المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٢٢ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 266 - سورة البقرة الجزء الاول أما الاستعانة بما لا عوف فيو فهي سفو في العقل، وضلاؿ في الدين، وقد تكوف شركا : كأف يستعين بميت، أو بغادب لا يستطيع أف يعينو لبعده عنو، وعدـ تمكنو من الوصوؿ إليو ... ٖ- فضيلة الصبر، وأف بو العوف على مكابدة الأمور؛ قاؿ أىل العلم: والصبر ثلاثة أنواع؛ وأخذوا ىذا التقسيم من الاستقراء؛ الأوؿ: الصبر على طاعة الله؛ والثاني: الصبر عن معصية الله؛ والثالث: الصبر على أقدار الله؛ فالصبر على الطاعة ىو أشقها، وأفضلها؛ لأف الصبر على الطاعة يتضمن فعلا وكفا اختياريا: فعل الطاعة؛ وكف النفس عن التهاوف بها، وعدـ إقامتو؛ فهو إيجادي إيجابي؛ والصبر عن المعصية ليس فيو إلا كف فقط؛ لكنو أحيانا يكوف شديدا على النفس؛ ولهذا جعل النبي الشاب الذي دعتو امرأة ذات منصب، وجماؿ، فقاؿ: "إني أخاؼ الله" (ٔ) في رتبة الإماـ العادؿ من حيث إف الله يظلو في ظلو يوـ لا ظل إلا ظلو. وإف كاف الإماـ العادؿ أفضل.؛ لأف قوة الداعي في الشباب، وكوف المرأة ذات منصب وجماؿ، وانتفاء المانع فيما إذا كاف خاليا بها يوجب الوقوع في المحذور؛ لكن قاؿ: "إني أخاؼ الله"؛ ربما يكوف ىذا الصبر أشق من كثير من الطاعات؛ لكن نحن لا نتكلم عن العوارض التي تعرض لبعض الناس؛ إنما نتكلم عن الشيء من حيث ىو؛ فالصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية؛ والصبر عن المعصية أفضل من الصبر على أقدار الله؛ لأنو لا اختيار للإنساف في دفع أقدار الله؛ لكن مع ذلك يفقد حبيبو، أو ابنو، أو زوجتو، أو ما أشبو ذلك، ويكوف ىذا أشق عليو من كثير من الطاعات من حيث الانفعاؿ النفسي؛ والصبر على أقدار الله ليس من المكلف فيو عمل؛ لأف ما وقع لابد أف يقع صبرت، أـ لم تصبر، ىل إذا جزعت، وندمت، واشتد حزنك يرتفع المقدور؟!. الجواب: لا؛ إذا كما قاؿ بعض السلف: إما أف تصبر صبر الكراـ؛ وإما أف تسلو سلو البهادم.. ٗ- الحث على الصبر بأف يحبس الإنساف نفسو، ويحملها المشقة حتى يحصل المطلوب؛ وىذا مجرب. أف الإنساف إذا صبر أدرؾ منالو ؛ وإذا مل كسل، وفاتو خير كثير.؛ ولهذا قاؿ النبي : "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز" (ٕ) ؛ وكثير من الناس يرى أف بداءتو بهذا العمل مفيدة لو، فيبدأ، ثم لا يحصل لو مقصوده بسرعة، فيعجز، ويكل، ويترؾ؛ إذا ضاع عليو وقتو الأوؿ، وربما يكوف زمنا كثيرا؛ ولا يأمن أنو إذا عدؿ عن الأوؿ، ثم شرع في ثاف أف يصيبو مثل ما أصابو أولا، ويتر كو؛ ثم تمضي عليو حياتو بلا فاددة؛ لكن إذا صبر مع كونو يعرؼ أنو ليس بينو وبين مراده إلا امتداد الأياـ فقط، وليس ىناؾ موجب لقطعو؛ فليصبر: لنفرض أف إنسانا من طلبة العلم ىم أف يحفظ: "بلوغ المراـ"، وشرع فيو، واستمر حتى حفظ نصفو؛ لكن لحقو الملل، فعجز، وترؾ: فالمدة التي مضت خسارة عليو إلا ما يبقى في ذاكرتو مما حفظ فقط؛ لكن لو استمر، وأكمل حصل المقصود؛ وعلى ىذا فقس. ٘- فضيلة الصلاة، حيث إنها مما يستعاف بها على الأمور، وشؤوف الحياة؛ لقولو تعالى{ :والصلاة}؛ ونحن نعلم علم اليقين أف ىذا خبر -ٔ أخرجو البخاري صٚٙ٘ - ٛٙ٘، كتاب الحدود، باب ٜٔ: فضل من ترك الفواحش، حديث رقم ٙٓٛٙ؛ وأخرجو مسمم صٓٗٛ، كتاب الزكاة، باب ٖٓ: فضل إخفاء الصدقة، حديث رقم ٖٕٓٛ [ٜٔ]ٖٔٓٔ. ٕ- أخرجو مسمم صٕٗٔٔ، كتاب القدر، باب ٛ: الإيمان بالقدر والإذعان لو، حديث رقم ٗٚٚٙ [ٖٗ]ٕٗٙٙ.

عدد الصفحات ٢٦٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 267 - سورة البقرة الجزء الاول صدؽ لا مرية فيو؛ وقد روي عن النبي أنو كاف إذا حزبو أمر صلى (ٔ) ؛ ويؤيد ذلك اشتغالو لله في العريش يوـ بدر بالصلاة، ومناشدة ربو بالنصر (ٕ) . فإف قاؿ قادل: كيف تكوف الصلاة عونا للإنساف؟ فالجواب: تكوف عونا إذا أتى بها على وجو كامل. وىي التي يكوف فيها حضور القلب، والقياـ بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوـ فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب؛ ولهذا تجد الإنساف من حين أف يكبر ينفتح عليو أبواب واسعة عظيمة من الهواجس التي لا فاددة منها؛ ولذلك من حين أف يسلم تنجلي عنو، وتذىب؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنساف فيها أنو قادم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أف يسلو بها عن كل ىم؛ لأنو اتصل بالله عز وجل الذي ىو محبوبو، وأحب شيء إليو؛ ولهذا قاؿ النبي "جعلت قرة عيني في الصلاة" (ٖ) ؛ أما الإنساف الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبو مشغوؿ بغيرىا فهذا لا تكوف الصلاة عونا لو؛ لأنها صلاة ناقصة؛ فيفوت من آثارىا بقدر ما نقص فيها، كما قاؿ الله تعالى{ :اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إف الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر[ }العنكبوت: ٘ٗ]؛ وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها لا يجد أف قلبو تغير من حيث الفحشاء والمنكر. ىو على ما ىو عليو.؛ لا لاف قلبو لذكر، ولا تحوؿ إلى محبة العبادة.. ٙ- أنو إذا طالت أحزانك فعليك بالصبر، والصلاة.. ٚ- أف الأعماؿ الصالحة شاقة على غير الخاشعين. ولا سيما الصلاة ... ٛ- أف تحقيق العبادة لله سبحانو وتعالى بالخشوع لو مما يسهل العبادة على العبد؛ فكل من كاف لله أخشع كاف لله أطوع؛ لأف الخشوع خشوع القلب؛ والإخبات إلى الله تعالى، والإنابة إليو تدعو إلى طاعتو.. الَّذِينَ يَظُن وفَ أَنػَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنػَّهُمْ إِلَيْوِ رَاجِعُوفَ (ٙٗ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :الذين يظنوف} أي يتيقنوف؛ و "الظن" يستعمل في اللغة العربية بمعنى اليقين، ٔ- أخرجو أحمد ٘/ٖٛٛ، حديث رقم ٖٕٛٛٙ؛ وأخرجو أبو داود صٕٖٔٔ، كتاب الصلاة، باب ٕٕ: وقت قيام النبي من الميل، حديث رقم ٜٖٔٔ، ومدار الحديث عمى محمد بن عبد الله بن أبي قدامة الدؤلي، قال الذىبي: "ما أعمم روى عنو غير عكرمة بن عمار". ميزان الاعتدال (ٖ/ٜ٘٘) رقم ٚٗٚٚ، وأقره الحافظ في تيذيب التيذيب ٜ/ٕٔٗ، وقال شعيب الأرناؤوط في تحرير التقريب: "مجيول"، تفرد بالرواية عنو عكرمة بن عمار اليمامي و لم يوثقو أحد ٖ/ٕٕٚ، وقال الحافظ في الفتح: أخرجو أبو داود بإسناد حسن ٖ/ٕٚٔ. ٕ- راجع البخاري صٖٕٗ، كتاب الجياد، باب ٜٛ: ما قيل في درع النبي والقميص في الحرب، حديث رقم ٜٕ٘ٔ؛ ومسمما صٜٜٓ، كتاب الجياد، باب ٛٔ: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وا باحة الغنائم، حديث رقم ٛٛ٘ٗ [ٛ٘]ٖٙٚٔ؛ والسيرة النبوية لابن ىشام ٕ/ٜٙٔ. ٖ- أخرجو أحمد ٖ/ٕٛٔ، حديث رقم ٖٕٛٔٔ؛ وأخرجو النسائي صٖٕٚٓ، كتاب عشرة النساء، باب ٔ: حب النساء، حديث رقم ٜٖٖٔ، وقال الألباني في صحيح النسائي: حسن صحيح ٖ/ٚ٘، حديث رقم ٜٜٖٗ.

عدد الصفحات ٢٦٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 268 - سورة البقرة الجزء الاول ولو أمثلة كثيرة؛ منها قوؿ الله. تبارؾ وتعالى{ :.حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أف لا ملجأ من الله إلا إليو[ }التوبة: ٛٔٔ]، وقولو تعالى{ :ورأى المجرموف النار فظنوا أنهم مواقعوىا ولم يجدوا عنها مصرفا[ }الكهف: ٖ٘] قاؿ الطبري: إف قاؿ لنا قادل: وكيف أخبر الله جل ثناؤه عمن قد وصفو بالخشوع لو بالطاعة، أنو "يظن" أنو ملاقيو، والظن: شك، والشاؾ في لقاء الله عندؾ بالله كافر؟ قيل لو: إف العرب قد تسمي اليقين "ظنا"، والشك "ظنا"، نظير تسميتهم الظلمة "سدفة"، والضياء "سدفة"، والمغيث "صارخا "، والمستغيث "صارخا "، وما أشبو ذلك من الأسماء التي تسمي بها الشيء وضده. حدثني المثنى، قاؿ: حدثنا إسحاؽ، قاؿ: حدثنا أبو داود الحفري، عن سفياف، عن ابن أبي نجيح، عن مجاىد، قاؿ: كل ظن في القرآف فهو علم. (ٔ) فتأويل الآية إذا: واستعينوا على الوفاء بعهدي بالصبر عليو والصلاة، وإف الصلاة لكبيرة إلا على الخادفين عقابي، المتواضعين لأمري، الموقنين بلقادي والرجوع إلي بعد مماتهم. وإنما أخبر الله جل ثناؤه أف الصلاة كبيرة إلا على من ىذه صفتو؛ لأف من كاف غير موقن بمعاد ولا مصدؽ بمرجع ولا ثواب ولا عقاب، فالصلاة عنده عناء وضلاؿ، لأنو لا يرجو بإقامتها إدراؾ نفع ولا دفع ضر، وحق لمن كانت ىذه الصفة صفتو أف تكوف الصلاة عليو كبيرة، وإقامتها عليو ثقيلة، ولو فادحة. وإنما خفت على المؤمنين المصدقين بلقاء الله، الراجين عليها جزيل ثوابو، الخادفين بتضييعها أليم عقابو، لما يرجوف بإقامتها في معادىم من الوصوؿ إلى ما وعد الله عليها أىلها، ولما يحذروف بتضييعها ما أوعد مضيعها. فأمر الله جل ثناؤه أحبار بني إسراديل الذين خاطبهم بهذه الآيات، أف يكونوا من مقيميها الراجين ثوابها إذا كانوا أىل يقين بأنهم إلى الله راجعوف، وإياه في القيامة ملاقوف. القوؿ في تأويل قولو تعالى {وَأَنػَّهُمْ إِلَيْوِ رَاجِعُوفَ } قاؿ الطبري: و"الهاء والميم" اللتاف في قولو: (وأنهم) من ذكر الخاشعين، و"الهاء" في "إليو" من ذكر الرب تعالى ذكره في قولو: (ملاقو ربهم) فتأويل الكلمة: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الموقنين أنهم إلى ربهم راجعوف. ثم اختلف في تأويل "الرجوع " الذي في قولو: (وأنهم إليو راجعوف) فقاؿ بعضهم عن أبي العالية في قولو: (وأنهم إليو راجعوف) ، قاؿ: يستيقنوف أنهم يرجعوف إليو يوـ القيامة. وقاؿ آخروف: معنى ذلك أنهم إليو يرجعوف بموتهم. ٔ- الأثر: إسحاق: ىو ابن راىوي و الإمام الحافظ. أبو داود الحفري - بالحاء الميممة والفاء المفتوحتين - ىو: عمر بن سعد بن عبيد. ووقع في تفسير ابن كثير ٔ: ٜ٘ٔ"أبو داود الجبري "، وىو تصحيف. وسفيان: ىو الثوري .

عدد الصفحات ٢٧٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 269 - سورة البقرة الجزء الاول وأولى التأويلين بالآية، القوؿ الذي قالو أبو العالية؛ لأف الله تعالى ذكره، قاؿ في الآية التي قبلها: (كيف تكفروف بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليو ترجعوف ) فأخبر جل ثناؤه أف مرجعهم إليو بعد نشرىم وإحيادهم من مماتهم، وذلك لا شك يوـ القيامة، فكذلك تأويل قولو: (وأنهم إليو راجعوف) . قاؿ ابن العثيمين: {وأنهم إليو راجعوف}: أي في جميع أمورىم، كما قاؿ تعالى{ :وإليو يرجع الأمر كلو[ }ىود: ٖٕٔ]، وقاؿ تعالى{ :وإلى الله ترجع الأمور}البقرة: ٕٓٔ) (الفوادد) ٔ- إثبات ملاقاة الله عز وجل؛ لأف الله مدح الذين يتيقنوف بهذا اللقاء.. ٕ- إثبات رؤية الله عز وجل، كما ذىب إليو كثير من العلماء؛ لأف اللقاء لا يكوف إلا مع المقابلة، وىذا يعني ثبوت الرؤية؛ فإف استقاـ الاستدلاؿ بهذه الآية على رؤية الله فهذا مطلوب؛ وإف لم يستقم الاستدلاؿ فثم أدلة أخرى كثيرة تدؿ على ثبوت رؤية الله عز وجل يوـ القيامة.. ٖ- أف ىؤلاء المؤمنين يوقنوف أنهم راجعوف إلى الله في جميع أمورىم؛ وىذا يستلزـ أمورا:. أولا: الخوؼ من الله؛ لأنك ما دمت تعلم أنك راجع إلى الله، فسوؼ تخاؼ منو.. ثانيا: مراقبة الله عز وجل. المراقبة في الجوارح .؛ والخوؼ في القلب؛ يعني أنهم إذا علموا أنهم سيرجعوف إلى الله، فسوؼ يخشونو في السر، والعلانية.. ثالثا: الحياء منو؛ فلا يفقدؾ حيث أمرؾ، ولا يجدؾ حيث نهاؾ.. يَا بَنِي إِسْرَادِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنػْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (ٚٗ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :يا بني إسراديل اذكروا نعمتي} أي بألسنتكم، وقلوبكم؛ والمراد بػ "النعمة"، وإف كانت مفردة. جميع النعم، كما قاؿ الله تعالى{ :وإف تعدوا نعمة الله لا تحصوىا}إبراىيم: ٖٗ). قولو تعالى{ :التي أنعمت عليكم} وىي نعم كثيرة؛ منها ما ذكرىم بها نبيهم موسى. عليو الصلاة والسلاـ.، حيث قاؿ{ :اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} [الماددة: ٕٓ]وىي نعم عظيمة دينية، ودنيوية؛ فالدينية في قولو{ :إذ جعل فيكم أنبياء}؛ والدنيوية في قولو: {وجعلكم ملوكا }؛ و {آتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين}من النعمتين.. قاؿ الطبري: القوؿ في تأويل قولو تعالى {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } :وىذا أيضا مما ذكرىم جل ثناؤه من آلادو ونعمو عندىم. ويعني بقولو: (وأني فضلتكم على العالمين) : أني فضلت أسلافكم، فنسب نعمو على

عدد الصفحات ٢٧١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 271 - سورة البقرة الجزء الاول آبادهم وأسلافهم إلى أنها نعم منو عليهم، إذ كانت مآثر الآباء مآثر للأبناء، والنعم عند الآباء نعما عند الأبناء، لكوف الأبناء من الآباء، وأخرج جل ذكره قولو: (وأني فضلتكم على العالمين) مخرج العموـ، وىو يريد بو خصوصا؛ لأف المعنى: وإني فضلتكم على عالم من كنتم بين ظهريو وفي زمانو. عن أبي العالية: (وأني فضلتكم على العالمين) قاؿ: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب، على عالم من كاف في ذلك الزماف، فإف لكل زماف عالما. عن ابن جريج، قاؿ: قاؿ مجاىد في قولو: (وأني فضلتكم على العالمين) قاؿ: على من ىم بين ظهرانيو. قاؿ ابن العثيمين: وأصل "عالمين" كل من سوى الله، كما قاؿ تعالى{ :الحمد لله رب العالمين[ }الفاتحة]؛ فليس ثم إلا رب، ومربوب؛ العالم: مربوب؛ والله: رب؛ فالعالم من سوى الله؛ وسمي عالما؛ لأنو علم على خالقو؛ فإف العالم من آيات الله سبحانو وتعالى الدالة على كماؿ علمو، وقدرتو، وسلطانو، وحكمتو، وغير ذلك من معاني ربوبيتو.. قاؿ محمد رشيد رضا: طَلَبَ مِنػْهُمْ أَفْ يَذْكُرُوا نِعْمَتَوُ، وَتػَفْضِيلَوُ إِيَّاىُمْ عَلَى النَّاسِ، إِحْيَاءً لِشُعُورِ الْكَرَامَةِ فِي نػُفُوسِهِمْ، وَوَصْلِوِ بِالأَْمْرِ بِاتػِّقَاءِ يػَوْـِ الدِّينِ وَالْجَزَاءِ . وَىَذَا أُسْلُوبٌ حَكِيمٌ فِي الْوَعْظِ، فػَيػَنْبَغِي لِكُلِّ وَاعِظٍ أَفْ يػَبْدَأَ وَعْظَوُ بِإِحْيَاءِ إِحْسَاسِ الشَّرَؼِ وَشُعُورِ الْكَرَامَةِ فِي نػُفُوسِ الْمَوْعُوظِينَ لِتَسْتَعِدَّ بِذَلِكَ لِقَبُوؿِ الْمَوْعِظَةِ (وَتَجِدَ مِنْ ذَلِكَ الإِْحْسَاسِ مَعُونَةً مِنَ الْعَزِيمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي ىِيَ مِنْ خَصَادِصِ النػ فُوسِ الْكَرِيمَةِ عَلَى عَوَامِلِ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ، فَإِفَّ النػَّفْسَ إِذَا اسْتَشْعَرَتْ كَرَامَتػَهَا وَعُلُوَّىَا إِلَى مَا فِي الرَّذَادِلِ مِنَ الْخِ سَّةِ أَبَى لَهَا ذَلِكَ الش عُورُ - شُعُورُ الْعُلُوِّ وَالرِّفػْعَةِ - أَفْ تػَنْحَطَّ إِلَى تػَعَاطِي تِلْكَ الْخَسَادِسِ، وَكَافَ ذَلِكَ مِنْ أَقػْوَى الْوَسَادِلِ لِمُسَاعَدَةِ الْوَاعِظِ عَلَى بػُلُوغِ قَصْدِهِ مِنْ نػَفْسِ مَنْ يػُوَجِّوُ إِلَيْوِ وَعْظَوُ ، ثُمَّ إِفَّ فِي الْوَعْظِ مَا يػُؤْلِمُ نػَفْسَ الْمَوْعُوظِ، وَحَرَجَا يَكَادُ يَحْمِلُهَا عَلَى النػَّفْرَةِ مِنْ تػَلْقِينِوِ، وَالاِسْتِنْكَاؼِ مِنْ سَمَاعِوِ، فَذِكْرُ الْوَاعِظِ لِمَا يُشْعِرُ بِكَرَامَةِ الْمُخَاطَبِ وَرِفػْعَةِ شَأْنِوِ، وَإِبَاءِ مَ ا يػَنْمِي إِلَيْوِ مِنَ الشَّرَؼِ أَفْ يَدُوـَ عَلَى مِثْلِ مَا يػَقْتَرِؼُ يػُقْبِلُ بِالنػَّفْسِ عَلَى الْقَبُوؿِ، كَمَا يػُقْبِلُ الْجَرِيحُ عَلَى مَنْ يُضَمِّدُ جِرَاحَوُ وَيُسَكِّنُ آلاَمَوُ ) . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أنو يجب على بني إسراديل أف يذكروا نعمة الله عليهم، فيقوموا بشكرىا؛ ومن شكرىا أف يتبعوا محمدا . ٕ- إظهار أف ىذه النعمة لم تأت بكسبهم، ولا بكدىم، ولا بإرث عن آبادهم؛ وإنما ىي بنعمة الله عليهم؛ لقولو تعالى: (أنعمت عليكم) . ٖ- أف بني إسراديل أفضل العالم في زمانهم؛ لقولو تعالى{ :وأني فضلتكم على العالمين}؛ لأنهم في ذلك الوقت ىم أىل الإيماف؛ ولذلك كتب لهم النصر على أعدادهم العمالقة، فقيل لهم{ :ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم[ }الماددة: ٕٔ]؛ و "الأرض المقدسة" ىي فلسطين؛ وإنما كتب الله أرض فلسطين لبني إسراديل في عهد

عدد الصفحات ٢٧٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 271 - سورة البقرة الجزء الاول موسى؛ لأنهم ىم عباد الله الصالحوف؛ والله سبحانو وتعالى يقوؿ{ :ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أف الأرض يرثها عبادي الصالحوف[ }الأنبياء: ٘ٓٔ]، وقاؿ موسى لقومو{ :إف الأرض لله يورثها من يشاء من عباده[ }الأعراؼ: ٕٛٔ]، ثم قاؿ{ :والعاقبة للمتقين[ }الأعراؼ: ٕٛٔ]؛ إذا المتقوف ىم الوارثوف للأرض؛ لكن بني إسراديل اليوـ لا يستحقوف ىذه الأرض المقدسة؛ لأنهم ليسوا من عباد الله الصالحين؛ أما في وقت موسى فكانوا أولى بها من أىلها؛ وكانت مكتوبة لهم، وكانوا أحق بها؛ لكن لما جاء الإسلاـ الذي بعث بو النبي صار أحق الناس بهذه الأرض المسلموف. لا العرب.؛ ففلسطين ليس العرب بوصفهم عربا ىم أىلها؛ بل إف أىلها المسلموف بوصفهم مسلمين. لا غير وبوصفهم عبادا لله عز وجل صالحين؛ ولذلك لن ينجح العرب فيما أعتقد. والعلم عند الله. في استرداد أرض فلسطين باسم العروبة أبدا؛ ولا يمكن أف يستردوىا إلا باسم الإسلاـ على ما كاف عليو النبي ، وأصحابو، كما قاؿ تعالى{ :إف الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين[ }الأعراؼ: ٕٛٔ]؛ ومهما حاوؿ العرب، ومهما ملأوا الدنيا من الأقواؿ والاحتجاجات، فإنهم لن يفلحوا أبدا حتى ينادوا بإخراج اليهود منها باسم دين الإسلاـ. بعد أف يطبقوه في أنفسهم.؛ فإف ىم فعلوا ذلك فسوؼ يتحقق لهم ما أخبر بو النبي "لا تقوـ الساعة حتى يقاتل المسلموف اليهود، فيقتلهم المسلموف حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر، والشجر، فيقوؿ الحجر، أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، ىذا يهودي خلفي، فتعاؿ فاقتلو" (ٔ) ؛ فالشجر، والحجر يدؿ المسلمين على اليهود يقوؿ: "يا عبد الله". باسم العبودية لله.، ويقوؿ: "يا مسلم". باسم الإسلاـ.؛ والرسوؿ يقوؿ: "يقاتل المسلموف اليهود"، ولم يقل: "العرب".. ولهذا أقوؿ: إننا لن نقضي على اليهود باسم العروبة أبدا؛ لن نقضي عليهم إلا باسم الإسلاـ؛ ومن شاء فليقرأ قولو تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أف الأرض يرثها عبادي الصالحوف[ }الأنبياء: ٘ٓٔ]فجعل الميراث لعباده الصالحين؛ وما علق بوصف فإنو يوجد بوجوده، وينتفي بانتفادو؛ فإذا كنا عباد الله الصالحين ورثناىا بكل يسر وسهولة، وبدوف ىذه المشقات، والمتاعب، والمصاعب، والكلاـ الطويل العريض الذي لا ينتهي أبدا!! نستحلها بنصر الله عز وجل، وبكتابة الله لنا ذلك. وما أيسره على الله.! ونحن نعلم أف المسلمين ما ملكوا فلسطين في عهد الإسلاـ الزاىر إلا بإسلامهم؛ ولا استولوا على المدادن عاصمة الفرس، ولا على عاصمة الروـ، ولا على عاصمة القبط إلا بالإسلاـ؛ ولذلك ليت شبابنا يعوف وعيا صحيحا بأنو لا يمكن الانتصار المطلق إلا بالإسلاـ الحقيقي. لا إسلاـ الهوية بالبطاقة الشخصية.! ولعل بعضنا سمع قصة سعد بن أبي وقاص حينما كسرت الفرس الجسور على نهر دجلة، وأغرقت السفن لئلا يعبر المسلموف إليهم؛ فسخر الله لهم البحر؛ فصاروا يمشوف على ظهر الماء بخيلهم، ورجلهم، وإبلهم؛ يمشوف على الماء كما يمشوف على الأرض لا يغطي الماء خفاؼ الإبل؛ وإذا تعب فرس أحدىم -ٔ أخرجو البخاري صٖٕ٘، كتاب الجياد والسير، باب ٜٗ: قتال الييود، حديث رقم ٕٜٕٙ؛ وأخر جو مسمم صٗٛٔٔ، كتاب الفتن، باب ٛٔ: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، حديث رقم ٜٖٖٚ [ٕٛ]ٕٕٜٕ.

عدد الصفحات ٢٧٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 272 - سورة البقرة الجزء الاول قيض الله لو صخرة تربو حتى يستريح عليها؛ وىذا من آيات الله. ولا شك.؛ والله تعالى على كل شيء قدير؛ فالذي فلق البحر لموسى. عليو الصلاة والسلاـ. ولقومو، وصار يبسا في لحظة، ومشوا عليو آمنين؛ قادر على ما ىو أعظم من ذلك.. فالحاصل أف بني إسراديل لا شك أفضل العالمين حينما كانوا عباد الله الصالحين؛ أما حين ضربت عليهم الذلة، واللعنة، والصغار فإنهم ليسوا أفضل العالمين؛ بل منهم القردة، والخنازير؛ وىم أذؿ عباد الله لقولو تعالى{ :ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله[ }آؿ عمراف: ٕٔٔ]، وقولو تعالى: {لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوـ لا يعقلوف[ }الحشر: ٗٔ] ويدؿ لذلك. أي أف المراد بقولو تعالى{ :.فضلتكم على العالمين}أي في وقتكم، أو فيمن سبقكم: قولو تعالى في ىذه الأمة أمة محمد { :كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمروف بالمعروؼ وتنهوف عن المنكر وتؤمنوف بالله ولو آمن أىل الكتاب لكاف خيرا لهم[ }آؿ عمراف: ٓٔٔ]؛ فقولو تعالى{ :كنتم خير أمة أخرجت للناس}صريح في تفضيلهم على الناس؛ ولهذا قاؿ تعالى{ :ولو آمن أىل الكتاب لكاف خيرا لهم}؛ وقد ثبت عن النبي أننا نوفي سبعين أمة نحن أكرمها، وأفضلها عند الله عز وجل (ٔ) . وىذا أمر لا شك فيو.، ولله الحمد.. ٗ- أف الله تعالى إذا فضل أحدا بعلم، أو ماؿ، أو جاه فإف ذلك من النعم العظيمة؛ لقولو تعالى{ :وأني فضلتكم على العالمين}خصها بالذكر لأىميتها ... ٘- تفاضل الناس، وأف الناس درجات؛ وىذا أمر معلوـ. حتى الرسل يفضل بعضهم بعضا.، كما قاؿ تعالى{ :تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض[ }البقرة: ٖٕ٘]، وقاؿ تعالى{ :ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض[ }الإسراء: ٘٘] وَاتػَّقُوا يػَوْمًا لاَ تَجْزِي نػَفْسٌ عَنْ نػَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يػُقْبَلُ مِنػْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يػُؤْخَذُ مِنػْهَا عَدْؿٌ وَلاَ ىُمْ يػُنْصَرُوفَ (ٛٗ) قاؿ الطبري: قولو: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) فإنو تحذير من الله تعالى ذكره عباده الذين ٔ- أخرجو أحمد ٘/ٕ، حديث رقم ٕٕٗٙٓ؛ وأخرجو الترمذي صٜٗ٘ٔ، كتاب تفسير القرآن، باب ٖ: ومن سورة آل عمران، حديث رقم ٖٔٓٓ؛ و أخرجو ابن ماجة صٖٕٚٚ، كتاب الزىد، باب ٖٗ: صفة أمة محمد ، حديث رقم ٕٛٛٗ، وقال الألباني في صحيح الترمذي: حسن ٖ/ٕٖ، حديث رقم ٜٜٖٕ.

عدد الصفحات ٢٧٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 273 - سورة البقرة الجزء الاول خاطبهم بهذه الآية -عقوبتو أف تحل بهم يوـ القيامة، وىو اليوـ الذي لا تجزي فيو نفس عن نفس شيئا، ولا يجزي فيو والد عن ولده، ولا مولود ىو جاز عن والده شيئا. (ٔ) وأما تأويل قولو: "لا تجزي نفس" فإنو يعني: لا تغني. عن السدي: "واتقوا يوما لا تجزي نفس" أما "تجزي": فتغني. أصل "الجزاء" -في كلاـ العرب-: القضاء والتعويض. يقاؿ: "جزيتو قرضو ودينو أجزيو جزاء"، بمعنى: قضيتو دينو. ومن ذلك قيل: "جزى الله فلانا عني خيرا أو شرا"، بمعنى: أثابو عني وقضاه عني ما لزمني لو بفعلو الذي سلف منو إلي. قاؿ ابن العثيمين: و {نفس} نكرة في سياؽ النفي، فيكوف عاما؛ فلا تجزي، ولا تغني نفس عن نفس أبدا. حتى الرسوؿ لا يغني شيئا عن أبيو، ولا أمو.؛ وقد نادى عشيرتو الأقربين؛ فجعل ينادي كل واحد باسمو، ويقوؿ: "يا صفية عمة رسوؿ الله، لا أغني عنك من الله شيئا؛ يا فاطمة بنت رسوؿ الله، لا أغني عنك شيئا ... " (ٕ) . مع أف العادة أف الإنساف يدافع عن حريمو، وعن نسادو.؛ لكن في يوـ القيامة ليست ىناؾ مدافعة؛ بل قاؿ الله تعالى{ :فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلوف[ }المؤمنوف: ٔٓٔ]تزوؿ الأنساب، وينسى الإنساف كل شيء، ولا يسأؿ أين ولدي، ولا أين ذىب أبي، ولا أين ذىب أخي، ولا أين ذىبت أمي{ :لكل امرئ منهم يومئذ شأف يغنيو[ }عبس: ٖٚ] قاؿ الطبري {وَ يػُقْبَلُ مِنػْهَا شَفَاعَةٌ } :و"الشفاعة" مصدر من قوؿ الرجل : "شفع لي فلاف إلى فلاف شفاعة وىو طلبو إليو في قضاء حاجتو. وإنما قيل للشفيع "شفيع وشافع" لأنو ثنى المستشفع بو، فصار بو شفعا فكاف ذو الحاجة -قبل استشفاعو بو في حاجتو- فردا، فصار صاحبو لو فيها شافعا، وطلبو فيو وفي حاجتو شفاعة. ولذلك سمي الشفيع في الدار وفي الأرض "شفيعا" لمصير البادع بو شفعا. فتأويل الآية إذا: واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس حقا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره، ولا يقبل الله منها شفاعة شافع، فيترؾ لها ما لزمها من حق. وقيل: إف الله عز وجل خاطب أىل ىذه الآية بما خاطبهم بو فيها، لأنهم كانوا من يهود بني إسراديل، وكانوا يقولوف: نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيادو، وسيشفع لنا عنده آباؤنا. فأخبرىم الله جل وعز أف نفسا لا تجزي عن نفس شيئا في القيامة، ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها حتى يستوفى لكل ذي حق منها حقو. فآيسهم الله جل ذكره مما كانوا أطمعوا فيو أنفسهم من النجاة من عذاب الله -مع تكذيبهم بما عرفوا من الحق وخلافهم أمر الله في اتباع محمد وما جاءىم بو من عنده- بشفاعة آبادهم وغيرىم من الناس كلهم؛ وأخبرىم أنو -ٔتضمين من آية سورة لقمان: ٖٖ. ٕ- أخرجو البخاري صٕٕٔ، كتاب الوصايا، باب ٔٔ: ىل يدخل النساء والولد في الأقاربا حديث رقم ٖٕ٘ٚ؛ وأخرجو مسمم صٙٔٚ، كتاب الإيمان، باب ٜٛ: في قولو تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين ... ) ، حديث رقم ٗٓ٘ [ٖٔ٘]ٕٙٓ.

عدد الصفحات ٢٧٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 274 - سورة البقرة الجزء الاول غير نافعهم عنده إلا التوبة إليو من كفرىم والإنابة من ضلالهم، وجعل ما سن فيهم من ذلك إماما لكل من كاف على مثل منهاجهم لئلا يطمع ذو إلحاد في رحمة الله. قاؿ الشنقيطي: ظَاىِرُ ىَذِهِ الآْيَةِ عَ دَـُ قػَبُوؿِ الشَّفَاعَةِ مُطْلَقًا يػَوْـَ الْقِيَامَةِ، وَلَكِنَّوُ بػَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَفَّ الشَّفَاعَةَ الْمَنْفِيَّةَ ىِيَ الشَّفَاعَةُ لِلْكُفَّارِ، وَالشَّفَاعَةُ لِغَيْرِىِمْ بِدُوفِ إِذْفِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ . أَمَّا الشَّفَاعَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِإِذْنِوِ فَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالس نَّةِ وَالإِْجْمَاعِ . فػَنَصَّ عَلَى عَدَـِ الشَّفَاعَةِ لِلْكَفَّارِ بِقَوْلِوِ : (وَلاَ يَشْفَعُوفَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى[ )ٕٔ \ ٕٛ]، وَقَدْ قَاؿَ : (وَلاَ يػَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) [ٜٖ \ ٚ]، وَقَاؿَ تػَعَالَى عَنػْهُمْ مُقَرِّرًا لَوُ : (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ [ )ٕٙ \ ٓٓٔ] وَقَاؿَ: (فَمَا تػَنػْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [ )ٗٚ \ ٛٗ]إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ . وَقَاؿَ فِي الشَّفَاعَةِ بِدُوفِ إِذْنِوِ : ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِوِ [ )ٕ \ ٕ٘٘]، وَقَاؿَ : ( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تػُغْنِي شَفَاعَتػُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بػَعْدِ أَفْ يَأْذَفَ اللَّوُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيػَرْضَى[ )ٖ٘ \ ٕٙ]، وَقَاؿَ : (يػَوْمَئِذٍ لاَ تػَنػْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِفَ لَوُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَوُ قػَوْلاً [ )ٕٓ \ ٜٓٔ]إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ . وَادِّعَاءُ شُفَعَاءَ عِنْدَ اللَّوِ لِلْكُفَّارِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِوِ، مِنْ أَنػْوَاعِ الْكُفْرِ بِوِ جَلَّ وَعَلاَ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قػَوْ لِوِ : (وَيػَقُولُوفَ ىَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّوِ قُلْ أَتػُنَبِّئُوفَ اللَّوَ بِمَا لاَ يػَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَْرْضِ سُبْحَانَوُ وَتػَعَالَى عَمَّا[ )ٓٔ \ ]. (تنْبِيوٌ ) ىَذَا الَّذِي قػَرَّرْنَاهُ مِنْ أَفَّ الشَّفَاعَةَ لِلْكُفَّ ارِ مُسْتَحِيلَةٌ شَرْعًا مُطْلَقًا، يُسْتَثػْنَى مِنْوُ شَفَاعَتُوُ لِعَمِّوِ أَبِي طَالِبٍ فِي نػَقْلِوِ مِنْ مَحَلٍّ مِنَ النَّارِ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ مِنػْهَا، كَمَا ثػَبَتَ عَنْوُ فِي الصَّحِيحِ، فػَهَذِهِ الص ورَةُ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ تَخْصِيصِ الْ كِتَابِ بِالس نَّةِ . قاؿ الطبري: وىذه الآية وإف كاف مخرجها عاما في التلاوة، فإف المراد بها خاص في التأويل لتظاىر الأخبار عن رسوؿ الله أنو قاؿ: "شفاعتي لأىل الكبادر من أمتي" وأنو قاؿ: "ليس من نبي إلا وقد أعطي دعوة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وىي نادلة إف شاء الله منهم من لا يشرؾ بالله شيئا". (ٔ) فقد تبين بذلك أف الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين -بشفاعة نبينا محمد لهم- عن كثير من عقوبة إجرامهم بينهم وبينو وأف قولو: (ولا يقبل منها شفاعة) إنما ىي لمن مات على كفره غير تادب إلى الله عز وجل. ٔ- حديث: "شفاعتي لأىل الكبائر من أمتي": ىكذا ذكره الطبري دون إسناد. وىو حديث صحيح، ذكره السيوطي في الجامع الصغير، ونسبو لأحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم-عن أنس. والترمذي، وابن ماجو، وابن حبان، والحاكم-عن جابر. انظر شرح المناوي الكبير، رقم ٕٜٛٗ (ج ٗ ص ٖٙٔ) . وحديث"ليس من نبي" إلخ: كذلك جاء بو الطبري دون إسناد. ومعناه ثابت صحيح، من حديث أنس بن مالك، رواه البخاري، ومسمم. انظر الترغيب والترىيب ٗ: ٖٕٔ.

عدد الصفحات ٢٧٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 275 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ القرطبي: مذىب أىل الحق أف الشفاعة حق ، وأنكرىا المعتزلة وخلدوا المؤمنين من المذنبين الذين دخلوا النار في العذاب والأخبار متظاىرة بأف من كاف من العصاة المذنبين الموحدين من أمم النبيين ىم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملادكة والنبيين والشهداء والصالحين. وقد تمسك القاضي عليهم في الرد بشيئين أحدىما : الأخبار الكثيرة التي تواترت في المعنى والثاني الإجماع من السلف على تلقي ىذه الأخبار بالقبوؿ ولم يبد من أحد منهم في عصر من الأعصار نكير فظهور روايتها وإطباقهم على صحتها وقبولهم لها دليل قاطع على صحة عقيدة أىل الحق وفساد دين المعتزلة. فإف قالوا: قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب رد ىذه الأخبار مثل قولو {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [ }غافر : ٛٔ]قالوا : وأصحاب الكبادر ظالموف وقاؿ {مَنْ يػَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِوِ [ }النساء : ٖٕٔ{ ]وَ يػُقْبَلُ مِ نػْهَا شَفَاعَةٌ [ }البقرة : ٛٗ]. قلنا : ليست ىذه الآيات عامة في كل ظالم والعموـ لا صيغة لو فلا تعم ىذه الآيات كل من يعمل سوءا وكل نفس ، وإنما المراد بها الكافروف دوف المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك وأيضا فإف الله تعالى أثبت شفاعة لأقواـ ونفاىا عن أقو اـ فقاؿ في صفة الكافرين {فَمَا تػَنػْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [ }المدثر : ٛٗ]وقاؿ {وَ يَشْفَعُوفَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى[ }الأنبياء : ٕٛ]وقاؿ {وَ تػَنػْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِفَ لَوُ [ }سبأ : ٖٕ]فعلمنا بهذه الجملة أف الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دوف الكافرين. وقد أجمع المفسروف على أف المراد بقولو تعالى {وَاتػَّقُوا يػَوْماً لا تَجْزِي نػَفْسٌ عَنْ نػَفْسٍ شَيْئاً وَلا يػُقْبَلُ مِنػْهَا شَفَاعَةٌ }النفس الكافرة لا كل نفس. ونحن وإف قلنا بعموـ العذاب لكل ظالم عاص فلا نقوؿ إنهم مخلدوف فيها بدليل الأخبار التي رويناىا وبدليل قولو {يػَغْفِرُ مَا دُوفَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [ }النساء : ٛٗ]وقولو {إِنَّوُ لا يػَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّوِ إِلاَّ الْقَوْـُ الْكَافِرُوفَ [ }يوسف : ٚٛ] فإف قالوا: فقد قاؿ تعالى { :وَ يَشْفَعُوفَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَ ى}والفاسق غير مرتضى قلنا لم يقل لمن لا يرضى وإنما قاؿ {لِمَنِ ارْتَضَى}ومن ارتضاه الله للشفاعة ىم الموحدوف ، بدليل قولو {لا يَمْلِكُوفَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً [ }مريم ٚٛ]وقيل للنبي ما عهد الله مع خلقو قاؿ "أف يؤمنوا ولا يشركوا بو شيئا" وقاؿ المفسروف إلا من قاؿ لا إلو إلا الله. فإف قالوا: المرتضى ىو التادب الذي اتخذ عند الله عهدا بالإنابة إليو بدليل أف الملادكة استغفروا لهم ، وقاؿ {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتػَّبػَعُوا سَبِيلَكَ [ }غافر : ٚ]وكذلك شفاعة الأنبياء عليهم السلاـ إنما ىي لأىل التوبة دوف أىل الكبادر. قلنا: عندكم يجب على الله تعالى قبوؿ التوبة فإذا قبل الله توبة المذنب فلا يحتاج إلى الشفاعة ولا إلى الاستغفار. وأجمع أىل التفسير على أف المراد بقولو {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا}أي من الشرؾ "واتبعوا سبيلك" أي سبيل المؤمنين. سألوا الله تعالى أف يغفر لهم ما دوف الشرؾ من ذنوبهم كما قاؿ تعالى {وَيػَغْفِرُ مَا دُوفَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [ }النساء : ٛٗ]

عدد الصفحات ٢٧٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 276 - سورة البقرة الجزء الاول فإف قالوا: جميع الأمة يرغبوف في شفاعة النبي فلو كانت لأىل الكبادر خاصة بطل سؤالهم. قلنا: إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسوؿ ويرغب إلى الله في أف تنالو لاعتقاده انو غير سالم من الذنوب ولا قادم لله سبحانو بكل ما افترض عليو بل كل واحد معترؼ على نفسو بالنقص فهو لذلك يخاؼ العقاب ويرجو النجاة وقاؿ "لا ينجو أحد إلا برحمة الله تعالى فقيل : ولا أنت يا رسوؿ الله فقاؿ ولا أنا إلا أف يتغمدني الله برحمتو " . قاؿ ابن العثيمين و "الشفاعة" ىي التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة؛ فشفاعة النبي لأىل الجنة أف يدخلوا الجنة (ٔ) : من جلب المنفعة؛ وشفاعتو فيمن استحق النار ألا يدخلها (ٕ) ، و فيمن دخلها أف يخرج منها (ٖ) : من دفع المضرة. قولو تعالى{ :و يؤخذ منها} أي من النفس؛ {عدؿ} أي بديل يعدؿ بو عن الجزاء؛ و "العدؿ" بمعنى المعادؿ المكافئ؛ ففي الدنيا قد تجب العقوبة على شخص، ويفتدي نفسو ببدؿ؛ لكن في الآخرة لا يمكن.. قاؿ الطبري: و"العدؿ" -في كلاـ العرب بفتح العين-: الفدية، وإنما قيل للفدية من الشيء والبدؿ منو "عدؿ"، لمعادلتو إياه وىو من غير جنسو؛ ومصيره لو مثلا من وجو الجزاء، لا من وجو المشابهة في الصورة والخلقة، كما قاؿ جل ثناؤه: (وَإِفْ تػَعْدِؿْ كُلَّ عَدْؿٍ لا يػُؤْخَذْ مِنػْهَا[ )الأنعاـ: ٓٚ]بمعنى: وإف تفد كل فدية لا يؤخذ منها. يقاؿ منو: "ىذا عدلو وعديلو". وأما "العدؿ" بكسر العين، فهو مثل الحمل المحموؿ على الظهر، يقاؿ من ذلك: "عندي غلاـ عدؿ غلامك، وشاة عدؿ شاتك" -بكسر العين-، إذا كاف غلاـ يعدؿ غلاما، وشاة تعدؿ شاة. وكذلك ذلك في كل مثل للشيء من جنسو. فإذا أريد أف عنده قيمتو من غير جنسو نصبت العين فقيل: "عندي عدؿ شاتك من الدراىم". وقد ذكر عن بعض العرب أنو يكسر العين من "العدؿ" الذي ىو بمعنى الفدية لمعادلة ما عادلو من جهة الجزاء، وذلك لتقارب معنى العدؿ والعدؿ عندىم، فأما واحد "الأعداؿ" فلم يسمع فيو إلا "عدؿ" بكسر العين. (ٗ) ٔ- راجع مسمما ص٘ٔٚ، كتاب الإيمان، باب ٘ٛ: في قول النبي : "أنا أول الناس يشفع في الجنة ... "، حديث رقم ٖٛٗ [ٖٖٓ]ٜٙٔ؛ وباب ٗٛ: أدنى أىل الجنة منزلة فييا، حديث رقم ٕٛٗ [ٜٕٖ]ٜ٘ٔ؛ وفيو: يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف ليم الجنة. ٕ- قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمو الله في شرح العقيدة الواسطية: فيذه قد تستفاد من دعاء الرسول لممؤمنين بالمغفرة والرحمة عمى جنائزىم، فإنو من لازم ذلك أن لا يدخل النار كما قال النبي عميو الصلاة والسلام: "الميم اغفر لأبي سممة وارفع درجتو في الميديين ... " (ٕ/ٚٚٔ - ٛٚٔ) ، وذكر الحافظ ابن حجر أن دليل ىذا قولو في حديث حذيفة عند مسمم: "ونبيكم عمى الصراط يقول: رب سمم، رب سمم" (فتح الباري ٔٔ/ٕٛٗ) ؛ مسمم ص٘ٔٚ، كتاب الإيمان، باب ٗٛ: أدنى أىل الجنة منزلة فييا، حديث رقم ٕٛٗ [ٜٕٖ]ٜ٘ٔ. ٖ- راجع البخاري صٕ٘ٙ - ٕٙٙ، كتاب التوحيد، باب ٖٙ: كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرىم، حديث رقم ٓٔ٘ٚ؛ ومسمما صٗٔٚ، كتاب الإيمان، باب ٗٛ: أدنى أىل الجنة منزلة فييا، حديث رقم ٜٚٗ [ٕٖٙ]ٖٜٔ. ٗ- وىذا أيضًا بيان جيد، قمما تصيبو في كتاب من كتب المغة.

عدد الصفحات ٢٧٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 277 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :و ىم ينصروف} أي لا أحد ينصرىم. أي يمنعهم من عذاب الله.؛ لأف الذي يخفف العذاب واحد من ىذه الأمور الثلاثة: إما شفاعة؛ وإما معادلة؛ وإما نصر.. قاؿ السعدي: {و ىم ينصروف}أي: يدفع عنهم المكروه، فنفى الانتفاع من الخلق بوجو من الوجوه، فقولو: {لا تجزي نفس عن نفس شيئا} ىذا في تحصيل المنافع، {و ىم ينصروف} ىذا في دفع المضار، فهذا النفي للأمر المستقل بو النافع. {و يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدؿ} ىذا نفي للنفع الذي يطلب ممن يملكو بعوض، كالعدؿ، أو بغيره، كالشفاعة، فهذا يوجب للعبد أف ينقطع قلبو من التعلق بالمخلوقين، لعلمو أنهم لا يملكوف لو مثقاؿ ذرة من النفع، وأف يعلقو بالله الذي يجلب المنافع، ويدفع المضار، فيعبده وحده لا شريك لو ويستعينو على عبادتو. قاؿ القرطبي: وإنما خص الشفاعة والفدية والنصر بالذكر ، لأنها ىي المعاني التي اعتادىا بنو آدـ في الدنيا فإف الواقع في الشدة لا يتخلص إلا بأف يشفع لو أو ينصر أو يفتدي. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- التحذير من يوـ القيامة؛ وىذا يقع في القرآف كثيرا؛ لقولو تعالى{ :واتقوا يوما ترجعوف فيو إلى الله}، وقولو تعالى{ :يوما يجعل الولداف شيبا[ }المزمل: ٚٔ] ٕ- أنو في يوـ القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئا. بخلاؼ الدنيا.: فإنو قد يجزي أحد عن أحد؛ لكن يوـ القيامة: لا.. ٖ- أف الشفاعة لا تنفع يوـ القيامة؛ والمراد لا تنفع من لا يستحق أف يشفع لو؛ وأما من يستحق فقد دلت النصوص المتواترة على ثبوت الشفاعة. وىي معروفة في مظانها من كتب الحديث، والعقادد ... ٗ- أف يوـ القيامة ليس فيو فداء؛ لا يمكن أف يقدـ الإنساف فداء يعدؿ بو؛ لقولو تعالى: (ولا عدؿ) ٘- أنو لا أحد ينصر يوـ القيامة إذا كاف من العصاة؛ ولهذا قاؿ الله تعالى{ :ما لكم لا تناصروف * بل ىم اليوـ مستسلموف[ }الصافات: ٕ٘، ٕٙ]؛ فلا أحد ينصر أحدا يوـ القيامة. لا الآلهة، ولا الأسياد، ولا الأشراؼ، ولا غيرىم ... وَإِذْ نَجَّيػْنَاكُمْ مِنْ آؿِ فِرْعَوْفَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُوفَ أَبػْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُوفَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (ٜٗ) قاؿ القرطبي: قولو تعالى { :وَإِذْ نَجَّيػْنَاكُمْ مِنْ آؿِ فِرْعَوْفَ }إذ" في موضع نصب عطف على {اذْكُرُوا

عدد الصفحات ٢٧٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 278 - سورة البقرة الجزء الاول نِعْمَتِيَ } وىذا وما بعده تذكير ببعض النعم التي كانت لو عليهم أي اذكروا نعمتي بإنجادكم من عدوكم وجعل الأنبياء فيكم. والخطاب للموجودين والمراد من سلف من الآباء كما قاؿ {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [ }الحاقة : ٔٔ]أي حملنا آباءكم وقيل إنما قاؿ "نجيناكم" لأف نجاة الآباء كانت سببا لنجاة ىؤلاء الموجودين. ومعنى "نجيناكم" ألقيناكم على نجوة من الأرض وىي ما ارتفع منها ىذا ىو الأصل ثم سمى كل فادز ناجيا فالناجي من خرج من ضيق إلى سعة وقرئ "وإذ نجيتكم" على التوحيد. قولو تعالى { :مِنْ آؿِ فِرْعَوْفَ }"آؿ فرعوف" قومو وأتباعو وأىل دينو وكذلك آؿ الرسوؿ من ىو على دينو وملتو في عصره وسادر الإعصار سواء كاف نسيبا لو أو لم يكن. ومن لم يكن على دينو وملتو فليس من آلو ولا أىلو وإف كاف نسيبو وقريبو. خلافا للرافضة حيث قالت : إف آؿ الرسوؿ الله فاطمة والحسن والحسين فقط. دليلنا قولو تعالى {وَأَغْرَقػْنَا آؿَ فِرْعَوْفَ [ }البقرة : ٓ٘{ ]أَدْخِلُوا آؿَ فِرْعَوْفَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } [غافر : ٙٗ]أي آؿ دينو إذ لم يكن لو ابن ولا بنت ولا أب ولا عم ولا أخ ولا عصبة ولأنو لا خلاؼ أف من ليس بمؤمن ولا موحد فإنو ليس من آؿ محمد وإف كاف قريبا لو ولأجل ىذا يقاؿ إف أبا لهب وأبا جهل ليسا من آلو ولا من أىلو وإف كاف بينهما وبين النبي قرابة ولأجل ىذا قاؿ الله تعالى في ابن نوح {إِنَّوُ لَيْسَ مِنْ أَىْلِكَ إِنَّوُ عَمَلٌ غَيػْرُ صَالِحٍ [ }ىود : ٙٗ]وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قاؿ سمعت رسوؿ الله جهارا غير سر يقوؿ "ألا إف آؿ أبي - يعني فلانا - ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين" وقالت طادفة آؿ محمد أزواجو وذريتو خاصة لحديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا يا رسوؿ الله كيف نصلي عليك ؟ قاؿ "قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجو وذريتو كما صلت على آؿ إبر اىيم وبارؾ على محمد وعلى أزواجو وذريتو كما باركت على آؿ إبراىيم إنك حميد مجيد" رواه مسلم وقالت طادفة من أىل العلم الأىل معلوـ والآؿ الأتباع والأوؿ أصح لما ذكرناه ولحديث عبدالله بن أبي أوفى أف رسوؿ الله كاف إذا أتاه قوـ بصدقتهم قاؿ : "اللهم صل عليهم" فأتاه أبي بصدقتو فقاؿ "اللهم صل على آؿ أبي أوفى". قولو تعالى { :فِرْعَوْفَ}قيل : إنو اسم ذلك الملك بعينو وقيل إنو اسم كل ملك من ملوؾ العمالقة مثل كسرى للفرس وقيصر للروـ والنجاشي للحبشة وأف اسم فرعوف موسى قابوس في قوؿ أىل الكتاب. وقاؿ وىب اسمو الوليد بن مصعب بن الرياف ويكنى أبا مرة وىو من بني عمليق بن لاوذ بن إرـ بن ساـ بن نوح عليو السلاـ. قاؿ السهيلي : وكل من ولى القبط ومصر فهو فرعوف، وكل عات فرعوف والعتاة الفراعنة وقد تفرعن وىو ذو فرعنة أي دىاء و مكر. وفي الحديث "أخذنا فرعوف ىذه الأمة" "وفرعوف" في موضع خفض إلا أنو لا ينصرؼ لعجمتو. قاؿ ابن العثيمين: وكاف بنو إسراديل مستضعفين في مصر، وسلط عليهم الفراعنة حتى كانوا كما قاؿ الله تعالى: {يسومونكم سوء العذاب} ؛ ومعنى "السوـ" في الأصل: الرعي؛ ومنو السادمة. أي الراعية. والمعنى: أنهم لا يرعونكم إلا بهذا البلاء العظيم و {سوء العذاب}أي سيئو وقبيحو..

عدد الصفحات ٢٨٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 279 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :يذبحوف أبنادكم} الفعل مضعف. أي مشدد. للمبالغة؛ لكثرة من يذبحوف، وعظم ذبحهم؛ ىذا وقد جاء في سورة الأعراؼ{ :يقتلوف}وىو بمعنى {يذبحوف}؛ ويحتمل أف يكوف مغايرا لو؛ فيحمل على أنهم يقتلوف بعضا بغير الذبح، ويذبحوف بعضا؛ وعلى كل فالجملة بياف لقولو تعالى: {يسومونكم سوء العذاب} ؛ ىذا وجاء في سورة إبراىيم{ :يسومونكم سوء العذاب ويذبحوف أبناءكم }بالواو عطفا على قولو تعالى{ :يسومونكم}؛ والعطف يقتضي المغايرة؛ فيكوف المعنى أنهم جمعوا بين سوـ العذاب. وىو التنكيل، والتعذيب. وبين الذبح.. قاؿ السعدي: {يذبحوف أبناءكم } خشية نموكم، {ويستحيوف نساءكم }أي: فلا يقتلونهن، فأنتم بين قتيل ومذلل بالأعماؿ الشاقة، مستحيى على وجو المنة عليو والاستعلاء عليو فهذا غاية الإىانة. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ويستحيوف نساءكم }: أي يستبقوف نساءكم؛ لأنو إذا ذىب الرجاؿ، وبقيت النساء ذؿ الشعب، وانكسرت شوكتو؛ لأف النساء ليس عندىن من يدافع، ويبقين خدما لآؿ فرعوف؛ وىذا. والعياذ بالله. من أعظم ما يكوف من الإذلاؿ؛ ومع ىذا أنجاىم الله تعالى من آؿ فرعوف، وأورثهم ديار آؿ فرعوف، كما قاؿ تعالى{ :فأخرجناىم من جنات وعيو ف * وكنوز ومقاـ كريم * كذلك وأورثناىا بني إسراديل[ }الشعراء: ٚ٘. ٜ٘] وقاؿ تعالى{ :كم تركوا من جنات وعيوف * وزروع ومقاـ كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناىا قوما آخرين[ }الدخاف: ٕ٘. ٕٛ]وىم بنو إسراديل ... قاؿ الطبري: حدثنا العباس بن الوليد الآملي وتميم بن المنتصر الواسطي، قالا حدثنا يزيد بن ىاروف، قاؿ: أخبرنا الأصبغ بن زيد، قاؿ: حدثنا القاسم بن أيوب، قاؿ: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قاؿ: تذاكر فرعوف وجلساؤه ما كاف الله وعد إبراىيم خليلو أف يجعل في ذريتو أنبياء وملوكا وادتمروا، وأجمعوا أمرىم على أف يبعث رجالا معهم الشفارُ (ٔ) يطوفوف في بني إسراديل، فلا يجدوف مولودا ذكرا إلا ذبحوه، ففعلوا. فلما رأوا أف الكبار من بني إسراديل يموتوف بآجالهم، وأف الصغار يذبحوف، قاؿ: توشكوف أف تفنوا بني إسراديل فتصيروا إلى أف تباشروا من الأعماؿ والخدمة ما كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل أبناؤىم؛ ودعوا عاما. فحملت أـ موسى بهاروف في العاـ الذي لا يذبح فيو الغلماف، فولدتو علانية آمنة، حتى إذا كاف القابل حملت بموسى. (ٕ) ٔ- الشفار جمع شفرة : وىي السكين العريضة العظيمة الحديدة، تمتين في قطع المحم وغيره . ٕ- الأثر: ىذا موقوف، وا سناده صحيح إلى ابن عباس. أما صحة المتن، فلا نستطيع أن نجزم بيا، لعمو مما كان يتحدث بو الصحابة عن التاريخ القديم نقلا عن أىل الكتاب. العباس بن الوليد بن مزيد الآممي البيروتي: ثقة، مترجم في التيذيب، وترجمو ابن أبي حاتم ٖ /ٔ / ٕٗٔ - ٕ٘ٔ. وتميم بن المنتصر بن تميم الواسطي: ثقة، مترجم في التيذيب، وترجمو ابن أبي حاتم ٔ / ٔ/ ٗٗٗ - ٘ٗٗ. والأصبغ بن زيد بن عمي الجيني الواسطي الوراق : ثقة، وثقو ابن معين وغيره، مترجم في التيذيب، و ترجمو البخاري في الكبير ٔ /ٕ/ ٖٙ، وابن أبي حاتم ٔ / ٔ/ ٕٖٓ - ٕٖٔ. القاسم بن أبي أيوب الأسدي الواسطي: ثقة، مترجم في التيذيب، والكبير لمبخاري ٗ / ٔ /ٛٙٔ - ٜٙٔ، وابن أبي حاتم ٖ / ٕ / ٚٓٔ. ووقع في المطبوعة ىنا" القاسم بن أيوب"، وىو خطأ. وىو في تاريخ الطبري بتمامو ٔ: ٕٕٓ، مع اختلاف يسير في المفظ. وفي المخطوطة في ىذا الموضع أخطاء من الناسخ تجافينا عن ذكرىا . وفي المطبوعة والمخطوطة:"فولدتو علانية أمو"، والصواب من التاريخ.

عدد الصفحات ٢٨١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 281 - سورة البقرة الجزء الاول وقد حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، قاؿ: حدثنا إبراىيم بن بشار الرمادي، قاؿ: حدثنا سفياف بن عيينة، قاؿ: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قاؿ: قالت الكهنة لفرعوف: إنو يولد في ىذا العاـ مولود يذىب بملكك. قاؿ: فجعل فرعوف على كل ألف امرأة مادة رجل، وعلى كل مادة عشرة، وعلى كل عشرة رجلا فقاؿ: انظروا كل امرأة حامل في المدينة، فإذا وضعت حملها فانظروا إليو، فإف كاف ذكرا فاذبحوه، وإف كاف أنثى فخلوا عنها. وذلك قولو: (يذبحوف أبناءكم ويستحيوف نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) . (ٔ) قاؿ الطبري قولو تعالى {وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } :وأصل "البلاء" في كلاـ العرب - الاختبار والامتحاف، ثم يستعمل في الخير والشر. لأف الامتحاف والاختبار قد يكوف بالخير كما يكوف بالشر، كما قاؿ ربنا جل ثناؤه: (وَبػَلَوْنَاىُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يػَرْجِعُوفَ [ )الأعراؼ: ٛٙٔ]، يقوؿ: اختبرناىم، وكما قاؿ جل ذكره: (وَنػَبػْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتػْنَةً [ )الأنبياء: ٖ٘]ثم تسمي العرب الخير "بلاء" والشر "بلاء". غير أف الأكثر في الشر أف يقاؿ: "بلوتو أبلوه بلاء"، وفي الخير: "أبليتو أبليو إبلاء وبلاء" قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}: أي وفي إنجادكم من آؿ فرعوف ابتلاء من الله عز وجل عظيم. أي اختبار عظيم.؛ ليعلم من يشكر منكم، ومن لا يشكر.. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- تذكير الله تعالى لبني إسراديل نعمتو عليهم بإنحادهم من آؿ فرعوف.. ٕ- أف الإنجاء من العدو نعمة كبيرة ينعم الله بها على العبد؛ ولهذا ذكر ىم الله بها في قولو تعالى: (نجيناكم). ٖ- بياف حنق آؿ فرعوف على بني إسراديل؛ وقيل: إف ىذا التقتيل كاف بعد بعثة موسى؛ لأف فرعوف لما جاءه موسى بالبينات قاؿ{ :اقتلوا أبناء الذين آمنوا معو واستحيوا نساءىم[ }غافر: ٕ٘]، وقاؿ في سورة الأعراؼ{ :سنقتل أبناءىم ونستحيي نساءىم وإنا فوقهم قاىروف}الأعراؼ: ٕٚٔ). وذكر بعض المؤرخين أف ىذا التقتيل كاف قبل بعثة موسى، أو قبل ولادتو؛ لأف الكهنة ذكروا لفرعوف أنو سيولد لبني إسراديل ولد يكوف ىلاكك على يده؛ فجعل يقتلهم؛ وعضدوا ىذا القوؿ بما أوحى الله تعالى إلى أـ موسى{ :أف أرضعيو فإذا خفت عليو فألقيو في اليم ولا تخافي ولا تحزني[ }القصص: ٚ]؛ لكن ىذه الآية ليست صريحة فيما ذكروا؛ لأنها قد تخاؼ عليو إما من ىذا الفعل العاـ الذي يقتل بو الأبناء، أو بسبب آخر، وآية الأعراؼ{ :قالوا أوذينا ٔ- الأثر: وىذا كالذي قبمو، موقوف، إسناده إلى ابن عباس صحيح. وقد رواه الطبري بيذا الإسناد، في التاريخ أيضًا ٔ: ٕٕ٘. عبد الكريم بن الييثم بن زياد القطان: ثقة مأمون، مات سنة ٕٛٚ. ترجمو الخطيب في تاريخ بغداد ٔٔ: ٛٚ - ٜٚ، وياقوت في معجم الأدباء ٗ: ٗ٘ٔ. إبراىيم بن بشار الرمادي: ثقة، ييم في الشيء بعد الشيء. مترجم في التيذيب، وفي الكبير ٔ / ٔ / ٕٚٚ، وابن أبي حاتم ٔ / ٔ / ٜٛ - ٜٓ. أبو سعيد - الراوي عن عكرمة: ىو عبد الكريم بن مالك الجزري . ولم أجد الأثر في مكانو من تاريخ الطبري .

عدد الصفحات ٢٨٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 281 - سورة البقرة الجزء الاول من قبل أف تأتينا ومن بعد ما جئتنا[ }الأعراؼ: ٜٕٔ]لا دليل فيها صراحة على أف التقتيل كاف قبل ولادة موسى عليو السلاـ؛ لأف الإيذاء لا يدؿ على القتل، ولأف فرعوف لم يقل: سنقتل أبناءىم، ونستحيي نساءىم إلا بعد أف أرسل إليو موسى عليو السلاـ، ولهذا قاؿ موسى عليو السلاـ لقومو بعد ذلك{ :استعينوا بالله واصبروا إف الأرض لله يورثها من يشاء من عباده}الأعراؼ: ٕٛٔ) ٗ- أف الرب سبحانو وتعالى لو مطلق التصرؼ في عباده بما يسوؤىم، أو يسرىم؛ لقولو تعالى: {من ربكم}يعني ىذا العذاب الذي سامكم إياه آؿ فرعوف، والإنقاذ منو؛ كلو من الله عز وجل؛ فهو الذي بيده الخير، ومنو كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء.. وَإِذْ فػَرَقػْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيػْنَاكُمْ وَأَغْرَقػْنَا آؿَ فِرْعَوْفَ وَأَنػْتُمْ تػَنْظُرُوفَ (ٓ٘) قاؿ الشنقيطي: لَمْ يػُبػَيِّنْ ىُنَا كَيْفِيَّةَ فػَرْؽِ الْبَحْرِ بِهِمْ، وَلَكِنَّوُ بػَيَّنَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِوِ : (فَأَوْحَيػْنَا إِلَى مُوسَى أَفِ اضْرِبْ بِعَصَاؾَ الْبَحْرَ فَانػْفَلَقَ فَكَافَ كُل فِرْؽٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [ )ٕٙ \ ٖٙ]، وَقػَوْلِوِ : (وَلَقَدْ أَوْحَيػْنَا إِلَى مُوسَى أَفْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يػَبَسًا) الآْ يَةَ [ٕٓ \ ٚٚ] قاؿ الطبري أما تأويل قولو: (وإذ فرقنا بكم) ، فإنو عطف على: (وإذ نجيناكم) ، بمعنى: واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واذكروا إذ نجيناكم من آؿ فرعوف، وإذ فرقنا بكم البحر. ومعنى قولو: (فرقنا بكم) : فصلنا بكم البحر. لأنهم كانوا اثني عشر سبطا؛ ففرؽ البحر اثني عشر طريقا، فسلك كل سبط منهم طريقا منها، فذلك فرؽ الله بهم عز وجل البحر، وفصلو بهم، بتفريقهم في طرقو الاثني عشر. قاؿ الشنقيطي: قػَوْلُوُ تػَعَالَى: (وَأَغْرَقػْنَا آؿَ فِرْعَوْفَ ) لَمْ يػُبػَيِّنْ ىُنَا كَيْفِيَّةَ إِغْرَاقِهِمْ وَلَكِنَّوُ بػَيػَّنػَ هَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِوِ : (فَأَتػْبػَعُوىُمْ مُشْرِقِينَ فػَلَمَّا تػَرَاءَى الْجَمْعَافِ قَاؿَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُوفَ قَاؿَ كَلاَّ إِفَّ مَعِيَ رَبِّي سَيػَهْدِينِ فَأَوْحَيػْنَا إِلَى مُوسَى أَفِ اضْرِبْ بِعَصَاؾَ الْبَحْرَ فَانػْفَلَ قَ فَكَافَ كُل فِرْؽٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآْخَرِينَ وَأَنْجَيػْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَوُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقػْنَا الآْخَرِينَ [ )ٕٙ \ ٓٙ إِلَى ٙٙ]، وَقػَوْلِوِ : (فَأَتػْبػَعَهُمْ فِرْعَوْفُ بِجُنُودِهِ فػَغَشِيػَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيػَهُمْ [ )ٕٓ \ ٛٚ] وَقػَوْلِوِ: (وَاتػْرُؾِ الْبَحْرَ رَىْوًا إِنػَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُوفَ [ )ٗٗ \ ٕٗ]، وَقػَوْلِوِ : (رَىْوًا) ،أَيْ : سَاكِنًا عَلَى حَالَةِ انْفِلاَقِوِ حَتَّى يَدْخُلُوا فِيوِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ . قاؿ الطبري: ويعني بقولو: (وأنتم تنظروف) ، أي تنظروف إلى فرؽ الله لكم البحر، وإىلاكو آؿ فرعوف في الموضع الذي نجاكم فيو، وإلى عظيم سلطانو -في الذي أراكم من طاعة البحر إياه، من مصيره ركاما فلقا كهيئة الأطواد

عدد الصفحات ٢٨٣