المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٢٣ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 282 - سورة البقرة الجزء الاول الشامخة (ٔ)، غير زادل عن حده، انقيادا لأمر الله وإذعانا لطاعتو، وىو سادل ذادب قبل ذلك، والتطاـ أمواج البحر بآؿ فرعوف، في الموضع الذي صير لكم في البحر طريقا يبسا. وذلك كاف، لا شك نظر عياف لا نظر علم. يوقفهم بذلك جل ذكره على موضع حججو عليهم، ويذكرىم آلاءه عند أوادلهم، ويحذرىم -في تكذيبهم نبينا محمدا - أف يحل بهم ما حل بفرعوف و آلو، في تكذيبهم موسى . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- مناسبة قولو تعالى{ :وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آؿ فرعوف وأنتم تنظروف}لما قبلو ظاىرة جدا، وذلك أنو لما ذكر الله سبحانو وتعالى تسلط آؿ فرعوف عليهم ذكر مآؿ ىؤلاء المتسلطين؛ وأف الله أغرقهم، وأنجى ىؤلاء، وأورثهم أرضهم، كما قاؿ الله تعالى{ :وأورثناىا بني إسراديل}الشعراء: ٜ٘) . ٕ- تذكير الله سبحانو وتعالى بني إسراديل بنعمو؛ وقد تضمن ىذا التذكير حصوؿ المطلوب، وزواؿ المكروه؛ حصوؿ المطلوب: بنجاتهم؛ وزواؿ المكروه: بإىلاؾ عدوىم ... ٖ- بياف قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهذا الماء السياؿ أمره الله. تبارؾ وتعالى. أف يتمايز، وينفصل بعضو عن بعض؛ فانفلق، فكاف كل فرؽ كالطود العظيم. أي كالجبل العظيم؛ وثم وجو آخر من ىذه القدرة: أف ىذه الطرؽ صارت يبسا في الحاؿ مع أنو قد مضى عليها سنوف كثيرة لا يعلمها إلا الله عز وجل والماء من فوقها، ولكنها صارت في لحظة واحدة يبسا، كما قاؿ تعالى{ :ولقد أوحينا إلى موسى أف أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاؼ دركا ولا تخشى[ }طو: ٚٚ]؛ وقد ذكر بعض المفسرين أنو كانت في ىذه الفرؽ فتحات ينظر بعضهم إلى بعض. حتى لا ينزعجوا، ويقولوا: أين أصحابنا؟! وىذا ليس ببعيد على الله سبحانو وتعالى.. وقد وقع مثل ذلك لهذه الأمة؛ فقد ذكر ابن كثير. رحمو الله في "البداية والنهاية" أنو ما من آية سبقت لرسوؿ إلا لرسولنا مثلها: إما لو ىو بنفسو، أو لأمتو؛ ومعلوـ أف الكرامات التي تقع لمتبع الرسوؿ ىي في الحقيقة آيات لو؛ لأنها تصديق لطريق ىذا الولي المتبع للرسوؿ؛ فتكوف آية على صدؽ الرسوؿ، وصحة الشريعة؛ ولهذا من القواعد المعروفة أف كل كرامة لولي فهي آية لذلك النبي المتبع؛ وذكر ابن كثير رحمو الله في "البداية والنهاية" على ذلك أمثلة؛ ومنها أف من الصحابة من مشوا على الماء؛ وىو أبلغ من فلق البحر لبني إسراديل، ومشيهم على الأرض اليابسة.. ٔ- ركام: مجتمع بعضو فوق بعض والفمق جمع فمقة (بكسر فسكون) : وىي الشق.

عدد الصفحات ٢٨٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 283 - سورة البقرة الجزء الاول ٗ- أف الآؿ يدخل فيهم من ينتسبوف إليهم؛ فقد قاؿ تعالى{ :وأغرقنا آؿ فرعوف}؛ وفرعوف قد غرؽ بلا شك، كما قاؿ تعالى{ :حتى إذا أدركو الغرؽ قاؿ آمنت أنو لا إلو إلا الذي آمنت بو بنو إسراديل وأنا من المسلمين[ }يونس: ٜٓ]الآيتين ... ٘- أف إغراؽ عدو الإنساف وىو ينظر من نعمة الله عليو؛ فإغراقو، أو إىلاكو نعمة؛ وكوف عدوه ينظر إليو نعمة أخرى؛ لأنو يشفي صدره؛ وإىلاؾ العدو بيد عدوه أشفى، كما قاؿ تعالى{ :قاتلوىم يعذبهم الله بأيديكم ويخزىم وينصركم عليهم ويشف صدور قوـ مؤمنين * ويذىب غيظ قلوبهم[ }التوبة: ٗٔ، ٘ٔ]؛ نعم، عند عجز الناس لا يبقى إلا فعل الله عز وجل؛ ولهذا في غزوة الأحزاب نصروا بالريح التي أرسلها الله عز وجل، كما قاؿ تعالى{ :فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروىا[ }الأحزاب: ٜ] ٙ- عتو بني إسراديل؛ فإف بني إسراديل مع ىذه النعم العظيمة كانوا من أشد الناس طغيانا، وتكذيبا للرسل، واستكبارا عن عبادة الله عز وجل.. ٚ- أف الله تعالى سخر من فرعوف، حيث أىلكو بجنس ما كاف يفتخر بو، وأورث أرضو موسى. عليو الصلاة والسلاـ؛ وقد كاف فرعوف يقوؿ{ :يا قوـ أليس لي ملك مصر وىذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصروف * أـ أنا خير من ىذا الذي ىو مهين ولا يكاد يبين[ }الزخرؼ : ٔ٘. ٕ٘]؛ فأغرقو الله تعالى بالماء الذي كاف يفتخر بجنسو، وأورث موسى أرضو الذي وصفو بأنو مهين، ولا يكاد يبين.. وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيػْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بػَعْدِهِ وَأَنػْتُمْ ظَالِمُوفَ (ٔ٘) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بػَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوفَ (ٕ٘) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :وإذ واعدنا موسى} أي واذكروا إذ واعدنا موسى؛ {أربعين ليلة}: وعده الله تعالى لميقاتو ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة؛ وفي قولو تعالى{ :واعدنا}قراءتاف سبعيتاف: بألف بعد الواو؛ وبدونها.. قاؿ الطبري: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة بتمامها. فالأربعوف ليلة كلها داخلة في الميعاد. قاؿ السعدي: ذكر منتو عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزؿ عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكماؿ الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده، أي: ذىابو. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :ثم اتخذتم العجل} أي صيرتم العجل؛ و {العجل}مفعوؿ أوؿ؛ والثاني: محذو ؼ؛ والتقدير: اتخذتم العجل إلها؛ و "العجل" تمثاؿ من ذىب صنعو السامري، وقاؿ لبني إسراديل: ىذا إلهكم، وإلو موسى فنسي..

عدد الصفحات ٢٨٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 284 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :من بعده} أي من بعد موسى حين ذىب لميقات الله.. قاؿ الطبري: فأخبر جل ثناؤه المخالفين نبينا من يهود بني إسراديل، المكذبين بو المخاطبين بهذه الآية -عن فعل آبادهم وأسلافهم، وتكذيبهم رسلهم، وخلافهم أنبياءىم، مع تتابع نعمو عليهم، وشيوع آلادو لديهم، مُعَرِّفَهم بذلك أنهم -من خلاؼ محمد وتكذيبهم بو، وجحودىم لرسالتو، مع علمهم بصدقو - على مثل منهاج آبادهم وأسلافهم، ومحذِّرَىم من نزوؿ سطوتو بهم بمقامهم على ذلك من تكذيبهم ما نزؿ بأوادلهم المكذبين بالرسل من المسخ واللعن وأنواع النقمات. قاؿ ابن زيد: لما أنجى الله عز وجل بني إسراديل من فرعوف، وأغرؽ فرعوف ومن معو، قاؿ موسى لأخيو ىاروف: اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين. قاؿ: لما خرج موسى وأمر ىاروف بما أمره وخرج موسى متعجلا مسرورا إلى الله، قد عرؼ موسى أف المرء إذا أنجح في حاجة سيده، كاف يسره أف يتعجل إليو. قاؿ: وكاف حين خرجوا استعاروا حليا وثيابا من آؿ فرعوف، فقاؿ لهم ىاروف: إف ىذه الثياب والحلي لا تحل لكم، فاجمعوا نارا، فألقوه فيها فأحرقوه. قاؿ: فجمعوا نارا. قاؿ: وكاف السامري قد نظر إلى أثر دابة جبريل، وكاف على فرس أنثى - وكاف السامري في قوـ موسى - قاؿ: فنظر إلى أثره فقبض منو قبضة، فيبست عليها يده. فلما ألقى قوـ موسى الحلي في النار، وألقى السامري معهم القبضة، صور الله جل وعز ذلك لهم عجلا ذىبا، فدخلتو الريح، فكاف لو خوار، فقالوا: ما ىذا؟ فقاؿ: السامري الخبيث: (ىَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَوُ مُوسَى فػَنَسِيَ ) ، الآية، إلى قولو: (حَتَّى يػَرْجِعَ إِلَيػْنَا مُوسَى[ )طو: ٛٛ-ٜٔ]قاؿ: حتى إذا أتى موسى الموعد، قاؿ الله: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قػَوْمِ كَ يَا مُوسَى قَاؿَ ىُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي) فقرأ حتى بلغ: (أَفَطَاؿَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ [ )طو: ٙٛ] عن مجاىد في قولو: (ثم اتخذتم العجل من بعده) قاؿ: العجل: حسيل البقرة (ٔ) . قاؿ: حلي استعاروه من آؿ فرعوف، فقاؿ لهم ىاروف: أخرجوه فتطهروا منو وأحرقوه. وكاف السامري قد أخذ قبضة من أثر فرس جبريل فطرحو فيو، فانسبك، فكاف لو كالجوؼ تهوي فيو الرياح. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وأنتم ظالموف} ىذه الجملة حاؿ من التاء في قولو تعالى: {اتخذتم} ؛ والفاددة من ذكر ىذه الحاؿ زيادة التوبيخ، وأنهم غير معذورين.. قاؿ الطبري: يعني: وأنتم واضعو العبادة في غير موضعها، لأف العبادة لا تنبغي إلا لله عز وجل، وعبدتم أنتم العجل ظلما منكم، ووضعا للعبادة في غير موضعها. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ثم عفونا عنكم}: أي تجاوزنا عن عقوبتكم؛ {من بعد ذلك}: أتى بها؛ لأف العفو إنما حصل حين تابوا إلى الله، وقتلوا أنفسهم.. ٔ- الحسيل (بفتح فكسر) : ولد البقرة .

عدد الصفحات ٢٨٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 285 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :لعلكم تشكروف}، "لعل" ىنا للتعليل؛ و {تشكروف} أي تشكروف الله على نعمو؛ والشكر يكوف بالقلب: وىو إيماف القلب بأف النعمة من الله عز وجل، وأف لو المنة في ذلك؛ ويكوف باللساف: وىو التحدث بنعمة الله اعترافا. لا افتخارا؛ ويكوف بالجوارح : وىو القياـ بطاعة المنعم؛ وفي ذلك يقوؿ الشاعر:. أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا. (الفوادد) ٔ- حكمة الله. تبارؾ وتعالى. في تقديره، حيث واعد موسى أربعين ليلة لينزؿ عليو فيها التوراة. مع أنو سبحانو وتعالى قادر على أف ينزلها في ليلة مرة واحدة؛ ولكن لحكمة. لا نعلم ما ىي. وعده الله تعالى ثلاثين ليلة أولا، ثم أتمها بعشر؛ فتم ميقات ربو أربعين ليلة ... ٕ- بياف جهل بني إسراديل الجهل التاـ؛ وجو ذلك أف ىذا الحلي الذي جعلوه إلها ىم الذين صنعوه بأنفسهم؛ فقد استعاروا حليا من آؿ فر عوف، وصنعوه على صورة الثور عجلا جسدا. لا روح فيو؛ ثم قاؿ السامري{ :ىذا إلهكم وإلو موسى فنسي[ }طو: ٛٛ]؛ وزعموا أف موسى ضل، ولم يهتد إلى ربو، وىذا ربو! والعياذ بالله؛ فكيف يكوف المصنوع ربا لكم، ولموسى وأنتم الذين صنعتموه! وىذا دليل على جهلهم، وغباوتهم إلى أبعد الحدود؛ وقد قالوا لموسى. عليو الصلاة والسلاـ. حينما أتوا على قوـ يعكفوف على أصناـ لهم{ :اجعل لنا إلها كما لهم آلهة[ }الأعراؼ: ٖٛٔ]قاؿ لهم نبيهم موسى{ :إنكم قوـ تجهلوف[ }الأعراؼ: ٖٛٔ]، وصدؽ عليو الصلاة والسلاـ.. ٖ- أف اتخاذىم العجل كاف عن ظلم؛ لقولو تعالى{ :وأنتم ظالموف}وىذا أبلغ، وأشنع في توبيخهم، والإنكار عليهم.. ٗ- سعة حلم الله عز وجل، وأنو مهما بارز الإنساف ربو بالذنوب فإف حلم الله تعالى قد يشملو، فيوفق للتوبة؛ وىؤلاء وفقوا لها.. ٘- أف العفو موجب للشكر؛ لقولو تعالى{ :لعلكم تشكروف}؛ وإذا كاف العفو. وىو زواؿ النقم. موجبا للشكر فحدوث النعم أيضا موجب للشكر من باب أولى وَإِذْ آتػَيػْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَافَ لَعَلَّكُمْ تػَهْتَدُوفَ (ٖ٘) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى أي واذكروا إذ أعطينا موسى؛ قولو تعالى{ :والفرقاف} إما صفة مشبهة، أو مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ لأف المراد بػ {الفرقاف}الفارؽ؛ والمراد بو ىنا الفارؽ بين الحق والباطل؛ وعطفو ىنا من باب عطف الصفة على الموصوؼ؛ والعطف يقتضي المغايرة؛ والمغايرة يكتفى فيها بأدنى شيء؛ قد تكوف المغايرة بين ذاتين؛ وقد تكوف المغايرة بين صفتين؛ وقد تكوف بين ذات وصفة؛

عدد الصفحات ٢٨٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 286 - سورة البقرة الجزء الاول فمثلا: قولو تعالى{ :خلق السماوات والأرض[ }الأنعاـ: ٔ]المغايرة بين ذاتين؛ وقولو تعالى{ :سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى[ }الأعلى: ٔ. ٗ]المغايرة بين صفتين؛ وقولو تعالى ىنا: {الكتاب والفرقاف} :المغايرة بين ذات وصفة؛ فػ {الكتاب} نفس التوراة؛ و {الفرقاف} صفتو؛ فالعطف ىنا من باب عطف الصفة على الموصوؼ.. قاؿ الطبري: تأويل الآية: وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناىا لو في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل. فيكوف "الكتاب" نعتا للتوراة أقيم مقامها، استغناء بو عن ذكر التوراة، ثم عطف عليو ب"الفرقاف"، إذ كاف من نعتها. ىذا ما روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاىد. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :لعلكم تهتدوف} "لعل" للتعليل؛ أي لعلكم تهتدوف بهذا الكتاب الذي ىو الفرقاف؛ لأف الفرقاف ىدى يهتدي بو المرء من الضلالة؛ و {تهتدوف} أي ىداية العلم، والتوفيق؛ فهو نازؿ للهداية؛ ولكن من الناس من يهتدي، ومنهم من لا يهتدي.. (الفوادد) ٔ- أف إنزاؿ الله تعالى الكتب للناس من نعمو، وآلادو؛ بل ىو من أكبر النعم؛ لأف الناس لا يمكن أف يستقلوا بمعرفة حق الخالق؛ بل ولا حق المخلوؽ؛ ولذلك نزلت الكتب تبيانا للناس.. ٕ- أف موسى نبي رسوؿ، لأف الله تعالى آتاه الكتاب ... ٖ- فضيلة التوراة؛ لأنو أطلق عليها اسم {الكتاب}؛ و "أؿ" ىذه للعهد الذىني؛ فدؿ ىذا على أنها معروفة لدى بني إسراديل، وأنو إذا أطلق الكتاب عندىم فهو التوراة؛ أيضا سماىا الله تعالى الفرقاف، كما سمى القرآف الفرقاف؛ لأف كلا الكتابين أعظم الكتب، وأىداىما؛ لقولو تعالى{ :قل فأتوا بكتاب من عند الله ىو أىدى منهما[ }القصص: ٜٗ] يعني التوراة، والإنجيل{ .أتبعو إف كنتم صادقين[ }القصص: ٜٗ]؛ ودؿ ىذا على أف التوراة مشاركة للقرآف في كونها فرقانا؛ ولهذا كانت عمدة الأنبياء من بني إسراديل، كما قاؿ تعالى{ :إنا أنزلنا التوراة فيها ىدى ونور يحكم بها النبيوف الذين أسلموا للذين ىادوا والربانيوف والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليو شهداء[ }الماددة: ٗٗ] ٗ- بياف عتو بني إسراديل، وطغيانهم؛ لأنو إذا كانت التوراة التي نزلت عليهم فرقانا، ثم ىم يكفروف ىذا الكفر دؿ على زيادة عتوىم، وطغيانهم؛ إذ من نزؿ عليو كتاب يكوف فرقانا كاف يجب عليو بمقتضى ذلك أف يكوف مؤمنا مذعنا..

عدد الصفحات ٢٨٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 287 - سورة البقرة الجزء الاول ٘- أف الله. تبارؾ وتعالى. ينزؿ الكتب، ويجعلها فر قانا لغاية حميدة حقا. وىي الهداية؛ لقولو تعالى: (لعلكم تهتدوف) ٙ- أف من أراد الهداية فليطلبها من الكتب المنزلة من السماء. لا يطلبها من الأساطير، وقصص الرىباف، وقصص الزىاد، والعباد، وجعجعة المتكلمين، والفلاسفة، وما أشبو ذلك؛ بل من الكتب المنزلة من السماء.. فعلى ىذا ما يوجد في كتب الوعظ من القصص عن بعض الزىاد، والعباد، ونحوىم نقوؿ لكاتبيها، وقارديها: خير لكم أف تبدو للناس كتاب الله عز وجل، وما صح عن رسولو وتبسطوا ذلك، وتشرحوه، وتفسروه بما ينبغي أف يفهم حتى يكوف ذلك نافعا للخلق؛ لأنو لا طريق للهداية إلى الله إلا ما جاء من عند الله عز وجل.. ٚ- إثبات الأسباب، وتأثيرىا في مسبباتها؛ وبسط ذلك مذكور في كتب العقادد.. ٛ- أف الإيتاء المضاؼ إلى الله سبحانو وتعالى يكوف كونيا، ويكوف شرعيا؛ مثاؿ الكوني قولو تعالى{ :وآتيناه من الكنوز ما إف مفاتحو لتنوء بالعصبة[ }القصص: ٙٚ]؛ ومثاؿ الشرعي قولو تعالى{ :وآتينا موسى الكتاب}الإسراء: ٕ). وَإِذْ قَاؿَ مُوسَى لِقَوْمِوِ يَا قػَوْـِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنػْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فػَتُوبُوا إِلَى بَارِدِ كُمْ فَاقػْتػُلُوا أَنػْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيػْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِدِكُمْ فػَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّوُ ىُوَ التػَّوَّابُ الرَّحِيمُ (ٗ٘) قاؿ ابن العثيمين: ثم ذكر الله تعالى نعمة أخرى أيضا فقاؿ: {وإذ قاؿ موسى لقومو}أي واذكروا إذ قاؿ موسى لقومو؛ {يا قوـ} أي يا أصحابي؛ وناداىم بوصف القومية تحببا، وتوددا، وإظهارا بأنو ناصح لهم؛ لأف الإنساف ينصح لقومو بمقتضى العادة.. قولو تعالى{ :إنكم ظلمتم أنفسكم} أكد الجملة لبياف حقيقة ما ىم عليو؛ و {ظلمتم}بمعنى نقصتم أنفسكم حقها؛ لأف "الظلم" في الأصل بمعنى النقص، كما قاؿ الله تعالى{ :كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منو شيئا}[الكهف: ٖٖ]أي لم تنقص.. قولو تعالى{ :باتخاذكم العجل}: الباء ىنا للسببية. أي بسبب اتخاذكم العجل؛ و "اتخاذ" مصدر فعلو: اتخذ؛ وىو مضاؼ إلى فاعلو: الكاؼ؛ و {العجل}مفعوؿ أوؿ؛ والمفعوؿ الثاني محذوؼ تقديره: إلها؛ والمعنى: ظلمتم أنفسكم بسبب اتخاذكم العجل إلها تعبدونو من دوف الله؛ وىذا العجل سبق أنو عجل من ذىب، وأف الذي فتن الناس بو رجل يقاؿ لو: السامري..

عدد الصفحات ٢٨٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 288 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :فتوبوا إلى باردكم} أي ارجعوا إليو من معصيتو إلى طاعتو؛ و "البارئ": الخالق المعتني بخلقو؛ فكأنو يقوؿ: كيف تتخذوف العجل إلها وتدعوف خالقكم الذي يعتني بكم؛ وىذا كقوؿ إلياس عليو السلاـ لقومو: {أتدعوف بعلا وتذروف أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبادكم الأولين[ }الصافات: ٕ٘ٔ، ٕٙٔ] قاؿ القرطبيالبارئ، الخالق وبينهما فرؽ وذلك أف البارئ ىو المبدع المحدث والخالق ىو المقدر الناقل من حاؿ إلى حاؿ والبرية : الخلق وىي فعيلة بمعنى مفعولة غير أنها لا تهمز. قاؿ ابن كثير: وَفِي قػَوْلِوِ ىَاىُنَا: {إِلَى بَارِدِكُمْ } تػَنْبِيوٌ عَلَى عِظَمِ جُرْمِهِمْ، أَيْ : فػَتُوبُوا إِلَى الَّذِي خَلَقَكُمْ وَقَدْ عَبَدْتُمْ معو غيره. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :فاقتلوا أنفسكم} الفاء ىنا تفسيرية؛ لأف قولو تعالى: {فاقتلوا} تفسير للمجمل في قولو تعالى: {توبوا} ؛ وعلى ىذا فالفاء للتفسير؛ أي: فتوبوا بهذا الفعل. وىو أف تقتلوا أنفسكم؛ أي ليقتل بعضكم بعضا؛ وليس المعنى أف كل رجل يقتل نفسو. بالإجماع؛ فلم يقل أحد من المفسرين: إف معنى قولو تعالى: {فاقتلوا أنفسكم} أي يقتل كل رجل نفسو؛ وإنما المعنى: ليقتل بعضكم بعضا: يقتل الإنساف ولده، أو والده، أو أخاه؛ المهم أنكم تستعدوف، وتتخذوف سلاحا. خناجر، وسكاكين، وسيوفا. وكل واحد منكم يهجم على الآخر، ويقتلو.. واختلف المفسروف: ىل ىذا القتل وقع في ظلمة، أو وقع جهارا بدوف ظلمة؟ فقيل: إنهم لما أمروا بذلك قالوا: لا نستطيع أف يقتل بعضنا بعضا وىو ينظر إليو: ينظر الإنساف إلى ابنو، فيقتلو، وإلى أبيو، وإلى صديقو! ىذا شيء لا يطاؽ؛ فألقى الله تعالى عليهم ظلمة، وصار يقتل بعضهم بعضا، ولا يدري من قتل.. وقيل: بل إنهم قتلوا أنفسهم جهرا بدوف ظلمة، وأف ىذا أبلغ في الدلالة على صدؽ توبتهم، وأنو لما رأى موسى أنهم سينتهوف. لأنو إذا قتل بعضهم بعضا لن يبقى إلا واحد. ابتهل إلى الله سبحانو وتعالى أف يرفع عنهم الإصر؛ فأمروا بالكف؛ وقيل: بل سقطت أسلحتهم من أيديهم. والله أعلم.. وظاىر القرآف أنو لم تكن ىناؾ ظلمة، وأنهم أمروا أف يقتل بعضهم بعضا عيانا، وىذا أبلغ في الدلالة على صدؽ توبتهم، ورجوعهم إلى الله سبحانو وتعالى.. وذىب بعضهم إلى أف المراد: أف يقتل البريء منكم المجرـ. يعني الذين دعوا إلى عبادة العجل، وعكفوا عليو يقتلوف؛ والذين تبرؤوا منو يقتلوف. والله أعلم.. ولكن الظاىر الأوؿ؛ لأف قتل البريء للمجرـ ليس فيو دلالة على صدؽ التوبة من المجرمين؛ لأف الإنساف قد يقتل وىو مصر على الذنب؛ ولا يدؿ ذلك على توبتو.. قولو تعالى{ :ذلكم} المشار إليو قتل أنفسهم؛ {خير لكم عند باردكم} أي من عدـ التوبة؛ أو من عدـ القتل؛ وىذا من التفضيل بما ليس في الطرؼ الآخر منو شيء؛ والتفضيل بما ليس في الطرؼ الآخر منو شيء وارد في اللغة

عدد الصفحات ٢٩٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 289 - سورة البقرة الجزء الاول العربية؛ لكن بعضهم يقوؿ: إنو لا يكوف بمعنى التفضيل؛ بل المراد بو وجود الخير في ىذا الأمر بدوف وجود مفضل عليو.. قاؿ الطبري: وأما قولو: (ذلكم خير لكم عند باردكم) ، فإنو يعني بذلك: توبتكم بقتلكم أنفسكم وطاعتكم ربكم، خير لكم عند باردكم، لأنكم تنجوف بذلك من عقاب الله في الآخرة على ذنبكم، وتستوجبوف بو الثواب منو. وقولو: (فتاب عليكم) ، أي: بما فعلتم مما أمركم بو من قتل بعضكم بعضا. وىذا من المحذوؼ الذي استغني بالظاىر منو عن المتروؾ. لأف معنى الكلاـ: فتوبوا إلى باردكم فاقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند باردكم، فتبتم، فتاب عليكم. فترؾ ذكر قولو: "فتبتم"، إذ كاف في قولو: (فتاب عليكم) دلالة بينة على اقتضاء الكلاـ "فتبتم". ويعني بقولو: (فتاب عيكم) رَجَعَ لكم ربكم إلى ما أحببتم: من العفو عن ذنوبكم وعظيم ما ركبتم، والصفح عن جرمكم. قاؿ ابن العثيمين؛: قولو تعالى{ :إنو ىو التواب الرحيم } ىذه الجملة تعليل لما قبلها؛ و {ىو} ضمير فصل؛ وسبق بياف فوادده؛ و {التواب} أي كثير التوبة: لكثرة توبتو على العبد الواحد، وكثرة توبتو على التادبين الذين لا يحصيهم إلا الله، فهو يتوب في المرات المتعددة على عبده، ويتوب على الأشخاص الكثيرين الذين تكثر توبتهم؛ و {الرحيم } أي ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء.. قاؿ الطبري: ويعني ب"الرحيم "، العادد إليو برحمتو المنجية من عقوبتو. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أنو ينبغي للداعي إلى الله أف يستعمل الأسلوب الذي يجذب إليو الناس، ويعطفهم عليو؛ لقولو تعالى حكاية عن موسى{ :يا قوـ}؛ فإف ىذا لا شك فيو من التودد، والتلطف، والتحبب ما ىو ظاىر.. ٕ- أف اتخاذ الأصناـ مع الله ظلم؛ لقولو{ :إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل} ٖ- أف المعاصي ظلم للنفوس؛ وجو ذلك: أف النفس أمانة عندؾ؛ فيجب عليك أف ترعاىا بأحسن رعاية، وأف تجنبها سوء الرعاية؛ ولهذا قاؿ رسوؿ الله لعبد الله بن عمرو بن العاص: "إف لنفسك عليك حقا (ٔ) ٗ- أنو ينبغي التعبير بما يناسب المقاـ؛ لقولو{ :فتوبوا إلى باردكم}؛ لأف ذكر "البارئ" ىنا كإقامة الحجة عليهم في أف العجل لا يكوف إلها؛ فإف الذي يستحق أف يكوف إلها ىو البارئ. أي الخالق سبحانو وتعالى.. ٘- وجوب التوبة؛ لقولو: (فتوبوا إلى باردكم) ٙ- أف التوبة على الفور؛ لقولو{ :فتوبوا}؛ لأف الفاء للترتيب، والتعقيب.. ٔ- أخرجو البخاري صٗ٘ٔ، كتاب الصوم، باب ٔ٘: من أقسم عمى أخيو ليفطر في التطوع ... ، حديث رقم ٜٛٙٔ.

عدد الصفحات ٢٩١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 291 - سورة البقرة الجزء الاول ٚ- إثبات الأسباب، وتأثيرىا في مسبباتها؛ لقولو {باتخاذكم}فإف الباء ىنا للسببية.. ٛ- أنو ينبغي للداعي إلى الله أف يبين الأسباب فيما يحكم بو؛ لقولو: (إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل) ٜ- سفاىة بني إسراديل، حيث عبدوا ما صنعوا وىم يعلموف أنو لا يرجع إليهم قولا، ولا يملك لهم ضرا، ولا نفعا.. ٓٔ- ما وضع الله تعالى على بني إسراديل من الأغلاؿ، والآصار، حيث كانت توبتهم من عبادة العجل أف يقتل بعضهم بعضا؛ لقولو{ :فاقتلوا أنفسكم}... ٔٔ- أف الأمة كنفس واحدة؛ وذلك لقولو{ :فاقتلوا أنفسكم}؛ لأنهم ما أمروا أف يقتل كل واحد منهم نفسو؛ بل يقتل بعضهم بعضا؛ ونظير ذلك قولو تعالى{ :و تلمزوا أنفسكم[ }الحجرات: ٔٔ]أي لا يلمز بعضكم بعضا؛ وعبر عن ذلك بػ "النفس"؛ لأف الأمة شيء واحد؛ فمن لمز أخاه فكمن لمز نفسو. ٕٔ- تفاضل الأعماؿ؛ لقولو: (ذلكم خير لكم عند باردكم). ٖٔ- أف الله سبحانو وتعالى يتوب على التادبين مهما عظم ذنبهم؛ لقولو تعالى{ :فتاب عليكم} ٗٔ- إثبات اسمين من أسماء الله. وىما {التواب}، و {الرحيم }؛ وإثبات ما تضمناه من صفة. وىي: التوبة، والرحمة؛ وإثبات ما تضمناه من صفة باقترانهما. لا تكوف عند انفراد أحدىما؛ لأنو لما اقترنا حصل من اجتماعهما صفة ثالثة. وىي: الجمع بين التوبة التي بها زواؿ المكروه، والرحمة التي بها حصوؿ المطلوب.. ٘ٔ- أنو ينبغي للإنساف أف يتعرض لما يقتضيو ىذاف الاسماف من أسماء الله؛ فيتعرض لتوبة الله، ورحمتو؛ فيتوب إلى ربو سبحانو وتعالى، ويرجو الرحمة؛ وىذا ىو أحد المعاني التي قاؿ عنها رسوؿ الله : "من أحصاىا". أي أسماء الله التسعة والتسعين. "دخل الجنة" (ٔ) ؛ فإف من إحصادها أف يتعبد الإنساف بمقتضاىا.. وَإِذْ قػُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نػُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نػَرَى اللَّوَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنػْتُمْ تػَنْظُرُوفَ (٘٘) ثُمَّ بػَعَثػْنَاكُمْ مِنْ بػَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوفَ (ٙ٘) قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وإذ قلتم يا موسى}أي: واذكروا أيضا يا بني إسراديل إذ قلتم ... ؛ والخطاب لمن كاف في عهد الرسوؿ ، لكن إنعامو على أوؿ الأمة إنعاـ على آخرىا؛ فصح توجيو الخطاب إلى المتأخرين مع أف ىذه النعمة على من سبقهم.. قولو تعالى{ :لن نؤمن لك} أي لن ننقاد، ولن نصدؽ، ولن نعترؼ لك بما جئت بو.. -ٔاخرجو البخاري صٜٕٔ، كتاب الشروط، باب ٛٔ: ما يجوز من الاشتراط و الثنيا في الإقرار ... ، حديث رقم ٖٕٙٚ؛ وأخرجو مسمم صٗٗٔٔ، كتاب الذكر والدعاء، باب ٕ: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاىا، حديث رقم ٓٔٛٙ [ٙ]ٕٚٚٙ.

عدد الصفحات ٢٩٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 291 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :حتى نرى الله جهرة{ : }نرى} بمعنى نبصر؛ ولهذا لم تنصب إلا مفعولا واحدا؛ لأنها رؤية بصرية. قاؿ ابن كثير: يػَقُوؿُ تػَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي بػَعْثِي لَكُمْ بػَعْدَ الصَّعْقِ، إِذْ سَأَلْتُمْ رُؤْيَتِي جَهْرَةً عِيَانًا، مِمَّا لاَ يُسْتَطَاعُ لَكُمْ وَلاَ لأَِمْثَالِكُمْ، كَمَا قَاؿَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَاؿَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي ىَذِهِ الآْيَةِ { :وَإِذْ قػُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نػُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نػَرَى اللَّوَ جَهْرَةً }قَاؿَ: عَلاَنِيَةً . وقاؿ قتادة و الربيع بن أنس (حتى نرى اللّو جهرة) أي عياناً. قاؿ الطبري: واذكروا أيضا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك ولن نقر بما جئتنا بو، حتى نرى الله جهرة - عِيانا برفع الساتر بيننا وبينو، وكشف الغطاء دوننا ودونو، حتى ننظر إليو بأبصارنا. فذكرىم بذلك جل ذكره اختلاؼ آبادهم، وسوء استقامة أسلافهم لأنبيادهم، مع كثرة معاينتهم من آيات الله جل وعز وعبره ما تثلج بأقلها الصدور، وتطمئن بالتصديق معها النفوس. وذلك مع تتابع الحجج عليهم، وسبوغ النعم من الله لديهم، وىم مع ذلك مرة يسألوف نبيهم أف يجعل لهم إلها غير الله. ومرة يعبدوف العجل من دوف الله. ومرة يقولوف: لا نصدقك حتى نرى الله جهرة. وأخرى يقولوف لو إذا دعوا إلى القتاؿ: اذىب أنت وربك فقاتلا إنا ىاىنا قاعدوف. ومرة يقاؿ لهم: قولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم. فيقولوف: حنطة في شعيرة! ويدخلوف الباب من قبل أستاىهم، مع غير ذلك من أفعالهم التي آذوا بها نبيهم عليو السلاـ، التي يكثر إحصاؤىا. فأعلم ربنا تبارؾ وتعالى ذكره الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسراديل، الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسوؿ الله ، أنهم لن يعدوا أف يكونوا -في تكذيبهم محمدا ، وجحودىم نبوتو، وتركهم الإقرار بو وبما جاء بو، مع علمهم بو، ومعرفتهم بحقيقة أمره- كأسلافهم وآبادهم الذين فصّل عليهم قَصصهم في ارتدادىم عن دينهم مرة بعد أخرى، وتوثبهم على نبيهم موسى صلوات الله وسلامو عليو تارة بعد أخرى، مع عظيم بلاء الله جل وعز عندىم، وسبوغ آلادو عليهم. قاؿ ابن العثيمين: واختلف العلماء متى كاف ىذا، على قولين:. القوؿ الأوؿ: أف موسى اختار من قومو سبعين رجلا لميقات الله، وذىب بهم؛ ولما صار يكلم الله، ويكلمو الله قالوا{ :لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}؛ فعلى ىذا القوؿ يكوف صعقهم حينما كاف موسى خارجا لميقات الله.. القوؿ الثاني: أنو لما رجع موسى من ميقات الله، وأنزؿ الله عليو التوراة، وجاء بها قالوا: "ليست من الله؛ {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} والسياؽ يؤيد الثاني؛ لأنو تعالى قاؿ{ :وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقاف}، ثم ذكر قصة العجل، وىذه كانت بعد مجيء موسى بالتوراة، ثم بعد ذلك ذكر{ :وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} وأما قولو تعالى{ :فلما أخذتهم الرجفة قاؿ رب لو شئت أىلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إف ىي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين[ }الأعراؼ: ٘٘ٔ] فقد أيد بعضهم القوؿ الأوؿ بهذه الآية؛ ولكن الحقيقة ليس فيو تأييد لهم؛ لأنو تعالى قاؿ{ :فلما أخذتهم الرجفة } [الأعراؼ: ٘٘ٔ]رجف بهم؛ والأخرى: أخذتهم الصاعقة. صعقوا، وماتوا..

عدد الصفحات ٢٩٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 292 - سورة البقرة الجزء الاول فالظاىر لي أف القوؿ الأوؿ لا يترجح بهذه الآية لاختلاؼ العقوبتين؛ ىذه الآية كانت العقوبة بالصاعقة؛ وتلك كانت بالرجفة . والله أعلم.. قاؿ الطبري: قولو تعالى {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنػْتُمْ تػَنْظُرُوفَ }:عن قتادة في قولو: (فأخذتكم الصاعقة) ، قاؿ: ماتوا. عن الربيع: (فأخذتكم الصاعقة) قاؿ: سمعوا صوتا فصَعِقوا، يقوؿ: فماتوا. وأصل "الصاعقة" كل أمر ىادل رآه المرء أو عاينو أو أصابو حتى يصير من ىولو وعظيم شأنو إلى ىلاؾ وعطب، وإلى ذىاب عقل وغمور فهم، أو فقد بعض آلات الجسم صوتا كاف ذلك أو نارا، أو زلزلة، أو رجفا. ومما يدؿ على أنو قد يكوف مصعوقا وىو حي غير ميت، قوؿ الله عز وجل: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا[ )الأعراؼ: ٖٗٔ]، يعني مغشيا عليو، ومنو قوؿ جرير بن عطية: وىل كاف الفرزدؽ غير قرد ... أصابتو الصواعق فاستدارا فقد علم أف موسى لم يكن -حين غشي عليو وصعق ميتا، لأف الله جل وعز أخبر عنو أنو لما أفاؽ قاؿ: (تبت إليك) [الأعراؼ: ٖٗٔ]- و شبو جرير الفرزدؽ وىو حي بالقرد ميتا. ولكن معنى ذلك ما و صفنا. قاؿ ابن العثيمين{ :فأخذتكم الصاعقة} يعني الموت الذي صعقوا بو؛ {وأنتم تنظروف} أي ينظر بعضكم إلى بعض حين تتساقطوف؛ والجملة في قولو تعالى: {وأنتم تنظروف} حاؿ من الكاؼ في قولو تعالى: {فأخذتكم الصاعقة} يعني: والحاؿ أنكم تنظروف.. قاؿ الطبري: ويعني بقولو: (وأنتم تنظروف) ، وأنتم تنظروف إلى الصاعقة التي أصابتكم، يقوؿ: أخذتكم الصاعقة عيانا جهارا وأنتم تنظروف إليها. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :ثم بعثناكم من بعد موتكم} أصل "البعث" في اللغة الإخراج؛ ويطلق على الإحياء، كما ىذه الآية؛ ويدؿ على أف المراد بو الإحياء ىنا قولو تعالى: {من بعد موتكم} ؛ وىو موت حقيقي، وليس نوما، لأف النوـ يسمى وفاة؛ ولا يسمى موتا، كما في قولو تعالى{ :وىو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار[ }الأنعاـ: ٓٙ]، وقولو تعالى{ :ا يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها[ }الزمر: ٕٗ] وقولو تعالى: {بعثناكم من بعد موتكم} :ىذه نعمة كبيرة عليهم أف الله تعالى أخذىم بهذه العقوبة، ثم بعثهم ليرتدعوا؛ ويكوف كفارة لهم؛ ولهذا قاؿ تعالى: {لعلكم تشكروف}أي تشكروف الله سبحانو وتعالى؛ و "لعل" ىنا للتعليل.. قاؿ الطبري: (لعلكم تشكروف) ، يقوؿ: فعلنا بكم ذلك لتشكروني على ما أوليتكم من نعمتي عليكم، بإحيادي إياكم، استبقاء مني لكم، لتراجعوا التوبة من عظيم ذنبكم، بعد إحلالي العقوبة بكم بالصاعقة التي أحللتها بكم، فأماتتكم بعظيم خطئكم الذي كاف منكم فيما بينكم وبين ربكم.

عدد الصفحات ٢٩٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 293 - سورة البقرة الجزء الاول وفي زبدة التفسير: وإنما عوقبوا بأخذ الصاعقة لهم لأنهم طلبوا ما لم يأذف اللّو بو من رؤيتو في الدنيا، وىذا غاية الظلم و الجرأة على اللّو و على رسولو، أما في الآخرة فقد تواترت الأحاديث الصحيحة بأف العباد يروف ربهم في الآخرة، وىي قطعية الدلالة. قاؿ ابن العثيمين: وىذه إحدى الآيات الخمس التي في سورة البقرة التي فيها إحياء الله تعالى الموتى؛ والثانية: في قصة صاحب البقرة؛ والثالثة: في الذين خرجوا من ديارىم وىم ألوؼ حذر الموت، فقاؿ الله لهم{ :موتوا ثم أحياىم} [البقرة: ٖٕٗ]؛ والرابعة: في قصة الذي مر على قرية وىي خاوية على عروشها، فقاؿ{ :أنى يحيي ىذه الله بعد موتها فأماتو الله مادة عاـ ثم بعثو[ }البقرة: ٜٕ٘]؛ والخامسة في قصة إبراىيم{ :رب أرني كيف تحيي الموتى قاؿ أو لم تؤمن قاؿ بلى ولكن ليطمئن قلبي ... [ }البقرة: ٕٓٙ]الآية؛ والله تعالى على كل شيء قدير، ولا ينافي ىذا ما ذكر الله في قولو تعالى{ :ثم إنكم بعد ذلك لميتوف * ثم إنكم يوـ القيامة تبعثوف[ }المؤمنوف: ٘ٔ، ٙٔ]؛ لأف ىذه القصص الخمس، وغيرىا. كإخراج عيسى الموتى من قبورىم. تعتبر أمرا عارضا يؤتى بو لآية من آيات الله سبحانو وتعالى؛ أما البعث العاـ فإنو لا يكوف إلا يوـ القيامة؛ ولهذا نقوؿ في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين، ويقولوف{ :متى ىذا الوعد إف كنتم صادقين[ }الأنبياء: ٖٛ]، ويقولوف{ :فأتوا بآبادنا إف كنتم صادقين[ }الدخاف: ٖٙ]نقوؿ: إف ىؤلاء مموىوف؛ فالرسل لم تقل لهم: إنكم تبعثوف الآف؛ بل يوـ القيامة؛ ولينتظروا، فسيكوف ىذا بلا ريب.. (الفوادد) ٔ- تذكير الله تعالى بني إسراديل بنعمتو عليهم، حيث بعثهم من بعد موتهم. ٕ- سفاىة بني إسراديل؛ وما أكثر ما يدؿ على سفاىتهم؛ فهم يؤمنوف بموسى، ومع ذلك قالوا{ :لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} ٖ- أف من سأؿ ما لا يمكن فهو حري بالعقوبة؛ لقولو تعالى{ :فأخذتكم الصاعقة} ؛ لأف الفاء تدؿ على السببية. ولا سيما في مثل حاؿ ىؤلاء الذين قالوا ىذا عن تشكك؛ وفرؽ بين قوؿ موسى عليو السلاـ{ :رب أرني أنظر إليك} [الأعراؼ: ٖٗٔ]، وبين قوؿ ىؤلاء{ :لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}؛ فموسى قاؿ ذلك شوقا إلى الله عز وجل، وليتلذذ بالرؤية إليو؛ أما ىؤلاء فقالوه تشككا. يعني: لسنا بمؤمنين إلا إذا رأيناه جهرة؛ ففرؽ بين الطلبين. ٗ- أف ألم العقوبة، ووقعها إذا كاف الإنساف ينظر إليها أشد؛ لقولو تعالى{ :وأنتم تنظروف}؛ فإف الإنساف إذا رأى الناس يتساقطوف في العقوبة يكوف ذلك أشد وقعا عليو. ٘- بياف قدرة الله سبحانو وتعالى، حيث أحياىم بعد الموت؛ لقولو تعالى: ثم بعثناكم من بعد موتكم} ٙ- وجوب الشكر على من أنعم الله عليو بنعمة؛ لقولو تعالى{ :لعلكم تشكروف}؛ والشكر ىو القياـ بطاعة المنعم إقرارا بالقلب، واعترافا باللساف، وعملا بالأركاف؛ فيعترؼ بقلبو أنها من الله، ولا يقوؿ: إنما أوتيتو على علم عندي؛

عدد الصفحات ٢٩٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 294 - سورة البقرة الجزء الاول كذلك أيضا يتحدث بها بلسانو اعترافا. لا افتخارا؛ وكذلك أيضا يقوـ بطاعة الله سبحانو وتعالى بجوارحو؛ وبهذه الأركاف الثلاثة يكوف الشكر؛ وعليو قوؿ الشاعر: (أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا) ٚ- إثبات الحكمة لله تعالى: لقولو{ :لعلكم تشكروف}؛ فإف "لعل" ىنا للتعليل المفيد للحكمة.. وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَاـَ وَأَنػْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقػْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنػْفُسَهُ مْ يَظْلِمُوفَ (ٚ٘) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :وظللنا عليكم الغماـ}أي جعلناه ظلا عليكم؛ وكاف ذلك في التيو حين تاىوا؛ وقد بقوا في التيو بين مصر والشاـ أربعين سنة يتيهوف في الأرض؛ وما كاف عندىم ماء، ولا مأوى؛ ولكن الله تعالى رحمهم، فظلل عليو الغماـ؛ و {الغماـ} ىو السحاب الرقيق الأبيض؛ وقيل: السحاب مطلقا؛ وقيل: السحاب البارد الذي يكوف بو الجو باردا، ويتولد منو رطوبة، فيبرد الجو. وىذا ىو الظاىر.. قاؿ الطبري: قاؿ ابن عباس: (وظللنا عليكم الغماـ) ، قاؿ: ىو غماـ أبرد من ىذا وأطيب، وىو الذي يأتي الله عز وجل فيو يوـ القيامة في قولو: (في ظلل من الغماـ[ )البقرة: ٕٓٔ]، وىو الذي جاءت فيو الملادكة يوـ بدر. قاؿ ابن عباس: وكاف معهم في التيو. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :وأنزلنا عليكم المن} :يقولوف: {المن} شيء يشبو العسل؛ ينزؿ عليهم بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس؛ فإذا قاموا أكلوا منو. قاؿ الطبري: قاؿ ابن عباس: كاف المن ينزؿ على شجرىم، فيغدوف عليو، فيأكلوف منو ما شاءوا. قاؿ ابن كثير: وَالظَّاىِرُ، وَاللَّوُ أَعْلَمُ، أَنَّوُ كُل مَا امْتَنَّ اللَّوُ بِوِ عَلَيْهِمْ مِنْ طَعَاـٍ وَشَرَابٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا لَيْسَ لَهُمْ فِيوِ عَمَلٌ وَلاَ كَد ، فَالْمَن الْمَشْهُورُ إِفْ أُكِلَ وَحْدَهُ كَافَ طَعَامًا وَحَلاَوَةً، وَإِفْ مُزِجَ مَعَ الْمَاءِ صَارَ شَرَابًا طَيِّبًا، وَإِفْ رُكِّبَ مَعَ غَيْرِهِ صَارَ نػَوْعًا آخَرَ، وَلَكِنْ لَيْسَ ىُوَ الْمُرَادَ مِنَ الآْيَةِ وَحْدَهُ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قػَوْؿُ الْبُخَارِيِّ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، ، قَاؿَ : قَاؿَ النَّبِي : "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُىَا شِفَا ءٌ لِلْعَيْنِ ".(ٔ) قاؿ الطبري:{والسلوى} عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي : السلوى طير يشبو الس مانى. قاؿ ابن العثيمين: طادر ناعم يسمى "السمانى"، أو ىو شبيو بو؛ وىو من أحسن ما يكوف من الطيور، وألذه لحما.. ٔ- صحيح البخاري برقم (ٛٚٗٗ) ، وصحيح مسمم برقم (ٜٕٗٓ)، والمسند (ٔ/ٚٛٔ) .

عدد الصفحات ٢٩٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 295 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى: {كلوا} الأمر ىنا للإباحة؛ يعني أننا أبحنا لكم ىذا الذي أنزلنا عليكم من المن، والسلوى؛ {من طيبات ما رزقناكم{ : }من} ىنا لبياف الجنس؛ وليست للتبعيض؛ لأنهم أبيح لهم أف يأكلوا جميع الطيبات.. قولو تعالى{ :وما ظلمونا} أي ما نقصونا شيئا؛ لأف الله لا تضره معصية العاصين ولا تنفعو طاعة الطادعين.. قولو تعالى{ :ولكن كانوا أنفسهم يظلموف{ : }أنفسهم} مفعوؿ مقدـ لػ {يظلموف} ؛ وقدـ لإفادة الحصر. أي لا يظلموف بهذا إلا أنفسهم؛ أما الله. تبارؾ وتعالى. فإنهم لا يظلمونو؛ لأنو سبحانو وبحمده لا يتضرر بمعصيتهم، كما لا ينتفع بطاعتهم.. قاؿ ابن كثير: أَيْ أَمَرْنَاىُمْ بِالأَْكْلِ مِمَّا رَزَقػْنَاىُمْ وَأَفْ يػَعْبُدُوا، كَ مَا قَاؿَ { :كُلُوا مِنْ رِزْؽِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَوُ } [سَبَأٍ:٘ٔ] فَخَالَفُوا وَكَفَرُوا فَظَلَمُوا أَنػْفُسَهُمْ، ىَذَا مَعَ مَا شَاىَدُوهُ مِنَ الآْيَاتِ الْبػَ يػِّنَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْقَاطِعَاتِ، وَخَوَارِؽِ الْعَادَاتِ، وَمِنْ ىَاىُنَا تػَتَبػَيَّنُ فَضِيلَةُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَرَضِيَ عَنػْهُمْ، عَلَى سَادِرِ أَصْحَابِ الأَْنْبِيَاءِ فِي صَبْرِىِمْ وَثػَبَاتِهِمْ وَعَدَـِ تػَعَن تِهِمْ، كَمَا كَانُوا مَعَ وُ فِي أَسْفَارِهِ وَغَزَوَاتِوِ، مِنػْهَا عَاـُ تػَبُوؾَ، فِي ذَلِكَ الْقَيْظِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْجَهْدِ، لَمْ يَسْأَلُوا خَرْؽَ عَادَةٍ، وَلاَ إِيجَادَ أَمْرٍ، مَعَ أَفَّ ذَلِكَ كَافَ سَهْلاً عَلَى الرَّسُوؿِ ، وَلَكِنْ لَمَّا أَجْهَدَىُمُ الْجُوعُ سَأَلُوهُ فِي تَكْثِيرِ طَعَامِهِمْ فَجَمَعُوا مَا مَعَهُمْ، فَجَاءَ قَدْرَ مَبْرؾ الشاة، فدعا الله فيو، وأمرىم فملأوا كُلَّ وِعَاءٍ مَعَهُمْ، وَكَذَا لَمَّا احْتَاجُوا إِلَى الْمَاءِ سَأَؿَ اللَّوَ تػَعَالَى، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَأَمْطَرَتػْهُمْ، فشربوا وسقوا الإبل وملؤوا أَسْقِيَتػَهُمْ . ثُمَّ نَظَرُوا فَإِذَا ىِيَ لَمْ تُجَاوِزِ الْعَسْكَرَ . فػَهَذَا ىُوَ الأَْكْمَلُ فِي الاِتػِّبَاعِ : الْمَشْيُ مَعَ قَدَرِ اللَّوِ، مَعَ مُتَابػَعَةِ الرَّسُوؿِ . قاؿ البغوي: عَنْ ىَمَّاـِ بْنِ مُنَبِّوٍ أَنَا أَبُو ىُرَيػْرَ ةَ قَاؿَ : قَاؿَ رَسُوؿُ اللَّوِ : «لَوْلاَ بػَنُو إِسْرَادِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَاـُ وَلَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلاَ حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنػْثَى زَوْجَهَا الدىر»(ٔ) . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- نعمة الله تبارؾ وتعالى بما ىيأه لعباده من الظل؛ فإف الظل عن الحر من نعم الله على العباد؛ ولهذا ذكره الله عز وجل ىنا ممتنا بو على بني إسراديل؛ لقولو تعالى{ :وظللنا عليكم الغماـ}، وقولو تعالى{ :وا جعل لكم مما خلق ظلالا[ }النحل: ٔٛ] ٕ- أف الغماـ يسير بأمر الله عز وجل، حيث جعل الغماـ ظلا على ىؤلاء ... -ٔ إسناده صحيح. أحمد بن يوسف أبو الحسن، من رجال مسمم، وقد توبع ومن دونو ومن فوقو رجال البخاري ومسمم، معمر ىو ابن راشد . وىو في «شرح السنة» (ٕٖٕٛ) بيذا الإسناد. وأخرجو مسمم ٓٚٗٔ ح ٖٙ من طريق أحمد بن يوسف بو. - وأخرجو البخاري ٜٜٖٖ وأحمد ٕ/ ٖ٘ٔ وابن حبان ٜٙٔٗ من طريق عبد الرزاق بيذا الإسناد. - وأخرجو البخاري ٖٖٖٓ من طريق عبد الله عن معمر بو، ومسمم ٓٚٗٔ من طريق أبي يونس مولى أبي ىريرة عن أبي ىريرة بو. وأخرجو أحمد ٕ/ ٖٗٓ من طريق خلاس بن عمرو اليجري عن أبي ىريرة بو.

عدد الصفحات ٢٩٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 296 - سورة البقرة الجزء الاول ٖ- بياف نعمة الله على بني إسراديل بما أنزؿ عليهم من المن، والسلوى. يأتيهم بدوف تعب، ولا مشقة؛ ولهذا وصف بػ "المن".. ٗ- أف لحم الطيور من أفضل اللحوـ؛ لأف الله تعالى ىيأ لهم لحوـ الطير. وىو أيضا لحوـ أىل الجنة، كما قاؿ تعالى{ :ولحم طير مما يشتهوف}الواقعة: ٕٔ) ٘- أف الإنساف إذا أنعم الله عليو بنعمة فينبغي أف يتبسط بها، ولا يحرـ نفسو منها؛ لقولو تعالى {كلوا من طيبات ما رزقناكم[ }البقرة: ٚ٘]؛ فإف الإنساف لا ينبغي أف يتعفف عن الشيء المباح؛ ولهذا قاؿ شيخ الإسلاـ. رحمو الله: "من امتنع من أكل الطيبات لغير سبب شرعي فهو مذموـ"؛ وىذا صحيح؛ لأنو ترؾ ما أباح الله لو وكأنو يقوؿ: إنو لا يريد أف يكوف لله عليو منة؛ فالإنساف لا ينبغي أف يمتنع عن الطيبات إلا لسبب شرعي؛ والسبب الشرعي قد يكوف لسبب يتعلق ببدنو؛ وقد يكوف لسبب يتعلق بدينو؛ وقد يكوف لسبب يتعلق بغيره؛ فقد يمتنع الإنساف عن اللحم؛ لأف بدنو لا يقبلو، فيكوف تركو لو من باب الحمية؛ وقد يترؾ الإنساف اللحم، لأنو يخشى أف تتسلى بو نفسو حتى يكوف ىمو أف يذىب طيباتو في حياتو الدنيا؛ وقد يترؾ الإنساف الطيب من الرزؽ مراعاة لغيره، مثل ما يذكر عن عمر في عاـ الرمادة. عاـ الجدب المشهور. أنو كاف لا يأكل إلا الخبز والزيت، حتى اسود جلده، ويقوؿ: بئس الوالي أنا إف شبعت والناس جياع (ٔ) ؛ فيكوف تركو لذلك مراعاة لغيره؛ إذا من امتنع من الطيبات لسبب شرعي فليس بمذموـ.. ٙ- أف المباح من الزرؽ ىو الطيب؛ لقولو تعالى: (كلوا من طيبات) .. ٚ- تحريم أكل الخبيث، والخبيث نوعاف: خبيث لذاتو؛ وخبيث لكسبو؛ فالخبيث لذاتو كالميتة، والخنزير، والخمر، وما أشبهها، كما قاؿ الله تعالى{ :قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمو إلا أف يكوف ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنو رجس [ }الأنعاـ: ٘ٗٔ]أي نجس خبيث؛ وىذا محرـ لذاتو؛ محرـ على جميع الناس؛ وأما الخبيث لكسبو فمثل المأخوذ عن طريق الغش، أو عن طريق الربا، أو عن طريق الكذب، وما أشبو ذلك؛ وىذا محرـ على مكتسبو، وليس محرما على غيره إذا اكتسبو منو بطريق مباح؛ ويدؿ لذلك أف النبي كاف يعامل اليهود مع أنهم كانوا يأكلوف السحت، ويأخذوف الربا، فدؿ ذلك على أنو لا يحرـ على غير الكاسب.. ٛ- أف بني إسراديل كفروا ىذه النعمة؛ لقولو تعالى: (ولكن كانوا أنفسهم يظلموف) ٜ- أف العاصي لا يضر الله شيئا؛ وإنما يظلم نفسو.. -ٔ البداية والنياية ٓٔ/٘ٛٔ.

عدد الصفحات ٢٩٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 297 - سورة البقرة الجزء الاول وَإِذْ قػُلْنَا ادْخُلُوا ىَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُ وا مِنػْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نػَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (ٛ٘) فػَبَدَّؿَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قػَوْلاً غَيػْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنػْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يػَفْسُقُوفَ (ٜ٘) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :وإذ قلنا ادخلوا ىذه القرية} أي واذكروا يا بني إسراديل إذ قلنا ادخلوا ىذه القرية؛ و {ادخلوا} أمر كوني، وشرعي؛ لأنهم أمروا بأف يدخلوىا سجدا وىذا أمر شرعي؛ ثم فتحت، فدخلوىا بالأمر الكوني.. واختلف المفسروف في تعيين ىذه القرية؛ والصواب أف المراد بها: بيت المقدس؛ لأف موسى قاؿ لهم{ :ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم[ }الماددة: ٕٔ]؛ و {القرية}ىي البلد المسكوف؛ مأخوذة من القري. وىو التجمع؛ وسميت البلاد المسكونة قرية لتجمع الناس بها؛ ومفهوـ القرية في اللغة العربية غير مفهومها في العرؼ؛ لأف مفهوـ القرية في العرؼ: البلد الصغير؛ وأما الكبير فيسمى مدينة؛ ولكنو في اللغة العربية. وىي لغة القرآف. لا فرؽ بين الصغير، والكبير؛ فقد سمى الله عز وجل مكة قرية، كما في قولو تعالى{ :وكأين من قرية ىي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أىلكناىم فلا ناصر لهم[ }محمد: ٖٔ]المراد بقريتو التي أخرجتو : مكة، وقاؿ تعالى{ :وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أـ القرى ومن حولها[ }الشورى: ٚ]فسمى مكة أـ القرى وىو شامل للبلاد الصغيرة، والكبيرة.. قولو تعالى{ :فكلوا منها} الأمر للإباحة أي فأبحنا لكم أف تأكلوا منها؛ {حيث شئتم} أي في أي مكاف كنتم من البلد في وسطها، أو أطرافها تأكلوف ما تشاءوف؛ {رغدا} أي طمأنينة، وىنيئا لا أحد يعارضكم في ذلك، ولا مانعكم.. قولو تعالى{ :وادخلوا الباب} أي باب القرية؛ لأف القرى يجعل لها أبو اب تحميها من الداخل، والخارج؛ {سجدا} منصوب على أنو حاؿ من الواو في قولو تعالى: {ادخلوا}أي ساجدين؛ والمعنى: إذا دخلتم فاسجدوا شكرا لله؛ وعلى ىذا فالحاؿ ليست مقارنة لعاملها؛ بل ىي متأخرة عنو.. قولو تعالى{ :وقولوا حطة} أي قولوا ىذه الكلمة: {حطة} أي احطط عنا ذنوبنا، وأوزارنا؛ فهي بمعنى قولوا: ربنا اغفر لنا؛ والمراد: اطلبوا المغفرة من الله سبحانو وتعالى إذا دخلتم، وسجدتم؛ و {حطة}خبر لمبتدأ محذوؼ؛ والتقدير: سؤالنا حطة، أو حاجتنا حطة. أي أف تحط عنا ذنوبنا؛ والجملة من المبتدأ، والخبر في محل نصب مقوؿ القوؿ..

عدد الصفحات ٢٩٩