المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ٢١ من ١٠٦

لْمَفْسَدَةِ . وَلِهَذَا كَافَ التَّارِكُوفَ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ خَلْفَ أَدِمَّةِ الْجَوْرِ مُطْلَقًا مَعْدُودِينَ عِنْدَ السَّلَفِ وَالأَْدِمَّةِ مِنْ أَىْلِ الْبِدَعِ . وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَ فِعْلُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ خَلْفَ الْبػَرِّ فػَهُوَ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهَا خَ لْفَ الْفَاجِرِ . وَحِينَئِذٍ فَإِذَا صَلَّى خَلْفَ الْفَاجِرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فػَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ لِلْعُلَمَاءِ . قاؿ القرطبي التاسعة عشرة: وأما الفاسق بجوارحو كالزاني وشارب الخمر ونحو ذلك فاختلف المذىب فيو فقاؿ ابن حبيب من صلى وراء من شرب الخمر فإنو يعيد أبدا إلا أف يكوف الوالي الذي تؤدى إليو الطاعة فلا إعادة على من صلى خلفو إلا أف يكوف حينئذ سكراف. قالو من لقيت من أصحاب مالك. الموفية العشرين: و روى الأدمة أف رسوؿ الله صلى قاؿ : "إنما جعل الإماـ ليؤتمّ بو فلا تختلفوا عليو فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قاؿ سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعوف".

عدد الصفحات ٢٥٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 253 - سورة البقرة الجزء الاول وقد اختلف العلماء فيمن ركع أو خفض قبل الإماـ عامدا على قولين : أحدىما : أف صلاتو فاسدة إف فعل ذلك فيها كلها أو في أكثرىا وىو قوؿ أىل الظاىر وروي عن ابن عمر. ذكر سنيد قاؿ : حدثنا ابن علية عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الورد الأنصاري قاؿ صليت إلى جنب ابن عمر فجعلت أرفع قبل الإماـ وأضع قبلو فلما سلم الإماـ أخذ ابن عمر بيدي فلواني وجذبني فقلت مالك قاؿ من أنت ؟ قلت فلاف بن فلاف قاؿ أنت من أىل بيت صدؽ فما يمنعك أف تصلي قلت أو ما رأيتني إلى جنبك قاؿ قد رأيتك ترفع قبل الإماـ وتضع قبلو وإنو : "لا صلاة لمن خالف الإماـ". وقاؿ الحسن بن حي فيمن ركع أو سجد قبل الإماـ ثم رفع من ركوعو أو سجوده قبل أف يركع الإماـ أو يسجد: لم يعتد بذلك ولم يجزه. وقاؿ أكثر الفقهاء من فعل ذلك فقد أساء ولم تفسد صلاتو لأف الأصل في صلاة الجماعة والادتماـ فيها بالأدمة سنو حسنة فمن خالفها بعد أف أدى فرض صلاتو بطهارتها وركوعها وسجودىا وفرادضها فليس عليو إعادتها وإف أسقط بعض سننها لأنو لو شاء أف ينفرد فصلى قبل إمامو تلك الصلاة أجزأت عنو وبئس ما فعل في تركو الجماعة قالوا ومن دخل في صلاة الإماـ فركع بركوعو وسجد بسجوده ولم يكن في ركعة وإمامو في أخرى فقد افتدى وإف كاف يرفع قبلو ويخفض قبلو لأنو بركوعو يركع وبسجوده يسجد ويرفع وىو في ذلك تبع لو إلا أنو مسيء في فعلو ذلك لخلافو سنة المأموـ المجتمع عليها. قلت: ما حكاه ابن عبد البر عن الجمهور ينبئ على أف صلاة المأموـ عندىم غير مرتبطة بصلاة الإماـ لأف الاتباع الحسي والشرعي مفقود وليس الأمر ىكذا عند أكثرىم والصحيح في الأثر والنظر القوؿ الأوؿ فإف الإماـ إنما جعل ليؤتم بو ويقتدى بو بأفعالو ومنو قولو تعالى { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً [ }البقرة : ٕٗٔ]أي يأتموف بك على ما يأتي بيانو. ىذا حقيقة الإماـ لغة وشرعا فمن خالف إمامو لم يتبعو ثم أف النبي بين فقاؿ : "إذا كبر فكبروا" الحديث. فأتى بالفاء التي توجب التعقيب وىو المبين عن الله مراده. ثم أوعد من رفع أو ركع قبل وعيدا شديدا فقاؿ : "أما يخشى الذي يرفع رأسو قبل الإماـ أف يحوؿ الله رأسو رأس حمار أو صورتو صورة حمار" أخرجو الموطأ والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرىم وقاؿ أبو ىريرة إنما ناصيتو بيد شيطاف وقاؿ رسوؿ الله : "كل عمل ليس عليو أمرنا فهو رد" يعني مردود فمن تعمد خلاؼ إمامو عالما بأنو مأمور باتباعو منهي عن مخالفتو فقد استخف بصلاتو وخالف ما أمر بو فواجب ألا تجزي عنو صلاتو تلك والله أعلم. الحادية و العشروف: فإف رفع رأسو ساىيا قبل الإماـ فقاؿ مالك رحمو الله : السنة فيمن سها ففعل ذلك في ركوع أو في سجود أف يرج ع راكعا أو ساجدا وينتظر الإماـ وذلك خطأ ممن فعلو لأف النبي قاؿ : "إنما جعل الإماـ ليؤتم بو فلا تختلفوا عليو" قاؿ ابن عبد البر : ظاىر قوؿ مالك ىذا لا يوجب الإعادة على فعلو عامدا لقولو "وذلك خطأ ممن فعلو" لأف الساىي الإثم عنو موضوع . الثانية و العشروف: وىذا الخلاؼ إنما ىو فيما عدا تكبيرة الإحراـ والسلاـ، أما السلاـ فقد تقدـ القوؿ فيو وأما تكبيرة الإحراـ فالجمهور على أف تكبير المأموـ لا يكوف إلا بعد تكبير الإماـ.

عدد الصفحات ٢٥٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 254 - سورة البقرة الجزء الاول الثالثة و العشروف: وروى مسلم عن أبي مسعود قاؿ : كاف رسوؿ الله يمسح مناكبنا في الصلاة ويقوؿ : "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليليني منكم أولو الأحلاـ والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قاؿ أبو مسعود "فأنتم اليوـ أشد اختلافا". زاد من حديث عبدالله "وإياكم وىيشات الأسواؽ". وقولو "استووا" أمر بتسوية الصفوؼ وخاصة الصف الأوؿ. الرابعة والعشروف: واختلف العلماء في كيفية الجلوس في الصلاة لاختلاؼ الآثار في ذلك فقاؿ مالك وأصحابو : يفضي المصلي بأليتيو إلى الأرض وينصب رجلو اليمنى ويثني رجلو اليسرى ، لما رواه في موطئو عن يحيى بن سعيد أف القاسم بن محمد "أراىم الجلوس في التشهد فنصب رجلو اليمنى وثنى رجلو اليسرى وجلس على وركو الأيسر ولم يجلس على قدمو" ، ثم قاؿ : أراني ىذا عبدالله بن عمر وحدثني أف أباه كاف يفعل ذلك. قلت : وىذا المعنى قد جاء في صحيح مسلم عن عادشة قالت كاف رسوؿ الله "يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين ، وكاف إذا ركع لم يشخص رأسو ولم يصوبو ولكن بين ذلك ، وكاف إذا رفع رأسو من الركوع لم يسجد حتى يستوي قادما وكاف إذا رفع رأسو من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا وكاف يقوؿ في كل ركعتين التحية ، وكاف يفرش رجلو اليسرى وينصب رجلو اليمنى وكاف ينهى عن عقبة الشيطاف وينهى أف يفترش الرجل ذراعيو افتراش السبع ، وكاف يختم الصلاة بالتسليم. قلت : ولهذا الحديث - والله أعلم - قاؿ ابن عمر : إنما سنة الصلاة أف تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى وقاؿ الثوري وأبو حنيفة وأصحابو والحسن بن صالح بن حي "ينصب اليمنى ويقعد على اليسرى" ، لحديث وادل بن حجر ، وكذلك قاؿ الشافعي وأحمد وإسحاؽ في الجلسة الوسطى. وقالوا في الآخرة من الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء كقوؿ مالك لحديث أبي حميد الساعدي رواه البخاري قاؿ : رأيت النبي "إذا كبر جعل يديو حذو منكبيو وإذا ركع أمكن يديو من ركبتيو ثم ىصر ظهره فإذا رفع استوى حتى يعود كل فقار مكانو فإذا سجد وضع يديو غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراؼ أصابع رجليو القبلة وإذا جلس في الركعتين جلس على رجلو اليسرى ونصب الأخرى وإذا جلس في الركعة الآخرة قدـ رجلو اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدتو". قاؿ الطبري إف فعل ىذا فحسن كل ذلك قد ثبت عن النبي . الخامسة و العشروف: مالك عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبدالرحمن المعاوي أنو قاؿ : رآني عبدالله بن عمر وأنا أعبث بالحصباء في الصلاة ، فلما انصرؼ نهاني فقاؿ اصنع كما كاف رسوؿ الله يصنع قلت وكيف كاف رسوؿ الله يصنع ؟ قاؿ : كاف "إذا جلس في الصلاة وضع كفو اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعو كلها وأشار بأصبعو التي تلي الإبهاـ ووضع كفو اليسرى على فخذه اليسرى وقاؿ : ىكذا كاف يفعل". قاؿ ابن عبد البر : "وما وصفو ابن عمر من وضعو كفو اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابع يده تلك كلها إلا السبابة منها فإنو يشير بها و وضع كفو اليسرى على فخذه اليسرى مفتوحة مفروجة الأصابع ، كل ذلك سنة في الجلوس في الصلاة

عدد الصفحات ٢٥٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 255 - سورة البقرة الجزء الاول مجمع عليو ولا خلاؼ علمتو بين العلماء فيها وحسبك بهذا. إلا أنهم اختلفوا في تحريك أصبعو السبابة فمنهم من رأى تحريكها ومنهم من لم يره وكل ذلك مروي في الآثار الصحاح المسندة عن النبي وجميعو مباح والحمد لله. وروى سفياف بن عيينة ىذا الحديث عن مسلم بن أبي مريم بمعنى ما رواه مالك وزاد فيو قاؿ سفياف وكاف يحيى بن سعيد حدثناه عن مسلم ثم لقيتو فسمعتو منو وزادني فيو قاؿ "ىي مذبة الشيطاف لا يسهو أحدكم ما داـ يشير بإصبعو ويقوؿ ىكذا". قلت : روى أبو داود في حديث ابن الزبير أنو عليو السلاـ "كاف يشير بإصبعو إذا دعا ولا يحركها " وإلى ىذا ذىب بعض العراقيين فمنع من تحريكها وبعض علمادنا رأوا أف مدىا إشارة إلى دواـ التوحيد وذىب أكثر العلماء من أصحاب مالك وغيرىم إلى تحريكها إلا أنهم اختلفوا في المو الاة بالتحريك على قولين تأوؿ من والاه بأف قاؿ إف ذلك يذكر بموالاة الحضور في الصلاة وبأنها مقمعة ومدفعة للشيطاف على ما روى سفياف ومن لم يواؿ رأى تحريكها عند التلفظ بكلمتي الشهادة وتأوؿ في الحركة كأنها نطق بتلك الجارحة بالتوحيد والله أعلم. قاؿ الإماـ الألباني في تماـ المنة رداً على كلاـ البيهقي الذي أورده سيد سابق في فقو السنة: يحتمل أف يكوف المراد بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها ليكوف موافقا لرواية ابن الزبير أف النبي كاف يشير بإصبعو إذا دعا لا يحركها . رواه أبو داود بإسناد صحيح. وذكره النووي" قلت: بل الإسناد غير صحيح والاحتماؿ المذكور خلاؼ ظاىر الحديث ولو ثبت لكاف يمكن العمل بو مع الإبقاء على ظاىر حديث وادل ويجمع بينهما بأنو كاف تارة يحرؾ وتارة لا يحرؾ أو يقاؿ: المثبت مقدـ على النافي. وقد ضعف الحديث ابن القيم في "الزاد" وحققت القوؿ فيو في "تخريج صفة صلاة النبي " وفي "ضعيف أبي داود" ٘ٚٔ بما لا يدع مجالا للشك في ضعفو وخلاصة ذلك: أف الحديث من رواية محمد بن عجلاف عن عامر بن عبد الله بن الزبير وابن عجلاف متكلم فيو وقد رواه عنو أربعة من الثقات دوف قولو: "لا يحركها " وكذلك رواه ثقتاف عن عامر فثبت بذلك شذوذ ىذه الزيادة وضعفها وحسبك دلالة على وىنها أف مسلما أخرج الحديث ٕ / ٜٓ دونها من طريق ابن عجلاف أيضا ولقد تغافل عن ىذا كلو المعلق على "زاد المعاد" فجرى مع ظاىر الإسناد فحسنو وقواه في تعليقو على "شرح السنة" ٖ / ٛٚٔ ومع أنو ذكر عقبو حديث وادل في التحريك وصححو فإنو لم يحاوؿ التوفيق بين الحديثين كأنو لا يهمو الناحية الفقهية ولذلك فهو لا يحرؾ إصبعو في تشهده! وأضيف ىنا فاددة جديدة في ىذا الموضوع فأقوؿ: لقد رأيت في الآونة الأخيرة الشيخ أحمد الغماري يذىب في كتابو الذي صدر حديثا: "الهداية في تخريج أحاديث البداية "؛ "بداية المجتهد " يذىب فيو ٖ / ٖٙٔ - ٓٗٔ إلى تضعيف حديث وادل ىذا مدعيا أف ىذا اللفظ التحريك. إنما ىو من تصرؼ الرواة لأف أكثرىم ذكر فيو الإشارة فقط دوف التحريك!

عدد الصفحات ٢٥٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 256 - سورة البقرة الجزء الاول وفي سفرتي الأخيرة للعمرة أوؿ جمادى الأولى سنة ٛٓٗٔ ىػ قدـ إلى أحد الطلبة - وأنا في جدة - رسالة مصورة عن "مجلة الاستجابة" السودانية بعنواف: "البشارة في شذوذ تحريك الإصبع في التشهد وثبوت الإشارة" لأحد الطلبة اليمانيين وىو في الجملة موافق للشيخ الغماري فيما تقدـ ذكره لكنو تميز بالتوسع في تخريج أحاديث الإشارة عن بعض الصحابة والروايات الكثيرة فيها عن عاصم بن كليب عن أبيو عن وادل خاصة ومنها رواية زاددة بن قدامة عن عاصم المصرحة بالتحريك وقد أفرغ جهدا ظاىرا في تخريجها كلها مقرونة ببياف أجزاء وصفحات مصادرىا مما يرجى لو الأجر والمثوبة بالحسنى عند الله تبارؾ وتعالى. إلا أنني أرى - والعلم عند الله تعالى - أف تفرد زاددة بالتصريح بالتحريك مما لا يسوغ الحكم على روايتو بالشذوذ للأسباب الآتي بيانها. أولا: تلقي العلماء لها بالتسليم بصحتها وقبولها حتى من الذين لم يعملوا بها كالبيهقي والنووي وغيرىما فإنهم اتفقوا جميعا على تأويلها وتفسيرىا سواء في ذلك من صرح بالتصحيح أو من سلم بو وليس يخفى على أحد أف التأويل فرع التصحيح ولولا ذلك لما تكلف البيهقي تأويل التحريك بالإشارة بها دوف تحريكها كما تقدـ ولأستغني عن ذلك بإعلالها بالشذوذ كما فعل الأخ اليماني! وبخاصة أف البيهقي إنما حملو على التأويل حديث ابن الزبير المصرح بعدـ التحريك بينما يرى اليماني أف حديث ابن الزبير شاذ وىو الحق كما تقدـ بيانو فبقي حديث زاددة دوف معارض سوى الروايات المقتصرة على الإشارة ويأتي الجواب عنها. ثانيا: الإشارة في تلك الروايات ليست نصا في نفي التحريك لما ىو معهود في الاستعماؿ اللغوي أنو قد يقترف معها التحريك في كثير من الأحياف كمثل لو أشار شخص إلى آخر بعيد عنو أف اقترب إلي أو أشار إلى ناس قاموا لو أف اجلسوا فلا أحد يفهم من ذلك أنو لم يحرؾ يده! ومالنا نذىب بعيدا فإف خير مثاؿ نقدمو للقارئ حديث عادشة في صلاة الصحابة خلفو قياما وىو قاعد فأشار إليهم أف اجلسوا. متفق عليو. "الإرواء" ٕ / ٜٔٔ وكل ذي لب يفهم منو أف إشارتو ىذه لم تكن بمجرد رفعو يده ما ىو الشأف في رده السلاـ على الأنصار وىو يصلي! بل إنها كانت مقرونة بالتحريك فإذف لا ينبغي أف نفهم من تلك الروايات أنها مخالفة لرواية التحريك بل قد تكوف موافقة لها. وفي اعتقادي أف ىذا ىو ملحظ من صحح الحديث وعمل بو أو من سلم بصحتو لكنو تأولو ولم يقل بشذوذه. وإف مما يؤكد ذلك أنو صح عنو أنو كاف يشير بإصبعو السبابة في خطبة الجمعة كما رواه مسلم وغيره وىو مخرج في "الإرواء" ٖ / ٚٚ ومن المتبادر منو أف المقصود أنو كاف يحركها إشارة للتوحيد وليس مجرد الإشارة دوف تحريك ويشهد لذلك رواية ابن خزيمة في "صحيحو" ٕ / ٖٔ٘ بسند فيو ضعف عن سهل بن سعد نحو حديث عمارة بلفظ: "وأشار بإصبعو السبابة يحركها ". وترجم لو ابن خزيمة بقولو: "باب إشارة الخاطب بالسبابة على المنبر عند الدعاء في الخطبة وتحريكو إياىا عند الإشارة بها".

عدد الصفحات ٢٥٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 257 - سورة البقرة الجزء الاول والخلاصة: أف الإشارة بالمسبحة لا ينافي تحريكها بل قد يجامعها كما تقدـ فنصب الخلاؼ بينهما غير سليم لغة وفقها. ومن ذلك تعلم خطأ الأخ اليماني في جزمو بأف الإشارة تنفي التحريك فقاؿ في حديث ابن عمر : "لهي أشد على الشيطاف من الحديد يعني السبابة". "ىذا الحديث ليس فيو تحريك بل أقوؿ: أنحن أدرى بمعنى الحديث أـ ابن عمر؟ فقد وصف نافع صلاة ابن عمر بالإشارة لا التحريك". فأقوؿ: نعم ليس فيو تحريك ولا عكسو أيضا وكلاىما محتمل ىذا ىو الحق والله يحب الإنصاؼ. فحملو على أحدىما بحاجة إلى دليل وىو معنا كما قدمنا. نعم لو جاء صراحة عن ابن عمر أنو لم يحرؾ إصبعو لكاف مرجحها لقولو وىيهات! ثالثا: وعلى افتراض أنو صح عن ابن عمر أو غيره التصريح بعدـ التحريك فإننا نقوؿ في ىذه الحالة بجواز الأمرين: التحريك وعدمو كما ىو اختيار الصنعاني في "سبل السلاـ" ٔ / ٜٕٓ - ٜٕٔ وإف كاف الأرجح عندي التحريك للقاعدة الفقهية: "المثبت مقدـ على النافي" ولأف وادلا كاف لو عناية خاصة في نقل صفة صلاتو ولاسيما كيفية جلوسو في التشهد فقد قاؿ: "قلت: لأنظرف إلى رسوؿ الله كيف يصلي؟ ... " الحديث. ثم قاؿ: "ثم قعد فافترش رجلو اليسرى فوضع كفو اليسرى على فخذه وركبتو اليسرى وجعل حد مرفقو الأيمن على فخذه اليمنى ثم قبض اثنتين من أصابعو فحلق حلقة ثم رفع إصبعو فرأيتو يحركها يدعو بها. ثم جئت في زماف فيو برد فرأيت الناس عليهم الثياب تحرؾ أيديهم من تحت الثياب من البرد". رواه أحمد وغيره وىو في "الإرواء" كما تقدـ. فقد تفرد وادل بهذا الوصف الدقيق لتشهده فذكر فيو ما لم يذكره غيره من الصحابة وىو: أولا: مكاف المرفق على الفخذ. ثانيا: قبض إصبعيو والتحليق بالوسطى والإبهاـ. ثالثا: رفع السبابة وتحريكها. رابعا: الاستمرار بالتحريك إلى آخر الدعاء. خامسا: رفع الأيدي تحت الثياب في الانتقالات. أقوؿ: فمن الخطأ الجلي رد التحريك المذكور فيها لتفرد زاددة بن قدامة بو دوف سادر أصحاب عاصم بن كليب وذلك لأمرين: الأوؿ: أنهم رووا الإشارة وىي لا تنافي التحريك كما تقدـ.

عدد الصفحات ٢٥٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 258 - سورة البقرة الجزء الاول الأخر: ثقة زاددة وشدة تثبتو في روايتو عن شيوخو فإف الأدمة مع إجماعهم على توثيقو واحتجاج الشيخين بو فقد قاؿ ابن حباف فيو في "الثقات" ٙ / ٖٓٗ: "كاف من الحفاظ المتقنين وكاف لا يعد السماع حتى يسمعو ثلاث مرات وكاف لا يحدث أحدا حتى يشهد عنو عدؿ أنو من أىل السنة ". وقاؿ الدار قطني: "من الأثبات الأدمة". والله سبحانو وتعالى ولي التوفيق. السادسة والعشروف: قاؿ القرطبي: واختلفوا في جلوس المرأة في الصلاة فقاؿ مالك ىي كالرجل ولا تخالفو فيما بعد الإحراـ إلا في اللباس والجهر وقاؿ الثوري تسدؿ المرأة جلبابها من جانب واحد ورواه عن إبراىيم النخعي وقاؿ أبو حنيفة وأصحابو تجلس المرأة كأيسر ما يكوف لها وىو قوؿ الشعبي تقعد كيف تيسر لها وقاؿ الشافعي تجلس بأستر ما يكوف لها. السابعة و العشروف: روى مسلم عن طاوو س قاؿ قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين ، فقاؿ : "ىي السنة فقلنا لو إنا لنراه جفاء بالرجل فقاؿ ابن عباس بل ىي سنة نبيك " وقد اختلف العلماء في صفة الإقعاء فقاؿ أبو عبيد : "الإقعاء جلوس الرجل على أليتيو ناصبا فخذيو مثل إقعاء الكلب والسبع" قاؿ ابن عبد البر وىذا إقعاء مجتمع عليو لا يختلف العلماء فيو. وىذا تفسير أىل اللغة وطادفة من أىل الفقو. وقاؿ أبو عبيد : وأما أىل الحديث فانهم يجعلوف الإقعاء أف يجعل أليتيو على عقبيو بين السجدتين قاؿ القاضي عياض : والأشبو عندي في تأويل الإقعاء الذي قاؿ فيو ابن عباس إنو من السنة ، الذي فسر بو الفقهاء من وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين ، وكذا جاء مفسرا عن ابن عباس : من السنة أف تمس عقبك أليتك. رواه إبراىيم بن ميسرة عن طاوس عنو ، ذكره أبو عمر قاؿ القاضي : وقد روي عن جماعة من السلف والصحابة أنهم كانوا يفعلونو ، ولم يقل بذلك عامة فقهاء الأمصار وسموه إقعاء. ذكر عبدالرزاؽ عن معمر عن ابن طاوس عن أبيو أنو رأى ابن عمر وابن عباس وابن الزبير يقعوف بين السجدتين. الثامنة و العشروف: و لم يختلف من قاؿ من العلماء بوجوب التسليم وبعدـ وجوبو أف التسليمة الثانية ليست بفرض إلا ما روي عن الحسن بن حي أنو أوجب التسليمتين معا. قاؿ أبو جعفر الطحاوي : لم نجد عن أحد من أىل العلم الذين ذىبوا إلى التسليمتين أف الثانية من فرادضها غيره. قاؿ ابن عبد البر من حجة الحسن بن صالح في إيجابو التسليمتين جميعا وقولو إف من أحدث بعد الأولى وقبل الثانية فسدت صلاتو - قولو "تحليلها التسليم" ثم بين كيف التسليم فكاف يسلم عن يمينو وعن يساره ومن حجة من أوجب التسليمة الواحدة دوف الثانية قولو "تحليلها التسليم" قالوا : والتسليمة الواحدة يقع عليها اسم تسليم. قلت: ىذه المسألة مبنية على الأخذ بأقل الاسم أو بآخره ولما كاف الدخوؿ في الصلاة بتكبيرة واحدة بإجماع فكذلك الخروج منها بتسليمة واحدة إلا أنو تواردت السنن الثابتة من حديث ابن مسعود - وىو أكثرىا تواترا - ومن حديث وادل بن حجر الحضرمي وحديث عمار وحديث البراء بن عازب وحديث بن عمر وحديث سعد بن أبي وقاص أف النبي كاف يسلم تسليمتين. روى ابن جريج وسليماف بن بلاؿ وعبدالعزيز بن محمد الدردا وردي كلهم عن

عدد الصفحات ٢٦٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 259 - سورة البقرة الجزء الاول عمرو ابن يحيى المازني. عن محمد بن يحيى بن حباف عن عمو واسع بن حباف قاؿ : قلت لابن عمر : حدثني عن صلاة رسوؿ الله كيف كانت ؟ فذكر التكبير كلما رفع رأسو وكلما خفضو وذكر السلاـ عليكم ورحمة الله عن يمينو السلاـ عليكم ورحمة الله عن يساره قاؿ ابن عبد البر وىذا إسناد مدني صحيح ، والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة وىو عمل قد توارثو أىل المدينة كابرا عن كابر ، ومثلو يصح فيو الاحتجاج بالعمل في كل بلد لأنو لا يخفى لوقوعو في كل يوـ مرارا وكذلك العمل بالكوفة وغيرىا مستفيض عندىم بالتسليمتين ومتوارث عنهم أيضا وكل ما جرى ىذا المجرى فهو اختلاؼ في المباح كالأذاف ، وكذلك لا يروى عن عالم بالحجاز ولا بالعراؽ ولا بالشاـ ولا بمصر إنكار التسليمة الواحدة ولا إنكار التسليمتين بل ذلك عندىم معروؼ وحديث التسليمة الواحدة رواه سعد بن أبي وقاص وعادشة وأنس إلا أنها معلولة لا يصححها أىل العلم بالحديث.(ٔ) و روى الدار قطني عن ابن مسعود أنو قاؿ : من السنة أف يخفى التشهد. واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب وىو التحيات لله الزكيات لله الطيبات الصلوات لله ، السلاـ عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاتو السلاـ علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أف لا الو إلا الله وأشهد أف محمدا عبده ورسولو. واختار الشافعي وأصحابو والليث بن سعد تشهد ابن عباس ، قاؿ : كاف رسوؿ الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآف فكاف يقوؿ : "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، السلاـ عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاتو ، السلاـ علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أف لا الو إلا الله وأشهد أف محمدا رسوؿ الله". واختار الثوري والكوفيوف وأكثر أىل الحديث تشهد ابن مسعود الذي رواه مسلم أيضا ، قاؿ : كنا نقوؿ في الصلاة خلف رسوؿ الله السلاـ على الله السلاـ على فلاف ، فقاؿ رسوؿ الله ذات يوـ : "إف الله ىو السلاـ فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات السلاـ عليك أيها النبي(ٕ) ورحمة الله وبركاتو السلاـ علينا ٔ- (قمت): قال سيد سابق في فقو السنة: وجوب التسميمة الواحدة واستحباب التسميمة الثانية: يرى جميور العمماء أن التسميمة الاولى ىي الفرض، وأن الثانية مستحبة. قال ابن المنذر: أجمع العمماء عمى أن صلاة من اقتصر عمى تسميمو واحدة جائزة . وقال ابن قدامة في المغني: (وليس نص أحمد بصريح في وجوب التسميمتين، إنما قال: (التسميمتين أصح عن رسول الله ، فيجوز أن يذىب إليو في المشروعية لا الايجاب، كما ذىب إلى ذلك غيره، وقد دل عميو قولو في رواية: وأحب إلي التسميمتان، ولان عائشة وسممة بن الاكوع وسيل بن سعد قد رووا أن النبي كان يسمم تسميمة واحدة، وكان المياجرون يسممون تسميمة واحدة) وفيما ذكرناه جمع بين الاخبار وأقوال الصحابة في أن يكون المشروع والمسنون تسميمتين، والواجب واحدة، وقد دل عمى صحة ىذا الاجماع الذي ذكره ابن المنذر، فلا معدل عنو. ٕ-(قمت): قد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود ىذا ما يقتضي المغايرة في قولو (السلام عميك أييا النبي)بين زمانو فيقال بمفظ الخطاب، و بين ما بعده فيقال بمفظ الغيبة:(السلام عمى النبي...) ففي لفظ عند البخاري ( ٕ٘ٙٙ) بعد سياق التشيد قال ابن مسعود:((وىو بين ظيرانينا، فممّا قبض قمنا: السلام، يعني عمى النبي)) و قو اه الحافظ في الفتح (ٕ\ٖٙٙ) فقال: ((قد صح بلا ريب، وقد وجدت لو متابعاً قوياً، قال عبدالرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء:((أن الصحابة كانوا يقولون والنبي حي:السلام عميك أييا النبي، فممل مات قالوا: السلام عمى النبي)) وىذا إسناد صحيح))أه. قال الإمام الألباني: ((ولابدّ أن يكون ذلك بتوقيف منو ويؤيده أن عائشة ا كذلك كانت تعمميم التشيد في الصلاة)).

عدد الصفحات ٢٦١

ييا النبي، فممل مات قالوا: السلام عمى النبي)) وىذا إسناد صحيح))أه. قال الإمام الألباني: ((ولابدّ أن يكون ذلك بتوقيف منو ويؤيده أن عائشة ا كذلك كانت تعمميم التشيد في الصلاة)). (ابن أبي شيبة والسراج والبييقي) تشيد عائشة: قال القاسم بن محمد كانت عائشة تعممنا التشيد وتشير بيدىا تقول: (التحيات الطيبات الصموات الزاكيات لله السلام عمى النبي. . .) إلخ تشيد ابن مسعود.

عدد الصفحات ٢٦١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 261 - سورة البقرة الجزء الاول وعلى عباد الله الصالحين فإذا قالها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض أشهد أف لا إلو إلا الله وأشهد أف محمدا عبده ورسوؿ ثم يتخير من المسألة ما شاء" وبو قاؿ أحمد وإسحاؽ وداود. وكاف أحمد بن خالد بالأندلس يختاره ويميل إليو وروي عن أبي موسى الأشعري مرفوعا وموقوفا نحو تشهد ابن مسعود. وىذا كلو اختلاؼ في مباح ليس شيء منو على الوجوب والحمد لله وحده فهذه جملة من أحكاـ الإماـ والمأموـ تضمنها قولو جل وعز {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّا كِعِينَ [ }البقرة : ٖٗ]. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف الصلاة واجبة على الأمم السابقة، وأف فيها ركوعا كما أف في الصلاة التي في شريعتنا ركوعا؛ وقد دؿ على ذلك أيضا قوؿ الله تعالى لمريم{ :يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} [آؿ عمر اف: ٖٗ]؛ فعلى الأمم السابقة صلاة فيها ركوع، وسجود.. ٕ- أف الأمم السابقة عليهم زكاة؛ لأنو لابد من الامتحاف بالزكاة؛ فإف من الناس من يكوف بخيلا. بذؿ الدرىم عليو أشد من شيء كثير.؛ فيمتحن العباد بإيتاء الزكاة، وبذؿ شيء من أموالهم حتى يعلم بذلك حقيقة إيمانهم؛ ولهذا سميت الزكاة صدقة؛ لأنها تدؿ على صدؽ إيماف صاحبها.. ٖ- الإجماؿ في موضع، وتبيينو في موضع آخر؛ لقولو تعالى: (وآتوا الزكاة ) ولم يبين مقدار الواجب، ولا من يدفع إليو، ولا الأمواؿ التي فيها الزكاة؛ لكن ىذه الأشياء مبينة في موضع آخر؛ إذ لا يتم الامتثاؿ إلا ببيانها ... ٗ- جواز التعبير عن الكل بالبعض إذا كاف ىذا البعض من مباني الكل التي لا يتم إلا بها؛ لقولو تعالى: (واركعوا مع الراكعين) ٘- وجوب صلاة الجماعة؛ لقولو تعالى{ :واركعوا مع الراكعين}؛ ىكذا استدؿ بها بعض العلماء؛ ولكن في ىذا الاستدلاؿ شيء؛ لأنو لا يلزـ من المعية المصاحبة في الفعل؛ ولهذا قيل لمريم{ :اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين}والنساء ليس عليهن جماعة؛ إذا لا نسلم أف ىذه الآية تدؿ على وجوب صلاة الجماعة؛ ولكن. الحمد لله. وجوب صلاة الجماعة ثابت بأدلة أخرى ظاىرة من الكتاب، والسنة، وأقواؿ الصحابة .. أَتَأْمُرُوفَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتػَنْسَوْفَ أَنػْفُسَكُمْ وَأَنػْتُمْ تػَتػْلُوفَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تػَعْقِلُوفَ (ٗٗ) قاؿ الطبري: عن ابن عباس في قولو: (أتأمروف الناس بالبر) يقوؿ: أتأمروف الناس بالدخوؿ في دين محمد ، وغير ذلك مما أمرتم بو من إقاـ الصلاة، وتنسوف أنفسكم.

عدد الصفحات ٢٦٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 261 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن العثيمين: الاستفهاـ ىنا للإنكار؛ والمراد إنكار أمر الناس بالبر مع نسياف النفس؛ إذ النفس أولى أف يبدأ بها؛ و "البر" ىو الخير؛ قاؿ أىل التفسير: إف الواحد منهم يأمر أقاربو بإتباع الرسوؿ ، ويقوؿ: إنو حق؛ لكن تمنعو رداستو، وجاىو أف يؤمن بو؛ ومن أمثلة ذلك أف النبي عاد غلاما من اليهود كاف مريضا، فحضر أجلو والنبي عنده؛ فدعاه النبي إلى الرشد، فنظر إلى أبيو كأنو يستشيره، فقاؿ لو أبوه: "أطع أبا القاسم". وأبوه يهودي.، فتشهد الغلاـ شهادة الحق، فخرج النبي وىو يقوؿ: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار" أي بدعوتي؛ إذا ىؤلاء اليهود من أحبارىم من يأمر الناس بالبر. وىو اتباع الرسوؿ . ولكنو ينسى نفسو، ولا يؤمن؛ فقاؿ الله تعالى: {وأنتم تتلوف الكتاب} أي تقرؤوف التوراة؛ والجملة ىنا حالية. أي والحاؿ أنكم تتلوف الكتاب.؛ فلم تأمروا بالبر إلا عن علم؛ ولكن مع ذلك {تنسوف أنفسكم} أي تتركونها، فلا تأمرونها بالبر.. قولو تعالى{ :أف تعقلوف}: الاستفهاـ ىنا للتوبيخ. يعني أفلا يكوف لكم عقوؿ تدركوف بها خطأكم، وضلالكم.؟! و "العقل" ىنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراؾ الذي يناط بو التكليف؛ لأف العقل نوعاف: عقل ىو مناط التكليف. وىو إدراؾ الأشياء، وفهمها.؛ وىو الذي يتكلم عليو الفقهاء في العبادات، والمعاملات، وغيرىا؛ وعقل الرشد. وىو أف يحسن الإنساف التصرؼ.؛ وسمي إحساف التصرؼ عقلا؛ لأف الإنساف عقل تصرفو فيما ينفعو.. قاؿ الطبري: أفلا تفقهوف وتفهموف قبح ما تأتوف من معصيتكم ربكم التي تأمروف الناس بخلافها وتنهونهم عن ركوبها وأنتم راكبوىا، وأنتم تعلموف أف الذي عليكم من حق الله وطاعتو، واتباع محمد والإيماف بو وبما جاء بو، مثل الذي على من تأمرونو باتباعو. قاؿ السعدي: وأسمى العقل عقلا لأنو يعقل بو ما ينفعو من الخير، وينعقل بو عما يضره، وذلك أف العقل يحث صاحبو أف يكوف أوؿ فاعل لما يأمر بو، وأوؿ تارؾ لما ينهى عنو، فمن أمر غيره بالخير ولم يفعلو، أو نهاه عن الشر فلم يتركو، دؿ على عدـ عقلو وجهلو، خصوصا إذا كاف عالما بذلك، قد قامت عليو الحجة. قاؿ القرطبي: فقد دؿ الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أف عقوبة من كاف عالما بالمعروؼ وبالمنكر وبوجوب القياـ بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمو وإنما ذلك لأنو كالمستهين بحرمات الله تعالى ومستخف بأحكامو وىو ممن لا ينتفع بعلمو قاؿ رسوؿ الله "اشد الناس عذابا يوـ القيامة عالم لم ينفعو الله بعلمو" أخرج و ابن ماجو في سننو. و اعلم وفقك الله تعالى أف التوبيخ في الآية بسبب ترؾ فعل البر لا بسبب الأمر بالبر ولهذا ذـ الله تعالى في كتابو قوما كانوا يأمروف بأعماؿ البر ولا يعملوف بها وبخهم بو توبيخا يتلى على طوؿ الدىر إلى يوـ القيامة فقاؿ "أتأمروف الناس بالبر" الآية. قاؿ السعدي: وىذه الآية، وإف كانت نزلت في سبب بني إسراديل، فهي عامة لكل أحد لقولو تعالى{ :يا أيها الذين آمنوا لم تقولوف ما لا تفعلوف كبر مقتا عند الله أف تقولوا ما لا تفعلوف}وليس في الآية أف الإنساف إذا لم يقم بما أمر

عدد الصفحات ٢٦٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 262 - سورة البقرة الجزء الاول بو أنو يترؾ الأمر بالمعروؼ، والنهي عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوـ أف على الإنساف واجبين: أمر غيره ونهيو، وأمر نفسو ونهيها، فترؾ أحدىما، لا يكوف رخصة في ترؾ الآخر، فإف الكماؿ أف يقوـ الإنساف بالواجبين، والنقص الكامل أف يتركهما، وأما قيامو بأحدىما دوف الآخر، فليس في رتبة الأوؿ، وىو دوف الأخير، وأيضا فإف النفوس مجبولة على عدـ الانقياد لمن يخالف قولو فعلو، فاقتداؤىم بالأفعاؿ أبلغ من اقتدادهم بالأقواؿ المجردة. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- توبيخ ىؤلاء الذين يأمروف بالبر، وينسوف أنفسهم؛ لأف ذلك مناؼ للعقل؛ وقد ورد الوعيد الشديد على من كاف ىذا دأبو؛ فقد أخبر النبي "أنو يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتابو". و"الأقتاب" ىي الأمعاء. "فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليو أىل النار، فيقولوف: يا فلاف، أليس كنت تأمرنا بالمعروؼ، وتنهانا عن المنكر، فيقوؿ: كنت آمركم بالمعروؼ ولا آتيو، وأنهاكم عن المنكر وآتيو" (ٔ) ؛ فهو من أشد الناس عذابا. والعياذ بالله ... فإف قاؿ قادل: بناء على أنو مخالف للعقل، وبناء على شدة عقوبتو أنقوؿ لمن لا يفعل ما أمر بو، ومن لا يترؾ ما نهى عنو: "لا تأمر، ولا تنو"؟ فالجواب: نقوؿ: لا، بل مر، وافعل ما تأمر بو؛ لأنو لو ترؾ الأمر مع تركو فعلو ارتكب جنايتين: الأولى: ترؾ الأمر بالمعروؼ؛ والثانية: عدـ قيامو بما أمر بو؛ وكذلك لو أنو ارتكب ما ينهى عنو، ولم ينو عنو فقد ارتكب مفسدتين: الأولى: ترؾ النهي عن المنكر؛ والثانية: ارتكابو للمنكر.. ثم نقوؿ: أينا الذي لم يسلم من المنكر! لو قلنا: لا ينهى عن المنكر إلا من لم يأت منكرا لم ينو أحد عن منكر؛ ولو قلنا: لا يأمر أحد بمعروؼ إلا من أتى المعروؼ لم يأمر أحد بمعروؼ؛ ولهذا نقوؿ: مر بالمعروؼ، وجاىد نفسك على فعلو، وانو عن المنكر، وجاىد نفسك على تركو ... ٕ- توبيخ العالم المخالف لما يأمر بو، أو لما ينهى عنو؛ وأف العالم إذا خالف فهو أسوأ حالا من الجاىل؛ لقولو تعالى{ :وأنتم تتلوف الكتاب} ؛ وىذا أمر فطر الناس عليو. أف العالم إذا خالف صار أشد لوما من الجاىل.؛ حتى العامة تجدىم إذا فعل العالم منكرا قالوا: كيف تفعل ىذا وأنت رجل عالم؟! أو إذا ترؾ واجبا قالوا: كيف تترؾ ىذا وأنت عالم؟!. ٖ- توبيخ بني إسراديل، وأنهم أمة جهلة حمقى ذوو غي؛ لقولو تعالى{ :أف تعقلوف} -ٔ أخرجو البخاري صٕٗٙ، كتاب بدء الخمق، باب ٓٔ: صفة النار وأنيا مخموقة، حديث رقم ٕٖٚٙ؛ وأخرجو مسمم صٜ٘ٔٔ، كتاب الزىد والرقائق، باب ٚ: من يأمر بالمعروف ولا يفعمو، وينيى عن المنكر ويفعمو، حديث رقم ٖٛٗٚ [ٔ٘]ٜٜٕٛ.

عدد الصفحات ٢٦٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 263 - سورة البقرة الجزء الاول ٗ- أف من أمر بمعروؼ، ولم يفعلو؛ أو نهى عن منكر وفعلو من ىذه الأمة، ففيو شبو باليهود؛ لأف ىذا دأبهم. والعياذ بالله ... وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنػَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (٘ٗ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :واستعينوا بالصبر والصلاة} أي استعينوا على أموركم بالصبر، والصلاة؛ و "الاستعانة" ىي طلب العوف؛ و "الاستعانة بالصبر" أف يصبر الإنساف على ما أصابو من البلاء، أو حمل إياه من الشريعة؛ و {الصلاة}ىي العبادة المعروفة؛ وتعم الفرض، والنفل.. قاؿ الشنقيطي: الاِسْتِعَانَةُ بِالصَّبْرِ عَلَى أُمُورِ الد نػْيَا وَالآْخِرَةِ لاَ إِشْكَاؿَ فِيهَا، وَأَمَّا نَتِيجَةُ الاِسْتِعَانَةِ بِالصَّلاَةِ، فػَقَدْ أَشَارَ لَهَا تػَعَالَى فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِوِ، فَذَكَرَ أَفَّ مِنْ نػَتَادِجِ الاِسْتِعَانَةِ بِهَا النػَّهْيَ عَ مَّا لاَ يَلِيقُ، وَذَلِكَ فِي قػَوْلِوِ : (إِفَّ الصَّلاَةَ تػَنػْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [ )ٜٕ \ ٘ٗ]، وَأَنػَّهَا تَجْلِبُ الرِّزْؽَ وَذَلِكَ فِي قػَوْلِوِ : (وَأْمُرْ أَىْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيػْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نػَرْزُ قُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتػَّقْوَى) ، وَلِذَا كَافَ إِذَا حَزَبَوُ أَمْرٌ بَادَرَ إِلَى الصَّلاَةِ . وَإِيضَاحُ ذَلِكَ : أَفَّ الْعَبْدَ إِذَا قَاـَ بػَيْنَ يَدَيْ رَبِّوِ يػُنَاجِيوِ، وَيػَتػْلُو كِتَابَوُ ىَافَ عَلَيْوِ كُل مَا فِي الد نػْيَا رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَ اللَّوِ وَرَىْبَةً مِنْوُ، فػَيَتَبَاعَدُ عَنْ كُلِّ مَا لاَ يػُرْضِي اللَّوَ فػَيػَرْزُقُوُ اللَّوُ وَيػَهْدِيوِ . قاؿ الطبري: أف ابن عباس نعي إليو أخوه قثم، وىو في سفر، فاسترجع . ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطاؿ فيهما الجلوس، ثم قاـ يمشي إلى راحلتو وىو يقوؿ: ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين)(ٔ). قاؿ السعدي: أمرىم الله أف يستعينوا في أمورىم كلها بالصبر بجميع أنواعو، وىو الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها، والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليو معونة عظيمة على كل أمر من الأمور، ومن يتصبر يصبره الله، وكذلك الصلاة التي ىي ميزاف الإيماف، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، يستعاف بها على كل أمر من الأمور. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :وإنها} قيل: إف الضمير يعود على {الصلاة} ؛ لأنها أقرب مذكور؛ والقاعدة في اللغة العربية أف الضمير يعود إلى أقرب مذكور ما لم يمنع منو مانع؛ وقيل إف الضمير يعود على الاستعانة المفهومة ٔ- الخبر: إسناده صحيح. عيينة بن عبد الرحمن: ثقة. وأبوه عبد الرحمن بن جرشن الغطفاني: تابعي ثقة. الأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور ٔ: ٛٙ، ونسبو أيضًا لسعيد بن منصور، وابن المنذر، والبييقي في الشعب. قُثَم بن العباس بن عبد المطمب، أخو عبد الله بن العباس. وأمو أم الفضل كان يشبو بالنبي ، ولا يصح سماعو عنو، فإنو كان في آخر عيد النبي فوق ثمان. وخرج مع سعيد بن عثمان زمن معاوية إلى سمرقند، فاستشيد بيا. استرجع: قال:"إنا لله وا نا إليو راجعون ".

عدد الصفحات ٢٦٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 264 - سورة البقرة الجزء الاول من قولو تعالى: {واستعينوا} ؛ لأف الفعل {استعينوا} يدؿ على زمن، ومصدر؛ فيجوز أف يعود الضمير على المصدر المفهوـ من الفعل، كما في قولو تعالى{ :اعدلوا ىو أقرب للتقوى[ }الماددة: ٛ]، أي العدؿ المفهوـ من قولو تعالى: {اعدلوا} أقرب للتقوى؛ لكن المعنى الأوؿ أوضح.. قاؿ السعدي: {وإنها}أي: الصلاة {لكبيرة}أي: شاقة {إ على الخاشعين} فإنها سهلة عليهم خفيفة؛ لأف الخشوع، وخشية الله، ورجاء ما عنده يوجب لو فعلها، منشرحا صدره لترقبو للثواب، وخشيتو من العقاب، بخلاؼ من لم يكن كذلك، فإنو لا داعي لو يدعوه إليها، وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليو. والخشوع ىو: خضوع القلب وطمأنينتو، وسكونو لله تعالى، وانكساره بين يديو، ذلا وافتقارا، وإيمانا بو وبلقادو. قاؿ القرطبي: الخاشعوف جمع خاشع وىو المتواضع والخشوع ىيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكوف وتواضع. وقاؿ قتادة الخشوع في القلب وىو الخوؼ وغض البصر في الصلاة. قاؿ الزجاج الخاشع الذي يرى أثر الذؿ والخشوع عليو كخشوع الدار بعد الإقو اف ؟ ىذا ىو الأصل قاؿ النابغة : رماد ككحل العين لأيا أبينو ... ونؤي كجذـ الحوض أثلم خاشع ومكاف خاشع: لا يهتدى لو. وخشعت الأصوات أي سكنت، وخشعت خراشي صدره إذا ألقى بصاقا لزجا . وخشع ببصره إذا غضو. والخشعة قطعة من الأرض رخوة . وفي الحديث "كانت خشعة على الماء ثم دحيت بعد". وبلدة خاشعة مغبرة لا منزؿ بها. قاؿ سفياف الثوري: سألت الأعمش عن الخشوع فقاؿ : يا ثوري أنت تريد أف تكوف إماما للناس ولا تعرؼ الخشوع سألت إبراىيم النخعي عن الخشوع فقاؿ أعيمش تريد أف تكوف إماما للناس ولا تعرؼ الخشوع ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس ، لكن الخشوع أف ترى الشريف والدنيء في الحق سواء ، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك. ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قد نكس رأسو فقاؿ يا ىذا! ارفع رأسك فإف الخشوع لا يزيد على ما في القلب. وقاؿ علي بن أبي طالب : الخشوع في القلب ، وأف تلين كفيك للمر ء المسلم وألا تلتفت في صلاتك. وسيأتي ىذا المعنى مجودا عند قولو تعالى {قَدْ أَفػْلَحَ الْمُؤْمِنُوفَ الَّذِينَ ىُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُوفَ [ }المؤمنوف : ٔ - ٕ]فمن أظهر للناس خشوعا فوؽ ما في قلبو فإنما أظهر نفاقا على نفاؽ. قاؿ سهل بن عبدالله لا يكوف خاشعا حتى تخشع كل شعرة على جسده لقوؿ الله تبارؾ وتعالى { :تػَقْشَعِر مِنْوُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْفَ رَبػَّهُمْ [ }الزمر : ٖٕ] قلت : ىذا ىو الخشوع المحمود لأف الخوؼ إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاىر فلا يملك صاحبو دفعو فتراه مطرقا متأدبا متذللا. وقد كاف السلف يجتهدوف في ستر ما يظهر من ذلك وأما المذموـ فتكلفو والتباكي ومطأطأة الرأس كما يفعلو الجهاؿ ليروا بعين البر والإجلاؿ وذلك خدع من الشيطاف وتسويل من نفس الإنساف. روى الحسن أف رجلا تنفس عند عمر بن الخطاب كأنو يتحازف فلكزه عمر أو قاؿ لكمو. وكاف عمر إذا تكلم أسمع وإذا

عدد الصفحات ٢٦٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 265 - سورة البقرة الجزء الاول مشى أسرع وإذا ضرب أوجع وكاف ناسكا صدقا وخاشعا حقا. وروى ابن أبي نجيح عن مجاىد قاؿ : الخاشعوف ىم المؤمنوف حقا. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٕٕصٕٖٗ: قَاؿَ اللَّوُ تػَعَالَى{ :وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنػَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَ ى الْخَاشِعِينَ }وَىَذَا يػَقْتَضِي ذَـَّ غَيْرِ الْخَاشِعِينَ . كَقَوْلِوِ تػَعَالَى{ :وَمَا جَعَلْنَا الْقِبػْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيػْهَا إلاَّ لِنػَعْلَمَ مَنْ يػَتَّبِعُ الرَّسُوؿَ مِمَّنْ يػَنػْقَلِبُ عَلَى عَقِبػَيْوِ وَإِفْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلاَّ عَلَ ى الَّذِينَ ىَدَى اللَّوُ }وَقػَوْلِوِ تػَعَالَى{ :كَبػُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوىُمْ إلَيْوِ }فػَقَدْ دَؿَّ كِتَابُ اللَّوِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَنْ كَبػُرَ عَلَيْوِ مَا يُحِب وُ اللَّوُ . وَأَنَّوُ مَذْمُوـٌ بِذَلِكَ فِي الدِّينِ مَسْخُوطٌ مِنْوُ ذَلِكَ وَالذَّـ أَوْ الس خْطُ لاَ يَكُوفُ إلاَّ لِتػَرْؾِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّـٍ وَإِذَا كَافَ غَيػْرُ الْخَاشِعِينَ مَذْمُومِينَ دَؿَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْخُشُوعِ . فَمِنْ الْمَعْلُوـِ أَفَّ الْخُشُوعَ الْمَذْكُورَ فِي قػَوْلو تػَعَالَى {وَإِنػهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ }لاَ بُدَّ أَفْ يػَتَضَمَّنَ الْخُشُوعَ فِي الصَّلاَةِ . فَإِنَّوُ لَوْ كَافَ الْمُرَادُ الْخُشُوعَ خَارِجَ الصَّلاَةِ لَفَسَدَ الْمَعْنَى إذْ لَوْ قِيلَ : إفَّ الصَّلاَةَ لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى مَنْ خَشَعَ خَارِجَهَ ا وَلَمْ يَخْشَعْ فِيهَا: كَافَ يػَقْتَضِي أَنػَّهَا لاَ تَكْبػُرُ عَلَى مَنْ لَمْ يَخْشَعْ فِيهَا وَتَكْبػُرُ عَلَى مَنْ خَشَعَ فِيهَا. وَقَدْ انػْتػَقَى مَدْلُوؿَ الآْيَةِ . فػَثَبَتَ أَفَّ الْخُشُوعَ وَاجِبٌ فِي الصَّلاَةِ . وَيَدُؿ عَلَى وُجُوبِ الْخُشُوعِ فِ يهَا أَيْضًا قػَوْلو تػَعَالَى {قَدْ أَفػْلَحَ الْمُؤْمِنُوفَ { }الَّذِينَ ىُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُوفَ { }وَالَّذِينَ ىُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُوفَ { }وَالَّذِينَ ىُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُوفَ } {وَالَّذِينَ ىُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُوفَ { }إ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانػُهُمْ فَإِنػَّهُمْ غَيػْرُ مَلُومِينَ { }فَمَنِ ابػْتػَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ ىُمُ الْعَادُوفَ { }وَالَّذِينَ ىُمْ لأَِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِىِمْ رَاعُوفَ { }وَالَّذِينَ ىُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُوفَ { }أُولَئِكَ ىُمُ الْوَارِثُوفَ { }الَّذِينَ يَرِثُوفَ الْفِرْدَوْسَ ىُمْ فِيهَا خَالِدُوفَ }أَخْبػَرَ سُبْحَانَوُ وَتػَعَالَى أَفَّ ىَؤُلاَءِ ىُمْ الَّذِينَ يَرِثُوفَ فِرْدَوْسَ الْجَنَّةِ . وَذَلِكَ يػَقْتَضِي أَنَّوُ لاَ يَرِثػُهَا غَيػْرُىُمْ . وَقَدْ دَؿَّ ىَذَا عَلَى وُجُوبِ ىَذِهِ الْخِصَاؿِ . إذْ لَوْ كَافَ فِيهَا مَا ىُوَ مُسْتَحَب لَكَانَتْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ تُورَثُ بِدُونِهَا لأََفَّ الْجَنَّةَ تػُنَاؿُ بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ دُوفَ الْمُسْتَحَبَّاتِ . وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي ىَذِهِ الْخِصَاؿِ إلاَّ مَا ىُوَ وَاجِبٌ . وَإِذَا كَافَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلاَةِ وَاجِبًا فَالْخُشُوعُ يػَتَضَمَّنُ السَّكِينَةَ وَالتػَّوَاضُعَ جَمِيعًا. وَمِنْوُ حَدِيثُ عُمَرَ حَيْثُ رَأَى رَجُلاً يػَعْبَثُ فِي صَلاَتِوِ . فػَقَاؿَ {لَوْ خَشَعَ قػَلْبُ ىَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُوُ }أَيْ لَسَكَنَ تْ وَخَضَعَتْ . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- إرشاد الله - تبارؾ وتعالى - عباده إلى الاستعانة بهذين الأمرين: الصبر، والصلاة..

عدد الصفحات ٢٦٧

َعَتْ جَوَارِحُوُ }أَيْ لَسَكَنَ تْ وَخَضَعَتْ . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- إرشاد الله - تبارؾ وتعالى - عباده إلى الاستعانة بهذين الأمرين: الصبر، والصلاة.. ٕ- جواز الاستعانة بغير الله؛ لكن فيما يثبت أف بو العوف؛ فمثلا إذا استعنت إنسانا يحمل معك المتاع إلى البيت كاف جادز ا؛ قاؿ النبي "وتعين الرجل في دابتو، فتحملو عليها، أو ترفع لو عليها متاعو صدقة (ٔ) ٔ- أخرجو البخاري صٕٖٕ، كتاب الجياد، باب ٕٚ: فضل من حمل متاع صاحبو في السفر حديث رقم ٜٕٔٛ؛ و أخرجو مسمم صٖٚٛ، كتاب الزكاة، باب ٙٔ: بيان أن اسم الصدقة يقع عمى كل نوع من المعروف، حديث رقم ٖٖٕ٘ [ٙ٘]ٜٓٓٔ، والمفظ لمسمم.

عدد الصفحات ٢٦٧