وَيَسْمَعُونػَهَا وَلاَ يَحْسُنُ أَفْ يػُقَاؿَ لاَ يػَعْلَمُوفَ إلاَّ مَا تػَتَمَنَّاهُ قػُلُوبػُهُمْ أَوْ لاَ يػَعْلَمُوفَ إلاَّ الْكَذِبَ فَإِنػَّهُمْ قَدْ كَانُوا يػَعْلَمُوفَ مَا ىُوَ صِدْؽٌ أَيْضًا فػَلَيْسَ كُل مَا عَلِمُوهُ مِنْ عُلَمَادِهِمْ كَافَ كَذِبًا بِخِلاَؼِ الَّذِي لاَ يػَعْقِلُ مَعْنَى الْكِتَابِ فَإِنَّوُ لاَ يػَعْلَمُ إلاَّ تِلاَوَةً . وَأَيْضًا فػَهَذِهِ الأَْمَانِي الْبَاطِلَةُ الَّتِي تَمَنػَّوْىَا بِقُلُوبِهِمْ وَقَالُوىَا بِأَلْسِنَتِهِمْ . كَقَوْلِوِ تػَعَالَى{ :تِلْكَ أَمَانِيػ هُمْ }قَدْ اشْتػَ رَكُوا فِيهَا كُل هُمْ فَلاَ يُخَص بِالذَّـِّ الأُْمِّي وفَ مِنػْهُمْ وَلَيْسَ لِكَوْنِهِمْ أُمِّيِّينَ مَدْخَلٌ فِي الذَّـِّ بِهَذِهِ وَلاَ لِنػَفْيِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ مَدْخَلٌ فِي الذَّـِّ بِهَذِهِ؛ بَلْ الذَّـ بِهَذِهِ مِمَّا يػُعْلِمُ أَنػَّهَا بَاطِلٌ أَعْظَمُ مِنْ ذَـِّ مَنْ لاَ يػَعْلَمُ أَنػَّهَا بَاطِلٌ؛ وَلِهَذَا لَمَّا ذَـَّ اللَّوُ بِهَا عَمَّمَ وَلَمْ يَخُصَّ فػَقَاؿَ تػَعَالَى{ :وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلاَّ مَنْ كَافَ ىُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيػ هُمْ }الآْيَةُ . وَأَيْ ضًا فَإِنَّوُ قَاؿَ { :وَإِفْ ىُمْ إلاَّ يَظُن وفَ }فَدَؿ عَلَى أَنَّوُ ذَمَّهُمْ عَلَى نػَفْيِ الْعِلْمِ وَعَلَى أَنَّوُ لَيْسَ مَعَهُمْ إلاَّ الظَّن وَىَذَا حَاؿُ الْجَاىِلِ بِمَعَانِي الْكِتَابِ لاَ حَاؿُ مَنْ يػَعْلَمُ أَنَّوُ يَكْذِبُ فَظَهَرَ أَفَّ ىَذَا الصِّنْفَ لَيْسَ ىُمْ الَّذِينَ يػَقُولُوفَ بِأَفػْوَاىِهِمْ الْكَذِبَ وَالْبَاطِلَ وَلَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقِيلَ لاَ يػَقُولُوفَ إلاَّ أَمَانِيَّ لَمْ يػَقُلْ لاَ يػَعْلَمُوفَ الْكِتَابَ إلاَّ أَمَانِيَّ بَلْ ذَلِكَ الصِّنْفُ ىُمْ الَّذِينَ يُحَرِّفُوفَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِوِ وَيػَلْوُوفَ أَلْسِنَتػَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا ىُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيػَقُولُوفَ ىُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّوِ وَمَا ىُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّوِ وَيَكْتُبُوفَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ لِيَشْتػَرُوا بِوِ ثَمَنً ا قَلِيلاً فػَهُمْ يُحَرِّفُوفَ مَعَانِيَ الْكِتَابِ وَىُمْ يُحَرِّفُوفَ لَفْظَوُ لِمَنْ لَمْ يػَعْرِفْوُ وَيَكْذِبُوفَ فِي لَفْظِهِمْ وَخَطِّهِمْ . وَقَدْ ثػَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّوُ قَاؿَ { :لَتَتَّبِعُن سَنَنَ مَنْ كَافَ قػَبػْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ قَالُوا: يَا رَسُوؿَ اللَّوِ : الْيػَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَاؿَ فَمَنْ؟} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ قَاؿَ { :لَتَأْخُذَف أُمَّتِي مَآخِذَ الأُْمَمِ قػَبػْلَهَا شِبػْ رًا بِشِبْرِ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ قَالُوا: يَا رَسُوؿَ اللَّوِ فَارِسُ وَالر وـُ؟ قَاؿَ وَمَنْ النَّاسُ إلاَّ أُولَئِكَ }فػَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَفَّ مَا ذَـَّ اللَّوُ بِوِ أَىْلَ الْكِتَابِ فِي ىَذِهِ الآْيَةِ يَكُوفُ فِي ىَذِهِ

عدد الصفحات ٣٤٦

ؿَ اللَّوِ فَارِسُ وَالر وـُ؟ قَاؿَ وَمَنْ النَّاسُ إلاَّ أُولَئِكَ }فػَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَفَّ مَا ذَـَّ اللَّوُ بِوِ أَىْلَ الْكِتَابِ فِي ىَذِهِ الآْيَةِ يَكُوفُ فِي ىَذِهِ الأُْمَّةِ مَنْ يُشْبِهُ هُمْ فِيوِ وَىَذَا حَق قَدْ شُوىِدَ قَاؿَ تػَعَالَى{ :سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآْفَاؽِ وَفِي أَنػْفُسِهِمْ حَتَّى يػَتَبػَيَّنَ لَهُمْ أَنَّوُ الْحَق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّوُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }فَمَنْ تَدَبػَّرَ مَا أَخْبػَرَ اللَّوُ بِوِ وَرَسُولُوُ رَأَى أَنَّوُ قَدْ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ؛ بَلْ أَكْثػَرُ الأُْمُورِ وَدَلَّوُ ذَلِكَ عَلَى وُقُوعِ الْبَاقِ ي. وقاؿ رحمو اللّو أيضاً في جٕ٘صٜٗ: فػَهَذِهِ صِفَةُ مَنْ لاَ يػَفْقَوُ كَلاَـَ اللَّوِ وَيػَعْمَلُ بِوِ وَإِنَّمَا يػَقْتَصِ رُ عَلَى مُجَرَّدِ تِلاَوَتِوِ . كَمَا قَاؿَ الْحَسَنُ الْبَصْرِي . نػَزَؿَ الْقُرْآفُ لِيػُعْمَلَ بِوِ فَاِتَّخِذُوا تِلاَوَتَوُ عَمَلاً . فَالأُْمِّي ىُنَا قَدْ يػَقْرَأُ حُرُوؼَ الْقُرْآفِ أَوْ غَيػْرَىَا وَلاَ يػَفْقَوُ . بَلْ يػَتَكَلَّمُ فِي الْعِلْمِ بِظَ اىِرِ مِنْ الْقَوْؿِ ظَنًّا. فػَهَذَا أَيْضًا أُمِّي مَذْمُوـٌ كَمَا ذَمَّوُ اللَّوُ؛ لِنػَقْصِ عِلْمِوِ الْوَاجِبِ سَوَاءٌ كَافَ فػَرْضَ عَيْنٍ أَـْ كِفَايَةٍ . قاؿ ابن العثيمين {وإف ىم إلا يظنوف}: أي ما ىم إلا يظنوف؛ لأف الإنساف الذي لا يعرؼ إلا اللفظ ليس عنده علم..

عدد الصفحات ٣٤٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 345 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري: ومعنى قولو: (إلا يظنوف) : إلا يشكوف، ولا يعلموف حقيقتو وصحتو. و"الظن" - في ىذا الموضع- الشك. فمعنى الآية: ومنهم من لا يكتب ولا يخط ولا يعلم كتاب الله ولا يدري ما فيو، إلا تخرصا وتقولا على الله الباطل، ظنا منو أنو محق في تخرصو وتقولو الباطل. وإنما وصفهم الله تعالى ذكره بأنهم في تخرصهم على ظن أنهم محقوف وىم مبطلوف، لأنهم كانوا قد سمعوا من رؤسادهم وأحبارىم أمورا حسبوىا من كتاب الله، ولم تكن من كتاب الله، فوصفهم جل ثناؤه بأنهم يتركوف التصديق بالذي يوقنوف بو أنو من عند الله مما جاء بو محمد ، ويتبعوف ما ىم فيو شاكوف، وفي حقيقتو مرتابوف، مما أخبرىم بو كبراؤىم ورؤساؤىم وأحبارىم عنادا منهم لله ولرسولو، ومخالفة منهم لأمر الله، واغترارا منهم بإمهاؿ الله إياىم. وبنحو ما قلنا في تأويل قولو: (وإف ىم إلا يظنوف) ، قاؿ فيو المتأولوف من السلف. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف الأمية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم؛ لقولو تعالى{ :ومنم أميوف لا يعلموف الكتاب إلا أماني} ٕ- ذـ من لا يعتني بمعرفة معاني كتاب الله عز وجل.. ٖ- أف من لا يفهم المعنى فإنو لا يتكلم إلا بالظن؛ لقولو تعالى{ :وإف ىم إلا يظنوف}؛ العامي يقرأ القرآف من أولو إلى آخره، لكن لا يفهم معناه؛ فإذا تكلم في حكم من أحكاـ الله الشرعية التي دؿ عليها الكتاب فإنما كلامو عن ظن؛ لأنو في الحقيقة لا يعلم؛ ولا يمكن أف يعلم إلا إذا فهم المعنى.. ٗ- ذـ الحكم بالظن، وأنو من صفات اليهود؛ وىذا موجود كثيرا عند بعض الناس الذين يحبوف أف يقاؿ عنهم: "إنهم علماء"؛ تجده يفتي بدوف علم، وربما أفتى بما يخالف القرآف، والسنة وىو لا يعلم ... ٘- أف المقلد ليس بعالم؛ لأنو لا يفهم المعنى؛ وقد قاؿ ابن عبد البر: "إف العلماء أجمعوا أف المقلد لا يعد في العلماء"؛ وىو صحيح: المقلد ليس بعالم؛ غاية ما ىنالك أنو نسخة من كتاب؛ بل الكتاب أضبط منو؛ لأنو قد ينسى؛ وليس معنى ذلك أننا نذـ التقليد مطلقا؛ التقليد في موضعو ىو الواجب؛ لقولو تعالى{ :فاسألوا أىل الذكر إف كنتم لا تعلموف}[النمل: ٖٗ ]

عدد الصفحات ٣٤٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 346 - سورة البقرة الجزء الاول فػَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُوفَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يػَقُولُوفَ ىَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّوِ لِيَشْتػَرُوا بِوِ ثَمَنًا قَلِيلاً فػَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْ دِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُوفَ (ٜٚ) قاؿ الشيخ مقبل في الصحيح المسند من أسباب النزوؿ: قاؿ الإماـ البخاري رحمو الله في كتابو خلق أفعاؿ العباد صٗ٘ حدثنا يحيى ثنا وكيع عن سفياف عن عبد الرحمن بن علقمة عن ابن عباس {فػَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُوفَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ }قاؿ نزلت في أىل الكتاب. الحديث رجالو رجاؿ الصحيح إلا عبد الرحمن بن علقمة وقد وثقو النسادي وابن حباف والعجلي وقاؿ ابن شاىين قاؿ ابن مهدي كاف من الأثبات الثقات ا. ىػ. تهذيب التهذيب. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :فويل للذين يكتبوف الكتاب بأيديهم } ...؛ "ويل" كلمة وعيد؛ يتوعد الله تعالى من اتصفوا بهذه الصفة؛ وىي مبتدأ؛ وجاز الابتداء بها وىي نكرة؛ لأنها تفيد الوعيد. والوعيد معنى خاص، فزاؿ بو إجماؿ النكرة المطلقة؛ و {الكتاب} بمعنى المكتوب؛ والمراد بو التوراة؛ {بأيديهم} :كلمة مؤكدة لقو لو تعالى: {يكتبوف} ؛ أو مبينة للواقع؛ لأنو لا كتابة إلا باليد غالبا؛ والمعنى: أنهم يكتبونو بأيديهم، فيتحققوف أنو ليس الكتاب المنزؿ؛ فهم يباشروف ىذه الجناية العظيمة؛ {ثم يقولوف}أي بعدما كتبوه بأيديهم، وعرفوا أنو من صنع أيديهم؛ {ىذا من عند الله} أي نزؿ من عند الله؛ {ليشتروا بو} أي ليأخذوا بو؛ واللاـ للتعليل؛ فإذا دخلت اللاـ على الفعل المضارع تكوف للتعليل. كما ىي ىنا؛ وتكوف للعاقبة، مثل{ :ليكوف لهم عدوا وحزنا[ }القصص: ٛ]؛ وتكوف زاددة، مثل{ :يريدوف ليطفئوا نور الله[ }الصف: ٛ]أي يريدوف أف يطفئوا؛ لأف الفعل "يريد" يتعدى بنفسو بدوف حرؼ الجر؛ {ثمنا قليلا} أي عوضا قليلا؛ وىذا العوض القليل ىو الرداسة، والجاه، والماؿ، وغير ذلك من أمور الدنيا، كما قاؿ تعالى{ :قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى[ }النساء: ٚٚ]؛ فمهما حصل في الدنيا من رداسة، وجاه، وماؿ، وولد، فهو قليل بالنسبة للْخرة؛ كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإماـ أحمد بن حنبل من حديث سهل بن سعد أف النبي قاؿ: "لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (ٔ) : الدنيا من أولها إلى آخرىا برداساتها، وأموالها، وبنيها، وقصورىا، وكل ما فيها، وموضع السوط متر تقريبا؛ إذا متاع الدنيا قليل.. قولو تعالى{ :فويل لهم مما كتبت أيديهم} :ىذا وعيد على فعلهم؛ {وويل لهم مما يكسبوف} :ىذا وعيد على كسبهم.. -ٔأخرجو أحمد ٘/ٖٖٓ، حديث رقم ٖٖٕٛٔ؛ وأخرجو البخاري صٕٖٕ، كتاب الجياد والسير، باب ٖٚ: فضل رباط يو م في سبيل الله، حديث رقم ٕٜٕٛ..

عدد الصفحات ٣٤٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 347 - سورة البقرة الجزء الاول (الفوادد) ٔ- الوعيد على الذين يكتبوف الكتاب بأيديهم، ثم يقولوف ىذا من عند الله وىم كاذبوف.. ٕ- أنهم يفعلوف ذلك من أجل الرداسة، والماؿ، والجاه؛ لقولو تعالى{ :ليشتروا بو ثمنا قليلا}؛ وقد ورد الوعيد على من طلب علما يبتغى بو وجو الله ليناؿ عرضا من الدنيا.. ٖ- أف الدنيا كلها مهما بلغت فهي قليل، كما قاؿ تعالى{ :قل متاع الدنيا قليل}النساء: ٚٚ) ٗ- أف الجزاء بحسب العمل؛ لقولو تعالى: (فويل لهم مما كتبت أيديهم) ٘- إثبات العلل، والأسباب؛ لقولو تعالى{ :مما كتبت أيديهم}؛ فإف ىذا بياف لعلة الوعيد؛ وىذه غير الفاددة السابقة؛ لأف الفاددة السابقة جزاؤىم بقدر ما كتبوا؛ وىذه بياف السبب.. ٙ- أف عقوبة القوؿ على الله بغير علم تشمل الفعل، وما ينتج عنو من كسب محرـ؛ لقولو تعالى: {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبوف}؛ فما نتج عن المحرـ من الكسب فإنو يأثم بو الإنساف؛ مثلا: إنساف عمل عملا محرما. كالغش. فإنو آثم بالغش؛ وىذا الكسب الذي حصل بو ىو أيضا آثم بو.. وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّوِ عَهْدًا فػَلَنْ يُخْلِفَ اللَّوُ عَهْدَهُ أَـْ تػَقُولُوفَ عَلَى اللَّوِ مَا لاَ تػَعْلَمُو فَ (ٓٛ) بػَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِوِ خَطِيئَتُوُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ىُمْ فِيهَا خَالِدُوفَ (ٔٛ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ىُمْ فِيهَا خَالِدُوفَ (ٕٛ) قاؿ الطبري: يعني بقولو: (و قالوا) ، اليهود، يقوؿ: وقالت اليهود: (لن تمسنا النار) ، يعني لن تلاقي أجسامنا النار ولن ندخلها، "إلا أياما معدودة". وإنما قيل "معدودة" وإف لم يكن مبينا عددىا في التنزيل، لأف الله جل ثناؤه أخبر عنهم بذلك وىم عارفوف عدد الأياـ، التي يوقتونها لمكثهم في النار. فلذلك ترؾ ذكر تسمية عدد تلك الأياـ، وسماىا "معدودة" لما وصفنا. عن ابن عباس: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) ، قاؿ ذلك أعداء الله اليهود، قالوا: لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم، الأياـ التي أصبنا فيها العجل: أربعين يوما، فإذا انقضت عنا تلك الأياـ، انقطع عنا العذاب والقسم. قاؿ ابن العثيمين: يعنوف أنهم يبقوف فيها أياما معدودة، ثم يخلفهم فيها النبي ، والمؤمنوف؛ فنحن نقوؿ: إقراركم على أنفسكم بدخوؿ النار مقبوؿ؛ ودعواكم الخروج من النار دعوى لا بينة لها؛ ولهذا قاؿ الله سبحانو وتعالى متحديا إياىم: {قل} .الخطاب للنبي . {أتخذتم عند الله عهدا} أي أأخذتم عند الله عهدا أف لا تمسكم النار إلا

عدد الصفحات ٣٤٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 348 - سورة البقرة الجزء الاول أياما معدودة، ثم يخلفكم فيها الرسوؿ، والمؤمنوف؟! والاستفهاـ ىنا للإنكار؛ و "العهد" الميثاؽ، والالتزاـ؛ {فلن يخلف الله عهده} أي إف اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلفو؛ لأف الله سبحانو وتعالى لا يخلف الميعاد.. قولو تعالى{ :أـ تقولوف على الله ما لا تعلموف} ؛ قيل: إف {أـ} متصلة؛ وقيل: إنها منقطعة؛ والفرؽ بينهما من وجهين: الأوؿ: أف المنقطعة تكوف بمعنى "بل"؛ والثاني: أف ما بعدىا منقطع عما قبلها؛ وأما المتصلة فتكوف بمعنى "أو"، وما بعدىا معادؿ لما قبلها؛ مثاؿ المتصلة: قولو تعالى{ :إف الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أـ لم تنذرىم} [البقرة: ٙ]؛ ومثاؿ المنقطعة: قولو تعالى{ :أـ تأمرىم أحلامهم بهذا أـ ىم قوـ طاغوف[ }الطور: ٕٖ]أي بل ىم قوـ طاغوف؛ أما في ىذه الآية التي نحن بصددىا فيحتمل أنها منقطعة؛ وعلى ىذا فيكوف معناىا: بل تقولوف على الله ما لا تعلموف؛ ويحتمل أنها متصلة، فيكوف معناىا: ىل أنتم اتخذتم عند الله عهدا فادعيتموه، أو أنكم تقولوف على الله ما لا تعلموف؟! وعلى كلا الاحتمالين فهم يقولوف على الله ما لا يعلموف؛ إذا لم يكن عندىم من الله عهد، وقد قالوا على الله ما لا يعلموف، فتكوف دعواىم ىذه باطلة.. قولو تعالى مبينا من الذي تمسو النار، ومن الذي لا تمسو: {بلى من كسب سيئة} :قاؿ المفسروف: {بلى} ىنا بمعنى "بل"؛ فهي للإضراب الانتقالي؛ ويحتمل أف تكوف للإضراب الإبطالي. أي لإبطاؿ قولهم: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} ؛ و {من} يحتمل أف تكوف اسم شرط؛ وجوابو: {فأولئك أصحاب النار ىم فيها خالدوف} ؛ ويحتمل أف تكوف موصولة بمعنى الذي؛ وىي مبتدأ، وخبره: {فأولئك أصحاب النار}، وقرف بالفاء لمشابهة الاسم الموصوؿ الاسم الشرط في العموـ؛ والاحتماؿ الأوؿ أولى؛ و "الكسب" معناىا: حصوؿ الشيء نتيجة لعمل؛ و {سيئة} من ساء يسوء؛ والمراد الأعماؿ السيئة.. قولو تعالى{ :وأحاطت بو خطيئتو}الإحاطة" في اللغة: الشموؿ؛ و {أحاطت}أي صارت كالحادط عليو، وكالسور . أي اكتنفتو من كل جانب؛ وفي قولو تعالى: {خطيئتو}قراءتاف: الإفراد، والجمع؛ والإفراد بمعنى الجمع؛ لأنو مفرد مضاؼ فيعم؛ لكن الجمع يفيد الإشارة إلى أنواع الخطايا.. وقولو تعالى{ :سيئة}، و {خطيئتو} :قيل: بمعنى واحد، وأف السيئة امتدت حتى أحاطت بو؛ وقيل: إف المراد بالسيئة: الكفر؛ والخطيئة: ما دونو؛ وىذا ىو المعروؼ عند المفسرين.. قَاؿَ شَيْخُ الإِْسْلاَـِ في مجموع الفتاوى ج ٗٔصٖٖ: ىَذَا تػَفْسِيرُ آيَاتٍ أُشْكِلَتْ حَتَّى لاَ يُوجَدُ فِي طَادِفَةٍ مِنْ " كُتُبِ التػَّفْسِيرِ " إلاَّ مَا ىُوَ خَطَأٌ . مِنػْهَا قػَوْلُوُ { :بػَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِوِ خَطِيئَتُوُ }الآْيَةَ : ذَكَرَ أَفَّ الْمَشْهُورَ أَفَّ السَّيِّئَةَ الشِّرْؾُ وَقِيلَ الْكَبِيرَةُ يَمُوتُ عَلَيػْهَا قَالَوُ عِكْرِمَةُ قَاؿَ مُجَاىِدٌ : ىِيَ الذ نُوبُ تُحِيطُ بِالْقَلْبِ . قػُلْت: الصَّوَابُ ذِكْرُ أَقػْوَاؿِ السَّلَفِ وَإِفْ كَافَ فِيهَا ضَعِ يفٌ فَالْحُجَّةُ تػُبػَيِّنُ ضَعْفَوُ فَلاَ يػُعْدَؿُ عَنْ ذِكْرِ أَقػْوَالِهِمْ لِمُوَافػَقَتِهَا قػَوْؿَ طَادِفَةٍ مِنْ الْمُبْتَدَعَةِ وَىُمْ يػَنػْقُلُوفَ عَنْ بػَعْضِ السَّلَفِ أَفَّ ىَذِهِ الآْيَةَ أَخْطَأَ فِيهَا الْكَاتِبُ كَمَا قِيلَ فِي غَيْرِىَا وَمَنْ أَنْكَرَ

عدد الصفحات ٣٥٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 349 - سورة البقرة الجزء الاول شَيْئًا مِنْ الْقُرْآفِ بػَعْدَ تػَوَاتُرِهِ اُسْتُتِيبَ فَإِفْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِلَ وَأَمَّا قػَبْلُ تػَوَاتُرِهِ عِنْدَهُ فَلاَ يُسْتَتَابُ؛ لَكِنْ يػُبػَيَّنُ لَوُ وَكَذَلِكَ الأَْقػْوَاؿُ الَّتِي جَاءَتْ الأَْحَادِيثُ بِخِلاَفِهَا : فِقْهًا وَتَصَو فًا وَاعْتِقَادًا وَغَيػْرَ ذَلِكَ . وَقػَوْؿُ مُجَاىِدٍ صَحِيحٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : {إذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ نُكِتَ فِي قػَلْبِوِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ }إلَخْ وَاَلَّذِي يػَغْشَى الْقَلْبَ يُسَمَّى " رَيػْنًا " و " طَبػْعًا " و " خَتْمًا " و " قػَفْلاً " وَنَحْوَ ذَلِكَ فػَهَذَا مَا أَصَرَّ عَلَيْوِ . و " إحَاطَةُ الْخَطِيئَةِ " إحْدَاقػُهَا بِوِ فَلاَ يُمْكِنُوُ الْخُرُوجُ وَىَذَا ىُوَ الْبَسْلُ بِمَا كَسَبَتْ نػَفْسُوُ أَيْ : تُحْبَسُ عَمَّا فِيوِ نَجَاتػُهَا فِي الدَّارَيْنِ؛ فَإِفَّ الْمَعَاصِيَ قػَيْدٌ وَحَ بْسٌ لِصَاحِبِهَا عَنْ الْجَوَلاَفِ فِي فَضَاءِ التػَّوْحِيدِ وَعَنْ جَنْيِ ثِمَارِ الأَْعْمَاؿِ الصَّالِحَةِ . وَمِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الس نَّةِ مَنْ يػَقُوؿُ : إفَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ يػُعَذَّبُ مُطْلَقًا وَالأَْكْثػَرُوفَ عَلَى خِلاَفِوِ وَأَفَّ اللَّ وَ سُبْحَانَوُ يَزِفُ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَعَلَى ىَذَا دَؿَّ الْكِتَابُ وَالس نَّةُ وَىُوَ مَعْنَى الْوَزْفِ؛ لَكِنَّ تػَفْسِيرَ السَّيِّئَةِ بِالشِّرْؾِ ىُوَ الأَْظْهَرُ؛ لأَِنَّوُ سُبْحَانَوُ غَايػَرَ بػَيْنَ الْمَكْسُوبِ وَالْمُحِيطِ فػَلَوْ كَافَ وَاحِدًا لَمْ يػُغَايِرْ وَالْمُشْرِؾُ لَوُ خَطَايَا غَيػْرُ الشِّرْؾِ أَحَاطَتْ بِوِ لأَِنَّوُ لَمْ يػَتُبْ مِنػْهَا. و " أَيْضًا " قػَوْلُوُ (سَيِّئَةً نَكِرَةٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ جِنْسَ السَّيِّئَاتِ بِالاِتػِّفَاؽِ . و " أَيْضًا " لَفْظُ (السَّيِّئَةِ قَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مُرَادًا بِوِ الشِّرْؾَ وَقػَوْلُوُ : (سَيِّئَةً أَيْ حَاؿٌ سَيِّئَةٌ أَوْ مَكَافٌ سَيِّئَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَمَا فِي قػَوْلِوِ { :رَبػَّنَا آتِنَا فِي الد نػْيَا حَسَنَةً }أَيْ حَالاً حَسَنَةً تػَعَمٍّ الْخَيػْرَ كُلَّوُ وَىَذَا اللَّ فْظُ يَكُوفُ صِفَةً وَقَدْ يػُنػْقَلُ مِنْ الْوَصْفِيَّةِ إلَى الاِسْمِيَّةِ وَيُسْتػَعْمَلُ لاَزِمًا أَوْ مُتػَعَدِّيًا يػُقَاؿُ : سَاءَ ىَذَا الأَْمْرُ أَيْ قػَبُحَ وَيػُقَاؿُ : سَاءَنِي ىَذَا قَاؿَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قػَوْلِوِ { :وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}عَمِلُوا الشِّرْؾَ؛ لأَِنَّوُ وَصَفَهُمْ بِهَذَا فػَقَطْ وَلَوْ آمَنُوا لَكَافَ لَهُمْ حَسَنَاتٌ وَكَذَا لَمَّا قَاؿَ : (كَسَبَ سَيِّئَةً ) لَمْ يَذْكُرْ حَسَنَةً كَقَوْلِوِ تػَعَالَى{ :لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى}أَيْ فػَ عَلُوا الْحُسْنَى وَىُوَ مَا أُمِرُوا بِوِ كَذَلِكَ (السَّيِّئَةُ ) تػَتػَنَاوَؿُ الْمَحْظُورَ فػَيَدْخُلُ فِيهَا الشِّرْؾُ . قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :فأولئك أصحاب النار ىم فيها خالدوف} المشار إليو ما سبق؛ و {أصحاب} جمع صاحب. أي أىل النار؛ وسموا أصحابا لها لملازمتهم إياىا. والعياذ بالله. قاؿ الطبري: وإنما جعلهم لها أصحابا لإيثارىم - في حياتهم الدنيا ما يور دىموىا ويوردىم سعيرىا - على الأعماؿ التي توردىم الجنة فجعلهم جل ذكره بإيثارىم أسبابها على أسباب الجنة لها أصحابا، كصاحب الرجل الذي يصاحبو مؤثرا صحبتو على صحبة غيره، حتى يعرؼ بو. قاؿ ابن العثيمين: قولو {خالدوف} أي ماكثوف؛ فالخلود بمعنى المكث، والدواـ؛ ومنو قولو تعالى{ :ادخلوىا بسلاـ ذلك يوـ الخلود[ }ؽ: ٖٗ]

عدد الصفحات ٣٥١

يصاحبو مؤثرا صحبتو على صحبة غيره، حتى يعرؼ بو. قاؿ ابن العثيمين: قولو {خالدوف} أي ماكثوف؛ فالخلود بمعنى المكث، والدواـ؛ ومنو قولو تعالى{ :ادخلوىا بسلاـ ذلك يوـ الخلود[ }ؽ: ٖٗ] قاؿ السعدي وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية، وىي حجة عليهم كما ترى، فإنها ظاىرة في الشرؾ، وىكذا كل مبطل يحتج بآية، أو حديث صحيح على قولو الباطل فلا بد أف يكوف فيما احتج بو حجة عليو. قاؿ الطبري: عن ابن عباس: (ىم فيها خالدوف) ، أي خالدوف أبدا. و عن السدي: (ىم فيها خالدوف) لا يخرجوف منها أبدا.

عدد الصفحات ٣٥١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 351 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :والذين آمنوا وعملوا الصالحات} مبتدأ؛ خبره: قولو تعالى: {أولئك أصحاب الجنة ىم فيها خالدوف} ؛ لما ذكر الله عز وجل مصير الكافرين ذكر بعده مصير المؤمنين ليكوف العبد سادرا إلى الله سبحانو وتعالى بين الخوؼ والرجاء؛ وقد وصف الله تعالى القرآف بأنو مثاني. أي تثنى فيو المعاني، والأحواؿ.. وقولو تعالى{ :والذين آمنوا} أي صدقوا بما يجب الإيماف بو مع القبوؿ، والإذعاف؛ فلا يكوف الإيماف مجرد تصديق؛ بل لا بد من قبوؿ للشيء، واعتراؼ بو، ثم إذعاف، وتسليم لما يقتضيو ذلك الإيماف. وقولو تعالى{ :وعملوا الصالحات} أي عملوا الأعماؿ الصالحات؛ والعمل يصدؽ على القوؿ، والفعل؛ وليس العمل مقابل القوؿ؛ بل الذي يقابل القوؿ: الفعل؛ وإلا فالقوؿ، والفعل كلاىما عمل؛ لأف القوؿ عمل اللساف، والفعل عمل الجوارح .. قاؿ السعدي: ولا تكوف الأعماؿ صالحة إلا بشرطين: أف تكوف خالصة لوجو الله، متبعا بها سنة رسولو. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :أولئك أصحاب الجنة} أي أىلها الملازموف لها؛ لأف الصحبة ملازمة؛ و {الجنة} :الدار التي أعدىا الله تعالى للمتقين؛ وفيها كما قاؿ الرسوؿ "ما لا عين رأت، ولا أذف سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (ٔ) ، كقولو تعالى{ :ف تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملوف} (السجدة: ٚٔ) . قاؿ الطبري ويعني بقولو: (فأولئك) ، فالذين ىم كذلك (أصحاب الجنة ىم فيها خالدوف) ، يعني أىلها الذين ىم أىلها ىم فيها (خالدوف) ، مقيموف أبدا. وإنما ىذه الآية والتي قبلها إخبار من الله عباده عن بقاء النار وبقاء أىلها فيها، وبقاء الجنة وبقاء أىلها فيها ودواـ ما أعد في كل واحدة منهما لأىلها، تكذيبا من الله جل ثناؤه القادلين من يهود بني إسراديل: إف النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، وأنهم صادروف بعد ذلك إلى الجنة. فأخبرىم بخلود كفارىم في النار، وخلود مؤمنيهم في الجنة. عن ابن عباس: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة ىم فيها خالدوف) ، أي من آمن بما كفرتم بو، وعمل بما تركتم من دينو، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرىم أف الثواب بالخير والشر مقيم على أىلو أبدا لا انقطاع لو أبدا. قاؿ السعدي: فحاصل ىاتين الآيتين، أف أىل النجاة والفوز، ىم أىل الإيماف والعمل الصالح، والهالكوف أىل النار المشركوف بالله، الكافروف بو. وىذه الشرادع من أصوؿ الدين، التي أمر الله بها في كل شريعة، لاشتمالها على -ٔاخرجو البخاري صٖٕٙ، كتاب بدء الخمق، باب ٛ: ما جاء في صفة الجنة وأنيا مخموقة، حديث رقم ٕٖٗٗ؛ وأخرجو مسمم صٜٙٔٔ، كتاب الجنة وصفة نعيميا وأىميا، باب ٔ: صفة الجنة، حديث رقم ٖٓٔٚ [ٕ]ٕٕٗٛ.

عدد الصفحات ٣٥٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 351 - سورة البقرة الجزء الاول المصالح العامة، في كل زماف ومكاف، فلا يدخلها نسخ، كأصل الدين، ولهذا أمرنا بها في قولو{ :واعبدوا الله ولا تشركوا بو شيئا}إلى آخر الآية. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيات: ٔ- أف اليهود يقروف بالآخرة، وأف ىناؾ نارا، لقولو تعالى{ :وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة}؛ لكن ىذا الإقرار لا ينفعهم؛ لأنهم كذبوا محمدا ؛ وعلى ىذا ليسوا بمؤمنين.. ٕ- أنهم قالوا على الله ما لا يعلموف، إما كذبا، وإما جهلا؛ والأوؿ أقرب؛ لقولو تعالى{ :أـ تقولوف على الله ما تعلموف.. ٖ- حسن مجادلة القرآف؛ لأنو حصر ىذه الدعوى في واحد من أمرين، وكلاىما منتف{ :أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أـ تقولوف على الله ما لا تعلموف}؛ وىذا على القوؿ بأف {أـ}ىنا متصلة؛ أما على القوؿ بأنها منقطعة فإنو ليس فيها إلا إلزاـ واحد.. ٗ- أف الله سبحانو وتعالى لن يخلف وعده؛ وكونو لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين ىما: الصدؽ، والقدرة، لأف إخلاؼ الوعد إما لكذب، وإما لعجز؛ فكوف الله. جل وعلا. لا يخلف الميعاد يقتضي كماؿ صدقو، وكماؿ قدرتو ٘- أف من دأب اليهود القوؿ على الله بلا علم؛ لقولو تعالى{ :أـ تقولوف على الله ما لا تعلموف}؛ والقوؿ على الله يتضمن القوؿ عليو في أحكامو، وفي ذاتو، وصفاتو؛ من قاؿ عليو ما لا يعلم بأنو حلل، أو حرـ، أو أوجب، فقد قاؿ على الله بلا علم؛ ومن أثبت لو شيئا من أسماء، أو صفات لم يثبتو الله لنفسو فقد قاؿ على الله بلا علم؛ ومن نفى شيئا من أسمادو وصفاتو فقد قاؿ على الله بلا علم؛ ومن صرؼ شيئا عن ظاىره من نصوص الكتاب والسنة بلا دليل فقد قاؿ على الله بلا علم.. ٙ- تحريم الإفتاء بلا علم؛ وعلى ىذا يجب على المفتي أف يتقي الله عز وجل، وألا يتسرع في الإفتاء؛ لأف الأمر خطير.. ٚ- أف الثواب والعقاب لا يترتب على الأشخاص بحسب النسب، أو الانتماء؛ وإنما ىو بحسب العمل.. ٛ- أف من أحاطت بو خطيئتو فلم يكن لو حسنة فإنو من أصحاب النار الذين لا يخرجوف منها.. ٜ- أف من كسب سيئة لكن لم تحط بو الخطيئة فإنو ليس من أصحاب النار؛ لكن إف كاف عليو سيئات فإنو يعذب بقدرىا. ما لم يعف الله سبحانو وتعالى عنو.. ٓٔ- إثبات النار، وأنها دار الكافرين. ٔٔ- خلود أىل النار فيها؛ وىو خلود مؤبد لا يخفف عنهم فيو العذاب، وقد صرح الله عز وجل بتأبيد الخلود فيها في ثلاثة مواضع من القرآف؛ الأوؿ: في سورة النساء في قولو تعالى{ :إف الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم

عدد الصفحات ٣٥٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 352 - سورة البقرة الجزء الاول ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكاف ذلك على الله يسيرا[ }النساء: ٛٙٔ، ٜٙٔ]؛ الموضع الثاني: في سورة الأحزاب في قولو تعالى{ :إف الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيها أبدا لا يجدوف وليا ولا نصيرا[ }الأحزاب: ٗٙ، ٘ٙ]؛ الموضع الثالث: في سورة الجن في قولو تعالى{ :ومن يعص الله ورسولو فإف لو نار جهنم خالدين فيها أبدا[ }الجن: ٖٕ] ٕٔ- أف أىل الجنة ىم الذين قاموا بالإيماف، والعمل الصالح؛ ولا يكوف العمل صالحا إلا بأمرين: الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة للرسوؿ ، والدليل على ذلك قوؿ الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرؾ، من عمل عملا أشرؾ فيو معي غيري تركتو وشركو ". وىذا فقد فيو الإخلاص؛ وقوؿ النبي : "من عمل عملا ليس عليو أمرنا فهو رد" . وىذا فقد فيو المتابعة؛ وكذلك قوؿ الرسوؿ "فأيما شرط كاف ليس في كتاب الله فهو باطل وإف كاف مادة شرط (ٔ) ".. ٖٔ- أف الإيماف وحده لا يكفي لدخوؿ الجنة؛ بل لا بد من عمل صالح ... ٗٔ- أف العمل وحده لا يكفي حتى يكوف صادرا عن إيماف؛ لقولو تعالى{ :آمنوا وعملوا الصالحات ولذلك لم ينفع المنافقين عملهم؛ لفقد الإيماف في قلوبهم.. ٘ٔ- بلاغة القرآف، وحسن تعليمو؛ حيث إنو لما ذكر أصحاب النار ذكر أصحاب الجنة؛ وىذا من معنى قوؿ الله تعالى{ :ا نزؿ أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني[ }الزمر: ٖٕ]؛ فإف من معاني المثاني أف تثنى فيو الأمور؛ فيذكر الترغيب والترىيب؛ والمؤمن والكافر؛ والضار والنافع؛ وما أشبو ذلك.. ٙٔ- إثبات الجنة.. ٚٔ- أف أصحاب الجنة مخلدوف فيها؛ وتأبيد الخلود في الجنة صرح الله سبحانو وتعالى بو في آيات عديدة.. وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاؽَ بَنِي إِسْرَادِيلَ لاَ تػَعْبُدُوفَ إِلاَّ اللَّوَ وَبِالْ وَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تػَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنػْتُمْ مُعْرِضُوفَ (ٖٛ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وإذ أخذنا ميثاؽ بني إسراديل} أي اذكروا إذ أخذنا ميثاؽ بني إسراديل؛ و "الميثاؽ": العهد؛ وسمي "العهد" ميثاقا؛ لأنو يوثق بو المعاىد، كالحبل الذي توثق بو الأيدي، والأرجل؛ لأنو يلزمو. ٔ- أخرجو البخاري صٕٔٓ - ٕٕٓ، كتاب المكاتب، باب ٖ: استعانة المكاتب وسؤالو الناس، حديث رقم ٖٕٙ٘؛ وأخرجو مسمم صٖٜٚ، كتاب العتق، باب ٔ: ذكر سعاية العبد، حديث رقم ٜٖٚٚ [ٛ]ٗٓ٘ٔ.

عدد الصفحات ٣٥٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 353 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ السعدي: ىذا من قسوتهم أف كل أمر أمروا بو، استعصوا؛ فلا يقبلونو إلا بالأيماف الغليظة، والعهود الموثقة. قاؿ ابن العثيمين: و {إسراديل} ىو يعقوب بن إسحاؽ بن إبراىيم؛ وبنوه: ذريتو من ذكور، وإناث، كما يقاؿ: "بنو تميم" لذكورىم، وإناثهم؛ و "بنو إسراديل" بنو عم للعرب؛ لأف العرب من بني إسماعيل؛ وىؤلاء من بني إسراديل؛ وجدىم واحد. وىو إبراىيم والميثاؽ بينو الله سبحانو وتعالى بقولو{ :لا تعبدوف إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة }؛ فالميثاؽ اشتمل على ثمانية أمور:. الأوؿ: أف لا يعبدوا إلا الله؛ لقولو تعالى: {لا تعبدوف إلا الله} ؛ و "العبادة" معناىا: الذؿ، والخضوع؛ مأخوذة من قولهم طريق معبد. أي مذلل.. قاؿ السعدي: ىذا أمر بعبادة الله وحده، ونهى عن الشرؾ بو، وىذا أصل الدين، فلا تقبل الأعماؿ كلها إف لم يكن ىذا أساسها، فهذا حق الله تعالى على عباده. الثاني: الإحساف إلى الوالدين؛ لقولو تعالى: {وبالوالدين إحسانا} أي أحسنوا بالوالدين إحسانا؛ وىو شامل للإحساف بالقوؿ، والفعل، والماؿ، والجاه، وجميع طرؽ الإحساف؛ لأف الله أطلق؛ فكل ما يسمى إحسانا فهو داخل في قولو تعالى: {وبالوالدين إحسانا} ؛ والمراد بػ "الوالدين" الأب، والأـ، والأباعد لهم حق؛ لكن ليسوا كحق الأب، والأـ الأدنيين، ولهذا اختلف إرثهم، واختلف ما يجب لهم في بقية الحقوؽ.. قاؿ السعدي: وفيو النهي عن الإساءة إلى الوالدين، أو عدـ الإحساف والإساءة، لأف الواجب الإحساف، والأمر بالشيء نهي عن ضده. وللإحساف ضداف: الإساءة، وىي أعظم جرما، وترؾ الإحساف بدوف إساءة، وىذا محرـ، لكن لا يجب أف يلحق بالأوؿ، وكذا يقاؿ في صلة الأقارب واليتامى، والمساكين، وتفاصيل الإحساف لا تنحصر بالعد، بل تكوف بالحد، كما تقدـ. الثالث: الإحساف إلى القرابة؛ لقولو تعالى: {وذي القربى}؛ وىي معطوفة على قولو تعالى: {بالوالدين} ؛ والمعنى: وإحسانا بذي القربى؛ و {ذي}بمعنى صاحب؛ و {القربى}بمعنى القرابة؛ ويشمل: القرابة من قبل الأـ؛ والقرابة من قبل الأب، لأف {القربى} جاءت بعد "الوالدين" أي القربى من قبل الأـ، ومن قبل الأب.. الرابع: الإحساف إلى اليتامى؛ لقولو تعالى: {واليتامى} :جمع يتيم. وىو الذي مات أبوه قبل أف يبلغ من ذكر، أو أنثى، وأوصى الله تعالى باليتامى؛ لأنو ليس لهم من يربيهم، أو يعولهم؛ إذ إف أباىم قد توفي؛ فهم محل للرأفة، والرحمة، والرعاية.. الخامس: الإحساف إلى المساكين؛ لقولو تعالى: {والمساكين} :جمع مسكين وىو الفقير الذي أسكنو الفقر؛ لأف الإنساف إذا اغتنى فإنو يطغى، ويزداد، ويرتفع، ويعلو؛ وإذا كاف فقيرا فإنو بالعكس، وىنا يدخل الفقراء مع {المساكين}؛ لأف "الفقراء"، و"المساكين" من الأسماء التي إذا قرنت افترقت؛ وإذا افترقت اجتمعت؛ فكلمة

عدد الصفحات ٣٥٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 354 - سورة البقرة الجزء الاول "الفقراء" إذا كانت وحدىا شملت الفقراء، والمساكين؛ و"المساكين" إذا كانت وحدىا شملت الفقراء، والمساكين؛ وإذا قيل: فقراء ومساكين. مثل آية الزكاة { :إنما الصدقات للفقراء والمساكين[ }التوبة: ٓٙ]صار "الفقراء" لها معنى؛ و"المساكين" لها معنى؛ لما اجتمعت الآف افترقت: فػ"الفقير": من لا يجد شيئا من الكفاية، أو يجد دوف النصف؛ و"المسكين": من يجد نصف الكفاية دوف كمالها.. السادس: أف يقولوا للناس قولا حسنا؛ لقولو تعالى: {وقولوا للناس حسنا} بسكوف السين، وفي قراءة: {حسنا} بفتحها؛ والقوؿ الحسن يشمل: الحسن في ىيئتو؛ وفي معناه، ففي ىيئتو: أف يكوف باللطف، واللين، وعدـ الغلظة، والشدة، وفي معناه: بأف يكوف خيرا؛ لأف كل قوؿ حسن فهو خير؛ وكل قوؿ خير فهو حسن.. قاؿ السعدي: ومن القوؿ الحسن أمرىم بالمعروؼ، ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذؿ السلاـ، والبشاشة وغير ذلك من كل كلاـ طيب. ولما كاف الإنساف لا يسع الناس بمالو، أمر بأمر يقدر بو على الإحساف إلى كل مخلوؽ، وىو الإحساف بالقوؿ، فيكوف في ضمن ذلك النهي عن الكلاـ القبيح للناس حتى للكفار، ولهذا قاؿ تعالى{ :و تجادلوا أىل الكتاب إلا بالتي ىي أحسن} ومن أدب الإنساف الذي أدب الله بو عباده، أف يكوف الإنساف نزيها في أقوالو وأفعالو، غير فاحش ولا بذيء، ولا شاتم، ولا مخاصم، بل يكوف حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد، صبورا على ما ينالو من أذى الخلق، امتثالا لأمر الله، ورجاء لثوابو. السابع: إقامة الصلاة؛ لقولو تعالى: {وأقيموا الصلاة} أي ادتوا بها قادمة. أي قويمة ليس فيها نقص؛ وذلك بأف يأتوا بها بشروطها، وأركانها، وواجباتها؛ وكماؿ ذلك أف يأتوا بمستحباتها؛ و {الصلاة}تشمل الفريضة، والنافلة.. الثامن: إيتاء الزكاة؛ لقولو تعالى: {وآتوا الزكاة }أي أعطوىا مستحقها؛ و "الزكاة " ىي النصيب الذي أوجبو الله لمستحقو في الأمواؿ الزكوية .. قاؿ السعدي: أف الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة متضمنة للإحساف إلى العبيد. قولو تعالى{ :ثم توليتم إلا قليلا منكم} فيو التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ وفاددتو: إدخاؿ الموجودين في عهد النبي في ىذا الحكم. أعني التولي؛ و "التولي" ترؾ الشيء وراء الظهر؛ وىذا أبلغ من الإعراض؛ لأف الإعراض قد يكوف بالقلب، أو بالبدف مع عدـ استدبار.. قولو تعالى{ :وأنتم معرضوف} الجملة ىنا حالية؛ أي توليتم في إعراض؛ وذلك أف المتولي قد لا يكوف عنده إعراض في قلبو. فقد يتولى بالبدف، ولكن قلبو متعلق بما وراءه؛ ولكن إذا تولى مع الإعراض فإنو لا يرجى منو أف يقبل بعد ذلك.. قاؿ السعدي: {ثم} بعد ىذا الأمر لكم بهذه الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير العاقل، عرؼ أف من إحساف الله على عباده أف أمرىم بها،، وتفضل بها عليهم وأخذ المواثيق عليكم {توليتم}على وجو الإعراض، لأف

عدد الصفحات ٣٥٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 355 - سورة البقرة الجزء الاول المتولي قد يتولى، ولو نية رجوع إلى ما تولى عنو، وىؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في ىذه الأوامر، فنعوذ بالله من الخذلاف. وقولو: {إ قليلا منكم}ىذا استثناء، لئلا يوىم أنهم تولوا كلهم، فأخبر أف قليلا منهم، عصمهم الله وثبتهم. قاؿ الطبري: عن ابن عباس قاؿ: لما فرض الله جل وعز عليهم - يعني: على ىؤلاء الذين وصف الله أمرىم في كتابو من بني إسراديل - ىذا الذي ذكر أنو أخذ ميثاقهم بو، أعرضوا عنو استثقالا لو وكراىية، وطلبوا ما خف عليهم إلا قليلا منهم، وىم الذين استثنى الله فقاؿ: (ثم توليتم) ، يقوؿ: أعرضتم عن طاعتي، (إلا قليلا منكم) ، قاؿ: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي بمن تولى وأعرض عنها يقوؿ: تركها استخفافا بها. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- بياف عظمة الله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :وإذ أخذنا}؛ لأف الضمير ىنا للتعظيم؛ وىو سبحانو وتعالى العظيم الذي لا أعظم منو.. ٕ- أف التوحيد جاءت بو الرسل جميعا؛ لقولو تعالى: (لا تعبدوف إلا الله) . ٖ- أف العبادة خاصة بالله. تبارؾ وتعالى؛ فلا يعبد غيره؛ لقولو تعالى{ :لا تعبدوف إلا الله}؛ لأف ىذا يفيد الحصر ... ٗ- و جوب الإحساف إلى الوالدين؛ لقولو تعالى{ :وبالوالدين إحسانا}؛ وإنما أوجب ذلك؛ لأف نعمة الوالدين على ولدىما ىي التي تلي نعمة الله عز وجل؛ ولذلك قاؿ الله سبحانو وتعالى في سورة لقماف{ :أف اشكر لي ولوالديك} [لقماف: ٗٔ]؛ فهما سبب وجودؾ، وإمدادؾ، وإعدادؾ. وإف كاف أصل ذلك من الله؛ فلولا الوالداف ما كنت شيئا؛ والإحساف إلى الوالدين شامل للإحساف بالقوؿ، والفعل، والماؿ، والجاه، وغير ذلك من أنواع الإحساف؛ وضده أمراف؛ أحدىما أف يسيء إليهما؛ والثاني: أف لا يحسن، ولا يسيء؛ وكلاىما تقصير في حق الوالدين مناؼ لبرىما؛ وفي الإساءة زيادة الاعتداء.. ٘- وجوب الإحساف إلى ذوي القربى. أي قرابة الإنساف. وىم من يجتمعوف بو بالأب الرابع، فما دوف؛ ولكن يجب أف نعلم أف الإحساف يتفاوت؛ فكل من كاف أقرب فهو أولى بالإحساف؛ لأف الحكم إذا علق بوصف قوي بحسب قوة ذلك الوصف؛ فمثلا يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم؛ ويجب عليك من صلة الخاؿ أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخاؿ.. ٙ- وجوب الإحساف إلى اليتامى؛ وىو يشمل الإحساف إليهم أنفسهم؛ والإحساف في أموالهم؛ لقولو تعالى{ :و تقربوا ماؿ اليتيم إلا بالتي ىي أحسن[ }الأنعاـ: ٕ٘ٔ] ٚ- وجوب الإحساف إلى المساكين؛ وذلك بإعطادهم ما يستحقوف من الزكاة، ودفع الضرورة، وما أشبو ذلك ...

عدد الصفحات ٣٥٧