تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 298 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :نغفر لكم} بنوف مفتوحة، وفاء مكسورة؛ وفي قراءة{ :تغفر لكم}بتاء مضمومة، وفاء مفتوحة؛ وفي قراءة ثالثة{ :يغفر}بياء مضمومة وفاء مفتوحة؛ وكلها قراءات صحيحة؛ بأيها قرأت أجزأؾ.. وقولو تعالى{ :نغفر لكم خطاياكم} :"المغفرة" ىي ستر الذنب، والتجاوز عنو؛ ومعناه أف الله ستر ذنبك، ويتجاوز عنك، فلا يعاقبك؛ لأف "المغفرة" مأخوذة من المغفر. وىو ما يوقى بو الرأس في الحرب؛ لأنو يستر، ويقي؛ ومن فسر "المغفرة" بمجرد الستر فقد قصر؛ لأف الله تعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوـ القيامة، وقرره بذنوبو قاؿ: "قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرىا لك اليوـ" (ٔ) أي اليوـ أسترىا أيضا، ثم أتجاوز عنها؛ و {خطاياكم}جمع خطية، كػ"مطايا" جمع مطية؛ و "الخطية" ما يرتكبو الإنساف من المعاصي عن عمد؛ وأما ما يرتكبو عن غير عمد فيسمى "أخطاء"؛ ولهذا يفرؽ بين "مخطئ"، و"خاطئ"؛ الخاطئ ملوـ؛ والمخطئ معذور، كما قاؿ الله تعالى{ :لنسفعا بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة[ }العلق: ٘ٔ، ٙٔ]، وقاؿ تعالى{ :ربنا لا تؤاخذنا إف نسينا أو أخطأنا}البقرة: ٕٙٛ) قولو تعالى{ :وسنزيد} أي سنعطي زيادة على مغفرة الذنوب {المحسنين} أي الذين يقوموف بالإحساف، و "الإحساف" نوعاف:. الأوؿ: إحساف في عبادة الله؛ وقد فسره رسوؿ الله بقولو: "أف تعبد الله كأنك تراه؛ فإف لم تكن تراه فإنو يراؾ (ٕ) ".. والنوع الثاني: إحساف في معاملة الخلق وىو بذؿ المعروؼ، وكف الأذى.. قاؿ الطبري: فتأويل الآية: وإذ قلنا ادخلوا ىذه القرية مباحا لكم كل ما فيها من الطيبات، موسعا عليكم بغير حساب؛ وادخلوا الباب سجدا، وقولوا: سجودنا ىذا لله حطة من ربنا لذنوبنا يحط بو آثامنا، نتغمد لكم ذنوب المذنب منكم فنسترىا عليو، ونحط أوزاره عنو، وسنزيد المحسن منكم - إلى إحساننا السالف عنده - إحسانا. ثم أخبر الله جل ثناؤه عن عظيم جهالتهم، وسوء طاعتهم ربهم وعصيانهم لأنبيادهم، واستهزادهم برسلو، مع عظيم آلاء الله عز وجل عندىم، وعجادب ما أراىم من آياتو وعبره، موبخا بذلك أبناءىم الذين خوطبوا بهذه الآيات، ومعلمهم أنهم إف تعدوا (ٖ) في تكذيبهم محمدا ، وجحودىم نبوتو، مع عظيم إحساف الله بمبعثو فيهم إليهم، وعجادب ما -ٔ أخرجو البخاري صٕٜٔ، كتاب المظالم، بابٕ: قول الله تعالى: (ألا لعنة الله عمى الظالمين) ، حديث رقم ٕٔٗٗ؛ وأخرجو مسمم صٛ٘ٔٔ، كتاب التوبة، باب ٛ: في سعة رحمة الله تعالى عمى المؤمنين وفداء كل مسمم بكافر من النار، حديث رقم ٘ٔٓٚ [ٕ٘]ٕٛٙٚ. -ٕأخرجو البخاري صٙ، كتاب الإيمان، باب ٖٚ: سؤال جبريل النبي عن الإيمان ... ، حديث رقم ٓ٘؛ وأخرجو مسمم صٔٛٙ، كتاب الإيمان، باب ٔ: بيان الإيمان والإسلام ... ، حديث رقم ٖٜ [ٔ]ٛ. -ٖ سياق الجممة: ". . إن تعدوا. . أن يكونوا"، و"إن" ىنا، نافية بمعنى"ما"، كالتي في قولو: "قل إن أدري أقريب ما توعدون"، وقولو: "إن أدري لعمو فتنة لكم".
عدد الصفحات ٣٠٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 299 - سورة البقرة الجزء الاول أظهر على يده من الحجج بين أظهرىم - أف يكونوا كأسلافهم الذين وصف صفتهم، وقص علينا أنباءىم في ىذه الآيات، فقاؿ جل ثناؤه: (فبدؿ الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء) الآية. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :فبدؿ الذين ظلموا} أي فاختار الذين ظلموا منهم على وجو التبديل، والمخالفة {قو غير الذي قيل لهم} وذلك أنهم قالوا: "حنطة في شعيرة" بدلا عن قولهم: "حطة".. وفي قولو تعالى{ :فبدؿ الذين ظلموا} إظهار في موضع الإضمار؛ ومقتضى السياؽ أف يكوف بلفظ: فبدلوا قولا.. إلخ، وللإظهار في موضع الإضمار فوادد من أىمها:. أولا: تحقيق اتصاؼ محل المضمر بهذا الوصف؛ معنى ذلك: الحكم على ىؤلاء بالظلم.. ثانيا: أف ىذا مقياس لغيرىم أيضا؛ فكل من بدؿ القوؿ الذي قيل لو فهو ظالم؛ فيؤخذ منو تعميم الحكم بعموـ علة الوصف.. ثالثا: التنبيو أعني تنبيو المخاطب؛ لأنو إذا جاء الكلاـ على خلاؼ السياؽ انتبو المخاطب.. قاؿ ابن كثير: قَاؿَ الْبُخَارِي : عَنْ أَبِي ىُرَيػْرَةَ، ، عَنِ النَّبِيِّ قَاؿَ : "قِيلَ لِبَنِي إِسْرَادِيلَ { :ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ }فَدَخَلُوا يػَزْحَفُوفَ عَلَى اسْتَاىِهِمْ، فػَبَدَّلُوا وَقَالُوا: حِطَّةٌ : حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ " (ٔ) . وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُوفَ وَمَا دَؿَّ عَلَيْوِ السِّيَاؽُ أَنػَّهُمْ بَدَّلُوا أَمْرَ اللَّوِ لَهُمْ مِنَ الْخُضُوعِ بِالْقَوْؿِ وَالْفِعْلِ، فَأُمِرُوا أَفْ يَدْخُلُوا سُجَّدًا، فَدَخَلُوا يػَزْحَفُوفَ عَلَى اسْتَاىِهِمْ مِنْ قِبَلِ اسْتَاىِهِمْ رَافِعِي رُؤُوسِهِمْ، وَأُمِرُوا أَفْ يػَقُولُوا: حِطَّةٌ، أَيِ : احْطُطْ عَنَّا ذُنُوبػَنَا، فاستهزدوا فػَقَالُوا: حِنْطَةٌ فِي شَعْرَةٍ . وَىَذَا فِي غَايَةِ مَا يَكُوفُ مِنَ الْمُ خَالَفَةِ وَالْمُعَانَدَةِ؛ وَلِهَذَا أَنػْزَؿَ اللَّوُ بِهِمْ بَأْسَوُ وَعَذَابَوُ بِفِسْقِهِمْ، وَىُوَ خُرُوجُهُمْ عَنْ طَاعَتِوِ؛ وَلِهَذَا قَاؿَ { :فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يػَفْسُقُوفَ } . قاؿ ابن العثيمين {فأنزلنا} الفاء للسببية؛ والمعنى: فبسبب ما حصل منهم من التبديل أنزلنا {على الذين ظلموا} أي عليهم؛ {رجزا } أي عذابا؛ لقولو تعالى{ :لئن كشفت عنا الرجز [ }الأعراؼ: ٖٗٔ] أي العذاب. {لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسراديل[ }الأعراؼ: ٖٗٔ]، والعذاب غير الرجس؛ لأف الرجس النجس القذر؛ والرجز : العذاب، {من السماء} أي من فوقهم، كالحجارة، والصواعق، والبرد، والريح، وغيرىا؛ والمراد بػ {السماء} ىنا العلو، ولا يلزـ أف يكوف المراد بها السماء المحفوظة؛ لأف كل ما علا فهو سماء ما لم يوجد قرينة كما في قولو تعالى{ :وجعلنا السماء سقفا محفوظا وىم عن آياتها معرضوف[ }الأنبياء: ٖ] قاؿ ابن كثير عَنْ أَ سامة بن زَيْدٍ، ، قَاؿُ : قَاؿَ رَسُوؿُ اللَّوِ : "الطَّاعُوفُ رجْز عَذَابٌ عُذِّب بِوِ من كاف قبَ لكمْ " (ٕ) . ٔ- صحيح: البخاري (ٖٖٓٗ)، مسمم(ٖ٘ٔٓ) ٕ- صحيح البخاري (ٖٖٚٗ)، مسمم(ٕٕٛٔ)
عدد الصفحات ٣٠١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 311 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري: حدثني يونس بن عبد الأعلى قاؿ، أخبرنا ابن وىب قاؿ، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قاؿ، أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أسامة بن زيد، عن رسوؿ الله قاؿ: "إف ىذا الوجع -أو السقم- رجز عذب لو بعض الأمم قبلكم". (ٔ) وحدثني أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة قاؿ، حدثنا عمر بن حفص قاؿ، حدثنا أبي، عن الشيباني، عن رياح بن عبيدة، عن عامر بن سعد قاؿ: شهدت أسامة بن زيد عند سعد بن مالك يقوؿ: قاؿ رسوؿ الله : إف الطاعوف رجز أنزؿ على من كاف قبلكم - أو على بني إسراديل. (ٕ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :بما كانوا يفسقوف}: الباء ىنا للسببية. أي بسبب؛ و "ما" مصدرية. أي بكونهم فسقوا؛ وإذا كانت مصدرية فإنو يحوؿ ما بعدىا من الفعل، أو الجملة إلى مصدر؛ و {كانوا} :ىل المراد فيما مضى؛ أـ المراد تحقيق اتصافهم بذلك؟ الجواب: الثاني؛ وىذا يأتي في القرآف كثيرا؛ و {يفسقوف} أي يخرجوف عن طاعة الله عز وجل.. (الفوادد) ٔ- إثبات القوؿ لله عز وجل؛ لقولو تعالى{ :وإذ قلنا ادخلوا}؛ وىو قوؿ حقيقي بصوت، وبحرؼ؛ لكن صوتو سبحانو وتعالى لا يشبهو صوت من أصوات المخلوقين؛ ولا يمكن للإنساف أف يدرؾ ىذا الصوت؛ لقولو تعالى{ :و يحيطوف بو علما[ }طو: ٓٔٔ]؛ وىكذا جميع صفات الله عز وجل لا يمكن إدراؾ حقادقها.. ٕ- وعد الله لهم بدخولها؛ ويؤخذ ىذا الوعد من الأمر بالدخوؿ؛ فكأنو يقوؿ: فتحنا لكم الأبواب فادخلوا ... ٖ- جواز أكل بني إسراديل من ىذه القرية التي فتحوىا؛ فإف قاؿ قادل: أليس حل الغنادم من خصادص ىذه الأمة. أي أمة محمد ؟ فالجواب: بلى، والإذف لبني إسراديل أف يأكلوا من القرية التي دخلوىا ليس على سبيل التمليك؛ بل ىو على سبيل الإباحة؛ وأما حل الغنادم لهذه الأمة فهو على سبيل التمليك.. -ٔ الحديث: ٖٙٓٔ - إسناده صحيح. وقد ذكره ابن كثير ٔ: ٕٛٔ، وقال: "وىذا الحديث أصمو مخرج في الصحيحين، من حديث الزىري، ومن حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم أبي النضر - عن عامر بن سعد، بنحوه". ورواه أحمد في المسند، من طريق الزىري (٘: ٕٚٓ - ٕٛٓ حمبي) . ورواية أيضًا (٘: ٜٕٓ) ، من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن إبراىيم بن سعد، عن أسامة بن زيد، مطولا . ٕ- الحديث ٖٚٓٔ - وىذا إسناد آخر صحيح، لمحديث السابق. أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة: ىو"إبراىيم بن عبد الله بن محمد"، وىو ثقة، روى عنو أيضًا النسائي وأبو زرعة وأبو حاتم، مترجم في التيذيب، وابن أبي حاتم ٔ /ٔ/ ٓٔٔ. عمر بن حفص بن غياث: ثقة، روى عنو البخاري ومسمم في الصحيحين. أبوه حفص بن غياث: ثقة مأمون، معروف، أخرج لو الجماعة. الشيباني: ىو أبو إسحاق، سميمان بن أبي سميمان، ثقة حجة. رياح بن عبيدة: ىو بكسر الراء وفتح الياء التحتية المخففة، ووقع في المطبوعة"رباح" بالوحدة، وىو تصحيف. و"عبيدة" بفتح العين وكسر الباء الموحدة، ورياح ىذا بصري ثقة، وثقو ابن معين وأبو زرعة، وىو مترجم في التيذيب ٖ: ٜٜٕ - ٖٓٓ، والكبير لمبخاري ٕ / ٔ /ٖٓٓ، وابن أبي حاتم ٔ / ٕ /ٔٔ٘، والمشتبو لمذىبي، ص: ٕٕٔ. وىو غير"رياح بن عبيدة السممى الكوفي"، فرق بينيما المزى في التيذيب. والذىبي في المشتبو. وأنكر الحافظ ابن حجر ذلك عمى المزى، ولكنو تبع الذىبي في تبصير المنتبو، ولم يعقب عميو، وىو الصواب، إن شاء الله.
عدد الصفحات ٣٠٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 311 - سورة البقرة الجزء الاول ٗ- أنو يجب على من نصره الله، وفتح لو البلاد أف يدخلها على وجو الخضوع، والشكر لله؛ لقولو تعالى{ :وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة}؛ ولهذا لما فتح النبي مكة دخلها مطأطئا رأسو (ٔ) يقرأ قوؿ الله تعالى{ :إنا فتحنا لك فتحا مبينا[ }الفتح: ٔ] ٘- لؤـ بني إسراديل، ومضادتهم لله، ورسلو؛ لأنهم لم يدخلوا الباب سجدا؛ بل دخلوا يزحفوف على أستاىهم على الوراء استكبارا واستهزاء.. ٙ- بياف قبح التحريف سواء كاف لفظيا، أو معنويا؛ لأنو يغير المعنى المراد بالنصوص.. ٚ- أف الجهاد مع الخضوع لله عز وجل، والاستغفار سبب للمغفرة؛ لقولو تعالى{ :نغفر لكم خطاياكم}، وسبب للاستزادة أيضا من الفضل؛ لقولو تعالى{ :وسنزيد المحسنين}... ٛ- أف الإحساف سبب للزيادة سواء كاف إحسانا في عبادة الله، أو إحسانا إلى عباد الله؛ فإف الإحساف سبب للزيادة؛ وقد ثبت عن الرسوؿ أنو قاؿ: "الله في عوف العبد ما كاف العبد في عوف أخيو" (ٕ) ؛ وقاؿ: "ومن كاف في حاجة أخيو كاف الله في حاجتو (ٖ) ".. ٜ- تحريم التبديل لكلمات الله وىو تحريفها؛ وأنو من الظلم، لقولو تعالى: ( فبدؿ الذين ظلموا قولا) ٓٔ- بياف عقوبة ىؤلاء الظالمين، وأف الله أنزؿ عليهم الرجز من السماء.. ٔٔ- الإشارة إلى عدؿ الله عز وجل، وأنو لا يظلم أحدا، وأف الإنساف ىو الظالم لنفسو.. ٕٔ- إثبات فسوؽ ىؤلاء بخروجهم عن طاعة الله؛ والفسق نوعاف: فسق أكبر مخرج عن الملة، وضده "الإيماف"، كما في قولو تعالى{ :وأما الذين فسقوا فمأواىم النار[ }السجدة: ٕٓ]؛ وفسق أصغر لا يخرج عن الملة، وضده "العدالة"، كما في قولو تعالى{ :يا أيها الذين آمنوا إف جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا}الحجرات: ٙ) ٖٔ- إثبات الأسباب، وتأثيرىا في مسبباتها؛ لقولو تعالى{ :بما كانوا يفسقوف}... ٗٔ- الرد على الجبرية الذين يقولوف: إف الله سبحانو وتعالى مجبر العبد على عملو؛ ووجو الرد أف الله سبحانو وتعالى أضاؼ الفسق إليهم؛ والفسق ىو الخروج عن الطاعة؛ والوجو الثاني: أنهم لو كانوا مجبرين على أعمالهم لكاف تعذيبهم ظلما، والله. تبارؾ وتعالى. يقوؿ{ :و يظلم ربك أحدا[ }الكهف: ٜٗ] ٘ٔ- أف الفسوؽ سبب لنزوؿ العذاب.. ٔ- راجع البخاري صٖٓ٘، كتاب المغازي، باب ٜٗ: أين ركز النبي الراية يوم الفتح، حديث رقم ٕٔٛٗ؛ ومسمما صٖٓٛ، كتاب صلاة المسافرين، كتاب فضائل القرآن وما يتعمق بو، باب ٖ٘: ذكر قراءة النبي سورة الفتح يوم فتح مكة، حديث رقم ٗ٘ٛٔ [ٖٕٛ]ٜٗٚ؛ ولم أقف عمى من أخرجو بمفظ "مطأطئا رأسو ". -ٕ أخرجو مسمم صٚٗٔٔ، كتاب الذكر والدعاء، باب ٔٔ: فضل الاجتماع عمى تلاوة القرآن، حديث رقم ٖ٘ٛٙ [ٖٛ]ٜٜٕٙ. ٖ- أخرجو البخاري صٕٜٔ، كتاب المظالم، باب ٖ: لا يظمم المسمم المسمم ولا يسممو، حديث رقم ٕٕٗٗ؛ وأخرجو مسمم صٜٕٔٔ، كتاب البر والصمة، باب ٘ٔ: تحريم الظمم، حديث رقم ٛٚ٘ٙ [ٛ٘]ٕٓٛ٘.
عدد الصفحات ٣٠٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 312 - سورة البقرة الجزء الاول وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِوِ فػَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاؾَ الْحَجَرَ فَانػْفَجَرَتْ مِنْوُ اثػْنَتَا عَشْرَةَ عَيػْنًا قَدْ عَلِمَ كُل أُنَاسٍ مَشْرَبػَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْؽِ اللَّوِ وَلاَ تػَعْثػَوْا فِي الأَْرْضِ مُفْسِدِينَ (ٓٙ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وإذا استسقى موسى لقومو}أي: واذكر إذ استسقى موسى لقومو. أي طلب السقيا لهم؛ وىذا يعم كونهم في التيو، وغيره.. قاؿ القرطبي: الاستسقاء إنما يكوف عند عدـ الماء وحبس القطر وإذا كاف كذلك فالحكم حينئذ إظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة مع التوبة النصوح . وقد استسقى نبينا محمد فخرج إلى المصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسِّ لا متضرعا وحسبك بو فكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد ومخالفة رب العباد فأنى نسقى لكن قد قاؿ صلى في حديث ابن عمر : "ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهادم لم يمطروا" الحديث. و سنة الاستسقاء الخروج إلى المصلى - على الصفة التي ذكرنا - والخطبة والصلاة وبهذا قاؿ جمهور العلماء. وذىب أبو حنيفة إلى أنو ليس من سنتو صلاة ولا خروج وإنما ىو دعاء لا غير. واحتج بحديث أنس الصحيح أخرجو البخاري ومسلم. ولا حجة لو فيو فإف ذلك كاف دعاء عجلت إجابتو فاكتفي بو عما سواه ولم يقصد بذلك بياف سنة ولما قصد البياف بين بفعلو حسب ما رواه عبدالله بن يزيد المازني قاؿ : خرج رسوؿ الله إلى المصلى فاستسقى وحوؿ رداءه ثم صلى ركعتين رواه مسلم. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :فقلنا اضرب بعصاؾ الحجر}العصا" معروفة؛ و {الحجر} المراد بو الجنس؛ فيشمل أي حجر يكوف؛ وىذا أبلغ من القوؿ بأنو حجر معين؛ وىذه "العصا" كاف فيها أربع آيات عظيمة:. أولا: أنو يلقيها، فتكوف حية تسعى، ثم يأخذىا، فتعود عصا.. ثانيا: أنو يضرب بها الحجر، فينفجر عيونا.. ثالثا: أنو ضرب بها البحر، فانفلق؛ فكاف كل فرؽ كالطود العظيم.. رابعا: أنو ألقاىا حين اجتمع إليو السحرة، وألقوا حبالهم، وعصيهم، فألقاىا فإذا ىي تلقف ما يأفكوف.. قولو تعالى{ :فانفجرت منو} ؛ "الانفجار": الانفتاح، والانشقاؽ؛ ومنو سمي "الفجر"؛ لأنو ينشق بو الأفق؛ فمعنى {انفجرت} أي تشققت منو ىذه العيوف.. قولو تعالى{ :اثنتا عشرة عينا}؛ {عينا} تمييز؛ وكانت العيوف اثنتي عشرة؛ لأف بني إسراديل كانوا اثنتي عشرة أسباطا؛ لكل سبط واحدة.. قولو تعالى{ :قد علم كل أناس} أي من الأسباط {مشربهم} أي مكاف شربهم، وزمانو حتى لا يختلط بعضهم ببعض، ويضايق بعضهم بعضا..
عدد الصفحات ٣٠٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 313 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري: وأما قولو: (قد علم كل أناس مشربهم) ، فإنما أخبر الله عنهم بذلك. لأف معناىم -في الذي أخرج الله جل وعز لهم من الحجر، الذي وصف جل ذكره في ىذه الآية صفتو- (ٔ) من الشرب كاف مخالفا معاني سادر الخلق فيما أخرج الله لهم من المياه من الجباؿ والأرضين، التي لا مالك لها سوى الله عز وجل. وذلك أف الله كاف جعل لكل سبط من الأسباط الاثني عشر، عينا من الحجر الذي وصف صفتو في ىذه الآية، يشرب منها دوف سادر الأسباط غيره، لا يدخل سبط منهم في شرب سبط غيره. وكاف مع ذلك لكل عين من تلك العيوف الاثنتي عشرة، موضع من الحجر قد عرفو السبط الذي منو شربو. فلذلك خص جل ثناؤه ىؤلاء بالخبر عنهم: أف كل أناس منهم كانوا عالمين بمشربهم دوف غيرىم من الناس. إذ كاف غيرىم -في الماء الذي لا يملكو أحد- شركاء في منابعو ومسايلو. وكاف كل سبط من ىؤلاء مفردا بشرب منبع من منابع الحجر - دوف سادر منابعو - خاص لهم دوف سادر الأسباط غيرىم. فلذلك خصوا بالخبر عنهم: أف كل أناس منهم قد علموا مشربهم. قاؿ ابن العثيمين: وىذه من نعمة الله على بني إسراديل؛ وىي من نعمة الله على موسى؛ أما كونها نعمة على موسى فلأنها آية دالة على رسالتو؛ وأما كونها نعمة على بني إسراديل فلأنها مزيلة لعطشهم، ولظمئهم.. قولو تعالى{ :كلوا واشربوا} الأمر ىنا للإباحة فيما يظهر؛ {من رزؽ الله}أي من عطادو، حيث أخرج لكم من الثمار، ورزقكم من المياه.. قاؿ الطبري: وىذا أيضا مما استغني بذكر ما ىو ظاىر منو، عن ذكره ما ترؾ ذكره. وذلك أف تأويل الكلاـ: (فقلنا اضرب بعصاؾ الحجر) ، فضربو فانفجر ت منو اثنتا عشرة عينا، قد علم كل أناس مشربهم، فقيل لهم: كلوا واشربوا من رزؽ الله. أخبر الله جل ثناؤه أنو أمرىم بأكل ما رزقهم في التيو من المن والسلوى، وبشرب ما فجر لهم فيو من الماء من الحجر الذي يتدفق بعيوف الماء، ويزخر بينابيع العذب الفرات، بقدرة ذي الجلاؿ والإكراـ. ثم تقدـ جل ذكره إليهم (ٕ) - مع إباحتهم ما أباح، وإنعامو بما أنعم بو عليهم من العيش الهنيء - بالنهي عن السعي في الأرض فسادا، والعَثَا فيها استكبارا، فقاؿ جل ثناؤه لهم: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) . قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :و تعثوا في الأر ض مفسدين} أي لا تسيروا مفسدين؛ فنهاىم عن الإفساد في الأرض؛ فػ "العثو"، و "العثي" معناه الإسراع في الإفساد؛ والإفساد في الأرض يكوف بالمعاصي، كما قاؿ الله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعوف [ }الروـ: ٔٗ]. -ٔ سياق الجممة "لأن معناىم. . من الشرب، كالذي مخالفا معاني"، وفصل كعادتو فيما بينا مرارا . يعني لأن شربيم كان مخالفا شرب سائر الناس. . -ٕ تقدم إليو بكذا: إذا أمره .
عدد الصفحات ٣٠٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 314 - سورة البقرة الجزء الاول (الفوادد) ٔ- مشروعية الاستسقاء عند الحاجة إلى الماء؛ لأف موسى استسقى لقومو؛ وشرع من قبلنا شرع لنا إف لم يرد شرعنا بخلافو؛ فكيف وقد أتى بوفاقو؟! فقد كاف النبي يستسقي في خطبة الجمعة (ٔ) ، ويستسقي في الصحراء على وجو معلوـ (ٕ) .. ٕ- أف السقيا كما تكوف بالمطر النازؿ من السماء تكوف في النابع من الأرض ... ٖ- أف الله سبحانو وتعالى ىو الملجأ للخلق؛ فهم إذا مسهم الضر يلجؤوف إلى الله سبحانو وتعالى.. ٗ- أف الرسل. عليهم الصلاة والسلاـ. كغيرىم في الافتقار إلى الله سبحانو وتعالى؛ فلا يقاؿ: إف الرسل قادروف على كل شيء، وأنهم لا يصيبهم السوء.. ٘- رأفة موسى بقومو؛ لقولو تعالى{ :وإذا استسقى موسى لقومو} ٙ- أف الله سبحانو وتعالى قادر جواد؛ ولهذا أجاب الله تعالى دعاء موسى؛ لأف العاجز لا يسقي؛ والبخيل لا يعطي.. ٚ- إثبات سمع الله سبحانو وتعالى، لقولو تعالى{ :فقلنا}؛ لأف الفاء ىنا للسببية؛ يعني: فلما استسقى موسى قلنا؛ فدؿ على أف الله سمع استسقاء موسى، فأجابو.. ٛ-كماؿ قدرة الله عز وجل، حيث إف موسى يضرب الحجر اليابس بالعصا، فيتفجر عيونا؛ وىذا شيء لم تجر العادة بمثلو؛ فهو دليل على قدرة الله عز وجل، وأنو ليس كما يزعم الطبادعيوف بأنو طبيعة؛ إذ لو كانت الأمور بالطبيعة ما تغيرت، وبقيت على ما ىي عليو.. ٜ- الآية العظيمة في عصا موسى، حيث يضرب بو الحجر، فيتفجر عيونا مع أف الحجر صلب، ويابس؛ وقد وقع لرسوؿ الله ما ىو أعظم، حيث أتي إليو بإناء فيو ماء، فوضع يده فيو، فصار يفور من بين أصابعو كالعيوف (ٖ) ؛ ووجو كونو أعظم: أنو ليس من عادة الإناء أف يتفجر عيونا بخلاؼ الحجارة؛ فقد قاؿ الله تعالى{ :وإف من الحجارة لما يتفجر منو الأنهار[ }البقرة: ٗٚ]؛ ووجو آخر: أف الإناء منفصل عن الأرض لا صلة لو بها بخلاؼ الحجارة.. ٓٔ- حكمة الله سبحانو وتعالى بجعل ىذا الماء المتفجر اثنتي عشرة عينا؛ لفاددتين:. الفاددة الأولى: السعة على بني إسراديل؛ لأنو لو كاف عينا واحدة لحصلت مشقة الزحاـ .. الفاددة الثانية: الابتعاد عن العداوة، والبغضاء بينهم؛ لأنهم كانوا اثنتي عشرة أسباطا؛ فلو كانوا جمعوا في مكاف واحد مع الضيق، والحاجة إلى الماء لحصل بينهم نزاع شديد؛ وربما يؤدي إلى القتاؿ؛ فهذا من رحمة الله. تبارؾ وتعالى. ٔ- راجع البخاري صٜٚ، كتاب الاستسقاء، باب ٚ: الاستسقاء في خطبة الجمعة ن حديث رقم ٗٔٓٔ؛ وصحيح مسمم صٚٔٛ - ٛٔٛ، كتاب صلاة الاستسقاء، باب ٕ: الدعاء في الاستسقاء، حديث رقم ٕٛٚٓ [ٛ]ٜٚٛ. -ٕراجع البخاري صٓٛٔ، كتاب الاستسقاء، باب ٕٓ استقبال القبمة في الاستسقاء حديث ٕٛٓٔ، وراجع مسمما صٚٔٛ، كتاب صلاة الاستسقاء، باب ٔ: كتاب صلاة الاستسقاء حديث رقم ٕٕٚٓ [ٖ]ٜٗٛ. -ٖ راجع البخاري صٜٔ، كتاب الطيارة، باب الوضوء في التور، حديث رقم ٕٓٓ.
عدد الصفحات ٣٠٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 315 - سورة البقرة الجزء الاول ببني إسراديل، حيث فجره اثنتي عشرة عينا، ولهذا أشار الله سبحانو وتعالى إلى ىذه النعمة بقولو{ :قد علم كل أناس مشربهم}كل أناس من بني إسراديل.. ٔٔ-أف الله سبحانو وتعالى يذكر بني إسراديل بهذه النعم العظيمة لأجل أف يقوموا بالشكر؛ ولهذا قاؿ تعالى: (كلوا واشربوا من رزؽ الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) ٕٔ- أف ما خلق الله تعالى من المأكوؿ، والمشروب للإنساف فالأصل فيو الإباحة، والحل؛ لأف الأمر للإباحة؛ فما أخرج الله تعالى لنا من الأرض، أو أنزؿ من السماء فالأصل فيو الحل؛ فمن نازع في حل شيء منو فعليو الدليل؛ فالعبادات الأصل فيها الحظر؛ وأما المعاملات، والانتفاعات بما خلق الله فالأصل فيها الحل، والإباحة.. ٖٔ- تحريم الإفساد في الأرض؛ لقولو تعالى{ :و تعثوا في الأرض مفسدين}؛ والأصل في النهي التحريم.. وَإِذْ قػُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَاـٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تػُنْبِتُ الأَْرْضُ مِنْ بػَقْلِهَا وَقِثَّادِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَاؿَ أَتَسْتَبْدِلُوفَ الَّذِي ىُوَ أَدْنَى بِالَّذِي ىُوَ خَيػْرٌ اىْبِطُوا مِصْرًا فَإِفَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّوِ ذَلِكَ بِأَنػَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُو فَ بِآيَاتِ اللَّوِ وَيػَقْتػُلُوفَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يػَعْتَدُوفَ (ٔٙ) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعاـ واحد} ؛ المن، والسلوى من أحسن الأطعمة، وأنفعها للبدف، وألذىا مذاقا، ومن أحسن ما يكوف؛ لكن بني إسراديل لدناءتهم لم يصبروا على ىذا؛ قالوا: {لن نصبر على طعاـ واحد} لا نريد المن، والسلوى فقط؛ نريد أطعمة متعددة؛ ولكنها أطعمة بالنسبة للتي رزقوىا أدنى. يعني ليست مثلها؛ بل إنها تعتبر رديئة جدا بالنسبة لهذا.. فإف قاؿ قادل: كيف يقولوف: طعاـ واحد وىما طعاماف: المن، والسلوى؟ فالجواب: أف المن في الغالب يستعمل في الشرب؛ فهو ينبذ في الماء، ويشرب؛ أو يقاؿ: المراد بالطعاـ ىنا الجنس؛ يعني: لا نصبر على ىذا الجنس فقط. ليس عندنا إلا من وسلوى.. قولو تعالى{ :فادع لنا ربك} ىذا توسل منهم بموسى ليدعو الله عز وجل لهم؛ وكلمة { :فادع لنا ربك} تدؿ على جفاء عظيم منهم؛ فهم لم يقولوا: "ادع لنا ربنا"، أو "ادع الله"؛ بل قالوا: "ادع لنا ربك"، كأنهم بريئوف منو. والعياذ بالله؛ وىذا من سفههم، وغطرستهم، وكبريادهم .. قولو تعالى{ :يخرج لنا} ؛ {يخرج} فعل مضارع مجزوـ على أنو جواب الطلب: "ادع "؛ أو جواب لشرط محذوؼ؛ والتقدير: إف تدعو يخرج لنا..
عدد الصفحات ٣٠٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 316 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :مما تنبت الأرض} أي مما تخرجو .. قولو تعالى{ :من بقلها}؛ {من} بيانية؛ بينت الاسم الموصوؿ: {ما}؛ لأف الاسم الموصوؿ مبهم يحتاج إلى بياف؛ و {بقلها} ىو النبات الذي ليس لو ساؽ، مثل الكراث؛ {وقثادها} :ىي صغار البطيخ؛ {وفومها} ىو الثوـ؛ يقاؿ: " ثوـ" بالمثلثة؛ ويقاؿ: " فوـ" بالفاء الموحدة، {وعدسها} ؛ "العدس" معروؼ؛ {وبصلها} أيضا معروؼ.. وكل ىذه بالنسبة للمن، والسلوى ليست بشيء؛ ولهذا أنكر عليهم موسى ، فقاؿ: {أتستبدلوف الذي ىو أدنى بالذي ىو خير} ، أي أتأخذوف الذي ىو أدنى بدلا عن الذي ىو خير.. قاؿ القرطبي: اختلف العلماء في أكل البصل والثوـ وما لو رادحة كريهة من سادر البقوؿ. جمهور العلماء إلى إباحة ذلك ، للأحاديث الثابتة في ذلك وذىبت طادفة من أىل الظاىر - القادلين بوجوب الصلاة في الجماعة فرضا - إلى المنع ، وقالوا : كل ما منع من إتياف الفرض والقياـ بو فحراـ عملو والتشاغل بو. واحتجوا بأف رسوؿ الله سماىا خبيثة ، والله عز وجل قد وصف نبيو عليو السلاـ بأنو يحرـ الخبادث. ومن الحجة للجمهور ما ثبت عن جابر أف النبي أتي ببدر فيو خضرات من بقو ؿ فوجد لها ريحا ، قاؿ : فأخبر بما فيها من البقوؿ ، فقاؿ : "قربوىا" - إلى بعض أصحابو كاف معو - فلما رآه كره أكلها ، قاؿ : " كل فإني أناجي من لا تناجي" . أخرجو مسلم وأبو داود. فهذا بين في الخصوص لو والإباحة لغيره. وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي أيوب أف النبي نز ؿ على أبي أيوب ، فصنع للنبي طعاما فيو ثوـ ، فلما رد إليو سأؿ عن موضع أصابع النبي ، فقيل لو : لم يأكل. ففزع وصعد إليو فقاؿ : أحراـ ىو ؟ قاؿ النبي : "لا ولكني أكرىو" . قاؿ : فإني أكره ما تكره أو ما كرىت ، قاؿ : وكاف النبي يؤتى "يعني يأتيو الوحي". فهذا نص على عدـ التحريم. وكذلك ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي حين أكلوا الثوـ زمن خيبر وفتحها : "أيها الناس إنو ليس لي تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها" الأحاديث تشعر بأف الحكم خاص بو ، إذ ىو المخصوص بمناجاة الملك. لكن قد علمنا ىذا الحكم في حديث جابر بما يقتضي التسوية بينو وبين غيره في ىذا الحكم حيث قاؿ : "من أكل من ىذه البقلة الثوـ وقاؿ مرة : من أكل البصل والثوـ والكراث فلا يقربن مسجدنا فإف الملادكة تتأذى مما يتأذى منو بنو آدـ " وقاؿ عمر بن الخطاب في حديث فيو طوؿ إنكم أيها الناس تأكلوف شجرتين لا أراىما إلا خبيثتين ، ىذا البصل والثوـ. ولقد رأيت رسوؿ الله إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر بو فأخرج إلى البقيع ، فمن أكلهما فليمتهما طبخا. خرجو مسلم. قاؿ الإماـ الألباني في تماـ المنة: والشارع الحكيم إنما منع آكل الثوـ وغيره من حضور المساجد والحص وؿ على فضيلة الجماعة: عقوبة لو على عدـ مبالاتو بإيذاء المؤمنين والملادكة المقربين.
عدد الصفحات ٣٠٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 317 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري: وكاف سبب مسألتهم موسى ذلك فيما بلغنا ما حدثني يونس بن عبد الأعلى قاؿ، أخبرنا ابن وىب قاؿ، أنبأنا ابن زيد قاؿ: كاف طعاـ بني إسراديل في التيو واحدا، وشرابهم واحدا. كاف شرابهم عسلا ينزؿ لهم من السماء يقاؿ لو المن، وطعامهم طير يقاؿ لو السلوى، يأكلوف الطير ويشربوف العسل، لم يكونوا يعرفوف خبزا ولا غيره. فقالوا: يا موسى لن نصبر على طعاـ واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها"، فقرأ حتى بلغ: (اىبطوا مصرا فإف لكم ما سألتم) . قولو تعالى{ :قَاؿَ أَتَسْتَبْدِلُوفَ الَّذِي ىُوَ أَدْنَى بِالَّذِي ىُوَ خَيػْرٌ } ، قاؿ: لهم موسى: أتأخذوف الذي ىو أخس خطرا وقيمة وقدرا من العيش، بدلا بالذي ىو خير منو خطرا وقيمة وقدرا؟ وذلك كاف استبدالهم. وأصل "الاستبداؿ": ىو ترؾ شيء لآخر غيره مكاف المتروؾ. ومعنى قولو: (أدنى) أخس وأوضع وأصغر قدرا وخطرا. وأصلو من قولهم: "ىذا رجل دني بين الدناءة" و"إنو ليدنِّي في الأمور" بغير ىمز، إذا كاف يتتبع خسيسها. ولا شك أف من استبدؿ بالمن والسلوى البقل والقثاء والعدس والبصل والثوـ، فقد استبدؿ الوضيع من العيش الرفيع منو. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :اىبطوا مصرا فإف لكم ما سألتم}يعني أف ىذا ليس بصعب يحتاج إلى دعاء الله؛ لأف الله تعالى أوجده في كل مصر؛ وكأف موسى أنكر عليهم ىذا؛ وبين لهم أنو لا يليق بو أف يسأؿ الله سبحانو وتعالى لهم ما ىو أدنى وموجود في كل مصر؛ وأما قوؿ من قاؿ من المفسرين: "إنو دعا، وقيل لو: قل لهم: يهبطوف مصرا فإف لهم ما سألوا" فهذا ليس بصحيح؛ لأنو كيف ينكر عليهم أف يطلبوا ذلك منو، ثم ىو يذىب، ويدعو الله بو!!! فالصواب أف موسى وبخهم على ما سألوا، وأنكر عليهم، وقاؿ لهم: إف ىذا الأمر الذي طلبتم موجود في كل مصر؛ ولهذا قاؿ: {اىبطوا مصرا}. قاؿ السعديقاؿ لهم موسى {أتستبدلوف الذي ىو أدنى} وىو الأطعمة المذكورة، {بالذي ىو خير} وىو المن والسلوى، فهذا غير لادق بكم، فإف ىذه الأطعمة التي طلبتم، أي مصر ىبطتموه وجدتموىا، وأما طعامكم الذي من الله بو عليكم، فهو خير الأطعمة وأشرفها، فكيف تطلبوف بو بدلا؟ قاؿ ابن العثيمين: و {مصرا} ليست البلد المعروؼ الآف، ولكن المقصود أي مصر كانت؛ ولهذا نكرت؛ و"مصر" البلد لا تنكر، ولا تنصرؼ؛ واقرأ قولو تعالى{ :وأوحينا إلى موسى وأخيو أف تبوءا لقومكما بمصر بيوتا} [يونس: ٚٛ]؛ فالمعنى: اىبطوا أي مصر من الأمصار تجدوف ما سألتم.. قولو تعالى{ :وضربت عليهم الذلة والمسكنة}؛ وفي قولو تعالى: {عليهم} ثلاث قراءات: كسر الهاء وضم الميم؛ وكسرىا جميعا؛ وضمهما جميعا..
عدد الصفحات ٣٠٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 318 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري: يعنى بقولو: (وضربت) أي فرضت. ووضعت عليهم الذلة وألزموىا. من قوؿ القادل: "ضرب الإماـ الجزية على أىل الذمة" و"ضرب الرجل على عبده الخراج" يعني بذلك وضعو فألزمو إياه. وأما "الذلة" فهي "الفعلة" من قوؿ القادل: ذؿ فلاف يذؿ ذلا وذلة"، كػ "الصغرة" من "صغُر الأمر، و"الذلة" ىي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أف لا يعطوىم أمانا على القرار على ما ىم عليو من كفرىم بو وبرسولو - إلا أف يبذلوا الجزية عليو لهم، فقاؿ عز وجل: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يػُؤْمِنُوفَ بِاللَّوِ وَلا بِالْيػَوْـِ الآخِر وَلا يُحَرِّمُوفَ مَا حَرَّـَ اللَّوُ وَرَسُولُوُ وَلا يَدِينُوفَ دِينَ الْحَقِّ مِ نَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يػُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَىُمْ صَاغِرُوفَ [ )التوبة: ٜٕ] وأما "المسكنة" فإنها مصدر "المسكين". يقاؿ: "ما فيهم أسكن من فلاف و "ما كاف مسكينا" و"لقد تمسكن مسكنة". ومن العرب من يقوؿ: "تمسكن تمسكنا". و"المسكنة" في ىذا الموضع مسكنة الفاقة والحاجة، وىي خشوعها وذلها. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وضربت عليهم الذلة والمسكنة}جملة مستأنفة إخبار من الله عز وجل بما حصل عليهم؛ و {الذلة} :الهواف؛ فهم أذلة لا يقابلوف عدوا، وقد قاؿ الله تعالى{ :لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر[ }الحشر: ٗٔ]و {المسكنة} :الفقر؛ فليس عندىم شجاعة، ولا غنى؛ لا كر ـ بالماؿ، ولا كرـ بالنفس؛ فػ"الشجاعة" كرـ بالنفس: بأف يجود الإنساف بنفسو لإدراؾ مقصوده ؛ و"الكرـ" جود بالماؿ؛ فلم يحصل لهم ىذا، ولا ىذا؛ فلا توجد أمة أفقر قلوبا، ولا أبخل من اليهود، فالأمواؿ كثيرة، لكن قلوبهم فقيرة، وأيديهم مغلولة.. قاؿ السعدي: ولما كاف الذي جرى منهم فيو أكبر دليل على قلة صبرىم واحتقارىم لأوامر الله ونعمو، جازاىم من جنس عملهم فقاؿ: {وضربت عليهم الذلة} التي تشاىد على ظاىر أبدانهم {والمسكنة} بقلوبهم، فلم تكن أنفسهم عزيزة، ولا لهم ىمم عالية، بل أنفسهم أنفس مهينة، وىممهم أردأ الهمم. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وباءوا بغضب من الله} أي رجعوا؛ والباء للمصاحبة؛ و {من} للابتداء؛ يعني الغضب من الله. أي أف الله غضب عليهم، كما قاؿ تعالى{ :قل ىل أنبئكم بشر من ذلك مثو بة عند الله من لعنو الله وغضب عليو وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت[ }الماددة: ٓٙ] قاؿ السعدي أي: لم تكن غنيمتهم التي رجعوا بها وفازوا، إلا أف رجعوا بسخطو عليهم، فبئست الغنيمة غنيمتهم، وبئست الحالة حالتهم. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ذلك} الظاىر أف المشار إليو كل ما سبق، وليس فقط قولو تعالى{ :وضربت عليهم الذلة ... }؛ فكل ما سبق مشار إليو حتى سؤالهم الذي ىو أدنى عن الذي ىو خير؛ {بأنهم} :الباء
عدد الصفحات ٣١٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 319 - سورة البقرة الجزء الاول للسببية؛ {كانوا يكفروف بآيات الله} أي يكذبوف بها؛ والمراد الآيات الكونية، والشرعية؛ فالشرعية تتعلق بالعبادة؛ والكونية تتعلق بالربوبية، فهم يكفروف بهذا، وبهذا.. قولو تعالى{ :ويقتلوف النبيين}أي يعتدوف عليهم بالقتل؛ وفي قولو تعالى{ :النبيين} قراءتاف؛ الأولى: بتشديد الياء بدوف ىمز{ :النبيين}؛ والثانية: بتخفيف الياء، والهمز{ :النبيئين}؛ فعلى القراءة الأولى قيل: إنو مشتق من النبوة. وىو الارتفاع؛ لارتفاع منزلة الأنبياء؛ وقيل: من النبأ، وأبدلت الهمزة ياء تخفيفا؛ وعلى القراءة الثانية فإنو مشتق من النبأ، لأف الأنبياء مخبروف عن الله عز وجل.. قولو تعالى {بغير الحق} أي بالباطل المحض؛ وىذا القيد لبياف الواقع، وللتشنيع عليهم بفعلهم؛ لأنو لا يمكن قتل نبي بحق أبدا.. قاؿ ابن كثير: يقوؿ تعالى: ىَذَا الَّذِي جَازَيػْنَاىُمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَإِحْلاَؿِ الْغَضَبِ بِهِمْ بِسَبَبِ اسْتِكْبَارِىِمْ عَنِ اتػِّبَاعِ الْحَقِّ، وَكُفْرِىِمْ بِآيَاتِ اللَّوِ، وَإِىَانَتِهِمْ حَمَلَةَ الشَّرْعِ وَىُمُ الأَْنْبِيَاءُ وَأَتػْبَاعُهُمْ، فَانػْتػَقَصُوىُمْ إِلَى أَفْ أَفْضَى بِهِمُ الْحَاؿُ إِلَى أَفْ قػَتػَلُوىُمْ، فَلاَ كبْر أَعْظَمَ مِنْ ىَذَا، إِنػَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّوِ وَقػَتػَلُوا أَنْبِيَاءَ اللَّوِ بِغَيْرِ الْحَ قِّ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتػَّفَقِ عَلَى صِحَّتِوِ أَفَّ رَسُوؿَ اللَّوِ قَاؿَ : "الْكِبػْرُ بَطَر الْحَقِّ، وغَمْط النَّاسِ " (ٔ) . قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ذلك} المشار إليو ما سبق من كفرىم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق؛ {بما عصوا} :الباء للسببية؛ و "المعصية" الخروج عن الطاعة إما بترؾ المأمور؛ وإما بفعل المحظور؛ {وكانوا يعتدوف} معطوؼ على قولو تعالى: {بما عصوا}؛ و "الاعتداء" مجاوزة الحد إما بالامتناع عما يجب للغير؛ أو بالتعدي عليو.. والفرؽ بين "المعصية"، و "العدواف" إذا ذكرا جميعا: أف "المعصية" فعل ما نهي عنو؛ و "الاعتداء" تجاوز ما أمر بو، مثل أف يصلي الإنساف الظهر مثلا خمس ركعات؛ وقيل: إف "المعصية" ترؾ المأمور؛ و "العدواف" فعل المحظور.. وسواء أكاف ىذا أـ ىذا فالمهم أف ىؤلاء اعتدوا، وعصوا؛ فلم يقوموا بالواجب، ولا تركوا المحرـ؛ ولذلك تدرجت بهم الأمور حتى كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءه؛ وفي ذلك دليل لما ذىب إليو بعض أىل العلم أف المعاصي بريد الكفر؛ فالإنساف إذا فعل معصية استهاف بها، ثم يستهين بالثانية، والثالثة ... وىكذا حتى يصل إلى الكفر؛ فإذا تراكمت الذنوب على القلوب حالت بينها، وبين الهدى، والنور، كما قاؿ تعالى{ :ك بل راف على قلوبهم ما كانوا يكسبوف}المطففين: ٗٔ] -ٔ رواه مسمم في صحيحو برقم (ٜٔ) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ المَّوِ بْنِ مَسْعُودٍ .
عدد الصفحات ٣١١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 311 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ السعدي:{ذلك بما عصوا} بأف ارتكبوا معاصي الله {وكانوا يعتدوف} على عباد الله، فإف المعاصي يجر بعضها بعضا، فالغفلة ينشأ عنها الذنب الصغير، ثم ينشأ عنو الذنب الكبير، ثم ينشأ عنها أنواع البدع والكفر وغير ذلك، فنسأؿ الله العافية من كل بلاء. واعلم أف الخطاب في ىذه الآيات لأمة بني إسراديل الذين كانوا موجودين وقت نزوؿ القرآف، وىذه الأفعاؿ المذكورة خوطبوا بها وىي فعل أسلافهم، ونسبت لهم لفوادد عديدة: منها: أنهم كانوا يتمدحوف ويزكوف أنفسهم، ويزعموف فضلهم على محمد ومن آمن بو، فبين الله من أحواؿ سلفهم التي قد تقررت عندىم، ما يبين بو لكل أحد منهم أنهم ليسوا من أىل الصبر ومكارـ الأخلاؽ، ومعالي الأعماؿ، فإذا كانت ىذه حالة سلفهم، مع أف المظنة أنهم أولى وأرفع حالة ممن بعدىم فكيف الظن بالمخاطبين؟ ". ومنها: أف نعمة الله على المتقدمين منهم، نعمة واصلة إلى المتأخرين، والنعمة على الآباء، نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها، لأنها نعم تشملهم وتعمهم. ومنها: أف الخطاب لهم بأفعاؿ غيرىم، مما يدؿ على أف الأمة المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها، حتى كاف متقدمهم ومتأخرىم في وقت واحد، وكاف الحادث من بعضهم حادثا من الجميع. لأف ما يعملو بعضهم من الخير يعود بمصلحة الجميع، وما يعملو من الشر يعود بضرر الجميع. ومنها: أف أفعالهم أكثرىا لم ينكروىا، والراضي بالمعصية شريك للعاصي، إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها إلا الله. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- لؤـ بني إسراديل، وسفههم؛ حيث إنهم طلبوا أف يغير لهم الله ىذا الرزؽ الذي لا يوجد لو نظير بقولهم: (لن نصبر على طعاـ واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثادها وفومها وعدسها و بصلها). ٕ- غطرسة بني إسراديل، وجفاؤىم؛ لقولهم{ :ادع لنا ربك}؛ ولم يقولوا: "ادع لنا ربنا"، أو: "ادع لنا الله"؛ كأف عندىم. والعياذ بالله. أنفة؛ مع أنهم كانوا مؤمنين بموسى ومع ذلك يقولوف{ :ادع لنا ربك}كما قالوا{ :فاذىب أنت وربك فقاتلا إنا ىاىنا قاعدوف[ }الماددة: ٕٗ] ٖ- أف من اختار الأدنى على الأعلى ففيو شبو من اليهود؛ ومن ذلك ىؤلاء الذين يختاروف الشيء المحرـ على الشيء الحلاؿ.. ٗ- أف من علو ىمة المرء أف ينظر للأكمل، والأفضل في كل الأمور..
عدد الصفحات ٣١٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 311 - سورة البقرة الجزء الاول ٘- أف التوسع في المآكل، والمشارب، واختيار الأفضل منها إذا لم يصل إلى حد الإسراؼ فلا ذـ فيو؛ ولذلك لم ينكر النبي على أصحابو حين أتوه بتمر جيد بدلا عن الرديء (ٔ) ؛ لكن لو ترؾ التوسع في ذلك لغرض شرعي فلا بأس كما فعلو عمر عاـ الرمادة؛ وأما إذا تركها لغير غرض شرعي فهو مذموـ؛ لأف الله تعالى يحب من عبده إذا أنعم عليو نعمة أف يرى أثر نعمتو عليو. ٙ- حل البقوؿ، والقثاء، والفوـ، والعدس، والبصل؛ لقولهم{ :ادع لنا ر بك يخرج لنا مما تنبت الأرض ... }إلى قولو{ :اىبطوا مصرا فإف لكم ما سألتم}أي من الأصناؼ المذكورة .. وىذه الأصناؼ مباحة في شريعة موسى؛ وكذلك في شريعتنا؛ فإنو لما قدـ للرسوؿ قدر فيو بقوؿ فكره أكلها؛ فلما رآه بعض أصحابو كره أكلها، قاؿ الرسوؿ "كل؛ فإني أناجي من لا تناجي" (ٕ) ؛ فأباحها لهم؛ وكذلك في خيبر لما وقع الناس في البصل، وعلموا كراىة النبي لها قالوا: حرمت؛ قاؿ "إنو ليس بي تحريم ما أحل الله" (ٖ) ؛ فبين أنو حلاؿ.. ٚ- جواز إسناد الشيء إلى مكانو لا إلى الفاعل الأوؿ؛ لقولهم {مما تنبت الأرض}؛ والذي ينبت حقيقة ىو الله سبحانو وتعالى ... ٛ- جواز إسناد الشيء إلى سببو الحقيقي الذي ثبت أنو سبب شرعا، أو حسا؛ مثاؿ ذلك: لو أطعمت جادعا يكاد يموت من الجوع فإنو يجوز أف تقوؿ: "لولا أني أطعمتو لهلك"؛ لأف الإطعاـ سبب لزواؿ الجوع؛ والهلاؾ معلوـ بالحس؛ ومثاؿ الشرعي: القر اءة على المريض، فيبرأ، فتقوؿ: "لولا القراءة عليو لم يبرأ"؛ أما المحظور فهو أف تثبت سببا غير ثابت شرعا، ولا حسا، أو تقرف مشيئة الله بالسبب بحرؼ يقتضي التسوية مع الله عز وجل؛ مثاؿ الأوؿ: أولئك الذين يعلقوف التمادم البدعية، أو يلبسوف حلقا، أو خيوطا لدفع البلاء، أو رفعو. كما زعموا؛ ومثاؿ الثاني: ما جاء في الحديث أف النبي قاؿ لو رجل : "ما شاء الله وشئت"، فقاؿ لو النبي ( "أجعلتني لله ندا، بل ما شاء الله وحده" (ٗ) ، لأنك إذا قلت: "ما شاء الله وشئت" جعلت المخاطب ندا لله في المشيئة.. فإذا قاؿ قادل: أليس الله قد ذـ قاروف حينما قاؿ{ :إنما أوتيتو على علم عندي[ }القصص: ٛٚ]؛ فنسب حصوؿ ىذا الماؿ إلى العلم؛ وىذا قد يكوف صحيحا؟ ٔ- راجع البخاري صٔٛٔ، كتاب الوكالة، باب ٔٔ: إذا باع الوكيل شيئا فاسدا فبيعو مردود، حديث رقم ٕٖٕٔ؛ وصحيح مسمم صٜ٘ٗ، كتاب المساقاة، باب ٛٔ؛ بيع الطعام مثلا بمثل، حديث ر قم ٖٛٓٗ [ٜٙ]ٜٗ٘ٔ. ٕ- اخرجو البخاري صٚٙ، كتاب الأذان، باب ٓٙٔ: ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث، حديث رقم ٘٘ٛ؛ وأخرجو مسمم صٗٙٚ، كتاب المساجد، باب ٚٔ: نيي من أكل ثوما ... ، حديث رقم ٖٕ٘ٔ [ٖٚ]ٗٙ٘. ٖ- أخرجو مسمم صٗٙٚ - ٘ٙٚ، كتاب المساجد، باب ٚٔ: نيي من أكل ثوما ... ، حديث رقم ٕٙ٘ٔ [ٙٚ]٘ٙ٘. -ٗ أخرجو أحمد ٔ/ٕٗٔ، حديث رقم ٜٖٛٔ؛ وأخرجو البخاري في الأدب المفرد، راجع فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ٕ/ٖٕ٘، باب ٜٖٖ: قول الرجل ما شاء الله وشئت، حديث رقم ٖٛٚ؛ وأخرجو ابن أبي شيبة ٘/ٖٓٗ، باب ٖٕٔ: في الرجل يقول: ما شاء الله وشاء فلان، حديث رقم ٕٕٕٛٙ، قال الألباني في السمسمة الصحيحة: فالإسناد حسن ٔ/ٕٚٔ، حديث رقم ٜٖٔ، وقال في صحيح الأدب المفرد: صحيح صٕٜٕ
عدد الصفحات ٣١٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 312 - سورة البقرة الجزء الاول فالجواب أف ىذا الرجل أنكر أف يكوف من الله ابتداء؛ ومعلوـ أف الإنساف إذا أضاؼ الشيء إلى سببو دوف أف يعتقد أف الله ىو المسبب فهو مشرؾ؛ وأيضا فإف قار وف أراد بقولو ىذا أف يدفع وجوب الإنفاؽ عليو مبتغيا بذلك الدار الآخرة.. والخلاصة: أف الحادث بسبب معلوـ لو صور:. الصورة الأولى: أف يضيفو إلى الله وحده.. الثانية: أف يضيفو إلى الله تعالى مقرونا بسببو المعلوـ؛ مثل أف يقوؿ: "لولا أف الله أنجاني بفلاف لغرقت".. الثالثة: أف يضيفو إلى السبب المعلوـ وحده مع اعتقاد أف الله ىو المسبب؛ ومنو قوؿ النبي في عمو أبي طالب لما ذكر عذابو: "لولا أنا لكاف في الدرؾ الأسفل من النار (ٔ) ".. الرابعة: أف يضيفو إلى الله مقرونا بالسبب المعلوـ بػ"ثم"، كقولو: "لولا الله ثم فلاف"؛ "وىذه الأربع كلها جادزة".. الصورة الخامسة: أف يضيفو إلى الله، وإلى السبب المعلوـ مقرونا بالواو؛ فهذا شرؾ، كقولو: "لولا الله وفلاف الصورة السادسة: أف يضيفو إلى الله، وإلى السبب المعلوـ مقرونا بالفاء، مثل: "لولا الله ففلاف"؛ فهذا محل نظر: يحتمل الجواز، ويحتمل المنع.. الصورة السابعة: أف يضيفو إلى سبب موىوـ ليس بثابت شرعا، ولا حسا، فهذا شرؾ. كما سبق.. ٜ- توبيخ موسى عليو السلاـ لبني إسراديل، وأف الذي يستبدؿ الأدنى بالذي ىو خير يستحق التوبيخ؛ لأف موسى وبخهم، حيث قاؿ: (أتستبدلوف الذي ىو أدنى بالذي ىو خير) ٓٔ- أنو يجوز للإنساف أف يعتذر عن الوساطة إذا لم يكن لها داع؛ لأنو قاؿ{ :اىبطوا مصرا فإف لكم ما سألتم}؛ وكأنو قاؿ: لا حاجة أف أدعو الله أف يخرج لكم مما تنبت الأرض ... ٔٔ- ضرب الذلة على بني إسراديل؛ وقد ذكر الله تعالى أنهم ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله. وىو الإسلاـ؛ أو بحبل من الناس وىو المساعدات الخارجية؛ والمشاىد الآف أف اليهود أعزاء بما يساعدىم إخوانهم من النصارى.. ٕٔ- أف اليهود قد ضربت عليهم المسكنة وىي الفقر؛ ويشمل فقر القلوب الذي ىو شدة الطمع بحيث أف اليهودي لا يشبع، ولا يتوقف عن طلب الماؿ ولو كاف من أكثر الناس مالا؛ ويشمل أيضا فقر الماؿ وىو قلتو.. ٖٔ- أف بني إسراديل لا يقوموف للمسلمين لو حاربوىم من قبل الإسلاـ؛ لأف ضرب الذلة بسبب المعصية؛ فإذا حوربوا بالطاعة والإسلاـ فلا شك أنو سيكوف الوباؿ عليهم؛ وقد قاؿ الله تعالى{ :لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر[ }الحشر: ٗٔ]؛ وما يشاىد اليوـ من مقاتلة اليهود للعرب فإنما ذلك لسببين:. ٔ- أخرجو البخاري صٖ٘ٔ، كتاب مناقب الأنصار ن باب ٓٗ: قصة أبي طالب، حديث ٖٖٛٛ؛ وأخرجو مسمم صٚٔٚ، كتاب الإيمان، باب ٜٓ: شفاعة النبي لأبي طالب والتخفيف عنو بسببو، حديث رقم ٓٔ٘ [ٖٚ٘]ٜٕٓ.
عدد الصفحات ٣١٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 313 - سورة البقرة الجزء الاول الأوؿ: قلة الإخلاص لله تعالى؛ فإف كثيرا من الذين يقاتلوف اليهود. أو أكثرىم. لا يقاتلونهم باسم الإسلاـ، وأف تكوف كلمة الله ىي العليا؛ وإنما يقاتلونهم باسم العروبة؛ فهو قتاؿ عصبي قبلي؛ ولذلك لم يفلح العرب في مواجهة اليهود.. والسبب الثاني: كثرة المعاصي من كبيرة، وصغيرة؛ حتى إف بعضها ليؤدي إلى الكفر؛ وقد حصل للمسلمين في أحد ما حصل بمعصية واحدة مع ما انضم إليها من التنازع، والفشل، كما قاؿ الله تعالى{ :حتى إذا فشلتم وتناز عتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبوف}آؿ عمراف: ٕ٘ٔ) . ٗٔ- إثبات صفة الغضب لله تعالى؛ وغضب الله سبحانو وتعالى صفة من صفاتو؛ لكنها لا تماثل صفات المخلوقين؛ فنحن عندما نغضب تنتفخ الأوداج منا، ويحمر الوجو، ويقف الشعر، ويفقد الإنساف صوابو؛ وىذه العوار ض لا تكوف في غضب الله؛ لأف الله ليس كمثلو شيء؛ بل ىو غضب يليق بالله عز وجل داؿ على كماؿ عظمتو، وسلطانو؛ وإذا قلنا بهذا، وسلمنا أف الغضب صفة حقيقية بردت بذلك ذمتنا، وصرنا حسب ما أمر الله بو، ورسولو.. وفسر أىل التحريف "غضب الله" بانتقامو، ولا يثبتونو صفة لله عز وجل؛ وفسره آخروف بأنو إرادة الانتقاـ؛ فمعنى {غضب الله عليهم}عندىم: أراد أف ينتقم منهم؛ وتفصيل ذلك مذكور في كتب العقادد.. ٘ٔ- أف بني إسراديل جمعوا بين المعاصي، والعدواف.. ٙٔ- بياف حكمة الله عز وجل حيث ربط الأشياء بأسبابها؛ لقولو تعالى{ :ذلك بأنهم}، وقولو تعالى{ :ذلك بما عصوا}؛ وىذا من الحكمة أف يكوف للأسباب تأثيرا في مسبباتها بما جعلو الله رابطا بين الأسباب والمسببات، ولكن الأسباب قد يكوف لها موانع؛ فقد توجد الأسباب، ولكن توجد موانع أقوى منها؛ فالنار لم تحرؽ إبراىيم . مع أنها سبب للإحراؽ. لوجود مانع؛ وىو قوؿ الله تعالى لها{ :كوني بردا وسلاما على إبراىيم[ }الأنبياء: ٜٙ] {إِف الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ ىَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّوِ وَالْيػَوْـِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فػَلَهُمْ أَجْرُىُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْؼٌ عَلَيْهِمْ وَلا ىُمْ يَحْزَنُوفَ (ٕٙ} ) قاؿ ابن العثيمين لما ذكر الله سبحانو وتعالى ما عاقب بو بني إسراديل من ضرب الذلة، والمسكنة، والغضب بين أف المؤمنين من بني إسراديل، وغيرىم كلهم لهم أجرىم عند الله.. ومناسبة الآية لما قبلها أنو تعالى لما قاؿ: {وباءوا بغضب من الله} بين أف من آمن منهم، وعمل صالحا فإف الله لا يضيع أجره؛ فقاؿ تعالى: (إف الذين آمنوا والذين ىادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوـ الآخر فلهم أجرىم) قولو تعالى{ :إف الذين آمنوا} يعني أمة محمد لأنهم ىم الذين يستحقوف الوصف بالإيماف المطلق، حيث آمنوا بجميع الكتب، والرسل..
عدد الصفحات ٣١٥