تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 221 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :و تقربا ىذه الشجرة} أشار الله تعالى إلى الشجرة بعينها، و "أؿ" فيها للعهد الحضوري؛ لأف كل ما جاء بػ "أؿ" بعد اسم الإشارة فهو للعهد الحضوري؛ إذ إف اسم الإشارة يعني الإشارة إلى شيء قريب. قاؿ القرطبي: أي لا تقرباىا بأكل ، لأف الإباحة فيو وقعت. قاؿ ابن العربي : سمعت الشاشي في مجلس النضر بن شميل يقوؿ : إذا قيل لا تقرب "بفتح الراء" كاف معناه لا تلبس بالفعل ، وإذا كاف "بضم الراء" فإف معناه لا تدف منو. قاؿ ابن عطية : وىذا مثاؿ بين في سد الذرادع. وقاؿ بعض أرباب المعاني قولو : "ولا تقربا" إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة ، وأف سكناه فيها لا يدوـ ، لأف المخلد لا يحظر عليو شيء ولا يؤمر ولا ينهى. والدليل على ىذا قولو تعالى {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً }[البقرة : ٖٓ]فدؿ على خروجو منها. قاؿ ابن العثيمين: وىذه الشجرة غير معلومة النوع، فتبقى على إبهامها.. قاؿ الطبري: والقوؿ في ذلك عندنا أف الله جل ثناؤه أخبر عباده أف آدـ وزوجَو أكلا من الشجرة التي نهاىُما رب هما عن الأكل منها، فأتيا الخطيئة التي نهاىما عن إتيانها بأكلهما ما أكلا منها، بعد أف بيّن الله جل ثناؤه لهما عَين الشجرة التي نهاىما عن الأكل منها، وأشار لهما إليها بقولو: "ولا تقربا ىذه الشجرة"، ولم يضع الله جل ثناؤه لعباده المخاطَبين بالقرآف، دلالةً على أيّ أشجار الجنة كاف نهيُو آدـَ أف يقربها، بنصٍّ عليها باسمها، ولا بدلالة عليها. ولو كاف لله في العلم بأيّ ذلك من أيٍّ رضًا، لم يُخل عبادَه من نَصْب دلالة لهم عليها يَصلوف بها إلى معرفة عينها، ليطيعوه بعلمهم بها، كما فعل ذلك في كل ما بالعلم بو لو رضًا. فالصواب في ذلك أف يقاؿ: إف الله جل ثناؤه نهى آدـَ و زوجتو عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دوف سادر أشجارىا، فخالفا إلى ما نهاىما الله عنو، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه بو. ولا علم عندنا أي شجرة كانت على التعيين، لأف الله لم يَضَع لعباده دليلا على ذلك في القرآف، ولا في السنة الصحيحة. فأنَّى يأتي ذلك؟ وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين، وجادز أف تكوف واحدة منها، وذلك عِلمٌ، إذا عُلم لم ينفع العالمَ بو علمو، وإف جهلو جاىل لم يضرَّه جهلُو بو. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :فتكونا} وقعت جوابا للطلب. وىو قولو تعالى: {لا تقربا} ؛ فالفاء ىنا للسببية؛ والفعل بعدىا منصوب بػ "أف" مضمرة بعد فاء السببية؛ وقيل: إف الفعل منصوب بنفس الفاء؛ القوؿ الأوؿ للبصريين، والثاني للكوفيين؛ والثاني ىو المختار عندنا بناء على القاعدة أنو متى اختلف علماء النحو في إعراب كلمة أو جملة فإننا: نأخذ بالأسهل ما داـ المعنى يحتملو.. قولو تعالى{ :من الظالمين} أي من المعتدين لمخالفة الأمر.. قاؿ الطبري: فإنو يعني بو فتكونا من المتعدِّين إلى غير ما أذِف لهم وأبيح لهم فيو، وإنما عَنى بذلك أنكما إف قربتما ىذه الشجرة، كنتما على منهاج من تعدَّى حُدودي، وَعصى أمر ي، واستحلَّ محارمي، لأف الظالمين بعضُهم أولياء بعض، والله وليّ المتقين. وأصل "الظلم" في كلاـ العرب، وضعُ الشيء في غير موضعو.
عدد الصفحات ٢٢٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 222 - سورة البقرة الجزء الاول (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- إثبات القوؿ لله عز وجل؛ لقولو تعالى: (وقلنا يا آدـ) ... ٕ- أف قوؿ الله يكوف بصوت مسموع ، وحروؼ مرتبة؛ لقولو تعالى{ :يا آدـ اسكن ... }إلخ؛ ولولا أف آدـ يسمعو لم يكن في ذلك فاددة؛ وأيضا ىو مرتب؛ لقولو تعالى{ :يا آدـ اسكن أنت وزوجك}وىذه حروؼ مرتبة، كما ىو ظاىر؛ وإنما قلنا ذلك لأف بعض أىل البدع يقوؿ: إف كلاـ الله تعالى ىو المعنى القادم بنفسو، وليس بصوت، ولا حروؼ مرتبة؛ ولهم في ذلك آراء مبتدعة أوصلها بعضهم إلى ثمانية أقواؿ. ٖ- منة الله عز وجل على آدـ، وحواء حيث أسكنهما الجنة.. ٗ- أف النكاح سنة قديمة منذ خلق الله آدـ، وبقيت في بنيو من الرسل، والأنبياء، ومن دونهم، كما قولو تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية}الرعد: ٖٛ) فإف قاؿ قادل: زوجتو بنت من؟.. فالجواب: أنها خلقت من ضلعو.. فإف قاؿ: إذا تكوف بنتا لو، فكيف يتزوج ابنتو؟.. فالجواب: أف لله تعالى أف يحكم بما شاء؛ فكما أباح أف يتزوج الأخ أختو من بني آدـ الأولين؛ فكذلك أباح أف يتزوج آدـ من خلقها الله من ضلعو.. ٘- أف الأمر يأتي للإباحة؛ لقولو تعالى{ :وك منها}؛ فإف ىذه للإباحة بدليل قولو تعالى{ :حيث شئتما}خيرىما أف يأكلا من أي مكاف؛ ولا شك أف الأمر يأتي للإباحة؛ ولكن الأصل فيو أنو للطلب حتى يقوـ دليل أنو للإباحة.. ٙ- أف ظاىر النص أف ثمار الجنة ليس لو وقت محدود؛ بل ىو موجود في كل وقت؛ لقولو تعالى{ :حيث شئتما}؛ فالتعميم في المكاف يقتضي التعميم في الزماف؛ وقد قاؿ الله تعالى في فاكهة الجنة{ :وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة}الواقعة: ٕٖ، ٖٖ) . ٚ- أف الله تعالى قد يمتحن العبد، فينهاه عن شيء قد تتعلق بو نفسو؛ لقولو تعالى{ :و تقربا ىذه الشجرة}؛ ووجو ذلك أنو لولا أف النفس تتعلق بها ما احتيج إلى النهي عن قربانها.. ٛ- أنو قد ينهى عن قرباف الشيء والمراد النهي عن فعلو؛ للمبالغة في التحذير منو؛ فإف قولو تعالى{ :و تقربا ىذه الشجرة}المراد: لا تأكلا منها، لكن لما كاف القرب منها قد يؤدي إلى الأكل نهي عن قربها.. ٜ- إثبات الأسباب؛ لقولو تعالى{ :و تقربا ىذه الشجرة فتكونا من الظالمين.. ٓٔ- أف معصية الله تعالى ظلم للنفس، وعدواف عليها؛ لقولو تعالى: (ولا تقربا ىذه الشجرة فتكونا من الظالمين..)
عدد الصفحات ٢٢٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 223 - سورة البقرة الجزء الاول فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَافُ عَنػْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيوِ وَقػُلْنَا اىْبِطُوا بػَعْضُكُمْ لِبػَعْضٍ عَدُو وَلَكُمْ فِي الأَْرْضِ مُسْتػَقَر وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (ٖٙ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :فأزلهما الشيطاف} ؛ وفي قراءة{ :فأزالهما}؛ والفرؽ بينهما أف {أزلهما}بمعنى أوقعهما في الزلل؛ و {أزالهما}بمعنى نحاىما؛ فعلى القراءة الأولى يكوف الشيطاف أوقعهما في الزلل، فزالا عنها، وأخرجا منها؛ وعلى الثانية يكوف الشيطاف سببا في تنحيتهما؛ و {الشيطاف} الظاىر أنو الشيطاف الذي أبى أف يسجد لآدـ: قاؿ الطبري: "فأزلَّهما" بتشديد اللاـ، بمعنى: استزلَّهما، من قولك زؿَّ الرجل في دينو: إذا ىفا فيو وأخطأ، فأتى ما ليس لو إتيانو فيو. وأزلَّو غيره: إذا سبب لو ما يزؿّ من أجلو في دينو أو دنياه، ولذلك أضاؼ الله تعالى ذكره إلى إبليسَ خُروجَ آدـ وزوجتو من الجنة، فقاؿ: "فأخرجهما " يعني إبليس "مما كانا فيو"، لأنو كافَ الذي سَبَّب لهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة. وقرأه آخروف: "فأزَالهما"، بمعنى إزَالة الشيء عن الشيء، وذلك تنحيتو عنو. وسوس لهما ليقوما بمعصية الله كما فعل ىو حين أبى أف يسجد لآدـ.. عن ابن جُريج، قاؿ: قاؿ ابن عباس في تأويل قولو تعالى: "فأزلهما الشيطاف" قاؿ: أغواىما. (ٔ) قولو تعالى{ :عنها} أي عن الجنة؛ ولهذا قاؿ تعالى: {فأخرجهما مما كانا فيو}من النعيم؛ لأنهما كانا في أحسن ما يكوف من الأماكن.. قاؿ الطبري: وأما تأويل قولو "فأخرجهما "، فإنو يعني: فأخرج الشيطافُ آدـَ وزوجتو، "مما كانا"، يعني مما كاف فيو آدـُ وزوجتو من رغد العيش في الجنة، وسعة نعيمها الذي كانا فيو. وقد بينا أف الله جل ثناؤه إنما أضاؼ إخراجهما من الجنة إلى الشيطاف - وإف كاف الله ىو المخرجَ لهما - لأف خروجهما منها كاف عن سبب من الشيطاف، فأضيف ذلك إليو لتسبيبو إياه كما يقوؿ القادل لرجل وَصل إليو منو أذى حتى تحوّؿ من أجلو عن موضع كاف يسكنو: "ما حوَّلني من موضعي الذي كنت فيو إلا أنت"، ولم يكن منو لو تحويل، ولكنو لما كاف تحوّلو عن سبب منو، جازَ لو إضافة تحويلو إليو. فإف قاؿ لنا قادل: وكيف كاف استزلاؿ إبليسُ آدـَ وزوجتو، حتى أضيف إليو إخراجهما من الجنة؟ ٔ- الخبر: في الدر المنثور ٔ: ٖ٘، والشوكاني ٔ: ٙ٘.
عدد الصفحات ٢٢٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 224 - سورة البقرة الجزء الاول قيل: قد قالت العلماء في ذلك أقوالا، وأولى ذلك بالحق عندنا ما كاف لكتاب الله مُوافقًا. وقد أخبر الله تعالى ذكره عن إبليس أنو وسوس لآدـ وزوجتو ليبديَ لهما ما وُري عنهما من سَوآتهما، وأنو قاؿ لهما: "ما نهاكما رَبكما عن ىذه الشجرة إلا أف تكونا مَلكين أو تكونا من الخالدين"، وأنو "قاسمَهما إني لكما لمن الناصحين" مُدلِّيًا لهما بغرور. ففي إخباره جل ثناؤه - عن عدوّ الله أنو قاسم آدـ وزوجتو بقيلو لهما: إني لكما لمن الناصحين - الدليلُ الواضح على أنو قد باشر خطابهما بنفسو، إما ظاىرًا لأعينهما، وإما مستجِنًّا في غيره. وذلك أنو غير مَعقوؿ في كلاـ العرب أف يقاؿ: قاسم فلافٌ فلانًا في كذا وكذا . إذا سبّب لو سببًا وصل بو إليو دوف أف يحلف لو. والحلف لا يكوف بتسبب السبب. فكذلك قولو "فوسوس إليو الشيطاف"، لو كاف ذلك كاف منو إلى آدـ - على نحو الذي منو إلى ذريتو، من تزيين أكل ما نهى الله آدـ وأولى ذلك بالحق عندنا ما كاف لكتاب الله مُوافقًا. وقد أخبر الله تعالى ذكره عن إبليس أنو وسوس لآدـ وزوجتو ليبديَ لهما ما وُري عنهما من سَوآتهما، وأنو قاؿ لهما: "ما نهاكما رَبكما عن ىذه الشجرة إلا أف تكونا مَلكين أو تكونا من الخالدين"، وأنو "قاسمَهما إني لكما لمن الناصحين" مُدلِّيًا لهما بغرور. ففي إخباره جل ثناؤه - عن عدوّ الله أنو قاسم آدـ وزوجتو بقيلو لهما: إني لكما لمن الناصحين - الدليلُ الواضح على أنو قد باشر خطابهما بنفسو، إما ظاىرًا لأعينهما، وإما مستجِنًّا في غيره. وذلك أنو غير مَعقوؿ في كلاـ العرب أف يقاؿ: قاسم فلافٌ فلانًا في كذا وكذا . إذا سبّب لو سببًا وصل بو إليو دوف أف يحلف لو. والحلف لا يكوف بتسبب السبب. فكذلك قولو "فوسوس إليو الشيطاف"، لو كاف ذلك كاف منو إلى آدـ - على نحو الذي منو إلى ذريتو، من تزيين أكل ما نهى الله آدـ عن أكلو من الشجرة، بغير مباشرة خطابو إياه بما استزلّو بو من القوؿ والحيل - لما قاؿ جلّ ثناؤه: "وقاسمَهما إني لكما لمن الناصحين". كما غير جادز أف يقوؿ اليوـ قادلٌ ممن أتى معصية: قاسمني إبليس أنو لي ناصحٌ فيما زيَّن لي من المعصية التي أتيتها. فكذلك الذي كاف من آدـَ وزوجتو، لو كاف على النحو الذي يكوف فيما بين إبليس اليوـَ وذرية آدـ - لما قاؿ جلّ ثناؤه: "وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين"، ولكن ذلك كاف - إف شاء الله - على نحو ما قاؿ ابن عباس ومن قاؿ بقولو. قاؿ القرطبي: واختلف العلماء في ىذا الباب ىل وقع من الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - صغادر من الذنوب يؤاخذوف بها ويعاتبوف عليها أـ لا - بعد اتفاقهم على أنهم معصوموف من الكبادر ومن كل رز يلة فيها شين ونقص إجماعا عند القاضي أبي بكر ، وعند الأستاذ أبي إسحاؽ أف ذلك مقتضى دليل المعجزة ، وعند المعتزلة أف ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم - ، فقاؿ الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين : تقع الصغادر منهم. خلافا للرافضة حيث قالوا : إنهم معصوموف من جميع ذلك ، واحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث ، وىذا ظاىر لا خفاء فيو. وقاؿ جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي : إنهم معصوموف من الصغادر كلها كعصمتهم من الكبادر أجمعها ، لأنا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارىم وسيرىم أمرا مطلقا من غير التزاـ قرينة ، فلو جوزنا عليهم الصغادر لم يمكن الاقتداء بهم ، إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة أو الحظر أو المعصية ، ولا يصح أف يؤمر المرء بامتثاؿ أمر لعلو معصية ، لا
عدد الصفحات ٢٢٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 225 - سورة البقرة الجزء الاول سيما على من يرى تقديم الفعل على القوؿ إذا تعارضا من الأصوليين. قاؿ الأستاذ أبو إسحاؽ الإسفرايني : واختلفوا في الصغادر ، والذي عليو الأكثر أف ذلك غير جادز عليهم ، وصار بعضهم إلى تجويزىا ، ولا أصل لهذه المقالة. وقاؿ بعض المتأخرين ممن ذىب إلى القوؿ الأوؿ : الذي ينبغي أف يقاؿ إف الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها ، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا ، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإف قبل ذلك أحادىا ، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم ، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسياف ، أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرىم حسنات وفي حقهم سيئات ، بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارىم ، إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليو السادس ، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأماف والسلامة. قاؿ : وىذا ىو الحق. ولقد أحسن الجنيد حيث قاؿ : حسنات الأبرار سيئات المقربين. فهم - صلوات الله وسلامو عليهم - وإف كاف قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم ، بل قد تلافاىم واجتباىم وىداىم ومدحهم وزكاىم واختارىم واصطفاىم ، صلوات الله عليهم وسلامو. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :وقلنا} أي قاؿ الله لهما؛ {اىبطوا} :الضمير للجمع، والمراد آدـ، وحواء، وإبليس؛ ولهذا قاؿ تعالى{ :بعضكم لبعض عدو} :الشيطاف عدو لآدـ، وحواء.. قاؿ الطبري: يقاؿ ىَبط فلاف أرضَ كذا وواديَ كذا، إذا حلّ ذلك وقد أباف ىذا القوؿُ من الله جل ثناؤه، عن صحة ما قلنا من أفّ المخرِجَ آدـَ من الجنة ىو الله جل ثناؤه، وأف إضافة الله إلى إبليس ما أضاؼ إليو من إخراجهما، كاف على ما وصفنا. ودؿّ بذلك أيضًا على أفّ ىبوط آدـ وزوجتو وعدوىما إبليس، كاف في وقت واحد، بجَمْع الله إياىم في الخبر عن إىباطهم، بعد الذي كاف من خطيئة آدـ وزوجتو، وتسب ب إبليس ذلك لهما، على ما وصفو ربنا جل ذكره عنهم. قاؿ السعدي: {بعضكم لبعض عدو} أي: آدـ وذريتو؛ أعداء لإبليس وذريتو، ومن المعلوـ أف العدو؛ يجد ويجتهد في ضرر عدوه وإيصاؿ الشر إليو بكل طريق؛ وحرمانو الخير بكل طريق، ففي ضمن ىذا، تحذير بني آدـ من الشيطاف كما قاؿ تعالى {إف الشيطاف لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبو ليكونوا من أصحاب السعير} {أفتتخذونو وذريتو أولياء من دوني وىم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} قاؿ القرطبي لم يكن إخراج الله تعالى آدـ من الجنة وإىباطو منها عقوبة لو لأنو أىبطو بعد أف تاب عليو وقبل توبتو وإنما أىبطو إما تأديبا وإما تغليظا للمحنة والصحيح في إىباطو وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وىي نشر نسلو فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الأكلة سبب إىباطو من الجنة ولله أف يفعل ما يشاء.
عدد الصفحات ٢٢٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 226 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٛصٖٜ: فَإِفْ قِيلَ : وَىُوَ قَدْ تَابَ فَلِمَاذَا بػَعْدَ التػَّوْبَةِ أُىْبِطَ إلَى الأَْرْضِ؟ . قِيلَ : التػَّوْبَةُ قَدْ يَكُوفُ مِنْ تَمَامِهَا عَمَلٌ صَالِحٌ يػَعْ مَلُوُ فػَيُبْتػَلَى بػَعْدَ التػَّوْبَةِ لِيػَنْظُرَ دَوَاـَ طَاعَتِوِ قَاؿَ اللَّوُ تػَعَالَى{ :إ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بػَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِفَّ اللَّوَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }فِي التَّادِبِ مِنْ الرِّدَّةِ وَقَاؿَ فِي كَاتِمِ الْعِلْمِ { :إ الَّذِ ينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبػَيػَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التػَّوَّابُ الرَّحِيمُ }وَقَاؿَ{ :أَنَّوُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بػَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّوُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }وَقَاؿَ فِي الْقَذْؼِ { :إ الَّ ذِينَ تَابُوا مِنْ بػَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِفَّ اللَّوَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }وَقَاؿَ{ :إ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يػُبَدِّؿُ اللَّوُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَافَ اللَّوُ غَفُورًا رَحِيمًا { }وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّوُ يػَتُوبُ إلَى اللَّوِ مَتَابًا}وَقَاؿَ{ :وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اىْتَدَى{ . }وَلَمَّا تَابَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَصَاحِبَاهُ أَمَرَ رَسُوؿُ اللَّوِ الْمُسْلِمِينَ بِهَجْرِىِمْ - حَتَّى نِسَادِهِمْ - ثَمَانِينَ لَيػْلَةً { . }وَقَاؿَ النَّبِي فِي الغامدية لَمَّا رَجَمَهَا؟ لَقَدْ تَابَتْ تػَوْبَةً لَوْ تَابػَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَوُ وَىَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَفْ جَادَتْ بِنػَفْسِهَا لِلَّوِ }وَقَدْ أَخْبػَرَ اللَّوُ عَنْ تػَوْبَتِوِ عَلَ ى بَنِي إسْرَادِيلَ حَيْثُ قَاؿَ لَهُمْ مُوسَى{ :يَا قػَوْـِ إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنػْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فػَتُوبُوا إلَى بَارِدِكُمْ فَاقػْتػُلُوا أَنػْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيػْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِدِكُمْ }وَإِذَا كَافَ اللَّوُ تػَعَالَى قَدْ يػَبْ تَلِي الْعَبْدَ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ بِمَا يَحْصُلُ مَعَوُ شُكْرُهُ وَصَبػْرُهُ أَـْ كُفْرُهُ وَجَزَعُوُ وَطَاعَتُوُ أَـْ مَعْصِيَتُوُ فَالتَّادِبُ أَحَق بِالاِبْتِلاَءِ فَآدَـُ أُىْبِطَ إلَى الأَْرْضِ ابْتِلاَءً لَ وُ وَوَفػَّقَوُ اللَّوُ فِي ىُبُوطِوِ لِطَاعَتِوِ فَكَافَ حَالُوُ بػَعْدَ الْهُبُوطِ خَيػْرًا مِنْ حَالِوِ قػَبْلَ الْهُبُوطِ . قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} يعني أنكم سوؼ تستقروف في الأرض، وسوؼ تتمتعوف بها بما أعطاكم الله من النعم، ولكن لا على وجو الدواـ؛ بل إلى حين. وىو قياـ الساعة.. قاؿ ابن عطية: واختلف المتأولوف في الحين ىاىنا فقالت فرقة: إلى الموت، وىذا قوؿ من يقوؿ المستقر ىو المقاـ في الدنيا، وقالت فرقة: إِلى حِينٍ إلى يوـ القيامة، وىذا قوؿ من يقوؿ: المستقر ىو في القبور. ويترتب أيضا على أف المستقر في الدنيا أف يراد بقولو: وَلَكُمْ، أي لأنواعكم في الدنيا استقرار ومتاع قرنا بعد قرف إلى يوـ القيامة. قاؿ القرطبي: قولو تعالى { :وَلَكُمْ فِي الأَْرْضِ مُسْتػَقَر } ابتداء وخبر ، أي موضع استقرار. قالو أبو العالية وابن زيد. وقاؿ السدي : "مستقر" يعني القبور. قلت: وقوؿ الله تعالى { :جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قػَرَاراً [ }النمل : ٔٙ]يحتمل المعنيين. والله أعلم. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- الحذر من وقوع الزلل الذي يمليو الشيطاف؛ لقولو تعالى: (فأزلهما الشيطاف عنها) .
عدد الصفحات ٢٢٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 227 - سورة البقرة الجزء الاول ٕ- أف الشيطاف يغر بني آدـ كما غر أباىم حين وسوس لآدـ، وحواء، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين، وقاؿ: يا آدـ ىل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؛ فالشيطاف قد يأتي الإنساف، فيوسوس لو، فيصغر المعصية في عينو؛ ثم إف كانت كبيرة لم يتمكن من تصغيرىا؛ مناه أف يتوب منها، فيسهل عليو الإقداـ؛ ولذلك احذر عدوؾ أف يغرؾ.. ٖ- إضافة الفعل إلى المتسبب لو؛ لقولو تعالى{ :فأزلهما الشيطاف عنها فأخرجهما مما كانا فيو}؛ وقد ذكر الفقهاء. رحمهم الله. أف المتسبب كالمباشر في الضماف، لكن إذا اجتمع متسبب ومباشر تمكن إحالة الضماف عليو فالضماف على المباشر؛ وإف لم تمكن فالضماف على المتسبب؛ مثاؿ الأوؿ؛ أف يحفر بئرا، فيأتي شخص، فيدفع فيها إنسانا، فيهلك: فالضماف على الدافع؛ ومثاؿ الثاني: أف يلقي شخصا بين يدي أسد، فيأكلو: فالضماف على الملقي. لا على الأسد.. ٗ- أف الشيطاف عدو للإنساف؛ لقولو تعالى{ :بعضكم لبعض عدو}؛ وقد صرح الله تعالى بذلك في قولو تعالى{ :إف الشيطاف لكم عدو فاتخذوه عدوا}فاطر: ٙ) . ٘- أف قوؿ الله تعالى يكوف شرعيا، ويكوف قدريا؛ فقولو تعالى{ :يا آدـ اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها}ىذا شرعي؛ وقولو تعالى{ :وقلنا اىبطوا بعضكم لبعض عدو}الظاىر أنو كوني؛ لأنو سبحانو وتعالى يعلم أنو لو عاد الأمر إليهما لما ىبطا؛ ويحتمل أف يكوف قولا شرعيا؛ لكن الأقرب عندي أنو قوؿ كوني. والله أعلم.. ٙ- أف الجنة في مكاف عاؿ؛ لقولو تعالى{ :اىبطوا}؛ والهبوط يكوف من أعلى إلى أسفل.. ٚ- أنو لا يمكن العيش إلا في الأرض لبني آدـ؛ لقولو تعالى{ :ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين}؛ ويؤيد ىذا قولو تعالى{ :فيها تحيوف وفيها تموتوف ومنها تخرجوف [ }الأعراؼ: ٕ٘]؛ وبناء على ذلك نعلم أف محاولة الكفار أف يعيشوا في غير الأرض إما في بعض الكواكب، أو في بعض المراكب محاولة يادسة؛ لأنو لابد أف يكوف مستقرىم الأرض.. ٛ- أنو لا دواـ لبني آدـ في الدنيا؛ لقولو تعالى{ :ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} فتػَلَقَّى آدَـُ مِنْ رَبِّوِ كَلِمَاتٍ فػَتَابَ عَلَيْوِ إِنَّوُ ىُوَ التػَّوَّابُ الرَّحِيمُ (ٖٚ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى: {فتلقى آدـ من ربو} يعني أخذ، وقبل، ورضي من الله كلمات حينما ألقى الله إليو ىذه الكلمات؛ وىذه الكلمات ىي قولو تعالى{ :ربنا ظلمنا أنفسنا وإف لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراؼ: ٖٕ]؛ فالكلمات اعتراؼ آدـ وحواء بأنهما أذنبا، وظلما أنفسهما، وتضرعهما إلى الله سبحانو وتعالى بأنو إف لم يغفر لهما ويرحمهما لكانا من الخاسرين؛ و {من ربو} فيو إضافة الربوبية إلى آدـ؛ وىي الربوبية الخاصة..
عدد الصفحات ٢٢٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 228 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :فتاب عليو}: الفاعل ىو الله. يعني فتاب ربو عليو؛ و"التوبة" ىي رفع المؤاخذة، والعفو عن المذنب إذا رجع إلى ربو عز وجل.. قاؿ الطبري: يعني رَزَقو التوبة من خطيئتو. والتوبة معناىا الإنابة إلى الله، والأوبةُ إلى طاعتو مما يَكرَهُ من معصيتو. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :إنو ىو التواب الرحيم } :ىذه الجملة تعليل لقولو تعالى: {فتاب عليو} ؛ لأف التوبة مقتضى ىذين الاسمين العظيمين: {التواب الرحيم } ؛ و {ىو} ضمير فصل يفيد ىنا الحصر، والتوكيد؛ و {التواب} صيغة مبالغة من "تاب"؛ وذلك لكثرة التادبين، وكثرة توبة الله؛ ولذلك سمى الله نفسو "التواب"؛ و {الرحيم } أي ذو الرحمة الواسعة الواصلة إلى من شاء من عباده.. قاؿ الطبري: أف الله جل ثناؤه ىو التوّاب على من تاب إليو - من عباده المذنبين - من ذنوبو، التارؾ مجازاتو بإنابتو إلى طاعتو بعد معصيتو بما سلف من ذنبو. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- منة الله سبحانو وتعالى على أبينا آدـ حين وفقو لهذه الكلمات التي كانت بها التوبة؛ لقولو تعالى{ :فتلقى آدـ من ربو كلمات} ٕ- أف منة الله على أبينا ىي منة علينا في الحقيقة؛ لأف كل إنساف يشعر بأف الله إذا من على أحد أجداده كاف مانا عليو.. ٖ- أف قوؿ الإنساف: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإف لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" سبب لقبوؿ توبة الله على عبده؛ لأنها اعتراؼ بالذنب؛ وفي قوؿ الإنساف: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإف لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" أربعة أنواع من التوسل؛ الأوؿ: التوسل بالربوبية؛ الثاني: التوسل بحاؿ العبد{ :ظلمنا أنفسنا}؛ الثالث: تفويض الأمر إلى الله؛ لقولو{ :وإف لم تغفر لنا ... }إلخ؛ الرابع: ذكر حاؿ العبد إذا لم تحصل لو مغفرة الله ورحمتو؛ لقولو تعالى: {لنكونن من الخاسرين}، وىي تشبو التوسل بحاؿ العبد؛ بل ىي توسل بحاؿ العبد؛ وعليو فيكوف توسل العبد بحالو توسلا بحالو قبل الدعاء، وبحالو بعد الدعاء إذا لم يحصل مقصوده ... ٗ- أف الله تعالى يتكلم بصوت مسموع؛ وجو ذلك أف آدـ تلقى منو كلمات؛ وتلقي الكلمات لا يكوف إلا بسماع الصوت؛ وىذا الذي عليو أىل السنة والجماعة أف الله يتكلم بكلاـ بصوت مسموع، وحروؼ مرتبة.. ٘- منة الله عز وجل على آدـ بقبوؿ التوبة؛ فيكوف في ذلك منتاف؛ الأولى: التوفيق للتوبة، حيث تلقى الكلمات من الله؛ والثانية: قبوؿ التوبة، حيث قاؿ تعالى{ :فتاب عليو} واعلم أف لله تعالى على عبده منتين؛ التوبة الأولى قبل توبة العبد؛ وىي التوفيق للتوبة؛ والتوبة الثانية بعد توبة العبد؛ وىي قبوؿ التوبة؛ وكلاىما في القرآف؛ قاؿ الله. تبارؾ وتعالى{ :وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم
عدد الصفحات ٢٣٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 229 - سورة البقرة الجزء الاول الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أف لا ملجأ من الله إلا إليو ثم تاب عليهم ليتوبوا[ }التوبة: ٛٔٔ] فقولو تعالى{ :ثم تاب عليهم}أي وفقهم للتو بة، وقولو تعالى{ :ليتوبوا}أي يقوموا بالتوبة إلى الله؛ وأما توبة القبوؿ ففي قولو تعالى{ :وىو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات}الشورى: ٕ٘) ٙ- أف الإنساف إذا صدؽ في تفويض الأمر إلى الله، ورجوعو إلى طاعة الله فإف الله تعالى يتوب عليو؛ وىذا لو شواىد كثيرة أف الله أكرـ من عبده؛ من تقرب إليو ذراعا تقرب الله إليو باعا، ومن أتاه يمشي أتاه الله ىرولة؛ فكرـ الله عز وجل أعلى، وأبلغ من كرـ الإنساف.. ٚ- إثبات ىذين الاسمين الكريمين{ :التواب}، و {الرحيم }؛ وما تضمناه من صفة، وفعل ... ٛ- اختصاص الله بالتوبة، و الرحمة؛ بدليل ضمير الفصل؛ ولكن المراد اختصاصو بالتوبة التي لا يقدر عليها غيره؛ لأف الإنساف قد يتوب على ابنو، وأخيو، وصاحبو، وما أشبو ذلك؛ لكن التوبة التي لا يقدر عليها إلا الله. وىي المذكورة في قولو تعالى{ :ومن يغفر الذنوب إلا الله[ }آؿ عمراف: ٖ٘ٔ]ىذه خاصة بالله.. كذلك الرحمة المراد بها الرحمة التي لا تكوف إلا لله؛ أما رحمة الخلق بعضهم لبعض فهذا ثابت. لا يختص بالله عز وجل؛ ولهذا قاؿ النبي : "الراحموف يرحمهم الرحمن " (ٔ) .. قػُلْنَا اىْبِطُوا مِنػْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيػَنَّكُمْ مِنِّي ىُدًى فَمَنْ تَ بِعَ ىُدَايَ فَلاَ خَوْؼٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ ىُمْ يَحْزَنُوفَ (ٖٛ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :قلنا اىبطوا منها جميعا} الواو ضمير جمع، وعبر بو عن اثنين لأف آدـ، وحواء ىما أبوا بني آدـ؛ فوجو الخطاب إليهما بصيغة الجمع باعتبارىما مع الذرية؛ ىذا ىو الظاىر؛ وأما حملو على أف أقل الجمع اثنين، وأف ضمير الجمع ىنا بمعنى ضمير التثنية فبعيد؛ لأف كوف أقل الجمع اثنين شاذ في اللغة العربية؛ وأما قولو تعالى{ :إف تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما[ }التحريم: ٗ]فإف الأفصح في المتعدد إذا أضيف إلى متعدد أف يكوف بلفظ الجمع. وإف كاف المراد بو اثنين؛ و {جميعا}منصوبة على الحاؿ من الواو في قولو تعالى: (اىبطوا) . قاؿ ابن القيم: قد ظن الزمخشري أف قولو: اىْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً خطاب لآدـ وحواء خاصة، وعبر عنهما بالجمع لاستتباعهما ذرياتهما. قاؿ: والدليل عليو قولو تعالى: ٓٚ: ٖٕٔ قاؿَ اىْبِطا مِنْها جَمِيعاً بػَعْضُكُمْ لِبػَعْضٍ عَدُو قاؿ: ٔ- أخرجو أحمد ٕ/ٓٙٔ، حديث رقم ٜٗٗٙ؛ وأخرجو أبو داود ص٘ٛ٘ٔ، كتاب الأدب، باب ٛ٘: في الرحمة، حديث ٜٔٗٗ؛ وأخرجو الترمذي صٙٗٛٔ، كتاب البر والصمة، باب ٙٔ: ما جاء في ر حمة الناس، حديث رقم ٕٜٗٔ، وفي الحديث: أبو قابوس لم يوثقو غير ابن حبان، قال الألباني: حديث صحيح بالشواىد والمتابعات [السمسمة الصحيحة ٕ/ٖٓٙ - ٖٔٙ، حديث رقم ٕٜ٘]
عدد الصفحات ٢٣١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 231 - سورة البقرة الجزء الاول ويدؿ على ذلك قولو: فَمَنْ تَبِعَ ىُدايَ فَلا خَوْؼٌ عَلَيْهِمْ وَلا ىُمْ يَحْزَنُوفَ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ىُمْ فِيها خالِدُوفَ وما ىو إلا حكم يعم الناس كلهم، ومعنى قولو: بػَعْضُكُمْ لِبػَعْضٍ عَدُو ما عليو الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم بعضا. وىذا الذي اختاره أضعف الأقواؿ في الآية. فإف العداوة التي ذكرىا الله تعالى إنما ىي بين آدـ وإبليس وذريتهما، كما قاؿ تعالى: ٖ٘: ٙ إِفَّ الشَّيْطافَ لَكُمْ عَ دُو فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا وىو سبحانو قد أكد أمر العداوة بين الشيطاف والإنساف، وأعاد وأبدى ذكرىا في القرآف لشدة الحاجة إلى التحرز من ىذا العدو. وأما آدـ وزوجو فإنو إنما أخبر في كتابو أنو خلقها لو ليسكن إليها وجعل بينهما مودة ورحمة «ٔ» .فالمودة والرحمة بين الرجل وامرأتو والعداوة بين الشيطاف والإنساف. وقد تقدـ ذكر آدـ وزوجو وإبليس، وىم ثلاثة، فلماذا يعود الضمير على بعض المذكور، مع منافرتو لطريق الكلاـ دوف جميعو؟ مع أف اللفظ والمعنى يقتضيو. فلم يصنع الزمخشري شيئا. وأما قولو تعالى في سورة طو: ٕٓ: ٖٕٔ قاؿَ اىْبِطا مِنْها جَمِيعاً بػَعْضُكُمْ لِبػَعْضٍ عَدُو فهذا خطاب لآدـ وحواء. وقد جعل بعضهم لبعض عدوا، فالضمير في قولو اىْبِطا مِنْها إما أف يرجع إلى آدـ وزوجتو، وإما أف يرجع إلى آدـ وإبليس، ولم يذكر الزوجة لأنها تبع لو. وعلى ىذا فالعداوة المذكورة للمخاطبين بالإىباط، وىما آدـ وإبليس، فالأمر ظاىر. وأما الأوؿ- وىو رجوعو إلى آدـ وزوجو- فتكوف الآية قد اشتملت على أمرين: أحدىما: أمره تعالى لآدـ وزوجو بالهبوط. والثاني: إخباره بالعداوة بين آدـ وزوجو، وبين إبليس. ولهذا أتى بضمير الجمع في الثاني، دوف الأوؿ. ولا بد أف يكوف إبليس داخلا في حكم ىذه العداوة قطعا. كما قاؿ تعالى: ٕٓ: ٚٔٔ إِفَّ ىذا عَدُو لَكَ وَلِزَوْجِكَ وقاؿ لذريتو: إِفَّ الشَّيْطافَ لَكُمْ عَدُو ، فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا. وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها ذكر العداوة على ضمير الجمع، دوف التثنية وأما الإىباط: فتارة يذكر بلفظ الجمع، وتارة بلفظ التثنية. وتارة بلفظ الإفراد، كقولو في سورة الأعراؼ: قاؿَ اىْبِطُوا وكذلك في سورة ص، وىذا لإبليس وحده. وحيث ورد بصيغة الجمع، فهو لآدـ وزوجو وإبليس، إذ مدار القصة عليهم. وحيث ورد بلفظ التثنية، فإما أف يكوف لآدـ وزوجو إذ ىما اللذاف باشرا الأكل من الشجرة وأقدما على المعصية. وإما أف يكوف لآدـ وإبليس، إذ ىما أبوا الثقلين، وأصلا الذرية. فذكر حالهما ومآؿ أمرىما، ليكوف عظة وعبرة لأولادىما. وقد حكيت القولين في ذلك. والذي يوضح أف الضمير في قولو: اىْبِطا مِنْها جَمِيعاً لآدـ وإبليس: أف الله سبحانو لما ذكر المعصية أفرد بها آدـ، دوف زوجو. فقاؿ: وَعَصى آدَـُ رَبَّوُ فػَغَوى، ثُمَّ اجْتَباهُ رَب وُ، فَتابَ عَلَيْوِ وَىَدى. قاؿَ : اىْبِطا مِنْها جَمِيعاً وىذا يدؿ على أف المخاطب بالإىباط ىو آدـ وإبليس الذي زين لو المعصية. ودخلت الزوجة تبعا. فإف المقصود إخبار الله تعالى الثقلين بما جرى على أبويهما من شؤـ المعصية ومخالفة الأمر، فذكر أبويهما أبلغ في حصوؿ ىذا المعنى من -ٔ سورة الروم الآية: ٕٔ.
عدد الصفحات ٢٣٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 231 - سورة البقرة الجزء الاول ذكر أبوي الإنساف فقط. وقد أخبر سبحانو عن الزوجة بأنها أكلت مع آدـ، وأخبر أنو أىبطو وأخرجو من الجنة بتلك الأكلة. فعلم أف حكم الزوجة كذلك، وأنها صارت إلى ما صار إليو آدـ. وكاف تجريد العناية إلى ذكر حاؿ أبوي الثقلين أولى من تجريدىا إلى ذكر أبي الإنس وأمهم، فتأملو. وبالجملة. فقولو: اىْبِطُوا بػَعْضُكُمْ لِبػَعْضٍ عَدُو ظاىر في الجمع، فلا يسوغ حملو على الاثنين في قولو: اىْبِطا من غير موجب. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :فإما}أصلها: "فإف ما": أدغمت النوف في "ما"؛ و "إف" شرطية، و "ما" زاددة للتوكيد؛ و{يأتينكم} فعل مضارع مؤكد بنوف التوكيد؛ ولذلك لم يكن مجزوما؛ بل كاف مبنيا على الفتح؛ لاتصالو بنوف التوكيد لفظا، وتقديرا.. قولو تعالى{ :مني ىدى} أي علما: وذلك بالوحي الذي يوحيو الله تعالى إلى أنبيادو، ورسلو.. قاؿ السعدي: كرر الإىباط، ليرتب عليو ما ذكر وىو قولو: {فإما يأتينكم مني ىدى} أي: أي وقت وزماف جاءكم مني -يا معشر الثقلين- ىدى، أي: رسوؿ وكتاب يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم مني؛ ويدنيكم من رضادي . قاؿ الطبري: وقولو: "فمن تَبعَ ىُدَايَ "، يعني: فمن اتبع بَياني الذي آتيتُو على ألسن رُسُلي، أو مع رسلي. قاؿ ابن العثيمين: أي أخذ بو تصديقا بأخباره، وامتثالا لأحكامو؛ وأضافو الله لنفسو لأنو الذي شرعو لعباده، ولأنو موصل إليو.. قاؿ الطبري: وقولو: "فلا خوؼٌ عليهم"، يعني فهم آمنوف في أىواؿ القيامة من عقاب الله، غير خادفين عذابو، بما أطاعوا الله في الدنيا واتبعوا أمرَه وىُداه وسبيلو، ولا ىم يحزنوف يومئذ على ما خلّفوا بعد وفاتهم في الدنيا. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى: {ف خوؼ عليهم} أي فيما يستقبل؛ لأنهم آمنوف؛ {و ىم يحزنوف} أي على ما مضى؛ لأنهم قد اغتنموه، وقاموا فيو بالعمل الصالح؛ بل ىم مطمئنوف غاية الطمأنينة.. قاؿ السعدي: وفي الآية الأخرى{ :فمن اتبع ىداي فلا يضل ولا يشقى} فرتب على اتباع ىداه أربعة أشياء: نفي الخوؼ والحزف والفرؽ بينهما، أف المكروه إف كاف قد مضى، أحدث الحزف، وإف كاف منتظرا، أحدث الخوؼ، فنفاىما عمن اتبع ىداه وإذا انتفيا، حصل ضدىما، وىو الأمن التاـ، وكذلك نفي الضلاؿ والشقاء عمن اتبع ىداه وإذا انتفيا ثبت ضدىما، وىو الهدى والسعادة، فمن اتبع ىداه، حصل لو الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنو كل مكروه، من الخوؼ، والحزف، والضلاؿ، والشقاء، فحصل لو المرغوب، واندفع عنو المرىوب.
عدد الصفحات ٢٣٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 232 - سورة البقرة الجزء الاول (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية: ٔ- أف الجنة التي أسكنها آدـ أولا كانت عالية؛ لقولو تعالى{ :اىبطوا}؛ والهبوط لا يكوف إلا من أعلى.. ٕ- إثبات كلاـ الله؛ لقولو تعالى: (قلنا) .. ٖ- أنو بصوت مسموع، وحروؼ مرتبة؛ لقولو تعالى{ :اىبطوا منها جميعا}؛ فلولا أنهم سمعوا ذلك ما صح توجيو الأمر إليهم ... ٗ- أف التوكيد في الأسلوب العربي فصيح، ومن البلاغة؛ لقولو تعالى{ :جميعا}؛ وىو توكيد معنوي: لأنو حاؿ من حيث الإعراب؛ لأف الشيء إذا كاف ىاما فينبغي أف يؤكد؛ فتقوؿ للرجل إذا أردت أف تحثو على الشيء: "يا فلاف عجل عجل عجل " ثلاث مرات؛ والمقصود التوكيد، والحث.. ٘- أف الهدى من عند الله؛ لقولو تعالى: (فإما يأتينكم مني ىدى) فإف قاؿ قادل: "إف" في قولو تعالى{ :فإما}لا تدؿ على الوقوع؛ لأنها ليست كػ "إذا"؟ قلنا: نعم، ىي لا تدؿ على الوقوع، لكنها لا تنافيو؛ والواقع يدؿ على الوقوع . أنو ما من أمة إلا خلا فيها نذير؛ وممكن أف نقوؿ: في ىذه الصيغة. {فإما يأتينكم}ما يدؿ على الوقوع؛ وىو توكيد الفعل.. ويتفرع على ىذه الفاددة: أنك لا تسأؿ الهدى إلا من الله عز وجل؛ لأنو ىو الذي يأتي بو.. ٙ- أف من اتبع ىدى الله فإنو آمن من بين يديو، ومن خلفو؛ لقولو تعالى: ٚ- (فلا خوؼ عليهم ولا ىم يحزنوف)-أنو لا يتعبد لله إلا بما شرع؛ لقولو تعالى: (فإما يأتينكم مني ىدى فمن تبع ىداي فلا خوؼ عليهم ولا ىم يحزنوف) ٛ- أف من تعبد لله بغير ما شرع فهو على غير ىدى؛ فيكوف ضالا كما شهدت بذلك السنة؛ فقد كاف النبي في خطبة الجمعة يقوؿ: "وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثة بدعة؛ وكل بدعة ضلالة (ٔ) . -ٔ أخرجو النسائي صٖٜٕٔ، كتاب صلاة العيدين، باب ٕٕ: كيف الخطبة، حديث ر قم ٜٚ٘ٔن بزيادة: "وكل ضلالة في النار"، وقال الألباني في صحيح النسائي: صحيح [ٔ/ٕٔ٘، حديث رقم ٚٚ٘ٔ]، وأصمو في مسمم صٖٔٛ، كتاب الجمعة، باب ٖٔ: تخفيف الصلاة والخطبة، رقم الحديث ٕ٘ٓٓ [ٖٗ] ٚٙٛ، بدون: "وكل محدثة بدعة" ولا "وكل صلالة في النار".
عدد الصفحات ٢٣٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 233 - سورة البقرة الجزء الاول وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ىُمْ فِيهَا خَالِدُوفَ (ٜٖ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :الذين كفروا} مبتدأ؛ وجملة: {أولئك أصحاب النار} خبر المبتدأ؛ وجملة: {ىم فيها خالدوف} في موضع نصب على الحاؿ. يعني حاؿ كونهم خالدين. ويجوز أف تكوف استئنافية لبياف مآلهم.. قولو تعالى{ :الذين كفروا} أي بالأمر؛ {وكذبوا } أي بالخبر؛ فعندىم جحود، واستكبار؛ وىذاف ىما الأساساف للكفر؛ لأف الكفر يدور على شيئين: إما استكبار؛ وإما جحود؛ فكفر إبليس: كفر استكبار؛ لأنو مقر بالله، لكنو استكبر؛ وكفر فرعوف، وقومو: كفر جحود؛ لقولو تعالى{ :وجحدوا بها}فهم في ألسنتهم مكذبوف، لكنهم في نفوسهم مصدقوف؛ لقولو تعالى{ :واستيقنتها أنفسهم[ }النمل: ٗٔ] قاؿ الطبري يعني: والذين جَحدوا آياتي وكذّبوا رسلي. وآيات الله: حُجَجو وأدلتُو على وحدانيّتو وربوبيّتو، وما جاءت بو الر سُل من الأعلاـ والشواىد على ذلك، وعلى صدقها فيما أنبأتْ عن ربّها. وقد بيّنا أف معنى الكفر، التغطيةُ على الشيء . قاؿ ابن العثيمين: فقولو تعالى{ :والذين كفروا} أي كفروا بالله، فاستكبروا عن طاعتو، ولم ينقادوا لها؛ {وكذبوا بآياتنا} أي بالآيات الشرعية؛ وإف انضاؼ إلى ذلك الآيات الكونية زاد الأمر شدة؛ لكن المهم الآيات الشرعية؛ لأف من المكذبين الكافرين من آمنوا بالآيات الكونية دوف الشرعية؛ فمثلا كفار قريش مؤمنوف بالآيات الكونية مقروف بأف الله خالق السموات، والأرض، وأنو المحيي، وأنو المميت، وأنو المدبر لجميع الأمور؛ لكنهم كافروف بالآيات الشرعية.. قولو تعالى{ :أولئك} أي المذكوروف؛ وأشار إليهم بإشارة البعيد لانحطاط رتبتهم لا ترفيعا لهم، وتعلية لهم؛ {أصحاب النار} أي الملازموف لها؛ ولهذا لا تأتي "أصحاب النار" إلا في الكفار؛ لا تأتي في المؤمنين أبدا؛ لأف المراد الذين ىم مصاحبوف لها؛ والمصاحب لابد أف يلازـ من صاحبو؛ {ىم فيها خالدوف}أي ماكثوف؛ والمراد بذلك المكث، الدادم الأبدي؛ ودليل ذلك ثلاث آيات في كتاب الله؛ آية في النساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجن؛ أما آية النساء فقولو تعالى{ :إف الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا[ }النساء: ٛٙٔ، ٜٙٔ]؛ وأما آية الأحزاب فقولو تعالى{ :إف الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيها أبدا[ }الأحزاب: ٗٙ، ٘ٙ]؛ وأما آية الجن فقولو تعالى{ :ومن يعص الله ورسولو فإف لو نار جهنم خالدين فيها أبدا[ }الجن: ٖٕ]
عدد الصفحات ٢٣٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 234 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ السعدي: وفي ىذه الآيات وما أشبهها، انقساـ الخلق من الجن والإنس، إلى أىل السعادة، وأىل الشقاوة، وفيها صفات الفريقين والأعماؿ الموجبة لذلك، وأف الجن كالإنس في الثواب والعقاب، كما أنهم مثلهم، في الأمر والنهي. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية: ٔ- أف الذين جمعوا بين ىذين الوصفين. الكفر، والتكذيب. ىم أصحاب النار مخلدوف فيها أبدا. كما سبق؛ فإف اتصفوا بأحدىما فقد دؿ الدليل على أف المكذب خالد في النار؛ وأما الكافر فمن كاف كفره مخرجا عن الملة فهو خالد في النار؛ ومن كاف كفره لا يخرج من الملة فإنو غير مخلد في النار.. ٕ- أف الله تعالى قد بين الحق بالآيات التي تقطع الحجة، وتبين المحجة.. ٖ- انحطاط رتبة من اتصفوا بهذين الوصفين. الكفر، والتكذيب.. ٗ- إثبات النار؛ وقد ثبت بالدليل القطعي أنها موجودة الآف، كما في قولو تعالى{ :واتقوا النار التي أعدت للكافرين} (آؿ عمراف: ٖٔٔ). يَا بَنِي إِسْرَادِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنػْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوؼِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّ ايَ فَارْىَبُوفِ (ٓٗ) قاؿ الطبري: يعني بقولو جل ثناؤه: "يا بني إسراديل" ولد يعقوب بن إسحاؽ بن إبراىيم خليل الرحمن وكاف يعقوب يدعى "إسراديل"، بمعنى عبد الله وصفوتو من خلقو. و"إيل" ىو الله، و"إسرا" ىو العبد، كما قيل: "جبريل" بمعنى عبد الله. عن ابن عباس: أف إسراديل كقولك: عبد الله.(ٔ) قاؿ ابن العثيمين: والأصل في "بني" أف تكوف للذكور، لكن إذا كانت لقبيلة، أو لأمة شملت الذكور، والإناث، كقولو تعالى: {يا بني آدـ}،وقولو تعالى: {يا بني إسراديل} ؛ و {إسراديل}لقب يعقوب بن إسحاؽ بن إبراىيم الخليل وبنوه ىم اليهود، والنصارى، ورسلهم؛ لكن النداء في ىذه الآية لليهود والنصارى الموجودين في عهد النبي ؛ ووجو الله تعالى النداء لبني إسراديل؛ لأف السورة مدنية؛ وكاف من بني إسراديل ثلاث قبادل من اليهود في المدينة وىم: بنو -ٔ الخبر: في ابن كثير ٔ:: ٜٗٔ، والدر المنثور ٔ: ٖٙ. وىذا إسناد صحيح. إسماعيل بن رجاء بن ربيعة: ثقة، أخرج لو مسمم في صحيحو. عمير مولى ابن عباس: ىو عمير بن عبد الله اليلالي، مولى أم الفضل، وقد ينسب إلى ولاء زوجيا"العباس"، كما ورد في إسناد حديث آخر في المسند: ٚٚ، وقد ينسب إلى ولاء بعض أولادىا، كما في ىذا الإسناد. وىو تابعي ثقة، ترجمو ابن أبي حاتم ٖ/ٔ/ٖٓٛ، وأخرج لو الشيخان وغيرىما .
عدد الصفحات ٢٣٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 235 - سورة البقرة الجزء الاول قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة؛ سكنوا المدينة ترقبا للنبي الذي علموا أنو سيكوف مهاجره المدينة ليؤمنوا بو، ويتبعوه؛ لكن لما جاءىم ما عرفوا كفروا بو.. قاؿ الطبري: وإنما خاطب الله جل ثناؤه بقولو: "يا بني إسراديل" أحبارَ اليهود من بني إسراديل، الذين كانوا بين ظَهرانَيْ مُهاجَر رسوؿ الله ، فنسبهم جل ذكره إلى يعقوب، كما نسب ذرية آدـ إلى آدـ، فقاؿ: (يَا بَنِي آدَـَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [ )سورة الأعراؼ: ٖٔ]وما أشبو ذلك. وإنما خصّهم بالخطاب في ىذه الآية والتي بعدىا من الآي التي ذكَّرىم فيها نعمَو -وإف كاف قد تقدّـ ما أنزؿ فيهم وفي غيرىم في أوؿ ىذه السورة ما قد تقدـ- أف الذي احتج بو من الحجج والآيات التي فيها أنباء أسلافهم، وأخبارُ أوادلهم، وَقصَصُ الأمور التي ىم بعلمها مخصوصوف دوف غيرىم من سادر الأمم، ليس عند غيرىم من العلم بصحتو وحقيقتو مثلُ الذي لهم من العلم بو، إلا لمن اقتبس علم ذلك منهم. فعرَّفهم باطلاع محمّد على علمها- مع بعد قومو وعشيرتو من معرفتها، و أفّ محمدًا لم يَصلْ إلى علم ذلك إلا بوحي من الله وتنزيلٍ منو ذلك إليو - لأنهم من عِلْم صحة ذلك بمحلّ ليس بو من الأمم غيرىم، فلذلك جل ثناؤه خص بقولو: "يا بني إسراديل" خطابهم. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :اذكروا نعمتي} أي اذكروىا بقلوبكم، واذكروىا بألسنتكم، واذكروىا بجوارحكم؛ وذلك؛ لأف الشكر يكوف في الأمور الثلاثة: في القلب، واللساف، والجوارح .. وقولو تعالى{ :نعمتي} مفرد مضاؼ، فيعم جميع النعم الدينية، والدنيوية؛ وقد أنعم الله تعالى على بني إسراديل بنعم كثيرة.. قاؿ الطبري: ونعمتو التي أنعم بها على بني إسراديل جلّ ذكره، اصطفاؤه منهم الرسلَ، وإنزالو عليهم الكتب، واستنقاذُه إياىم مما كانوا فيو من البلاء والضَّرَّاء من فرعوف وقومو، إلى التمكين لهم في الأرض، وتفجير عيوف الماء من الحجر، وإطعاـ المنّ والسلوى. فأمر جل ثناؤه أعقابهم أف يكوف ما سلَف منو إلى آبادهم على ذُكْر، وأف لا ينسوا صنيعو إلى أسلافهم وآبادهم، فيحلّ بهم من النقم ما أحلّ بمن نسي نعمَو عنده منهم وكفرىا، وجحد صنادعو عنده. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :التي أنعمت عليكم} أشار بهذه الجملة إلى أف ىذه النعم فضل محض من الله عز وجل.. قولو تعالى{ :وأوفوا بعهدي} أي ادتوا بو وافيا؛ وعهده سبحانو وتعالى أنو عهد إليهم أف يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويؤمنوا برسلو، كما قاؿ تعالى{ :ولقد أخذ الله ميثاؽ بني إسراديل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقاؿ الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموىم وأقرضتم الله قرضا حسنا[ }الماددة: ٕٔ]ىذا عهد الله ... قولو تعالى{ :أوؼ بعهدكم } أي أعطكم ما عهدت بو إليكم وافيا. وىو الجزاء على أعمالهم. المذكور في قولو
عدد الصفحات ٢٣٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 236 - سورة البقرة الجزء الاول تعالى{ :لأكفرف عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار[ }الماددة: ٕٔ]؛ فلو وفوا بعهد الله لوفى الله بعهدىم.. وقولو تعالى{ :أوؼ} جواب الطلب في قولو تعالى{ :أوفوا بعهدي} ؛ ولهذا جاءت مجزومة بحذؼ حرؼ العلة.. قولو تعالى{ :وإياي فارىبوف} أي لا ترىبوا إلا إياي؛ و "الرىبة" شدة الخوؼ.. وىذا انتقاؿ من الترغيب إلى الترىيب. قاؿ الطبري: وإياي فاخْشَوْا - واتػَّقُوا أيها المضيّعوف عهدي من بني إسراديل، والمكذبوف رسولي الذي أخذتُ ميثاقكم - فيما أنزلتُ من الكتُب على أنبيادي -أف تؤمنوا بو وتتبعوه- أف أُحِلّ بكمْ من عقوبتي، إف لم تنيبوا وتتوبوا إليّ باتباعو و الإقرار بما أنزلت إليو، ما أحللتُ بمن خالف أمري وكذّب رُسلي من أسلافكم. عن ابن عباس: "وإيايَ فارىبوف"، أف أنزؿ بكم ما أنزلت بمن كاف قبلكم من آبادكم من النَّقِمات التي قد عرفتم، من المسخ وغيره. عن السدي: "وإياي فارىبوف"، يقوؿ: وإياي فاخشوف. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف الله تعالى يوجو الخطاب للمخاطب إما لكونو أوعى من غيره؛ وإما لكونو أولى أف يمتثل؛ وىنا وجهو لبني إسراديل؛ لأنهم أولى أف يمتثلوا؛ لأف عندىم من العلم برسالة النبي ، وأنها حق ما ليس عند غيرىم.. ٕ- أف تذكير العبد بنعمة الله عليو أدعى لقبولو الحق، وأقوـ للحجة عليو؛ لقولو تعالى{ :اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم}؛ فهل ىذا من وسادل الدعوة إلى الله؛ بمعنى أننا إذا أردنا أف ندعو شخصا نذكره بالنعم؟ فالجواب: نعم، نذكره بالنعم؛ لأف ىذا أدعى لقبوؿ الحق، وأدعى لكونو يحب الله عز وجل؛ ومحبة الله تحمل العبد على أف يقوـ بطاعتو.. ٖ- عظيم منة الله تعالى في إنعامو على ىؤلاء؛ لقولو تعالى{ :التي أنعمت عليكم}... ٗ- أف من وفى لله بعهده وفى الله لو؛ لقولو تعالى{ :وأوفوا بعهدي أوؼ بعهدكم }؛ بل إف الله أكرـ من عبده، حيث يجزيو الحسنة بعشر أمثالها؛ وفي الحديث القدسي: "إذا تقرب العبد إلي شبرا تقربت إليو ذراعا؛ وإذا تقرب مني ذراعا تقربت منو باعا؛ وإذا أتاني مشيا أتيتو ىرولة" (ٔ) .. ٔ- أخرجو البخاري بمفظو صٜٕٙ، كتاب التوحيد، باب ٓ٘: ذكر النبي وروايتو عن ربو، حديث رقم ٖٙ٘ٚ؛ وأخرجو مسمم صٗٗٔٔ، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ٔ: الحث عمى ذكر الله تعالى، حديث رقم ٘ٓٛٙ [ٕ]ٕ٘ٚٙ.
عدد الصفحات ٢٣٨