تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 196 - سورة البقرة الجزء الاول الْحَقِّ إِلاَّ أَفْ تػَعْ دِلُوا عَنْوُ فػَتػُلْحَوْفَ كَمَا تػُلْحَى ىَذِهِ الْجَرِيدَةُ » وَلَيْسَ فِي ىَذَا تَصْرِيحٌ بِخُرُوجِ الأَْمْرِ عَنػْهُمْ، وَإِفْ كَافَ فِيوِ إِشْعَارٌ بِوِ . الثَّالِثُ : الإِْذْفُ فِي الْقِيَاـِ عَلَيْهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَالإِْيذَافُ بِخُرُوجِ الأَْمْرِ عَ نػْهُمْ كَمَا أَخْرَجَوُ الطَّيَالِسِي ، وَالطَّبػَرَانِي مِنْ حَدِيثِ ثػَوْبَافَ رَفػَعَوُ : «اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اسْتػَقَامُوا لَكُمْ، فَإِفْ لَمْ يَسْتَقِيمُوا فَضَعُوا سُيُوفَكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ، فَأَبِيدُوا خَضْرَاءَىُمْ، فَإِفْ لَمْ تػَفْعَلُ وا فَكُونُوا زَرَّاعِينَ أَشْقِيَاءَ » .وَرِجَالُوُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَفَّ فِيوِ انْقِطَاعًا ؛ لأَِفَّ رِوَايَةَ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ثػَوْبَافَ، وَلَوُ شَاىِدٌ فِي الطَّبػَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ النػ عْمَافِ بْنِ بَشِيرٍ بِمَعْنَاهُ . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ذِي مِخْبَرٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُوفِ الْمُعْجَمَةِ وَفػَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بػَعْدَىُمَا رَاءٌ - وَىُوَ ابْنُ أَخِي النَّجَاشِيِّ - عَنِ النَّبِيِّ - - قَاؿَ : «كَافَ ىَذَا الأَْمْرُ فِي حِمْيػَرَ فػَنػَزَعَوُ اللَّوُ مِ نػْهُمْ، وَصَيػَّرَهُ فِي قػُرَيْشٍ، وَسَيػَعُودُ لَهُمْ » وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَىُوَ شَاىِدٌ قَوِي لِحَدِيثِ الْقَحْطَانِيِّ ؛ فَإِفَّ حِمْيػَرَ يػَرْجِعُ نَسَبػُهَا إِلَى قَحْطَافَ، وَبِوِ يػَقْوَى أَفَّ مَفْهُوـَ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ : «مَا أَقَامُوا الدِّينَ » أَنػَّهُمْ إِذَا لَمْ يُقِيمُوا الدِّينَ خَرَجَ الأَْمْرُ عَنػْهُمْ . انػْتػَهَى. وَاعْلَمْ أَفَّ قػَوْؿَ عَبْدِ اللَّوِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَيْوِ مُعَاوِيَةُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، إِنَّوُ سَيَكُوفُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَافَ إِذَا كَافَ عَبْدُ اللَّوِ بْنُ عَمْرٍو - - يػَعْنِي بِوِ الْقَحْطَانِيَّ الَّذِي صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِمُلْكِوِ، فَلاَ وَجْوَ لإِِنْكَارِهِ لِثُبُوتِ أَمْرِهِ فِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي ىُرَيػْرَةَ أَفَّ رَسُوؿَ اللَّوِ - - قَاؿَ : «لاَ تػَقُوـُ السَّ اعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَافَ يَسُوؽُ النَّاسَ بِعَصَاهُ » .أَخْرَجَوُ الْبُخَارِي فِي «كِتَابِ الْفِتَنِ » فِي «بَابِ تػَغَي رِ الزَّمَافِ حَتَّى يػَعْبُدُوا الأَْوْثَافَ » ، وَفِي «كِتَابِ الْمَنَاقِبِ » فِي «بَابِ ذِكْرِ قَحْطَافَ » ، وَأَخْرَ جَوُ مُسْلِمٌ فِي «كِتَابِ الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ » فِي «بَابٍ لاَ تػَقُوـُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فػَيَتَمَنَّى أَفْ يَكُوفَ مَكَافَ الْمَيِّتِ مِنَ الْبَلاَءِ » وَىَذَا الْقَحْطَانِي لَمْ يػُعْرَؼِ اسْمُوُ عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ . وَقَاؿَ بػَعْضُ الْعُلَمَاءِ : اسْمُوُ جَهْجَاهُ، وَقَاؿَ بػَعْضُهُمُ : اسْمُوُ شُعَيْبُ بْنُ صَالِحٍ، وَقَاؿَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْكَلاَـِ عَلَى حَدِيثِ الْقَحْطَانِيِّ ىَذَا مَا نَص وُ : وَقَدْ تػَقَدَّـَ فِي الْحَجِّ أَفَّ الْبػَيْتَ يُحَج بػَ عْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ : وَتػَقَدَّـَ الْجَمْعُ بػَيػْنَوُ وَبػَيْنَ حَدِيثِ : «لاَ تػَقُوـُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُحَجَّ الْبػَيْتُ، وَأَفَّ الْكَعْبَةَ يُخَرِّبػُهَا ذُو الس وَيػْقَتػَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ » فػَيػَنْتَظِمُ مِنْ ذَلِكَ أَفَّ الْحَبَشَةَ إِ ذَا خَرَّبَتِ الْبػَيْتَ خَرَجَ عَلَيْهِمُ الْقَحْطَانِي فَأَىْلَكَهُمْ، وَأَفَّ الْمُؤْمِنِينَ قػَبْلَ ذَلِكَ يَحُج وفَ فِي زَمَنِ عِيسَى بػَعْدَ
عدد الصفحات ١٩٨نْ ذَلِكَ أَفَّ الْحَبَشَةَ إِ ذَا خَرَّبَتِ الْبػَيْتَ خَرَجَ عَلَيْهِمُ الْقَحْطَانِي فَأَىْلَكَهُمْ، وَأَفَّ الْمُؤْمِنِينَ قػَبْلَ ذَلِكَ يَحُج وفَ فِي زَمَنِ عِيسَى بػَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَىَلاَكِهِمْ، وَأَفَّ الرِّيحَ الَّتِي تػَقْبِضُ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ تػَبْ دَأُ بِمَنْ بَقِيَ بػَعْدَ عِيسَى وَيػَتَأَخَّرُ أَىْلُ الْيَمَنِ بػَعْدَىَا. وَيُمْكِنُ أَفْ يَكُوفَ ىَذَا مِمَّا يػُفَسِّرُ بِوِ قػَوْلُوُ : «الإِْيمَافُ يَمَافٌ » أَيْ: يػَتَأَخَّرُ الإِْيمَافُ بِهَا بػَعْدَ فػَقْدِهِ مِنْ جَمِيعِ الأَْرْضِ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِ مٌ حَدِيثَ الْقَحْطَانِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ تَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ ذُو الس وَيػْقَتػَيْنِ فػَلَعَلَّوُ رَمَزَ إِلَى ىَذَا. انػْتػَهَى مِنْوُ بِلَفْظِوِ وَاللَّوُ أَعْلَمُ، وَنِسْبَةُ الْعِلْمِ إِلَيْوِ أَسْلَمُ .
عدد الصفحات ١٩٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 197 - سورة البقرة الجزء الاول الثَّانِي: مِنْ شُرُوطِ الإِْمَاـِ الأَْعْظَمِ : كَ وْنُوُ ذَكَرًا وَلاَ خِلاَؼَ فِي ذَلِكَ بػَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَيَدُؿ لَوُ مَا ثػَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ » وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ - - أَفَّ النَّبِيَّ لَمَّا بػَلَغَوُ أَفَّ فَارِسًا مَلَّكُوا ابػْنَةَ كِسْرَى قَاؿَ : «لَنْ يػُفْلِحَ قػَوْـٌ وَلَّوْا أَمْرَىُمُ امْرَأَةً » . الثَّالِثُ: مِنْ شُرُوطِ الإِْمَاـِ الأَْعْظَمِ كَوْنُوُ حُرًّا. فَلاَ يَجُوزُ أَفْ يَكُوفَ عَبْدًا، وَلاَ خِلاَؼَ فِي ىَذَا بػَيْنَ الْعُلَمَاءِ . فَإِفْ قِيلَ : وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مَا يَدُؿ عَلَى جَوَازِ إِمَامَ ةِ الْعَبْدِ، فػَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِي فِي [صَحِيحِوِ ]مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - - قَاؿَ : قَاؿَ رَسُوؿُ اللَّوِ : «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِفِ اسْتػُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِي كَأَفَّ رَأْسَوُ زَبِيبَةٌ » . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أُـِّ الْحُصَيْنِ : اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَلَوِ اسْتػُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يػَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّوِ . وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - - أَوْصَانِي خَلِيلِي أَفْ أُطِيعَ وَأَسْمَعَ، وَإِفْ كَافَ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعَ الأَْ طْرَاؼِ . فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُوٍ : الأَْوَّؿُ : أَنَّوُ قَدْ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِمَا لاَ يػَقَعُ فِي الْوُجُودِ، فَإِطْلاَؽُ الْعَبْدِ الْحَبَشِيِّ لأَِجْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي الأَْمْرِ بِالطَّاعَةِ، وَإِفْ كَافَ لاَ يػُتَصَوَّرُ شَرْعًا أَفْ يَلِيَ ذَلِ كَ، ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ ىَذَا الْجَوَابَ عَنِ الْخَطَّابِيِّ، وَيُشْبِوُ ىَذَا الْوَجْوُ قػَوْلَوُ تػَعَالَى: (قُلْ إِفْ كَافَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّؿُ الْعَابِدِينَ [ )ٖٗ \ ٔٛ]عَلَى أَحَدِ التػَّفْسِيرَاتِ . الْوَجْوُ الثَّانِي: أَفَّ الْمُرَادَ بِ اسْتِعْمَاؿِ الْعَبْدِ الْحَبَشِيِّ أَفْ يَكُوفَ مُؤَمَّرًا مِنْ جِهَةِ الإِْمَاـِ الأَْعْظَمِ عَلَى بػَعْضِ الْبِلاَدِ وَىُوَ أَظْهَرُىَا، فػَلَيْسَ ىُوَ الإِْمَاـُ الأَْعْظَمُ . الْوَجْوُ الثَّالِثُ : أَفْ يَكُوفَ أُطْلِقَ عَلَيْوِ اسْمُ الْعَبْدِ ؛ نَظَرًا لاِتِّصَافِوِ بِذَلِكَ سَابِقًا مَعَ أَنَّوُ وَقْتَ التػَّوْلِيَةِ حُر ، وَنَظِيرُهُ إِطْلاَؽُ الْيُتْمِ عَلَى الْبَالِغِ بِاعْتِبَارِ اتِّصَافِوِ بِوِ سَابِقًا فِي قػَوْلِوِ تػَعَالَى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ) الآْيَةَ [ٗ \ ٕ]، وَىَذَا كُل وُ فِ يمَا يَكُوفُ بِطَرِيقِ الاِخْتِيَارِ . أَمَّا لَوْ تػَغَلَّبَ عَبْدٌ حَقِيقَةً بِالْقُوَّةِ فَإِفَّ طَاعَتَوُ تَجِبُ ؛ إِخْمَادًا لِلْفِتػْنَةِ، وَصَوْنًا لِلدِّمَاءِ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةٍ كَمَا تػَقَدَّمَتِ الإِْشَارَةُ إِلَيْوِ . وَالْمُرَادُ بِالزَّ بِيبَةِ فِي ىَذَا الْحَدِيثِ وَاحِدَةُ الزَّبِيبِ الْمَأْكُوؿِ الْمَعْرُوؼِ الْكَادِنِ مِنَ الْعِنَبِ إِذَا جَفَّ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيوِ : التَّحْقِيرُ وَتػَقْبِيحُ الص ورَةِ ؛ لأَِفَّ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ إِذَا وَجَبَا لِمَنْ كَافَ كَذَلِكَ دَ ؿَّ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى كُلِّ حَاؿٍ إِلاَّ فِي الْمَعْصِيَةِ كَمَا يَأْتِي، وَيُشْبِوُ قػَوْلُوُ : «كَأَنَّوُ زَبِيبَةٌ » قػَوْؿَ الشَّاعِرِ يػَهْجُو شَخْصًا أَسْوَدَ : دَنِسُ الثػِّيَابِ كَأَفَّ فػَرْوَةَ رَأْسِوِ ... غُرِسَتْ فَأَنػْبَتَ جَانِبَاىَا فػُلْفُلاَ الرَّابِعُ : مِنْ شُرُوطِوِ أَفْ يَكُوفَ بَالِغًا، فَلاَ تَجُوزُ إِمَامَةُ الصَّبِيِّ إِجْمَاعًا لِعَدَـِ قُدْرَتِوِ عَلَى الْقِيَاـِ بِأَعْبَاءِ الْخِلاَفَةِ .
عدد الصفحات ١٩٩َاىَا فػُلْفُلاَ الرَّابِعُ : مِنْ شُرُوطِوِ أَفْ يَكُوفَ بَالِغًا، فَلاَ تَجُوزُ إِمَامَةُ الصَّبِيِّ إِجْمَاعًا لِعَدَـِ قُدْرَتِوِ عَلَى الْقِيَاـِ بِأَعْبَاءِ الْخِلاَفَةِ . الْخَامِسُ : أَفْ يَكُوفَ عَاقِلاً، فَلاَ تَجُوزُ إِمَامَةُ الْمَجْنُوفِ، وَلاَ الْمَعْتُ وهِ، وَىَذَا لاَ نِزَاعَ فِيوِ .
عدد الصفحات ١٩٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 198 - سورة البقرة الجزء الاول السَّادِسُ : أَفْ يَكُوفَ عَدْلاً، فَلاَ تَجُوزُ إِمَامَةُ فَاسِقٍ، وَاسْتَدَؿَّ عَلَيْوِ بػَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِوِ تػَعَالَى: (قَاؿَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَاؿَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَاؿَ لاَ يػَنَاؿُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ )ٕ \ ٕٗٔ]وَيَدْخُلُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ اشْتِرَاطُ الإِْسْلاَـِ ؛ لأَِفَّ الْعَدْؿَ لاَ يَكُوفُ غَيػْرَ مُسْلِمٍ . السَّابِعُ : أَفْ يَكُوفَ مِمَّنْ يَصْلُحُ أَفْ يَكُوفَ قَاضِيًا مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ، مُجْتَهِدًا يُمْكِنُوُ الاِ سْتِغْنَاءُ عَنِ اسْتِفْتَاءِ غَيْرِهِ فِي الْحَوَادِثِ . الثَّامِنُ : أَفْ يَكُوفَ سَلِيمَ الأَْعْضَاءِ غَيػْرَ زَمِنٍ وَلاَ أَعْمَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَدُؿ لِهَذَيْنَ الشَّرْطَيْنِ الأَْخِيرَيْنِ، أَعْنِي: الْعِلْمَ وَسَلاَمَةَ الْجِسْمِ؛ قػَوْلُوُ تػَعَ الَى فِي طَالُوتَ : (إِفَّ اللَّوَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [ )ٕ \ ٕٚٗ] التَّاسِعُ : أَفْ يَكُوفَ ذَا خِبػْرَةٍ وَرَأْيٍ حَصِيفٍ بِأَمْرِ الْحَرْبِ، وَتَدْبِيرِ الْجُيُوشِ، وَسَدِّ الثػ غُورِ، وَحِمَايَةِ بػَيْضَةِ الْ مُسْلِمِينَ، وَرَدْعِ الأُْمَّةِ، وَالاِنْتِقَاـِ مِنَ الظَّالِمِ، وَالأَْخْذِ لِلْمَظْلُوـِ . كَمَا قَاؿَ لَقِيطٌ الإِْيَادِي [ :الْبَسِيطُ ] وَقػَلِّدُوا أَمْرَكُمْ لِلَّوِ دَر كُمْ ... رَحْبَ الذِّرَاعِ بِأَمْرِ الْحَرْبِ مُطَّلِعَا الْعَاشِرُ : أَفْ يَكُ وفَ مِمَّنْ لاَ تػَلْحَقُوُ رِقَّةٌ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَلاَ فػَزَعَ مِنْ ضَرْبِ الرِّقَابِ وَلاَ قَطْعِ الأَْعْضَاءِ، وَيَدُؿ ذَلِكَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - - عَلَى أَفَّ الإِْمَاـَ لاَ بُدَّ أَفْ يَكُوفَ كَذَلِكَ . قَالَوُ الْقُرْطُبِي . (مَسَ ادِلُ ) الأُْولَى : إِذَا طَرَأَ عَلَى الإِْمَاـِ الأَْعْظَمِ فِسْقٌ، أَوْ دَعْوَةٌ إِلَى بِدْعَةٍ . ىَلْ يَكُوفُ ذَلِك ََسَبَبًا لِعَزْلِوِ وَالْقِيَاـِ عَلَيْوِ أَوْ لاَ؟ قَاؿَ بػَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إِذَا صَارَ فَاسِقًا، أَوْ دَاعِيًا إِلَى بِدْعَةٍ جَازَ الْ قِيَاـُ عَلَيْوِ لِخَلْعِوِ . وَالتَّحْقِيقُ الَّذِي لاَ شَكَّ فِيوِ أَنَّوُ لاَ يَجُوزُ الْقِيَاـُ عَلَيْوِ لِخَلْعِوِ إِلاَّ إِذَا ارْتَكَبَ كُفْرًا بػَوَاحًا عَلَيْوِ مِنَ اللَّوِ بػُرْىَافٌ . فػَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَافِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا » عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - - قَاؿَ : بَايػَعْنَا رَسُوؿَ اللَّوِ - - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَىِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثػَرَةٍ عَلَيػْنَا، وَأَفْ لاَ نػُنَازِعَ الأَْمْرَ أَىْلَوُ، قَاؿَ : «إِ أَفْ تػَرَوْا كُفْرًا بػَوَاحًا عِنْدَكُمْ فِيوِ مِنَ اللَّوِ بػُرْىَافٌ » . وَفِي «صَحِيحٍ مُسْلِمٍ » مِنْ حَدِيثِ عَوْؼِ بْنِ مَالِكٍ الأَْشْجَعِيِّ - - قَاؿَ : سَمِعْتُ رَسُوؿَ اللَّوِ - - يػَقُوؿُ : «خِيَارُ أَدِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِب ونػَهُمْ وَيُحِب ونَكُمْ، وَتُصَل وفَ عَلَيْهِ مْ وَيُصَل وفَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَدِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تػُبْغِضُونػَهُمْ وَيػُبْغِضُونَكُمْ، وَتػَلْعَنُونػَهُمْ وَيػَلْعَنُونَكُمْ » قَالُوا: قػُلْنَا يَا رَسُوؿَ اللَّوِ أَفَلاَ نػُنَابِذُىُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَاؿَ : «لاَ مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ، لاَ مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ، إِلاَّ مِنْ وَلِيَ عَلَيْوِ وَاؿٍ فػَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّوِ فػَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّوِ، وَلاَ يػَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ » .
عدد الصفحات ٢٠٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 199 - سورة البقرة الجزء الاول وَفِي «صَحِيحٍ مُسْلِمٍ » أَيْضًا: مِنْ حَدِيثِ أُـِّ سَلَمَةَ - - أَفَّ رَسُوؿَ اللَّوِ - - قَاؿَ : «سَتَكُوفُ أُمَرَاءُ فػَتػَعْرِفُوفَ وَتػُنْكِرُوفَ، فَمَنْ عَرَؼَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مِنْ رِضِيَ وَتَابَعَ » .قَالُوا: يَا رَسُوؿَ اللَّوِ أَفَلاَ نػُقَاتِلُهُمْ؟ قَاؿَ : «لاَ مَا صَ لَّوْا» . وَأَخْرَجَ الشَّيْخَافِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا » مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - - قَاؿَ : قَاؿَ رَسُوؿُ اللَّوِ : «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَكَرِىَوُ فػَلْيَصْبِرْ ؛ فَإِنَّوُ لَيْسَ أَحَدٌ يػُفَارِؽُ الْجَمَاعَةَ شِبػْرًا فػَيَمُوتُ، إِلاَّ مَ اتَ مِيتَةً جَاىِلِيَّةً » وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِوِ » مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - - أَنَّوُ سَمِعَ رَسُوؿَ اللَّوِ - - يػَقُوؿُ : «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّوَ يػَوْـَ الْقِيَامَةِ لاَ حُجَّةَ لَوُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُ قِوِ بػَيػْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاىِلِيَّةً » وَالأَْحَادِيثُ فِي ىَذَا كَثِيرَةٌ . فػَهَذِهِ الن صُوصُ تَدُؿ عَلَى مَنْعِ الْقِيَاـِ عَلَيْوِ، وَلَوْ كَافَ مُرْتَكِبًا لِمَا لاَ يَجُوزُ، إِلاَّ إِذَا ارْتَكَبَ الْكُفْرَ الصَّرِيحَ الَّذِي قَاـَ الْبػُرْىَافُ الشَّرْعِي مِنْ كِتَابِ اللَّوِ وَسُنَّةِ رَسُولِوِ - – أَنَّوُ كُفْرٌ بػَوَاحٌ؛ أَيْ : ظَاىِرٌ بَادٍ لاَ لَبْسَ فِيوِ . وَقَدْ دَعَا الْمَأْمُوفُ وَالْمُعْتَصِمُ وَالْوَاثِقُ إِلَى بِدْعَةِ الْقَوْؿِ : بِخَلْقِ الْقُرْآفِ، وَعَاقػَبُوا الْعُلَمَاءَ مِنْ أَ جْلِهَا بِالْقَتْلِ، وَالضَّرْبِ، وَالْحَبْسِ، وَأَنػْوَاعِ الإِْىَانَةِ، وَلَمْ يػَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ . وَدَاـَ الأَْمْرُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ حَتَّى وَلِيَ الْمُتػَوَكِّلُ الْخِلاَفَةَ، فَأَبْطَلَ الْمِحْنَةَ، وَأَ مَرَ بِإِظْهَارِ الس نَّةِ . وَاعْلَمْ أَنَّوُ أَجْمَعَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّوُ لاَ طَاعَةَ لإِِمَاـٍ وَلاَ غَيْرِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّوِ تػَعَالَى. وَقَدْ جَاءَتْ بِذَلِكَ الأَْحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ الَّتِي لاَ لَبْسَ فِيهَا، وَ لاَ مَطْعَنَ كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - - أَفَّ رَسُوؿَ اللَّوِ قَاؿَ : «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يػُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِفْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ » أَخْرَجَوُ الشَّيْخَ افِ، وَأَبُو دَاوُدَ . وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - - عَنِ النَّبِيِّ - - أَنَّوُ قَاؿَ فِي السَّرِيَّةِ الَّذِينَ أَمَرَىُمْ أَمِيرُىُمْ أَفْ يَدْخُلُوا فِي النَّارِ : «لَوْ دَخَلُوىَا مَا خَرَجُوا مِنػْهَا أَبَدًا ؛ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَ عْرُوؼِ » وَفِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ : (وَلاَ يػَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوؼٍ [ )ٓٙ \ ٕٔ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : ىَلْ يَجُوزُ نَصْبُ خَلِيفَتػَيْنِ كِلاَىُمَا مُسْتَقِل دُوفَ الآْخَرِ؟ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ أَقػْوَاؿٍ : الأَْوَّؿُ : قػَوْؿُ الْكَرَّامِيَّةِ بِ جَوَازِ ذَلِكَ مُطْلَقًا مُحْتَجِّينَ بِأَفَّ عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ كَانَا إِمَامَيْنِ وَاجِبَيِ الطَّاعَةِ كِلاَىُمَا عَلَى مَنْ مَعَوُ، وَبِأَفَّ ذَلِكَ يػُؤَدِّي إِلَى كَوْفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنػْهُمَا أَقػْوَـَ بِمَا لَدَيْوِ وَأَضْبَطَ لِمَا يَلِيوِ . وَبِ أَنَّوُ لَمَّا جَازَ بػَعْثُ نَبِيػَّيْنِ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يػُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى إِبْطَاؿِ الن بػُوَّةِ كَانَتِ الإِْمَامَةُ أَوْلَى.
عدد الصفحات ٢٠١ِ وَأَضْبَطَ لِمَا يَلِيوِ . وَبِ أَنَّوُ لَمَّا جَازَ بػَعْثُ نَبِيػَّيْنِ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يػُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى إِبْطَاؿِ الن بػُوَّةِ كَانَتِ الإِْمَامَةُ أَوْلَى. الْقَوْؿُ الثَّانِي: قػَوْؿُ جَمَاىِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ : أَنَّوُ لاَ يَجُوزُ تػَعَد دُ الإِْمَاـِ الأَْعْظَمِ، بَلْ يَجِبُ كَوْنُوُ وَاحِدًا، وَأَفْ لاَ يػَتػَوَلَّى عَلَى قُطْرٍ مِنَ الأَْقْطَارِ إِلاَّ أُمَرَاؤُهُ الْمُوَلَّوْفَ مِنْ قػَبَلِوِ، مُحْتَجِّينَ بِمَا أَخْرَجَوُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِوِ » مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - - قَاؿَ : قَاؿَ رَسُوؿُ اللَّوِ : «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتػَيْنِ فَاقػْتػُلُوا الآْخَرَ مِنػْهُمَا» .
عدد الصفحات ٢٠١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 211 - سورة البقرة الجزء الاول وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا: مِنْ حَدِيثِ عَرْفَجَةَ - - قَاؿَ : سَمِعْتُ رَسُوؿَ اللَّوِ - - يػَقُوؿُ : «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَفْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يػُفَرِّؽَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقػْتػُلُوهُ » .وَفِي رِوَايَةٍ : «فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَادِنًا مَنْ كَافَ » . وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّوِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : «وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَ دِهِ وَثَمَرَةَ قػَلْبِوِ، فػَلْيُطِعْوُ إِفِ اسْتَطَاعَ، فَإِفْ جَاءَ آخَرُ يػُنَازِعُوُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآْخَرِ » ثُم قَاؿَ : سَمِعَتْوُ أُذُنَايَ مِنْ رَسُوؿِ اللَّوِ - - وَوَعَاهُ قػَلْبِي. وَأَبْطَلُوا احْتِجَاجَ الْكَرَّامِيَّةِ بِأَفَّ مُعَاوِيَةَ أَيَّاـَ نِزَاعِوِ مَعَ عَلِيٍّ لَمْ يَدَّعِ الإِْمَامَةَ لِنػَفْسِوِ، وَإِنَّمَا ادَّعَى وِلاَيَةَ الشَّاـِ بِتػَوْلِيَةِ مَنْ قػَبػْلَوُ مِنَ الأَْدِمَّةِ، وَيَدُؿ لِذَلِكَ : إِجْمَاعُ الأُْمَّةِ فِي عَصْرِىِمَا عَلَى أَفَّ الإِْمَاـَ أَحَدُىُمَا فػَقَطْ لاَ كُل مِنػْهُمَا. وَأَفَّ الاِسْتِدْلاَؿَ بِكَوْفِ كُلٍّ مِنػْهُمَا أَقػَوْـَ بِمَا لَدَيْوِ، وَأَضْبَطَ لِمَا يَلِيوِ، وَبِجَوَازِ بػَعْثِ نَبِيػَّيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، يػَرُد هُ قػَوْلُوُ : «فَاقػْتػُلُوا الآْخَرَ مِنػْهُمَا» ؛وَلأَِفَّ نَصْبَ خَلِيفَتػَيْ نِ يػُؤَدِّي إِلَى الشِّقَاؽِ وَحُدُوثِ الْفِتَنِ . الْقَوْؿُ الثَّالِثُ : التػَّفْصِيلُ، فػَيُمْنَعُ نَصْبُ إِمَامَيْنِ فِي الْبػَلَدِ الْوَاحِدِ وَالْبِلاَدِ الْمُتػَقَارِبَةِ، وَيَجُوزُ فِي الأَْقْطَارِ الْمُتػَنَادِيَةِ كَالأَْنْدَلُسِ وَخُرَاسَافَ . قَاؿَ الْقُ رْطُبِي فِي تػَفْسِيرِ ىَذِهِ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ مَا نَص وُ : لَكِنْ إِفْ تػَبَاعَدَتِ الأَْقْطَارُ وَتػَبَايػَنَتْ كَالأَْنْدَلُسِ وَخُرَاسَافَ، جَازَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَأْتِي بػَيَانُوُ إِفْ شَاءَ اللَّوُ تػَعَالَى. انػْتػَهَى مِنْوُ بِلَفْظِوِ . وَالْمُشَارُ إِلَيْوِ فِي كَلاَمِوِ : نَصْبُ خَلِيفَتػَيْنِ، وَمِمَّنْ قَاؿَ بِجَوَازِ ذَلِكَ : الأُْسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاؽَ، كَمَا نػَقَلَوُ عَنْوُ إِمَاـُ الْحَرَمَيْنِ، وَنػَقَلَوُ عَنْوُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالْقُرْطُبِي فِي تػَفْسِيرِ ىَذِهِ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ . وَقَ اؿَ ابْنُ كَثِيرٍ : قػُلْتُ : وَىَذَا يُشْبِوُ حَاؿَ الْخُلَفَاءِ؛ بَنِي الْعَبَّاسِ بِالْعِرَاؽِ، وَالْفَاطِمِيِّينَ بِمِصْرَ، وَالأُْمَوِيِّينَ بِالْمَغْرِبِ . الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : ىَلْ لِلإِْمَاـِ أَفْ يػَعْزِؿَ نػَفْسَوُ؟ قَاؿَ بػَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَ وُ ذَلِكَ . قَاؿَ الْقُرْطُبِي : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَفَّ لَوُ عَزْؿَ نػَفْسِوِ قػَوْؿُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ : أَقِيلُونِي أَقِيلُونِي، وَقػَوْؿُ الصَّحَابَةِ : لاَ نُقِيلُكَ وَلاَ نَسْتَقِيلُكَ . قَدَّمَكَ رَسُوؿُ اللَّوِ - - لِدِينِنَا فَمَنْ ذَا يػُؤَ خِّرُؾَ، رَضِيَك رَسُوؿُ اللَّوِ - - لِدِينِنَا أَفَلاَ نػَرْضَاؾَ؟ قَاؿَ : فػَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَوُ ذَلِكَ لأََنْكَرَتِ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ عَلَيْوِ، وَلَقَالَتْ لَوُ : لَيْسَ لَكَ أَفْ تػَقُوؿَ ىَذَا. وَقَاؿَ بػَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَيْسَ لَوُ عَزْؿُ نػَفْسِوِ ؛ لأَِنَّوُ تػَقَلَّدَ حُقُوؽَ الْمُسْلِمِينَ فػَلَيْسَ لَوُ التَّخَلِّي عَنػْهَا. قَاؿَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّوُ عَنْوُ : إِفْ كَافَ عَزْلُوُ لِنػَفْسِوِ لِمُوجَبٍ يػَقْتَضِي ذَلِكَ كَإِخْمَادِ فِتػْنَةٍ كَانَتْ سَتَشْتَعِلُ لَوْ لَمْ يػَعْزِؿْ
عدد الصفحات ٢٠٢ِّي عَنػْهَا. قَاؿَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّوُ عَنْوُ : إِفْ كَافَ عَزْلُوُ لِنػَفْسِوِ لِمُوجَبٍ يػَقْتَضِي ذَلِكَ كَإِخْمَادِ فِتػْنَةٍ كَانَتْ سَتَشْتَعِلُ لَوْ لَمْ يػَعْزِؿْ نػَفْسَوُ، أَوْ لِعِلْمِوِ مِنْ نػَفْسِوِ الْعَجْزَ عَنِ الْقِيَاـِ بِأَعْبَاءِ الْخِلاَفَةِ، فَلاَ نِزَاعَ فِي جَوَازِ عَزْؿِ نػَفْسِوِ . وَلِذَا أَجْمَعَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الثػَّنَاءِ عَلَى سِبْطِ رَسُوؿِ اللَّوِ - - الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - - بِعَزْؿِ نػَفْسِ وِ وَتَسْلِيمِوِ الأَْمْرَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، بػَعْدَ أَفْ بَايػَعَوُ أَىْلُ الْعِرَاؽِ ؛ حَقْنًا لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَثػْنَى عَلَيْوِ بِذَلِكَ قػَبْلَ وُقُوعِوِ جَد هُ رَسُوؿُ اللَّوِ - - بِقَوْلِوِ : «إِف ابْنِي ىَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّوَ أَ فْ يُصْلِحَ بِوِ بػَيْنَ فِئَتػَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ » أَخْرَجَوُ الْبُخَارِي وَغَيػْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ . الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : ىَلْ يَجِبُ الإِْشْهَادُ عَلَى عَقْدِ الإِْمَامَةِ؟
عدد الصفحات ٢٠٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 211 - سورة البقرة الجزء الاول قَاؿَ بػَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لاَ يَجِبُ ؛ لأَِفَّ إِيجَابَ الإِْشْهَادِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مِنَ النػَّقْلِ . وَىَذَا لاَ دَلِيلَ عَلَيْوِ مِنْوُ . وَقَاؿَ بػَعْضُ الْعُلَمَاءِ : يَجِبُ الإِْشْهَادُ عَلَيْوِ ؛ لِئَلاَّ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَفَّ الإِْمَامَةَ عُقِدَتْ لَوُ سِرًّا، فػَيػُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى الشِّقَاؽِ وَالْفِتػْنَةِ . وَالَّذِينَ قَالُوا بِوُجُوبِ الإِْشْهَادِ عَلَى عَقْدِ الإِْمَامَةِ، قَالُوا: يَكْفِي شَاىِدَافِ خِلاَفًا لِلْجُبَّادِيِّ فِي اشْتِرَاطِوِ أَرْبػَعَةَ شُهُودٍ وَعَاقِدًا وَمَعْقُودًا لَوُ، مُسْتػَنْبِطًا ذَلِكَ مِنْ تػَرْؾِ عُمَرَ الأَْمْرَ شُ ورَى بػَيْنَ سِتَّةٍ فػَوَقَعَ الأَْمْرُ عَلَى عَاقِدٍ، وَىُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْؼٍ وَمَعْقُودٍ لَوُ، وَىُوَ عُثْمَافُ وَبَقِيَ الأَْرْبػَعَةُ الآْخَرُوفَ شُهُودًا، وَلاَ يَخْفَى ضَعْفُ ىَذَا الاِسْتِنْبَاطِ كَمَا نػَبَّوَ عَلَيْوِ الْقُرْطُبِي وَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّوِ تػَعَالَى. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يػُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ }: واستفهاـ الملادكة للاستطلاع، والاستعلاـ، وليس للاعتراض؛ قاؿ تعالى: {إني أعلم ما لا تعلموف} يعني: وستتغير الحاؿ؛ ولا تكوف كالتي سبقت.. قولو تعالى{ :ونحن نسبح} أي ننزه؛ والذي ينزه الله عنو شيئاف؛ أولا: النقص؛ والثاني: النقص في كمالو؛ وزد ثالثا إف شئت: مماثلة المخلوقين؛ كل ىذا ينزه الله عنو؛ النقص: مطلقا؛ يعني أف كل صفة نقص لا يمكن أف يوصف الله بها أبدا. لا وصفا دادما، ولا خبرا؛ والنقص في كمالو: فلا يمكن أف يكوف في كمالو نقص؛ قدرتو: لا يمكن أف يعتريها عجز؛ قوتو: لا يمكن أف يعتريها ضعف؛ علمو: لا يمكن أف يعتريو نسياف ... وىلم جرا؛ ولهذا قاؿ عز وجل: {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أياـ وما مسنا من لغوب[ }ؽ: ٖٛ]أي تعب، وإعياء؛ فهو عز وجل كامل الصفات لا يمكن أف يعتري كمالو نقص؛ ومماثلة المخلوقين: ىذه إف شئنا أفردناىا بالذكر؛ لأف الله تعالى أفردىا بالذكر، فقاؿ{ :ليس كمثلو شيء[ }الشورى: ٔٔ]وقاؿ تعالى{ :ولو المثل الأعلى}، وقاؿ تعالى{ :ف تضربوا لله الأمثاؿ[ }النحل: ٗٚ]؛ وإف شئنا جعلناىا داخلة في القسم الأوؿ. النقص. لأف تمثيل الخالق بالمخلوؽ يعني النقص؛ بل المفاضلة بين الكامل والناقص تجعل الكامل ناقصا، كما قاؿ القادل:.(ألم تر أف السيف ينقص قدره إذا قيل إف السيف أمضى من العصا) لو قلت: فلاف عنده سيف أمضى من العصا تبين أف السيف ىذا رديء، وليس بشيء؛ فربما نفرد ىذا القسم الثالث، وربما ندخلو في القسم الأوؿ؛ على كل حاؿ التسبيح ينبغي لنا. عندما نقوؿ: "سبحاف الله"، أو: "أسبح الله"، أو ما أشبو ذلك. أف نستحضر ىذه المعاني.. قولو تعالى: و {بحمدؾ} قاؿ العلماء: الباء ىنا للمصاحبة. أي تسبيحا مصحوبا بالحمد مقرونا بو؛ فتكوف الجملة متضمنة لتنزيو الله عن النقص، وإثبات الكماؿ لله بالحمد؛ لأف الحمد: وصف المحمود بالكماؿ محبة، وتعظيما؛ فإف وصفت مرة أخرى بكماؿ فسمو ثناء؛ والدليل على ىذا ما جاء في الحديث الصحيح أف الله تعالى قاؿ: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فإذا قاؿ{ :الحمد لله رب العالمين}قاؿ تعالى: حمدني عبدي؛ وإذا قاؿ: {الرحمن الرحيم }قاؿ تعالى: أثنى علي عبدي"؛ لأف نفي النقص يكوف قبل إثبات الكماؿ من أجل أف يرد الكماؿ على محل خاؿ من النقص..
عدد الصفحات ٢٠٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 212 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري: أما قولو: "ونحن نسبِّح بحمدؾ" فإنو يعني: إنا نعظِّمك بالحمد لك والشكر، كما قاؿ جل ثناؤه: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [ )سورة النصر: ٖ]، وكما قاؿ: (وَالْمَلادِكَةُ يُسَبِّحُوفَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [ )سورة الشورى: ٘]، وكل ذكر لله عند العرب فتسبيحٌ وصلاة . قولو تعالى{ :وَنػُقَدِّسُ لَكَ }: والتقديس ىو التطهير والتعظيم، ومنو قولهم: "سُب وح قُد وس"، يعني بقولهم :"سُبوح"، تنزيوٌ لله، وبقولهم: "قُدوسٌ "، طهارةٌ لو وتعظيم. ولذلك قيل للأرض: "أرض مُقدسة"، يعني بذلك المطهرة. فمعنى قوؿ الملادكة إذًا: "ونحن نسبِّح بحمدؾ"، ننزىك ونبردك مما يضيفو إليك أىلُ الشرؾ بك، ونصلي لك. "ونقدس لك"، ننسبك إلى ما ىو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاؼ إليك أىل الكفر بك. وقد قيل: إف تقديس الملادكة لربها صَلاتها لو. عن قتادة، في قولو: "ونقدس لك"، قاؿ: التقديسُ : الصلاة (ٔ) . عن مجاىد، في قوؿ الله: "ونقدس لك"، قاؿ نعظّمك ونكبِّرؾ (ٕ) . وأما قوؿ من قاؿ: إف التقديس الصلاة أو التعظيم، فإف معنى قولو ذلك راجع إلى المعنى الذي ذكرناه من التطهير، من أجل أفّ صلاتها لربها تعظيم منها لو، وتطهير مما ينسبو إليو أىل الكفر بو. قاؿ ابن العثيمين: "التقديس" معناه التطهير؛ وىو أمر زادد على "التنزيو"؛ لأف "التنزيو" تبردة، وتخلية؛ و"التطهير" أمر زادد؛ ولهذا نقوؿ في دعاء الاستفتاح: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرؽ والمغرب؛ اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس؛ اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج، والبرد" (ٖ) : فالأوؿ: طلب المباعدة؛ والثاني: طلب التنقية. يعني: التخلية بعد المباعدة؛ والثالث: طلب الغسل بعد التنقية حتى يزوؿ الأثر بالكلية؛ فيجمع الإنساف بين تنزيو الله عز وجل عن كل عيب ونقص، وتطهيره. أنو لا أثر إطلاقا لما يمكن أف يعلق بالذىن من نقص.. قولو تعالى{ :لك} اللاـ ىنا للاختصاص؛ فتفيد الإخلاص؛ وىي أيضا للاستحقاؽ؛ لأف الله. جل وعلا. أىل لأف يقدس.. ٔ- الأثر: في ابن كثير ٔ: ٜٕٔ، والدر المنثور ٔ: ٙٗ، والشوكاني ٔ: ٓ٘ ٕ- الأثر: - في ابن كثير ٔ: ٜٕٔ، والدر المنثور ٔ: ٙٗ. ٖ- أخرجو البخاري ٜ٘ كتاب الآذان باب ٗٛ رفع اليدين إذا كبر وا ذا ركع وا ذا رفع حديث ، ٗٗٚ وأخرجـو مسـمم صٚٚٔ كتـاب المسـاجد ومواضـع الصـلاة بـاب ٕٚ باب يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة حديث ٖٗ٘ٔ (ٚٗٔ) ٜٛ٘ والمفظ لمسمم.
عدد الصفحات ٢٠٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 213 - سورة البقرة الجزء الاول أجابهم الله تعالى: {قاؿ إني أعلم ما لا تعلموف}أي من أمر ىذه الخليفة التي سيكوف منها النبيوف، والصديقوف، والشهداء، والصالحوف.. قاؿ السعدي: فلو لم يكن في ذلك، إلا أف الله تعالى أراد أف يجتبي منهم الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ولتظهر آياتو للخلق، ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدوف خلق ىذا الخليفة، كالجهاد وغيره، وليظهر ما كمن في غرادز بني آدـ من الخير والشر بالامتحاف، وليتبين عدوه من وليو، وحزبو من حربو، وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليو، واتصف بو، فهذه حكم عظيمة، يكفي بعضها في ذلك. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- إثبات القوؿ لله عز وجل، وأنو بحرؼ، وصوت؛ وىذا مذىب السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأدمة الهدى من بعدىم؛ يؤخذ كونو بحرؼ من قولو تعالى{ :إني جاعل في الأرض خليفة}؛ لأف ىذه حروؼ؛ ويؤخذ كونو بصوت من أنو خاطب الملادكة بما يسمعونو؛ وإثبات القوؿ لله على ىذا الوجو من كمالو سبحانو وتعالى؛ بل ىو من أعظم صفات الكماؿ: أف يكوف عز وجل متكلما بما شاء كونا، وشرعا؛ متى شاء؛ وكيف شاء؛ فكل ما يحدث في الكوف فهو كادن بكلمة {كن}؛ لقولو تعالى{ :إنما أمره إذا أراد شيئا أف يقوؿ لو كن فيكوف[ }يس: ٕٛ]؛ وكل الكوف مراد لو قدرا؛ وأما قولو الشرعي: فهو وحيو الذي أوحاه إلى رسلو، وأنبيادو.. ٕ- أف الملادكة ذوو عقوؿ؛ ووجهو أف الله تعالى وجو إليهم الخطاب، وأجابوا؛ ولا يمكن أف يوجو الخطاب إلا إلى من يعقلو؛ ولا يمكن أف يجيبو إلا من يعقل الكلاـ، والجواب عليو؛ وإنما نبهنا على ذلك؛ لأف بعض أىل الزيغ قالوا: إف الملادكة ليسوا عقلاء.. ٖ- إثبات الأفعاؿ لله عز وجل أي أنو تعالى يفعل ما شاء متى شاء كيف شاء؛ ومن أىل البدع من ينكر ذلك زعما منو أف الأفعاؿ حوادث؛ والحوادث لا تقوـ إلا بحادث فلا يجيء، ولا يستوي على العرش، ولا ينزؿ، ولا يتكلم، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يعجب؛ وىذه دعوى فاسدة من وجوه:. الأوؿ: أنها في مقابلة نص؛ وما كاف في مقابلة نص فهو مردود على صاحبو.. الثاني: أنها دعوى غير مسلمة؛ فإف الحوادث قد تقوـ بالأوؿ الذي ليس قبلو شيء.. الثالث: أف كونو تعالى فعالا لما يريد من كمالو، وتماـ صفاتو؛ لأف من لا يفعل إما أف يكوف غير عالم، ولا مريد؛ وإما أف يكوف عاجزا؛ وكلاىما وصفاف ممتنعاف عن الله سبحانو وتعالى.. فتعجب كيف أتي ىؤلاء من حيث ظنوا أنو تنزيو لله عن النقص؛ وىو في الحقيقة غاية النقص!!! فاحمد ربك على العافية، واسألو أف يعافي ىؤلاء مما ابتلاىم بو من سفو في العقوؿ، وتحريف للمنقوؿ..
عدد الصفحات ٢٠٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 214 - سورة البقرة الجزء الاول ٗ- أف بني آدـ يخلف بعضهم بعضا. على أحد الأقواؿ في معنى {خليفة}؛ وىذا ىو الواقع؛ فتجد من لو مادة مع من لو سنة واحدة، وما بينهما؛ وىذا من حكمة الله عز وجل؛ لأف الناس لو من ولد بقي لضاقت الأرض بما رحبت، ولما استقامت الأحواؿ، ولا حصلت الرحمة للصغار، ولا الولاية عليهم إلى غير ذلك من المصالح العظيمة.. ٘- قياـ الملادكة بعبادة الله عز وجل؛ لقولو تعالى: (ونحن نسبح بحمدؾ ونقدس لك) ٙ- كراىة الملادكة للإفساد في الأرض؛ لقولهم: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) . ٚ- أف وصف الإنساف نفسو بما فيو من الخير لابأس بو إذا كاف المقصود مجرد الخبر دوف الفخر؛ لقولهم{ :ونحن نسبح بحمدؾ ونقدس لك}؛ ويؤيد ذلك قوؿ النبي : "أنا سيد ولد آدـ ولا فخر" (ٔ) ؛ وأما إذا كاف المقصود الفخر، وتزكية النفس بهذا فلا يجوز؛ لقولو تعالى{ :ف تزكوا أنفسكم ىو أعلم بمن اتقى[ }النجم: ٕٖ] ٛ- شدة تعظيم الملادكة لله عز وجل، حيث قالوا: (ونحن نسبح بحمدؾ ونقدس لك). وَعَلَّمَ آدَـَ الأَْسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَدِكَةِ فػَقَاؿَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ ىَؤُلاَ ءِ إِفْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (ٖٔ) قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتػَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (ٕٖ) قاؿ السعدي: ثم لما كاف قوؿ الملادكة عليهم السلاـ، فيو إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعلو الله في الأرض، أراد الله تعالى، أف يبين لهم من فضل آدـ، ما يعرفوف بو فضلو، وكماؿ حكمة الله وعلمو. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :وعلم آدـ} الفاعل ىو الله عز وجل؛ و {آدـ} ىو أبو البشر؛ و {الأسماء} جمع "اسم"؛ و "أؿ" فيها للعموـ بدليل قولو تعالى: {كلها} ؛ وىل ىذه الأسماء أسماء لمسميات حاضرة؛ أو لكل الأسماء؟ للعلماء في ذلك قولاف؛ والأظهر أنها أسماء لمسميات حاضرة بدليل قولو تعالى{ :ثم عرضهم على الملادكة فقاؿ أنبئوني بأسماء ىؤلاء}؛ وىذه الأسماء. والله أعلم. ما يحتاج إليها آدـ، وبنوه في ذلك الوقت.. قاؿ ابن كثير: ىَذَا مَقَاـٌ ذَكَرَ اللَّوُ تػَعَالَى فِيوِ شَرَؼَ آدَـَ عَلَى الْمَلاَدِكَةِ، بِمَا اخْتَصَّوُ بِوِ مِنْ عِلم أَسْمَاءِ كُلِّ شَيْءٍ دُونػَهُمْ، وَىَذَا كَافَ بػَعْدَ سُجُودِىِمْ لَوُ، وَإِنَّمَا قَدَّـَ ىَذَا الْفَصْلَ عَلَى ذَاؾَ، لِمُنَاسَبَ ةِ مَا بػَيْنَ ىَذَا الْمَقَاـِ وَعَدَـِ عِلْمِهِمْ بِحِكْمَةِ خَلْقِ الْخَلِيفَةِ، حِينَ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبػَرَىُمْ اللَّوُ تػَعَالَى بِأَنَّوُ يػَعْلَمُ مَا لاَ يػَعْلَمُوفَ؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ تػَعَالَى ىَذَا الْمَقَاـَ عَقِيبَ ىَذَا لِيُبػَيِّنَ لَهُ مْ شَرَؼَ آدَـَ بِمَا فُضِّلَ بِوِ عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ، فػَقَاؿَ تػَعَالَى: {وَعَلَّمَ آدَـَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا}. 1- القرآن، باب ٚٔ: ومن سورة بني إسرائيل، حديث رقم ٖٛٗٔ؛ وأخرجو ابن ماجةصٜٖٕٚ، كتاب الزىد، باب ٖٚ: ذكر الشفاعة، حديث رقم ٖٛٓٗ؛ ومدار الحديث عمى عمي بن زيد بن جدعان، وفيو ضعف، والحديث صحيح بطرقو وشواىده، منيا ما أخرجو الدارمي في المقدمة بمعناه ٔ/ٜٖ، حديث رقم ٚٗ؛ وما أخرجو ابن أبي عاصم في كتاب السنة ٕ/ٖ٘٘ - ٖٙ٘، وقال الألباني في تخريجو: صحيح الإسناد ٕ/ٖٙ٘، وقال في صحيح الترمذي: صحيح ٖ/ٔٚ، حديث رقم ٕٙٔ٘ - ٜٖٖٙ.
عدد الصفحات ٢٠٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 215 - سورة البقرة الجزء الاول وَقَاؿَ الضَّحَّاؾُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ { :وَعَلَّمَ آدَـَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا}قَاؿَ: ىي ىذه الأسماء التي تعارؼ بِهَا النَّاسُ : إِنْسَافٌ، وَدَابَّةٌ، وَسَمَاءٌ، وَأَرْضٌ، وَسَهْلٌ، وَبَحْرٌ، وَجَمَلٌ ، وَحِمَارٌ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الأُْمَمِ وَغَيْرِىَا. وَقَاؿَ مُجَاىِدٌ { :وَعَلَّمَ آدَـَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا}قَاؿَ: عَلَّمَوُ اسْمَ كُلِّ دَابَّةٍ، وَكُلِّ طَيْرٍ، وَكُلِّ شَيْءٍ ، وَكَذَ لِكَ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبػَيْرٍ وَقػَتَادَةَ وَغَيْرِىِمْ مِنَ السَّلَفِ : أَنَّوُ عَلَّمَوُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ . قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوىج ٜصٖٖ: أَفَّ اللَّوَ سُبْحَانَوُ عَلَّمَ آدَـَ الأَْسْمَاءَ كُلَّهَا. وَقَدْ مَيػَّزَ كُلَّ مُسَمًّى بِ اسْمِ يَدُؿ عَلَى مَا يػَفْصِلُوُ مِنْ الْجِنْسِ الْمُشْتػَرَؾِ وَيَخُص وُ دُوفَ مَا سِوَاهُ وَيػُبػَيِّنُ بِوِ مَا يػَرْسُمُ مَعْنَاهُ فِي النػَّفْسِ . وَمَعْرِفَةُ حُدُودِ الأَْسْمَاءِ وَاجِبَةٌ؛ لأَِنَّوُ بِهَا تػَقُوـُ مَصْلَحَةُ بَنِي آدَـَ فِي الن طْقِ الَّذِي جَعَلَوُ اللَّوُ رَحْمَةً لَهُمْ لاَ سِيَّمَا حُدُودَ مَا أَنػْزَؿَ اللَّوُ فِي كُتُبِوِ مِنْ الأَْسْمَاءِ كَالْخَمْرِ وَالرِّبَا. قاؿ الشنقيطي: قػَوْلُوُ تػَعَالَى: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَدِكَةِ ) يػَعْنِي مُسَمَّيَاتِ الأَْسْمَاءِ لاَ الأَْسْ مَاءَ كَمَا يػُتػَوَىَّمُ مِنْ ظَاىِرِ الآْيَةِ . وَقَدْ أَشَارَ إِلَى أَنػَّهَا الْمُسَمَّيَاتُ بِقَوْلِوِ : (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ ىَؤُلاَءِ ) الآْيَةَ، كَمَا ىُوَ ظَاىِرٌ . قاؿ ابن العثيمين: ولأف الميم علامة جمع العاقل؛ فلم تعلم الملادكة أسماء تلك المسميات؛ بل كاف جوابهم: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} ، ثم قاؿ تعالى: {يا آدـ أنبئهم بأسمادهم} :وأراد عز وجل بذلك أف يعرؼ الملادكة أنهم ليسوا محيطين بكل شيء علما، وأنهم يفوتهم أشياء يفضلهم آدـ فيها.. قولو{ :فػَقَاؿَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ ىَؤُلاءِ } قاؿ الطبر ي: قولو: "أنبئوني": أخبروني. عن ابن عباس: "أنبئوني"، يقوؿ: أخبروني بأسماء ىؤلاء. قاؿ الطبري: قولو تعالى{ :بِأَسْمَاءِ ىَؤُلاءِ }عن مجاىد في قوؿ الله: "بأسماء ىؤلاء"، قاؿ: بأسماء ىذه التي حدَّثتُ بها آدـَ . قولو تعالى{ :إِفْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } عن ابن عباس: "إف كنتم صادقين"، إف كنتم تعلموف لِمَ أجعل في الأرض خليفة. عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي : "إف كنتم صادقين" أفّ بني آدـ يفسدوف في الأرض ويسفكوف الدماء. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :أنبئوني} :ىل ىو فعل أمر يراد بو قياـ المأمور بما وجو إليو، أو ىو تحد؟ الجواب: الظاىر الثاني: أنو تحد؛ بدليل قولو تعالى: {إف كنتم صادقين} أف لديكم علما بالأشياء فأنبئوني بأسماء ىؤلاء؛ لأف الملادكة قالت فيما سبق: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدؾ ونقدس لك} [البقرة: ٖٓ]، فقاؿ تعالى: {إني أعلم ما لا تعلموف} ، ثم امتحنهم الله بهذا.. قاؿ الطبري: وأولى ىذه الأقواؿ بتأويل الآية، تأويلُ ابن عباس ومن قاؿ بقولو. ومعنى ذلك: فقاؿ أنبئوني بأسماء من عرضتُو عليكم أيتها الملادكة - القادلوف: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء من غيرنا، أـ منا؟ فنحن نسبح
عدد الصفحات ٢٠٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 216 - سورة البقرة الجزء الاول بحمدؾ ونقدس لك؟ إف كنتم صادقين في قيلكم أني إف جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عَصَاني ذريتو وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وإف جعلتكم فيها أطعتموني، واتّبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس. فإنكم إف كنتم لا تعلموف أسماء ىؤلاء الذين عرضتُهم عليكم من خلقي، وىم مخلوقوف موجودوف ترونهم وتعاينونهم، وعَلِمو غيركم بتعليمي إيّاه؛ فأنتم بما ىو غير موجود من الأمور الكادنة التي لم توجد بَعدُ، وبما ىو مستتر من الأمور - التي ىي موجودة - عن أعينكم أحرى أف تكونوا غير عالمين، فلا تسألوني ما ليس لكم بو علم، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي. وىذا الفعل من الله جل ثناؤه بملادكتو - الذين قالوا لو: "أتجعل فيها من يفسد فيها"، من جهة عتابو جل ذكره إياىم - نظيرُ قولو جل جلالو لنبيو نوح صلوات الله عليو إذ قاؿ: (رَبِّ إِفَّ ابْنِي مِنْ أَىْلِي وَإِفَّ وَعْدَؾَ الْحَق وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [ )سورة ىود: ٘ٗ]- :لا تسألن ما ليس لك بو علم إني أعظك أف تكوف من الجاىلين. فكذلك الملادكة سألت ربها أف تكوف خُلفاءه في الأرض ليسبّحوه ويقدسوه فيها، إذ كاف ذرية من أخبرىم أنو جاعلُو في الأرض خليفةً، يفسدوف فيها ويسفكوف الدماء، فقاؿ لهم جل ذكره: "إني أعلم ما لا تعلموف". يعني بذلك: إني أعلم أفّ بعضكم فاتِحُ المعاصي وخاتِمُها، وىو إبليس، منكرًا بذلك تعالى ذكره قولهم. ثم عرّفهم موضع ىَفوتهم في قيلهم ما قالوا من ذلك، بتعريفهم قصور علمهم عما ىم لو شاىدوف عيانًا، - فكيف بما لم يروه ولم يُخبَروا عنو؟ - بعرَضو ما عرض عليهم من خلقو الموجودين يومئذ، وقيلو لهم: "أنبئوني بأسماء ىؤلاء إف كنتم صادقين" أنكم إف استخلفتكم في أرضي سبّحتموني وقدستموني، وإف استخلفت فيها غيرَكم عَصَاني ذُريتو وأفسدوا وسفكوا الدماء. فلما اتضح لهم موضع خطأ قيلهم، وبدت لهم ىَفوة زَلتهم، أنابوا إلى الله بالتوبة فقالوا: "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا"، فسارعوا الرجعة من الهفوة، وبادروا الإنابة من الزلة، كما قاؿ نوح - حين عوتب في مسألتو فقيل لو: لا تسأَلْنِ ما ليس لك بو علم: (رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَفْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِوِ عِلْمٌ وَإِلا تػَغْفِرْ لِي وَتػَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ )سورة ىود: ٚٗ] .وكذلك فعلُ كل مسدَّد للحق موفَّق لو - سريعة إلى الحق إنابتو، قريبة إليو أوْبتو. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :سبحانك} أي تنزيها لك عما لا يليق بجلالك؛ فأنت يا ربنا لم تفعل ىذا إلا لحكمة بالغة.. قولو تعالى{ :لا علم لنا إلا ما علمتنا} اعتراؼ من الملادكة أنهم ليسوا يعلموف إلا ما علمهم الله، ىذا مع أنهم ملادكة مقربوف إلى الله عز وجل.. قاؿ الطبري: عن ابن عباس: "قالوا سبحانك" تنزيهًا لله من أف يكوف أحدٌ يعلم الغيبَ غيرُه، تُبنا إليك "لا علم لنا إلا ما عَلَّمتنا"، تبرِّيًا منهم من علم الغيب، "إلا ما علَّمتنا" كما علمت آدـ. وسُبحاف مصدر لا تصر ؼ لو. ومعناه: نسبِّحك، كأنهم قالوا: نسبحك تسبيحًا، وننزىك تنزيهًا، ونبرّدك من أف نعلم شيئًا غير ما علمتنا.
عدد الصفحات ٢٠٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 217 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :إنك أنت العليم الحكيم}ىذه الجملة مؤكدة بػ "إف"، وضمير الفصل: {أنت} ؛ والمعنى: إنك ذو العلم الواسع الشامل المحيط بالماضي والحاضر، والمستقبل؛ و {الحكيم} يعني ذا الحكمة، والحكم؛ لأف الحكيم مشتقة من الحكم، والحكمة؛ فهذاف اسماف من أسماء الله عز وجل: {العليم} ، و {الحكيم}. قاؿ الطبري: أنك أنت يَا ربنا العليمُ من غير تعليم بجميع ما قد كاف وما ىو كادن، والعالم للغيوب دوف جميع خلقك. وذلك أنّهم نػَفَوْا عن أنفسهم بقولهم: "لا علم لنا إلا ما علَّمتنا"، أف يكوف لهم علم إلا ما علمهم ربهم، وأثبتوا ما نػَفَوْا عن أنفسهم من ذلك لربهم بقولهم: "إنك أنتَ العليم"، يعنوف بذلك العالم من غير تعليم، إذ كاف مَنْ سوَاؾ لا يعلم شيئًا إلا بتعليم غيره إياه. والحكيم: ىو ذو الحكمة. عن ابن عباس: "العليم" الذي قد كمل في علمو، و"الحكيم" الذي قد كمل في حُكمو (ٔ) . وقد قيل، إف معنى الحكيم: الحاكم، كما أفّ العليم بمعنى العالم، والخبير بمعنى الخابر. قاؿ السعدي: العليم: الذي أحاط علما بكل شيء، فلا يغيب عنو ولا يعزب مثقاؿ ذرة في السماوات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. الحكيم: من لو الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوؽ، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئا إلا لحكمة: ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعو اللادق بو، فأقروا، واعترفوا بعلم الله وحكمتو، وقصورىم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم؛ وتعليمو إياىم ما لا يعلموف. قاؿ الطبري: وىذا خبر من الله جل ذكره عن ملادكتو، بالأوبة إليو، وتسليم علم ما لم يعلموه لو، وتبرِّيهم من أف يعلموا أو يعلم أحد شيئًا إلا ما علّمو تعالى ذكره. وفي ىذه الآيات الثلاث العبرة لمن اعتبرَ، والذكرى لمن ادّ كر، والبياف لمن كاف لو قلبٌ أو ألقَى السمعَ وىو شهيد، عمّا أودع الله جل ثناؤه آيَ ىذا القرآف من لطادف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن. وذلك أف الله جل ثناؤه احتجّ فيها لنبيو على من كاف بين ظَهْرَانػَيْو من يَهود بني إسراديل، باطلاعو إياه من علوـ الغيب التي لم يكن جل ثناؤه أطلعَ عليها من خلقو إلا خاصًّا، ولم يكن مُدرَكًا علمو إلا بالإنباء والإخبار، لتتقرر عندىم صحة نبوتو، ويعلموا أف ما أتاىم بو فمن عنده، ودؿّ فيها على أفّ كل مخبر خبرًا عما قد كاف - أو عما ىو كادن مما لم يكنْ، ولم يأتو بو خبر، ولم يُوضَع لو على صحّتو برىاف، - فمتقوّؿٌ ما يستوجبُ بو من ربو العقوبة. ألا ترى أفّ الله جل ذكره ردّ على ملادكتو قِيلَهم: أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويَسفكُ الدماءَ ونَحنُ نُسبح بحمدؾ ونقدسُ لك" قاؿ: "إني أعلمُ ما لا تعلموفَ "، وعرفهم أف قِيلَ ذلك لم يكن جادزًا لهم، بما عرّفهم من قصور علمهم عند عرضو ٓ٘- الخبر: في الدر المنثور ٔ: ٜٗ، والشوكاني ٔ: ٕ٘ .
عدد الصفحات ٢٠٩