المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٢٥ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 314 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :والذين ىادوا} أي الذين انتسبوا إلى دين اليهود. وىي شريعة موسى، {والنصارى}أي الذين انتسبوا إلى دين عيسى.. قولو تعالى{ :والصابئين} اختلف فيهم على عدة أقواؿ؛ فمن العلماء من يقوؿ: إف الصابئين فرقة من النصارى؛ ومنهم من يقوؿ: إنهم فرقة من اليهود؛ ومنهم من يقوؿ إنهم فرقة من المجوس؛ ومنهم من يقوؿ: إنهم أمة مستقلة تدين بدين خاص بها؛ ومنهم من يقوؿ: إنهم من لا دين لهم: من كانوا على الفطرة؛ ولا يتدينوف بدين. وىذا ىو الأقرب؛ فإذا أرسل إليهم الرسل فآمنوا بالله واليوـ الآخر ثبت لهم انتفاء الخوؼ، والحزف، كغيرىم من الطوادف الذين ذكروا معهم.. قاؿ السعدي: وىذا الحكم على أىل الكتاب خاصة، لأف الصابئين، الصحيح أنهم من جملة فرؽ النصارى، فأخبر الله أف المؤمنين من ىذه الأمة، واليهود والنصارى، والصابئين من آمن بالله واليوـ الآخر، وصدقوا رسلهم، فإف لهم الأجر العظيم والأمن، ولا خوؼ عليهم ولا ىم يحزنوف، وأما من كفر منهم بالله ورسلو واليوـ الآخر، فهو بضد ىذه الحاؿ، فعليو الخوؼ والحزف. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :من آمن منهم بالله واليوـ الآخر} ىذا بدؿ ممن قبلو عادد إلى الذين ىادوا، والنصارى، والصابئين.. قولو تعالى{ :فلهم أجرىم} أي ثوابهم؛ وسمى الله تعالى "الثواب" أجرا؛ لأنو سبحانو وتعالى التزـ على نفسو أف يجزي بو كالتزاـ المستأجر بدفع الأجرة للأجير؛ {عند ربهم} :أضاؼ ربوبيتو إليهم على سبيل الخصوص تشريفا، وتكريما، وإظهارا للعناية بهم؛ فهذه كفالة من الله عز وجل، وضماف، والتزاـ بهذا الأجر؛ فهو أجر غير ضادع.. قولو تعالى{ :و خوؼ عليهم ولا ىم يحزنوف} ؛ "الخوؼ" ىو الهم مما يستقبل؛ و "الحزف": ىو الغم على ما فات من محبوب، أو ما حصل من مكروه؛ ولهذا يقاؿ لمن أصيب بمصيبة: "إنو محزوف"؛ ويقاؿ لمن يتوقع أمرا مرعبا، أو مروعا: "إنو خادف"؛ وقد يطلق "الحزف" على الخوؼ مما يستقبل، كقوؿ النبي لأبي بكر وىما في الغار: "لا تحزف إف الله معنا" (ٔ) ، فالمراد. والله أعلم. لا تخف؛ فقولو تعالى{ :و خوؼ عليهم} أي من كل مما يخاؼ في المستقبل: من عذاب القبر، وعذاب النار، وغير ذلك؛ وقولو تعالى: {و ىم يحزنوف} أي على ما مضى من الدنيا؛ لأنهم انتقلوا إلى خير منها؛ أما الكافر فيحزف على ما فرط في الحياة الدنيا، ويتحسر، كما قاؿ تعالى{ :وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا لو من قبل أف يأتيكم العذاب ثم لا تنصروف * واتبعوا أحسن ما أنزؿ إليكم من ربكم من قبل أف يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعروف * أف تقوؿ نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله[ }الزمر: ٗ٘. ٙ٘]ىذا تحزف، وتحسر.. -ٔ أخرجو البخاري صٜٕٗ، كتاب المناقب، باب ٕ٘: علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم ٖ٘ٔٙ؛ وأخرجو مسمم صٜٜٔٔ، كتاب الزىد، باب ٜٔ: في حديث اليجرة ويقال لو حديث الرجل، حديث رقم ٕٔ٘ٚ [٘ٚ] ٜٕٓٓ.

عدد الصفحات ٣١٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 315 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ السعدي: والصحيح أف ىذا الحكم بين ىذه الطوادف، من حيث ىم، لا بالنسبة إلى الإيماف بمحمد، فإف ىذا إخبار عنهم قبل بعثة محمد وأف ىذا مضموف أحوالهم. قاؿَ شَيْخُ الإِْسْلاَـِ في مجموع الفتاوى ج ٗٔص٘ٗ: ىَذَا تػَفْسِيرُ آيَاتٍ أُشْكِلَتْ حَتَّى لاَ يُوجَدُ فِي طَادِفَةٍ مِنْ " كُتُبٍ فِي التػَّفْسِيرِ " إلاَّ مَا ىُوَ خَطَأٌ فِيهَا. مِنػْهَا قػَوْلُوُ { :إف الَّذِينَ آمَنُو ا وَالَّذِينَ ىَادُوا}الآْيػَتَافِ، فػَهُوَ سُبْحَانَوُ وَصَفَ أَىْلَ السَّعَادَةِ مِنْ الأَْوَّلِينَ والآخرين وَىُوَ الَّذِي يَدُؿ عَلَيْوِ اللَّفْظُ وَيػُعْرَؼُ بِوِ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ تػَنَاقُضٍ وَمُنَاسِبَةٍ لِمَا قػَبْلهَا وَلِمَا بػَعْدَىَا وَىُوَ الْ مَعْرُوؼُ عِنْدَ السَّلَفِ وَيَدُؿ عَلَيْوِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ سَبَبِ نػُزُولِهَا بِالأَْسَانِيدِ الثَّابِتَةِ عَنْ سُفْيَافَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاىِدٍ {قَاؿَ سَلْمَافُ : سَأَلْت النَّبِيَّ عَنْ أَىْلِ دِينٍ كُنْت مَعَهُمْ فَذَكَرَ مِنْ عِ بَادَتِهِمْ فػَنػَزَلَتْ الآْيَةُ }وَلَمْ يَذْكُرْ فِيوِ أَنػَّهُمْ مِنْ أَىْلِ النَّارِ كَمَا رُوِيَ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ وَىَذَا ىُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي مُسْلِمٍ {إ بػَقَايَا مِنْ أَىْلِ الْكِتَابِ }وَالنَّبِي لَمْ يَكُنْ يُجِيبُ بِمَا لاَ عِ لْمَ عِنْدِهِ وَقَدْ ثػَبَتَ أَنَّوُ أَثػْنَى عَلَى مَنْ مَاتَ فِي الْفَتػْرَةِ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ خِلاَفًا عَنْ السَّلَفِ؛ لَكِنْ ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ أَنػْزَؿَ اللَّوُ {وَمَنْ يػَبْتَغِ غَيػْرَ الإِْ سْلاَـِ دِينًا}الآْيَةَ وَمُرَادُهُ أَفَّ اللَّوَ يػُبػَيِّنُ أَنَّوُ لاَ يػَقْبَلُ إلاَّ الإِْسْلاَـَ مِنْ الأَْوَّلِينَ والآخرين وَكَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ يُرِيدُ بِلَفْظِ النَّسْخِ رَفْعَ مَا يُظَن أَفَّ الآْيَةَ دَالَّةٌ عَلَيْوِ؛ فَإِفَّ مِنْ الْمَعْلُ وـِ أَفَّ مَنْ كَذَّبَ رَسُولاً وَاحِدًا فػَهُوَ كَافِرٌ فَلاَ يػَتػَنَاوَلُوُ قػَوْلُوُ { :مَنْ آمَنَ بِاللَّوِ }إلَخْ. وَظَنَّ بػَعْضُ النَّاسِ : أَفَّ الآْيَةَ فِيمَنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ خَاصَّةً فػَغَلِطُوا ثُمَّ افػْتػَرَقُوا عَلَى أَقػْوَاؿٍ مُتػَنَاقِ ضَةٍ . قاؿ شيخ الإسلاـ في الجواب الصحيح(ٖ\ٕٕٔ-ٖٕٔ): وإنما معنى الآية أف المؤمنين بمحمد ، والذين ىادوا الذين اتبعوا موسى عليو السلاـ، وىم الذين كانوا على شرعو قبل النسخ والتبديل، والنصارى الذين اتبعوا المسيح عليو السلاـ وىم الذين كانوا على شريعتو قبل النسخ والتبديل. والصابئين و ىم الصابئوف الحنفاء، كالذين كانوا من العرب وغيرىم على دين إبراىيم وإسماعيل وإسحاؽ قبل التبديل والنسخ. وقاؿ في الصابئة: فَإِفَّ الصَّابِئِينَ كَأَىْلِ الْكِتَابِ تَارَةً يَجْعَلُهُمْ اللَّوُ قِسْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَتَارَةً يَجْعَلُهُمْ اللَّوُ قَسِيمً ا لَهُمْ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَىْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنػْفَكِّينَ {}إف الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَىْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ }وَكَذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ الْمِلَلَ السِّتَّ فِي الْحَ جِّ فػَقَاؿَ { :إف الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ ىَادُوا}الآْيَةَ وَقَاؿَ تػَعَالَى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَىُمْ وَرُىْبَانػَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُوفِ اللَّوِ }الآْيَةَ وَىَذَا بػَعْدَ قػَوْلِوِ { :وَقَالَتِ الْيػَهُودُ عُزَيػْرٌ ابْنُ اللَّوِ وَقَالَتِ

عدد الصفحات ٣١٧

تػَعَالَى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَىُمْ وَرُىْبَانػَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُوفِ اللَّوِ }الآْيَةَ وَىَذَا بػَعْدَ قػَوْلِوِ { :وَقَالَتِ الْيػَهُودُ عُزَيػْرٌ ابْنُ اللَّوِ وَقَالَتِ النَّصَارَ ى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّوِ }إلَى قػَوْلِوِ { :وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُوفَ }وَقَاؿَ{ :لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إفَّ اللَّوَ ىُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ }فَإِذَا كَافَ الْيػَهُودُ وَالنَّصَارَى قَدْ يَكُونُوفَ مُشْرِكِينَ فَالصَّابِئُوفَ أَوْلَى وَ ذَلِكَ بػَعْدَ تػَبْدِيلِهِمْ فَحَيْثُ وُصِفُوا بِالشِّرْؾِ فػَبػَعْدَ التَّبْدِيلِ وَحَيْثُ جُعِلُوا غَيػْرَ مُشْرِكِينَ فَلأَِفَّ أَصْلَ دِينِهِمْ الصَّحِيحِ لَيْسَ فِيوِ شِرْؾٌ فَالشِّرْؾُ مُبْتَدَعٌ عِنْدَىُمْ؛ فػَيػَنْبَغِي التػَّفَط نُ لِهَذِهِ الْمَعَانِي.(ٔ) -ٔمجموع الفتاوى ( ٕٔ\ٕٓ-ٕٔ)

عدد الصفحات ٣١٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 316 - سورة البقرة الجزء الاول وقاؿ رحمو اللّو: فاف الصابئة نوعاف صابئة حنفاء موحدوف وصابئة مشركوف فالأولوف ىم الذين اثنى الله عليهم بقولو تعالى{ :إِف الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ ىَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّوِ وَالْيػَوْـِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فػَلَ هُمْ أَجْرُىُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْؼٌ عَلَيْهِمْ وَلا ىُمْ يَحْزَنُوفَ }فأثنى على من آمن بالله واليوـ الآخر وعمل صالحا من ىذه الملل الأربع المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين. فهؤلاء كانوا يدينوف بالتوراة قبل النسخ والتبديل وكذلك الذين دانوا بالإنجيل قبل النسخ والتبديل والصابئوف الذين كانوا قبل ىؤلاء كالمتبعين لملة إبراىيم إماـ الحنفاء قبل نزوؿ التوراة والإنجيل. وىذا بخلاؼ المجوس والمشركين فأنو ليس فيهم مؤمن فلهذا قاؿ الله تعالى{ :إِف الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ ىَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّ صَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِفَّ اللَّوَ يػَفْصِلُ بػَيػْنػَهُمْ يػَوْـَ الْقِيَامَةِ إِفَّ اللَّوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }فذكر الملل الست ىؤلاء وأخبر أنو يفصل بينهم يوـ القيمة لم يذكر في الست من كاف مؤمنا إنما ذكر ذلك في الأربعة فقط.(ٔ) وقاؿ رحمو اللّو: وأما الصابئوف الحنفاء فهم في الصابئين بمنزلة من كاف متبعا لشريعة التوراة والإنجيل قبل النسخ والتبديل من اليهود والنصارى وىؤلاء ممن حمدىم الله وأثنى عليهم وبعض الناس يقوؿ أف بقراط كاف من ىؤلاء. ووىب بن منبو من اعلم الناس بأخبار الأمم المتقدمة وقد روى ابن أبي حاتم بالإسناد الثابت أنو قيل لوىب بن منبو ما الصابئوف؟ قاؿ: "الذي يعرؼ الله وحده وليست لو شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرا" وكذلك روى عن الثوري عن ليث عن مجاىد قاؿ: "ىم قوـ من المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين" قاؿ: "وروى عن علماء نحو ذلك" أي ليس لهم شريعة مأخوذة عن نبي ولم يرد بذلك أنهم كفار فاف الله قد أثنى على بعضهم فهم متمسكوف بالإسلاـ المشترؾ وىو عبادة الله وحده وإيجاب الصدؽ والعدؿ وتحريم الفواحش والظلم ونحو ذلك مما اتفقت الرسل على إيجابو وتحريمو فاف ىذا دخل في الإسلاـ العاـ الذي لا يقبل الله دينا غيره وكذلك قاؿ عبد الرحمن بن زيد: "ىم قد يقولوف لا إلو إلا الله فقط وليس لهم كتاب ولا نبي". وىذا كما كانت العرب عليو قبل أف يبتدع عمرو بن لحي الشرؾ وعبادة الأوثاف فإنهم كانوا حنفاء يعبدوف الله وحده ويعظموف إبراىيم وإسماعيل ولم يكن لهم كتاب يقرؤو نو ويتبعوف شريعتو وكاف موسى قد بعث إلى بني إسراديل بشريعة التوراة وحج البيت العتيق ولم يبعث إلى العرب لا عدناف ولد إسماعيل ولا قحطاف والناس متفقوف على أف عدناف ولد اسماعيل وربيعة ومضر وأما قحطاف فقاؿ بعضهم: "ىم أيضا من ولد إسماعيل" والصحيح أنهم كانوا موجودين قبل إبراىيم بأرض اليمن ومنهم جرىم الذين سكنوا مكة ومنهم تعلم إسماعيل العربية. وأما من قاؿ من السلف: "الصابئوف فرقة من أىل الكتاب يقرؤوف الزبور" كما نقل ذلك عن أبي العالية والضحاؾ والسدي وجابر بن يزيد والربيع ابن انس فهؤلاء أرادوا من دخل في دين أىل الكتاب منهم وكذلك من قاؿ: "ىم -ٔالرد عمى المنطقيين (ٕٛٛ)

عدد الصفحات ٣١٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 317 - سورة البقرة الجزء الاول صنف من النصارى" كما يروى عن ابن عباس أنو قاؿ: "ىم صنف من النصارى وىم السادحوف المحلقة أوساط رؤوسهم فهؤلاء عرفوا منهم من دخل في أىل الكتاب". ومن قاؿ: "أنهم يعبدوف الملادكة" كما يروي عن الحسن قاؿ: "ىم قوـ يعبدوف الملادكة" وعن أبي جعفر الرازي قاؿ: "بلغني أف الصابئين قوـ يعبدوف الملادكة ويقرؤوف الزبور ويصلوف" فهذا أيضا صحيح وىم صنف منهم وىؤلاء كثير من الصابئين يعبدوف الروحانيات العلوية لكن ىؤلاء من المشركين منهم ليسوا من الحنفاء. وكذلك اختلاؼ الفقهاء في الصابئين ىل ىم من أىل الكتاب أـ لا؟ ويذكر فيو عن احمد روايتاف وكذلك قولاف للشافعي والذي عليو محققو الفقهاء أنهم صنفاف فمن داف بدين أىل الكتاب كاف منهم وإلا فلا. وقاؿ أبو الزناد: "الصابئوف قوـ مما يلي العراؽ وىم يؤمنوف بالنبيين كلهم ويصوموف من كل سنة ثلاثين يوما ويصلوف إلى الشمس كل يوـ خمس صلوات فهؤلاء الصابئة الذين أدركهم الإسلاـ وكانوا بأرض حراف والذين خبروىم عرفوا أنهم ليسوا من أىل الكتاب بل مشركوف يعبدوف الكواكب ولا يحل أكل ذبادحهم ولا نكاح نسادهم واف اظهروا الإيماف بالنبيين فهو من جنس إيماف الفلاسفة بالنبيين والفلاسفة الصابئوف من ىؤلاء. وأما قبوؿ الجزية منهم فهو على خلاؼ المشهور فمن قبلها من غير أىل الكتاب كما يقبل من المجوس قبلها من ىؤلاء وىذا مذىب مالك وأبي حنيفة واحمد في إحدى الروايتين ومن لم يقبلها إلا من أىل الكتاب لم يقبلها من ىؤلاء كما إذا لم يدخلوا في دين أىل الكتاب كما ىو قوؿ الشافعي واحمد في الرواية الأخرى عنو وكاف أبو سعيد الإصطخري أفتى بأف لا تقبل منهم الجزية ونازعو في ذلك جماعة من الفقهاء.(ٔ) وقاؿ رحمو اللّو في تقديم وتأخير الصابئة عن النصارى وبالعكس: قاؿ تعالى{ :إِف الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ ىَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّوِ وَالْيػَوْـِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فػَلَهُمْ أَجْرُىُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْؼٌ عَلَيْهِمْ وَلا ىُمْ يَحْزَنُوفَ }سورة البقرة ٕٙ) وفي الآية الأخرى{ :وَالصَّابِئُوفَ وَالنَّصَارَى}سورة الماددة ٜٙ) فإف النصارى أفضل من الصابئين فلما قدموا عليهم نصب لفظ الصابئوف ولكن الصابئوف أقدـ في الزماف فقدموا ىا ىنا لتقدـ زمنهم ورفع اللفظ ليكوف ذلك عطفا على المحل فإف المعطوؼ على المحل مرتبتو التأخير ليشعر أنهم مؤخروف في المرتبة وإف قدموا في الزمن واللفظ. (ٕ) قاؿ السعدي: وىذه طريقة القرآف إذا وقع في بعض النفوس عند سياؽ الآيات بعض الأوىاـ، فلا بد أف تجد ما يزيل ذلك الوىم، لأنو تنزيل من يعلم الأشياء قبل وجودىا، ومن رحمتو وسعت كل شيء. وذلك والله أعلم - أنو لما ذكر -ٔالرد عمى المنطقيين (ٗ٘ٗ-ٚ٘ٗ) ٕ- (قمت): في الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاىب والأحزاب المعاصرة: الصابئة المندائية ىي طائفة الصابئة الوحيدة الباقية إلى اليوم، والتي تعتبر يحيى عميو السلام نبياً ليا، يقدس أصحابيا الكواكب والنجوم ويعظمونيا ويعتبر الإتجاه نحو نجم القطب الشمالي وكذلك التعميد في المياه الجارية من أىم معالم ىذه الديانة التي يجيز أغمب فقياء المسممين أخذ الجزية من معتنقييا أسوة بالكتابيين من الييود والنصارى. وكانوا يقيمون في القد س، وبعد الميلاد طردوا من فمسطين فياجروا إلى مدينة حران فتأثروا ىناك بمن حوليم وتأثروا بعبادة الكواكب والنجوم من الصابئة الحرانيين، ومن حران ىاجروا إلى موطنيم الحالي جنوبي العراق و إيران ومايزالون فيو ويعرفون بصابئة البطائح.

عدد الصفحات ٣١٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 318 - سورة البقرة الجزء الاول بني إسراديل وذمهم، وذكر معاصيهم وقبادحهم، ربما وقع في بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذـ، فأراد الباري تعالى أف يبين من لم يلحقو الذـ منهم بوصفو، ولما كاف أيضا ذكر بني إسراديل خاصة يوىم الاختصاص بهم. ذكر تعالى حكما عاما يشمل الطوادف كلها، ليتضح الحق، ويزوؿ التوىم والإشكاؿ، فسبحاف من أودع في كتابو ما يبهر عقوؿ العالمين. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف الله سبحانو وتعالى لا يظلم أحدا، فكل من آمن بالله واليوـ الآخر، فإف لو أجره من أي صنف كاف.. ٕ- ثمرة الإيماف بالله، واليوـ الآخر. وىو حصوؿ الأجر، وانتفاء الخوؼ مما يستقبل، والحزف على ما مضى.. ٖ- أنو لا فرؽ في ذلك بين جنس وآخر؛ فالذين ىادوا، والنصارى، والصابئوف مثل المؤمنين إذا آمنوا بالله، واليوـ الآخر. وإف كاف المؤمنوف من ىذه الأمة يمتازوف على غيرىم بأنهم أكثر أجرا ... ٗ- عظم أجر الذين آمنوا، وعملوا الصالحات؛ وذلك في قولو تعالى{ :عند ربهم} ٘- أنو إذا ذكر الثناء بالشر على طادفة، وكاف منهم أىل خير فإنو ينبغي ذكر أولئك الذين اتصفوا بالخير حتى لا يكوف قدحا عاما؛ لأنو تعالى بعدما قاؿ{ :ذلك بأنهم كانوا يكفروف بآيات الله ويقتلوف النبيين بغير الحق[ }البقرة: ٔٙ]بين أف منهم من آمن بالله، واليوـ الآخر، وأف من آمن بالله واليوـ الآخر فلهم أجرىم عند ربهم، ولا خوؼ عليهم، ولا ىم يحزنوف.. وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفػَعْنَا فػَوْقَكُمُ الط ورَ خُذُوا مَا آتػَيػْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيوِ لَعَلَّكُمْ تػَتػَّقُوفَ (ٖٙ) ثُمَّ تػَوَلَّيْتُمْ مِنْ بػَعْدِ ذَلِكَ فػَلَوْلاَ فَ ضْلُ اللَّوِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُوُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (ٗٙ) قاؿ ابن العثيمين: ثم ذكر سبحانو وتعالى بني إسراديل بأمر أخذه عليهم، فقاؿ تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم} يعني اذكروا إذا أخذنا ميثاقكم؛ و "الميثاؽ": العهد الثقيل المؤكد؛ وسمي بذلك من الو ثاؽ. وىو الحبل الذي يشد بو المأسور، كما في قولو تعالى{ :فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموىم فشدوا الوثاؽ}محمد: ٗ) قولو تعالى{ :ورفعنا فوقكم} أي فوؽ رؤوسكم {الطور} ىو الجبل المعروؼ؛ رفعو الله. تبارؾ وتعالى. على بني إسراديل لما تهاونوا في طاعة الله سبحانو وتعالى إنذارا لهم، وقاؿ تعالى لهم: {خذوا ما آتيناكم بقوة}أي: اقبلوا ما أعطيناكم من التوراة. كما قاؿ تعالى{ :الذين آتيناىم الكتاب[ }البقرة: ٕٔٔ]واعملوا بو بقوة؛ والمراد بالػ "قوة"

عدد الصفحات ٣٢٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 319 - سورة البقرة الجزء الاول ىنا الحزـ، والتنفيذ؛ والتطبيق؛ وضده أف يأخذ الإنساف أخذا ضعيفا متساىلا على كسل؛ والباء في قولو تعالى: {بقوة} للمصاحبة؛ أي خذوا ىذا الكتاب. أي التوراة التي جاء بها موسى . أخذا مصحوبا بقوة، فلا تهملوا شيئا منو.. قولو تعالى{ :واذكروا ما فيو}أي اذكروا كل ما فيو، واعملوا بو؛ لأف {ما}اسم موصوؿ يفيد العموـ.. قولو تعالى{ :لعلكم تتقوف}لعل" للتعليل؛ أي لأجل أف تتقوا الله عز وجل. قاؿ الطبري: يعني: واذكروا ما فيما آتيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد، وترغيب وترىيب، فاتلوه، واعتبروا بو، وتدبروه إذا فعلتم ذلك، كي تتقوا وتخافوا عقابي، بإصراركم على ضلالكم فتنتهوا إلى طاعتي، وتنزعوا عما أنتم عليو من معصيتي. قاؿ ابن العثيمين: فالأخذ بهذا الميثاؽ الذي آتاىم الله على وجو القوة، وذكر ما فيو وتطبيقو يوجب التقوى؛ لأف الطاعات يجر بعضها بعضا، كما قاؿ تعالى{ :يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصياـ كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقوف[ }البقرة: ٖٛٔ]؛ فالطاعات يجر بعضها بعضا، لأف الطاعة إذا ذاؽ الإنساف طعمها نشط، وابتغى طاعة أخرى، ويتغذى قلبو؛ وكلما تغذى من ىذه الطاعة رغب في طاعة أخرى؛ وبالعكس المعاصي: فإنها توجب وحشة بين العبد وبين الله عز وجل، ونفورا، والمعاصي يجر بعضها بعضا؛ وسبق قولو تعالى{ :ذلك بأنهم كانوا يكفروف بآيات الله ويقتلوف النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدوف}[البقرة: ٔٙ]؛ ثم بعد ىذا الإنذار، وكوف الجبل فوقهم في ذلك الوقت خضعوا، وخشعوا، قاؿ الله تعالى{ :وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنو ظلة وظنوا أنو واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة[ }الأعراؼ: ٔٚٔ]؛ ففي تلك الساعة ىرعوا إلى السجود؛ وسجدوا؛ ولكنهم مالوا في سجودىم ينظروف إلى الجبل خادفين منو؛ ولهذا يقاؿ: إف سجود اليهود إلى الآف سجود مادل كأنما ينظروف إلى شيء فوقهم؛ وقالوا: إف ىذا السجود سجدناه لله سبحانو وتعالى لإزالة الشدة؛ فلا نزاؿ نسجد بو؛ فهذا سجودىم إلى اليوـ.. قولو تعالى{ :ثم توليتم} أي أعرضتم وأدبرتم عن طاعة الله سبحانو وتعالى {من بعد ذلك} :المشار إليو: رفع الجبل في قولو تعالى{ :ورفعنا فوقكم الطور}؛ والمعنى: بعد ىذه الإنابة وقت رفع الطور توليتم، ولم تذكروىا؛ ما ذكرتم أف الذي خوفكم بهذا الجبل قد يعيد عليكم ذلك مرة أخرى.. قولو تعالى{ :فلو فضل الله عليكم ورحمتو } بإرساؿ الرسل، وبياف السبل، وغير ذلك فػ "الفضل" بمعنى التفضل؛ و "لولا" حرؼ امتناع لوجود؛ و "فضل" مبتدأ، وخبره محذوؼ، كما قاؿ ابن مالك:. (وبعد لولا غالبا حذؼ الخبر حتم وفي نص يمين ذا استقر) والتقدير: فلولا فضل الله عليكم موجود.. قاؿ الطبري: فلولا أف الله تفضل عليكم بالتوبة بعد نكثكم الميثاؽ الذي واثقتموه - إذ رفع فوقكم الطور - بأنكم تجتهدوف في طاعتو، وأداء فرادضو، والقياـ بما أمركم بو، والانتهاء عما نهاكم عنو في الكتاب الذي آتاكم، فأنعم

عدد الصفحات ٣٢١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 321 - سورة البقرة الجزء الاول عليكم بالإسلاـ ورحمتو التي رحمكم بها - وتجاوز عنكم خطيئتكم التي ركبتموىا - بمراجعتكم طاعة ربكم لكنتم من الخاسرين. وىذا، وإف كاف خطابا لمن كاف بين ظهراني مهاجر رسوؿ الله من أىل الكتاب أياـ رسوؿ الله ، فإنما ىو خبر عن أسلافهم، فأخرج الخبر مخرج المخبر عنهم - على نحو ما قد بينا فيما مضى، من أف القبيلة من العرب تخاطب القبيلة عند الفخار أو غيره، بما مضى من فعل أسلاؼ المخاطِب بأسلاؼ المخاطَب، فتضيف فعل أسلاؼ المخاطِب إلى نفسها، فتقوؿ: فعلنا بكم، وفعلنا بكم. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :لكنتم من الخاسرين} : اللاـ واقعة في جواب "لولا".. وقولو تعالى{ :الخاسرين} أي الذين خسروا الدنيا، والآخرة، فلم يربحوا منهما بشيء؛ لأف أخسر الناس ىم الكفار؛ فلا ىم استفادوا من دنياىم، ولا من آخرتهم.. قاؿ الطبري: فلولا فضل الله عليكم ورحمتو إياكم - بإنقاذه إياكم بالتوبة عليكم من خطيئتكم وجرمكم - لكنتم الباخسين أنفسكم حظوظها دادما، الهالكين بما اجترمتم من نقض ميثاقكم، وخلافكم أمره وطاعتو. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيتين:ٔ- تذكير الله. تبارؾ وتعالى. لبني إسراديل بما أخذ عليهم من عهد؛ لقولو تعالى{ :وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور}؛ وىذا التذكير مقتضاه الإلزاـ. أي فالتزموا بالميثاؽ.. ٕ- عتو بني إسراديل، حيث لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور كأنو ظلة، وظنوا أنو واقع بهم؛ فحينئذ آمنوا؛ وىذا الإيماف في الحقيقة يشبو إيماف المكره الذي قيل لو: إما أف تؤمن؛ أو تقتل.. ٖ- بياف قوة الله عز وجل، وقدرتو؛ لقولو تعالى{ :ورفعنا فوقكم الطور}؛ وقد قاؿ الله تعالى في آية أخرى{ :وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنو ظلة[ }الأعراؼ: ٔٚٔ]؛ فلا أحد من الخلق يستطيع أف يحمل ذلك الجبل، ويجعلو ظلة لا يسقط عليهم إلا الله عز وجل؛ فالأحجار العظيمة الثقيلة الكبيرة أمسكها الله تعالى بقدرتو.. ٗ- أف الواجب على أىل الملة أف يأخذوا كتابهم بقوة لا بضعف، ولين، ومداىنة؛ بل لابد من قوة في التطبيق، والدعوة؛ التطبيق على أنفسهم؛ ودعوة غيرىم إلى ذلك بدوف فتور، ولا تراخ على حد قولو تعالى{ :ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي ىي أحسن[ }النمل: ٕ٘ٔ]؛ لأنو لا يتم الأمر إلا بهذا ... ٘- أف الأخذ بالكتاب المنزؿ يوجب التقوى؛ لقولو تعالى{ :لعلكم تتقوف}أي لأجل أف تكونوا من المتقين لله عز وجل..

عدد الصفحات ٣٢٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 321 - سورة البقرة الجزء الاول ٙ- لؤـ بني إسراديل؛ لأنهم بعد أف رجع الجبل إلى مكانو تولوا، كما قاؿ تعالى{ :ثم توليتم من بعد ذلك}؛ وىذا من اللؤـ؛ لأف من الواجب أف يذكروا رفع الجبل فوقهم حتى يستقيموا، ويستمروا على الأخذ بقوة؛ لكنهم تولوا من بعد ما رأوا الآيات.. ٚ- بياف فضل الله سبحانو وتعالى على بني إسراديل؛ لقولو تعالى: ( فلولا فضل الله عليكم ورحمتو لكنتم من الخاسرين) . ٛ- أف الإنساف لا يستقل بنفسو في التوفيق؛ لقولو تعالى: (فلولا فضل الله عليكم ورحمتو ) . ٜ- إثبات فضل الله تعالى على بني إسراديل بما أعطاىم من الآيات الكونية، والشرعية.. ٓٔ-إثبات الأسباب، وربطها بمسبباتها؛ لقولو تعالى{ :فلو فضل الله عليكم ورحمتو لكنتم من الخاسرين}؛ فهذا صريح في إثبات الأسباب، وتأثيرىا في مسبباتها.. وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فػَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٘ٙ) فَجَعَلْنَاىَا نَكَالاً لِمَا بػَيْنَ يَدَيػْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (ٙٙ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ولقد} اللاـ موطئة للقسم؛ وعلى ىذا فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وىي: القسم المقدر، واللاـ، و "قد"؛ والتقدير: والله لقد؛ و {علمتم} :الخطاب لبني إسراديل؛ أي علمتم علم اليقين، وعرفتم معرفة تامة {الذين اعتدوا منكم}أي تجاوزوا الحدود، وطغوا منكم.. قولو تعالى {في السبت} أي في الحكم الذي حكم الله بو عليهم يوـ السبت؛ وذلك أف الله حرـ عليهم العمل والصيد في ذلك اليوـ ليتفرغوا للعبادة؛ فابتلاىم بكثرة الحيتاف يوـ السبت حتى تكوف فوؽ الماء شرعا، ثم لا يرونها بعد ذلك؛ فتحيلوا على صيدىا بحيلة، حيث وضعوا شباكا يوـ الجمعة، فتدخل فيو الحيتاف إذا جاءت يوـ السبت، ثم يأخذونها يوـ الأحد، ويقولوف: نحن لم نصدىا يوـ السبت، فقاؿ لهم الله تعالى: {كونوا قردة خاسئين}أي ذليلين، فصاروا كذلك.. قاؿ الطبري: وىذه الآية وآيات بعدىا تتلوىا، مما عدد جل ثناؤه فيها على بني إسراديل - الذين كانوا بين خلاؿ دور الأنصار زماف النبي ، الذين ابتدأ بذكرىم في أوؿ ىذه السورة من نكث أسلافهم عهد الله وميثاقو - (ٔ) ما كانوا يبرموف من العقود، وحذر المخاطبين بها أف يحل بهم - بإصرارىم على كفرىم، ومقامهم على جحود نبوة ٔ- سياق عبارتو: مما عدد الله عمى بني إسرائيل . . . ما كانوا يبرمون من العقود"، وما بينيما فصل بصفة "بني إسرائيل ".

عدد الصفحات ٣٢٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 322 - سورة البقرة الجزء الاول محمد ، وتركهم اتباعو والتصديق بما جاءىم بو من عند ربو - مثل الذي حل بأوادلهم من المسخ والرجف و الصعق، وما لا قبل لهم بو من غضب الله وسخطو. (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت) يقوؿ: ولقد عرفتم. وىذا تحذير لهم من المعصية. يقوؿ: احذروا أف يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت، إذ عصوني، اعتدوا - يقوؿ: اجترؤوا - في السبت. قاؿ: قاؿ ابن عباس: إف الله إنما افترض على بني إسراديل اليوـ الذي افترض عليكم في عيدكم -يوـ الجمعة-. فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا بو. فلما أبوا إلا لزوـ السبت، ابتلاىم الله فيو، فحرـ عليهم ما أحل لهم في غيره. وكانوا في قرية بين أيلو والطور يقاؿ لها "مدين". فحرـ الله عليهم في السبت الحيتاف: صيدىا وأكلها. وكانوا إذا كاف يوـ السبت أقبلت إليهم شرعا إلى ساحل بحرىم، حتى إذا ذىب السبت ذىبن، فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا. حتى إذا كاف يوـ السبت أتين إليهم شرعا، حتى إذا ذىب السبت ذىبن. فكانوا كذلك، حتى إذا طاؿ عليهم الأمد وقَرِموا إلى الحيتاف، (ٔ) عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرا يوـ السبت، فخزمو بخيط، ثم أرسلو في الماء، وأوتد لو وتدا في الساحل فأوثقو، ثم تركو . حتى إذا كاف الغد، جاء فأخذه - أي: إني لم آخذه في يوـ السبت - ثم انطلق بو فأكلو. حتى إذا كاف يوـ السبت الآخر، عاد لمثل ذلك، ووجد الناس ريح الحيتاف، فقاؿ أىل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتاف! ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل . قاؿ: ففعلوا كما فعل، وأكلوا سرا زمانا طويلا لم يعجل الله عليهم بعقوبة، حتى صادوىا علانية وباعوىا بالأسواؽ. وقالت طادفة منهم من أىل البقيّة: ويحكم! اتقوا الله! ونهوىم عما كانوا يصنعوف. وقالت طادفة أخرى لم تأكل الحيتاف، ولم تنو القوـ عما صنعوا: (لِمَ تَعِظُوفَ قػَوْمًا اللَّوُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبػُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يػَتػَّقُوف) لسخطنا أعمالهم - (وَلَعَلَّ هُمْ يػَتػَّقُوف[ )الأعراؼ: ٗٙٔ]، قاؿ ابن عباس: فبينما ىم على ذلك، أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدىم، وفقدوا الناس فلا يرونهم. فقاؿ بعضهم لبعض: إف للناس لشأنا! فانظروا ما ىو! فذىبوا ينظروف في دورىم، فوجدوىا مغلقة عليهم، قد دخلوا ليلا فغلقوىا على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم، فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفوف الرجل بعينو وإنو لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينو وإنو لقرد. قاؿ: يقوؿ ابن عباس: فلولا ما ذكر الله أنو أنجى الذين نهوا عن السوء، لقلنا أىلك الجميع منهم. قالوا: وىي القرية التي قاؿ الله لمحمد : (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ) الآية [الأعراؼ: ٖٙٔ] قولو تعالى{ :فػَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } (فقلنا لهم) أي: فقلنا للذين اعتدوا في السبت - يعني في يوـ السبت. وأصل "السبت" الهدوء والسكو ف في راحة ودعة، ولذلك قيل للنادم "مسبوت" لهدوّه وسكوف جسده واستراحتو، كما قاؿ جل ثناؤه: (وَجَعَلْنَا نػَوْمَكُمْ سُبَاتًا[ )النبأ: ٜ]أي راحة لأجسادكم . وىو مصدر من قوؿ القادل: "سبت فلاف يسبت سبتا". -ٔ القرم: شدة الشيوة إلى المحم، قرم يقرم (بفتح الراء ) قرما (بفتحتين)

عدد الصفحات ٣٢٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 323 - سورة البقرة الجزء الاول وقولو: (كونوا قردة خاسئين) ، أي: صيروا كذلك. و"الخاسئ" المبعد المطرود، كما يخسأ الكلب يقاؿ منو: "خسأتو أخسؤه خسأ وخسوءا، وىو يخسأ خسوءا". قاؿ: ويقاؿ: "خسأتو فخسأ وانخسأ". ومنو قوؿ الراجز: كالكلب إف قلت لو اخسأ انخسأ يعني: إف طردتو انطرد ذليلا صاغرا. فكذلك معنى قولو: (كونوا قردة خاسئين) أي، مبعدين من الخير أذلاء صغراء. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :فجعلناىا} أي صيرناىا؛ واختلف المفسروف في مرجع الضمير المفعوؿ بو؛ فقيل: يعود على القرية؛ لقولو تعالى في سورة الأعراؼ{ :واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدوف في السبت}؛ فيكوف مرجع الضمير مفهوما من السياؽ؛ وقيل: يعود على العقوبة. أي فجعلنا العقوبة؛ لقولو تعالى{ :فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين * فجعلناىا نكالا}؛ فيكوف المعنى: فجعلنا ىذه العقوبة نكالا.. قولو تعالى{ :نكا} النكاؿ، والتنكيل أف يعاقب الإنساف بعقوبة تمنعو من الرجوع إلى ما عوقب عليو.. قولو تعالى{ :لما بين يديها وما خلفها} اختلف في مرجع الضمير "ىا"؛ فقيل: يرجع إلى القرية؛ فيكوف: {لما بين يديها}: ما قرب منها من القرى من أمامها؛ و {ما خلفها} :ما كاف من القرى من خلفها؛ لأف أىل القرى علموا بما نزؿ بها من العقوبة، فكاف ذلك نكالا لهم؛ وقيل: إف المراد بػ "ما بين يديها": ما يأتي بعدىا: "وما خلفها": ما سبقها؛ ولكن في ىذا إشكالا؛ لأف من سبقها قد مضى، فلا يكوف منتفعا، ولا ناكلا إلا أف يراد بما بين يديها" من عاصرىا، و "ما خلفها": من يأتي بعدىم، ويكوف "الخلف" ىنا بمعنى الأماـ، كما جاء "الوراء" بمعنى الأماـ في قولو تعالى{ :وكاف وراءىم ملك يأخذ كل سفينة غصبا[ }الكهف: ٜٚ] قولو تعالى{ :وموعظة للمتقين} أي موضع اتعاظ للذين يتقوف الله.. قاؿ السعدي: وجعل الله ىذه العقوبة {نكا لما بين يديها} أي: لمن حضرىا من الأمم، وبلغو خبرىا، ممن ىو في وقتهم. {وما خلفها} أي: من بعدىم، فتقوـ على العباد حجة الله، وليرتدعوا عن معاصيو، ولكنها لا تكوف موعظة نافعة إلا للمتقين، وأما من عداىم فلا ينتفعوف بالآيات. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيتين:ٔ- توبيخ اليهود الموجودين في عهد الرسوؿ على عدـ الإيماف بو؛ ووجو ذلك أنهم علموا ما حل بأسلافهم من النكاؿ بسبب المخالفة؛ فكاف عليهم أف يكوف ذلك موعظة لهم يرتدعوف بو عن معصية الله ورسولو.. ٕ- تحريم الحيل، وأف المتحيل على المحارـ لا يخرج عن العدواف؛ لقولو تعالى{ :الذين اعتدوا منكم في السبت}؛ بل الحيل على فعل محرـ أعظم إثما من إتياف المحرـ على وجو صريح؛ لأنو جمع بين المعصية، والخداع؛ ولهذا كاف

عدد الصفحات ٣٢٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 324 - سورة البقرة الجزء الاول المنافقوف أشد جرما وعداوة للمؤمنين من الكفار الصرحاء؛ قاؿ أيوب السختياني. رحمو الله. في المتحيلين: "إنهم يخادعوف الله كما يخادعوف الصبياف؛ ولو أتوا الأمر على وجهو لكاف أىوف"؛ وصدؽ رحمو الله؛ وللحيل مفاسد كثيرة. راجع إف شئت كتاب "إغاثة اللهفاف" لابن القيم. رحمو الله. وغيره.. وأنت إذا تأملت حيل اليهود في السبت، وحيلهم في بيع شحوـ الميتة وقد حرمت عليهم، ثم أذابوىا، وباعوىا، وأكلوا ثمنها؛ وتأملت حيل بعض المسلمين اليوـ على الربا وغيره. وجدت أف حيل بعض المسلمين اليوـ على ما ذكر أشد حيلة من حيل اليهود. ومع ذلك أحل الله بهم نقمتو، وقد نهانا عن ذلك رسوؿ الله ، فقاؿ: "لا تر تكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارـ الله بأدنى الحيل" (ٔ) ؛ فالمتحيل على المحرـ واقع فيو، ولا تنفعو الحيلة.. ٖ- بياف حكمة الله في مناسبة العقوبة للذنب؛ لأف عقوبة ىؤلاء المتحيلين أنهم مسخوا قردة خاسئين؛ والذنب الذي فعلوه أنهم فعلوا شيئا صورتو صورة المباح؛ ولكن حقيقتو غير مباح؛ فصورة القرد شبيهة بالآدمي، ولكنو ليس بآدمي؛ وىذا؛ لأف الجزاء من جنس العمل؛ ويدؿ لذلك أيضا قولو تعالى{ :فك أخذنا بذنبو[ }العنكبوت: ٓٗ] ٗ- بياف قدرة الله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :كونوا قردة خاسئين}؛ فكانوا في لحظة قردة.. ٘- إثبات القوؿ لله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} ٙ- أف الذين مسخوا قردة من ىذه القرية ىم الذين اعتدوا في السبت؛ وأما الذين نهوا عن السوء فقد نجوا؛ وأما الذين سكتوا عن المعتدين، ولم يشاركوىم فقد سكت الله عنهم؛ فنسكت عنهم ... ٚ- أف العقوبات فيها تنكيل لغير العامل؛ لقولو تعالى{ :فجعلناىا نكالا لما بين يديها وما خلفها}؛ ولهذا يقص الله علينا من نبأ المكذبين للرسل ما يكوف لنا فيو عبرة، كما قاؿ عز وجل{ :لقد كاف في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف: ٔٔٔ] ٛ- أف الحدود الشرعية نكاؿ للفاعل أف يعود مرة أخرى إلى ىذا الذنب، ولغير الفاعل.. ٜ- أف الذين ينتفعوف بمثل ىذه المواعظ ىم المتقوف.. ٓٔ- أف المواعظ قسماف: كونية، وشرعية؛ فالموعظة ىنا كونية قدرية؛ لأف الله أحل بهم العقوبة التي تكوف نكالا لما بين يديها، وما خلفها، وموعظة للمتقين؛ وأما الشرعية فمثل قولو تعالى{ :يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور[ }يونس: ٚ٘]؛ والمواعظ الكونية أشد تأثيرا لأصحاب القلوب القاسية؛ أما المواعظ الشرعية فهي أعظم تأثيرا في قلوب العارفين بالله اللينة قلوبهم؛ لأف انتفاع المؤمن بالشرادع أعظم من انتفاعو بالمقدورات.. -ٔقال ابن القيم[ :رواه أبو عبد الله ابن بطة: "حدثنا أحمد بن سلام حدثنا الحسن بن صباح حدثنا يزيد بن ىارون حدثنا محمد بن عمرو"، وىذا إسناد جيد يصحح مثمو الترمذي]أىـ. إغاثة الميفان ٔ/ٖٔ٘؛ عون المعبود مع شرح ابن القيم ٜ/ٖٓٗ.

عدد الصفحات ٣٢٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 325 - سورة البقرة الجزء الاول ٔٔ- أف الذين ينتفعوف بالمواعظ ىم المتقوف؛ وأما غير المتقي فإنو لا ينتفع لا بالمواعظ الكونية، ولا بالمواعظ الشرعية؛ قد ينتفع بالمواعظ الكونية اضطرارا، وإكراىا؛ وقد لا ينتفع؛ وقد يقوؿ: ىذه الأشياء ظواىر كونية طبيعية عادية، كما قاؿ تعالى{ :وإف يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوـ [ }الطور: ٗٗ]؛ وقد ينتفع، ويرجع إلى الله تعالى، كما قاؿ تعالى{ :فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين لو الدين فلما نجاىم إلى البر إذا ىم يشركوف [ }العنكبوت: ٘ٙ]، وقاؿ تعالى{ :وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين لو الدين فلما نجاىم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور[ }لقماف: ٕٖ]... ٕٔ- أف من فوادد التقوى. وما أكثر فواددىا. أف المتقي يتعظ بآيات الله سبحانو وتعالى الكونية، والشرعية.. وَإِذْ قَاؿَ مُوسَى لِقَوْمِوِ إِفَّ اللَّوَ يَأْمُرُكُمْ أَفْ تَذْبَحُوا بػَقَرَةً قَالُوا أَتػَتَّخِذُنَا ىُزُوًا قَاؿَ أَعُوذُ بِاللَّوِ أَفْ أَكُوفَ مِنَ الْجَاىِلِينَ (ٚٙ) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يػُ بػَيِّنْ لَنَا مَا ىِيَ قَاؿَ إِنَّوُ يػَقُوؿُ إِنػَّهَا بػَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَافٌ بػَيْنَ ذَلِكَ فَافػْعَلُوا مَا تػُؤْمَرُوفَ (ٛٙ) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يػُبػَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنػُهَا قَاؿَ إِنَّوُ يػَقُوؿُ إِنػَّهَا بػَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِ عٌ لَوْنػُهَا تَسُر النَّاظِرِينَ (ٜٙ) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يػُبػَيِّنْ لَنَا مَا ىِيَ إِفَّ الْبػَقَرَ تَشَابَوَ عَلَيػْنَا وَإِنَّا إِفْ شَاءَ اللَّوُ لَمُهْتَدُوفَ (ٓٚ) قَاؿَ إِنَّوُ يػَقُوؿُ إِنػَّهَا بػَقَرَةٌ لاَ ذَلُوؿٌ تُثِيرُ الأَْرْضَ وَلاَ تَسْ قِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآْفَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوىَا وَمَا كَادُوا يػَفْعَلُوفَ (ٔٚ) وَإِذْ قػَتػَلْتُمْ نػَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّوُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُوفَ (ٕٚ) فػَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبػَعْضِهَا كَذَ لِكَ يُحْيِ اللَّوُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِوِ لَعَلَّكُمْ تػَعْقِلُوفَ (ٖٚ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وإذ قاؿ موسى لقومو} أي واذكروا يا بني إسراديل إذ قاؿ موسى لقومو، وإضافة "القوـ" إليو لبياف أنو عليو الصلاة والسلاـ لا يمكن أف يقوؿ لهم إلا ما فيو خير؛ لأف الإنساف سوؼ ينصح لقومو أكثر مما ينصح لغيرىم.. قولو تعالى{ :إف الله يأمركم أف تذبحوا بقرة} قالها في جواب ذكره الله سبحانو وتعالى في أثناء القصة: {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتموف} [البقرة: ٕٚ]؛ فقد قتل منهم نفس فتخاصموا، وتدافعوا: كل يدعي أف ىؤلاء قتلوه؛ حتى كادت تثور الفتنة بينهم؛ ولا حاجة بنا إلى أف نعلل لماذا قتل؛ أو لأي غرض؛ ىذا ليس من الأمور التي تهمنا؛ لأف القرآف لم يتكلم بها؛ ولكن غاية ما يكوف أف نأخذ عن بني إسراديل ما لا يكوف فيو قدح في القرآف، أو تكذيب لو، فقالو ا: لا حاجة إلى أف نتقاتل، ويذىب بعضنا بعضا؛ نذىب إلى نبي الله

عدد الصفحات ٣٢٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 326 - سورة البقرة الجزء الاول موسى، ويخبرنا من الذي قتلو؛ فذىبوا إليو، فقاؿ لهم: {إف الله يأمركم أف تذبحوا بقرة} صدر الأمر من الله؛ لم يقل: آمركم، ولا قاؿ: اذبحوا؛ بل قاؿ{ :إف الله يأمركم أف تذبحوا بقرة}؛ ليكوف أعظم وقعا في نفوسهم، وأدعى إلى قبولو، وامتثالو.. وقولو {بقرة} : لم تعين بوصف؛ فلو ذبحوا أي بقرة كانت لكانوا ممتثلين؛ ولكنهم تعنتوا، وتشددوا فشدد الله عليهم. كما سيأتي.. قولو تعالى{ :أتتخذنا ىزوا}؛ {ىزوا} مصدر بمعنى اسم المفعوؿ؛ أي أتتخذنا مهزوءا بنا؛ ويجوز أف تكوف (ىزوا) على بابها؛ ويكوف المعنى: أتتخذنا ذوي ىزء؛ فحذؼ المضاؼ، وأقيم المضاؼ إليو مقامو؛ "والهزء" السخرية؛ وإنما قالوا ذلك لاستبعادىم أف يكوف ذبح البقرة سببا لزواؿ ما بينهم من المدارأة؛ والتعبير بقولهم: {أتتخذنا ىزوا} أبلغ من قوؿ "أتستهزئ بنا"؛ لأف الأولى تفيد أنهم جعلوا محل استهزاء. بخلاؼ الثانية فإنما تدؿ على حصوؿ الاستهزاء. ولو بمرة واحدة.. فأجابهم نبي الله بقولو: {أعوذ بالله أف أكوف من الجاىلين} أي أعتصم بالله أف أكوف من أولي الجهل فأتخذ عباد الله ىزوا؛ والمراد بػ "الجهل" ىنا السفو، كما في قولو تعالى{ :إنما التوبة على الله للذين يعملوف السوء بجهالة} [النساء: ٚٔ]أي بسفاىة{ .ثم يتوبوف من قريب[ }النساء: ٚٔ] قاؿ السعدي فإف الجاىل ىو الذي يتكلم بالكلاـ الذي لا فاددة فيو، وىو الذي يستهزئ بالناس، وأما العاقل فيرى أف من أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل، استهزاءه بمن ىو آدمي مثلو، وإف كاف قد فضل عليو، فتفضيلو يقتضي منو الشكر لربو، والرحمة لعباده. فلما قاؿ لهم موسى ذلك، علموا أف ذلك صدؽ فقالوا{ :ادع لنا ربك يبين لنا ما ىي} قاؿ ابن العثيمينقولو تعالى{ :قالوا ادع لنا ربك} سبق الكلاـ على نظيرىا؛ {يبين لنا ما ىي} ىذا الطلب ليس لو وجو؛ لأف اللفظ بين: فالبقرة معلومة، والمطلق ليس مجملا يحتاج إلى بياف. لوضوح معناه؛ فإذا قيل مثلا: "أكرـ رجلا "؛ فلا يحتاج أف تقوؿ: "ما صفة ىذا الرجل "؛ إذا أكرمت أي رجل حصل المقصود؛ فلو أنهم ذىبوا، وذبحوا أي بقرة، وامتثلوا ما أمرو بو لانتهى الأمر؛ ولكنهم تعنتوا.. قولو تعالى{ :قاؿ} أي موسى {إنو يقوؿ} أي الله عز وجل {إنها بقرة لا فارض ولا بكر}البكر" معروؼ: التي لم تلد، ولا قرعها الفحل، و "الفارض" تعرؼ بمقابلها، فإذا كانت "البكر" ىي التي لم يقرعها الفحل، فإف "الفارض" ىي المسنة الكبيرة؛ وىذا. أي تفسير الكلمة، أو معرفة معنى الكلمة بمعرفة ما يقابلها. لو نظير في القرآف، مثل قولو تعالى{ :فانفروا ثبات أو انفروا جميعا[ }النساء: ٔٚ]؛ فكلمة{ :ثبات}ىنا يتبين معناىا بما ذكر مقابلا لها. وىو قولو تعالى{ :أو انفروا جميعا}؛ فيكوف معناىا: متفرقين أفرادا..

عدد الصفحات ٣٢٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 327 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :عواف بين ذلك} أي وسط بين ذلك. أي بين كونها فارضا وبكرا؛ وفيو إشكاؿ على ىذا: لأنو إذا كاف المشار إليو اثنين وجب تثنية اسم الإشارة؛ واسم الإشارة ىنا مفرد مذكر؟ والجواب عنو أف يقاؿ: {بين ذلك} أي بين ذلك المذكور من الفارض والبكر. أي لا تكوف ىكذا، ولا ىكذا، ولكن عواف بين ذلك المذكور .. قولو{ :فافعلوا ما تؤمروف} ؛ ىذا الأمر من موسى؛ وليس من كلاـ الله عز وجل؛ فموسى يقوؿ لبني إسراديل: افعلوا ما تؤمروف بو من ذبح بقرة لا فارض، ولا بكر، ولا تتعنتوا فيشدد عليكم مرة ثانية؛ ولو أنهم امتثلوا، وذبحوا بقر ة عوانا بين ذلك لحصل المقصود؛ وكاف عليهم أف يفعلوا. وإف لم يأمرىم نبيهم بو؛ ولكنهم أىل عناد، وتعنت؛ ولهذا أمرىم أمرا ثانيا؛ ومع ذلك قالوا: {ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها} :كل ىذا من باب التعنت، والتشدد؛ و {ما لونها} يعني أي شيء لونها. بيضاء؛ سوداء؛ شهباء..؟ قولو تعالى{ :قاؿ} أي موسى {إنو يقوؿ} أي الله سبحانو وتعالى {إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين} شدد عليهم مرة أخرى في اللوف: أولا حيث قاؿ تعالى: {إنها بقرة صفراء}، فخرج بهذا ما عدا الصفرة من الألواف. وىذا نوع تضييق؛ ثانيا بكونها: {فاقع لونها} ؛ و "الفاقع" يعني الصافي؛ والمعنى: أنو ليس فيو ما يشوبو، ويخرجو عن الصفرة؛ وقيل: معنى {فاقع لونها}أي شديد الصفرة، وىو كلما كاف صافيا كاف أبين في كونو أصفر؛ ثالثا بكونها: {تسر الناظرين}يعني ليست صفرتها صفرة توجب الغم؛ أو صفرتها مستكرىة؛ بل ىي صفرة تجلب السرور لمن نظر إليها؛ فصار التضييق من ثلاثة أوجو: صفراء؛ والثاني: فاقع لونها؛ والثالث: تسر الناظرين.. قولو تعالى{ :قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ىي} :ىذا أيضا طلب ثالث؛ يقولوف: {ادع لنا ربك يبين لنا ما ىي} أي من حيث العمل؛ {إف البقر تشابو علينا} أي اشتبو علينا البقرة المطلوبة؛ وفي الحقيقة أنو ليس في ىذا اشتباه؛ إذ ذكر لهم أنها بقرة، وذكر لهم سنها؛ وذكر لهم لونها؛ فأين التشابو؟! لكن ىذا من عنادىم، وتعنتهم، وتباطئهم في تنفيذ أمر الله.. قولهم: {وإنا إف شاء الله لمهتدوف} :أكدوا الهداية ىنا بمؤكدين؛ وىما: "إف"، واللاـ؛ ومؤكد ثالث؛ وىو الجملة الاسمية؛ وىي أبلغ من الجملة الفعلية، وأخذوا على أنفسهم أنهم سيهتدوف؛ ولكنهم علقوا ذلك بمشيئة الله، قاؿ بعض السلف: "لو لم يقولوا: {إف شاء الله} لم يهتدوا إليها أبدا". وىذا فيما إذا كاف قصدىم تفويض الأمر إلى الله عز وجل؛ ويحتمل أف يكوف قصدىم أنهم لو لم يهتدوا لاحتجوا بالمشيئة، وقالوا: "إف الله لم يشأ أف نهتدي"! وما ىذا الاحتماؿ ببعيد عليهم.. فأجابهم على ىذا: {قاؿ} :أي موسى {إنو يقوؿ} أي الله عز وجل {إنها بقرة لا ذلوؿ تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها} :ىذا أيضا تشديد زيادة على ما سبق؛ و {ذلوؿ} على وزف فعوؿ؛ وىي المتذللة التي ذللت لصاحبها؛ و "والمذللة" ىي التي تثير الأرض للزرع؛ و {لا تسقي الحرث} أي لا يسنى عليها؛ فهي ليست سانية، ولا حارثة؛ و {مسلمة}أي من العيو ب؛ {لا شية فيها} أي ليس

عدد الصفحات ٣٢٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 328 - سورة البقرة الجزء الاول فيها لوف يخالف لونها؛ مأخوذ من وشي الثوب. وىو تلوينو بألواف مختلفة، مثل عدة مأخوذة من الوعد؛ إذا ىي صفراء ليس فيها سواد، ولا فيها بياض، ولا فيها أي لوف آخر؛ وىذا كلو من زيادة التشديد عليهم.. وبهذا التقرير نعرؼ أنو لا حاجة بنا إلى ما ذكره كثير من المفسرين من الإسراديليات من أف ىذه البقرة كانت عند رجل بار بأمو، وأنهم اشتروىا منو بملء مسكها ذىبا. يعني بملء جلدىا ذىبا؛ وىذا من الإسراديليات التي لا تصدؽ، ولا تكذب، ولكن ظاىر القرآف ىنا يدؿ على كذبها؛ إذ لو كاف واقعا لكاف نقلو من الأىمية بمكاف لما فيو من الحث على بر الوالدين حتى نعتبر؛ فالصواب أف نقوؿ في تفسير الآية ما قاؿ الله عز وجل، ولا نتعرض للأمور التي ذكرىا المفسروف ىنا من الحكايات.. قاؿ السعدي: واعلم أف كثيرا من المفسرين رحمهم الله، قد أكثروا في حشو تفاسيرىم من قصص بني إسراديل، ونزلوا عليها الآيات القرآنية، وجعلوىا تفسيرا لكتاب الله، محتجين بقولو : "حدثوا عن بني إسراديل ولا حرج " والذي أرى أنو وإف جاز نقل أحاديثهم على وجو تكوف مفردة غير مقرونة، ولا منزلة على كتاب الله، فإنو لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح عن رسوؿ الله ، وذلك أف مرتبتها كما قاؿ : "لا تصدقوا أىل الكتاب ولا تكذبوىم "فإذا كانت مرتبتها أف تكوف مشكوكا فيها، وكاف من المعلوـ بالضرورة من دين الإسلاـ أف القرآف يجب الإيماف بو والقطع بألفاظو ومعانيو، فلا يجوز أف تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة، التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرىا، معاني لكتاب الله، مقطوعا بها ولا يستريب بهذا أحد، ولكن بسبب الغفلة عن ىذا حصل ما حصل، والله الموفق. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :قالوا الآف جئت بالحق}؛ {الآف} اسم زماف يشار بو للوقت الحاضر؛ فمقتضى كلامهم أنو أولا أتى بالباطل، وقد صدروا ىذه القصة بقولهم {أتتخذنا ىزوا}؛ يعني الآف عرفنا أنك لست تستهزئ؛ وإنما أنت صادؽ؛ ىذا ىو المتبادر من الآية الكريمة، وليس بغريب على تعنتهم أف يقولوا مثل ىذا القوؿ؛ وقاؿ بعض المفسرين اتقاء لهذا المعنى البشع: إف المراد بقولهم: {بالحق} أي بالبياف التاـ. أي الآف بينت لنا أوصافها، فجعلوا "الحق" ىنا بمعنى البياف؛ ولكن الصواب أف "الحق" ىنا ضد الهزء، والباطل؛ يدؿ على ذلك أنهم صدروا ىذه القصة بقولهم: {أتتخذنا ىزوا} ؛ فبعد ىذه المناقشات مع موسى، والسؤالات، وطلب الله عز وجل قالوا: الآف جئت بالحق، وعرفنا أنك لست مستهزدا بنا؛ بل إنك جاد فيما تقوؿ.. قولو تعالى{ :فذبحوىا} أي بعد العثور عليها بأوصافها السابقة؛ {وما كادوا يفعلوف} أي ما قاربوا أف يفعلوا؛ وذلك بإيرادىم الطلب عن سنها، ولونها، وعملها، وىذا تباطؤ يبعدىم من الفعل؛ لكنهم فعلوا؛ لقولو تعالى: (فذبحوىا).

عدد الصفحات ٣٣٠