تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 174 - سورة البقرة الجزء الاول غير أخدود(ٔ). يعني لم يحفر لها حفر، ولا يقاـ لها أعضاد تمنعها؛ بل النهر يجري، ويتصرؼ فيو الإنساف بما شاء. يوجهو حيث شاء؛ قاؿ ابن القيم رحمو الله في النونية:. (أنهارىا في غير أخدود جرت سبحاف ممسكها عن الفيضاف) ٙ- أف من تماـ نعيم أىل الجنة أنهم يؤتوف بالرزؽ متشابهاً؛ وكلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا: ىذا الذي رُزقنا من قبل؛ وىذا من تماـ النعيم، والتلذذ بما يأكلوف ... ٚ- إثبات الأزواج في الآخرة، وأنو من كماؿ النعيم؛ وعلى ىذا يكوف جماع، ولكن بدوف الأذى الذي يحصل بجماع نساء الدنيا؛ ولهذا ليس في الجنة مَنِيّ، ولا مَنِيَّة؛ والمنيّ الذي خلق في الدنيا إنما خُلق لبقاء النسل؛ لأف ىذا المنيّ مشتمل على المادة التي يتكوف منها الجنين، فيخرج بإذف الله تعالى ولداً؛ لكن في الآخرة لا يحتاجوف إلى ذلك؛ لأنو لا حاجة لبقاء النسل؛ إذ إف الموجودين سوؼ يبقوف أبد الآبدين لا يفنى منهم أحد؛ ثم ىم ليسوا بحاجة إلى أحد يعينهم، ويخدمهم؛ الوِلداف تطوؼ عليهم بأكواب، وأباريق، وكأس من معين؛ ثم ىم لا يحتاجوف إلى أحد يصعد الشجرة ليجني ثمارىا؛ بل الأمر فيها كما قاؿ الله تعالى{ :وجنى الجنتين داف[ }الرحمن : ٗ٘]، وقاؿ تعالى: {قطوفها دانية[ }الحاقة: ٖٕ]؛ حتى ذكر العلماء أف الرجل ينظر إلى الثمرة في الشجرة، فيحسّ أنو يشتهيها، فيدنو منو الغصن حتى يأخذىا؛ ولا تستغرب ىذا؛ فنحن في الدنيا نشاىد أف الشيء يدنو من الشيء بغير سلطة محسوسة؛ وما في الآخرة أبلغ، وأبلغ.. ٛ- أف أىل الجنة خالدوف فيها أبد الآباد؛ لا يمكن أف تفنى، ولا يمكن أف يفنى من فيها؛ وقد أجمع على ذلك أىل السنة والجماعة.. إِفَّ اللَّوَ لاَ يَسْتَحْيِي أَفْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بػَعُوضَةً فَمَا فػَوْقػَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فػَيػَعْلَمُوفَ أَنَّوُ الْحَق مِنْ رَبِّهِمْ وَأَ مَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فػَيػَقُولُوفَ مَاذَا أَرَادَ اللَّوُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِل بِوِ كَثِيرًا وَيػَهْدِي بِوِ كَثِيرًا وَمَا يُضِل بِوِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ (ٕٙ) قاؿ ابن العثيمين: أي لا يمنعو الحياء من أف يضرب مثلاً ولو كاف مثلاً حقيراً ما داـ يثبت بو الحق؛ فالعبرة بالغاية؛ و {ما}يقولوف: إنها نكرة واصفة. أي: مثلاً أيَّ مثل.. قولو تعالى{ :بعوضة} عطف بياف لػ {ما}أي: مثلاً بعوضة؛ والبعوضة معروفة؛ ويضرب بها المثل في الحقارة؛ وقد ذكروا أف سبب نزوؿ ىذه الآية أف المشركين اعترضوا: كيف يضرب الله المثل بالذباب في قولو تبارؾ وتعالى{ :يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا لو إف الذين تدعوف من دوف الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا لو[ }الحج: ٖٚ] ٔ- أخرج الطبري ىذا الأثر في تفسيره عن مسروق ٔ/ٖٗٛ، رقم ٜٓ٘، ٓٔ٘، ٔٔ٘؛ ورجالو ثقات.
عدد الصفحات ١٧٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 175 - سورة البقرة الجزء الاول قالوا: الذباب يذكره الله في مقاـ المحاجة! فبيَّن الله عزّ وجلّ أنو لا يستحيي من الحق حتى وإف ضرب المثل بالبعوضة، فما فوقها.. قولو تعالى{ :فما فوقها} ىل المراد بما فوؽ. أي فما فوقها في الحقارة، فيكوف المعنى أدنى من البعوضة؛ أو فما فوقها في الارتفاع، فيكوف المراد ما ىو أعلى من البعوضة؟ فأيهما أعلى خلقة: الذباب، أو البعوضة؟ الجواب: الذباب أكبر، وأقوى. لا شك؛ لكن مع ذلك يمكن أف يكوف معنى الآية: {فما فوقها} أي فما دونها؛ لأف الفوقية تكوف للأدنى، وللأعلى، كما أف الوراء تكوف للأماـ، وللخلف، كما في قولو تعالى{ :وكاف وراءىم ملك يأخذ كل سفينة غصباً [ }الكهف: ٜٚ]أي كاف أمامهم.. قاؿ محمد رشيد رضا في تفسير المنار: الآْيَاتُ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قػَبػْلَهَا لَمْ يَخْتَلِفِ النَّظْمُ، وَلَمْ يَخْرُجِ الْكَلاَـُ عَنِ الْمَوْضُوعِ الأَْصْلِيِّ وَىُوَ الْكِتَابُ الَّذِي لاَ رَيْبَ فِيوِ، وَحَاؿُ النَّاسِ فِي الإِْيمَافِ بِوِ وَعَدَـِ الإِْيمَافِ، وَلاَ فَصْلَ فِي صِحَّةِ ىَذَا الْوَصْلِ بػَيْنَ أَفْ يَكُوفَ الْكَلاَـُ رَدًّا عَلَى الْيػَهُودِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا ضَرْبَ الأَْمْثَاؿِ بِالْمُحَقَّرَاتِ كَالذ بَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ كَمَا يػُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ رَدًّا عَلَى الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الأَْمْثَاؿَ فِي الآْيَاتِ السَّ ابِقَةِ بِمُسْتػَوْقِدِ النَّارِ وَالصَّيِّبِ مِنَ السَّمَاءِ زَاعِمِينَ أَنَّوُ لاَ يَلِيقُ بِاللهِ ضَرَبُ الأَْمْثَاؿِ، أَوْ يَكُوفُ الْمُرَادُ بِالْمَثَلِ الْقُدْوَةُ تػَقْرِيرًا لِنُبػُوَّةِ النَّبِيِّ - -. أَمَّا عَلَى الأَْوَّؿِ فػَيػُقَاؿُ : إِنَّوُ إِنَّ مَا نَصَّ ىُنَا عَلَى نػَفْيِ الاِسْتِحْيَاءِ مَنْ ضَرْبِ أَيِّ مَثَلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ ىُنَاؾَ عِنْدَ تَمْثِيلِ الأَْوْلِيَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوىُمْ مِنْ دُوفِ اللهِ بِالذ بَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ؛ لأَِفَّ الْمَقَاـَ ىُنَا مَقَاـُ ذِكْرِ الاِعْتِ رَاضِ الْمُوَجَّوِ عَلَى الْقُرْآفِ، فػَيَكُوفُ ىَذَا مَقَاـَ رَدِّ شُبَوِ الْمُكَابِرِينَ عَنْوُ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ فػَهُوَ أَظْهَرُ . عَلَى أَنَّوُ لاَ حَاجَةَ فِي فػَهْمِ الآْيَةِ إِلَى مَا قَالُوهُ فِي سَبَبِهَا، فَإِفْ لَمْ تَكُنْ رَدًّ ا لِمَا قِيلَ فَهِيَ رَد لِمَا قَدْ يػُقَاؿُ، أَوْ يَجُوؿُ فِي خَوَاطِرِ أَىْلِ الْمُكَابػَرَةِ وَالْجِدَاؿِ وَ الْمُجَاحَدَةِ وَالْمِحَاؿِ . وَالاِسْتِحْيَاءُ - قَاؿَ صَاحِبُ الْكَشَّاؼِ : إِنَّوُ مِنَ الْحَيَاءِ وَىُوَ انْكِسَارٌ وَتػَغَيػ رٌ فِي النػَّفْسِ يُلِم بِهَا إِذَا نُسِبَ إِلَيػْهَا أَوْ عَرَضَ لَهَا فِعْلٌ تػَعْتَقِدُ قػُبْحَوُ، وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ يَكُوفُ مَانِعًا مِنَ الْفِعْلِ الَّذِي يػَعْرِضُ، يػُقَاؿُ : فُلاَفٌ يَسْتَحِي أَفْ يػَفْعَلَ كَذَا، أَيْ إِفَّ نػَفْسَوُ تػَنْكَسِرُ فػَتػَنػْقَبِضُ عَنْ فِعْلِوِ، وَيػُقَاؿُ : إِنَّوُ اسْتَحْيَا مِنْ عَمَلِ كَذَا، أَيْ إِفَّ نػَفْسَوُ انػْفَعَلَتْ وَتَأَلَّمَتْ عِنْدَمَا عُرِضَ عَلَيْوِ عَمَلُوُ فػَرَآهُ شَيػْنًا أَوْ نػَقْصًا، وَيػُقَاؿُ : حَيِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى، كَأَنَّوُ أُصِيبَ فِي حَيَاتِوِ، كَمَا يػُقَ اؿُ : نُسِيَ إِذَا أُصِيبَ فِي نَسَاهُ - وَىُوَ عِرْؽٌ يُسَم ونَوُ عِرْؽَ النَّسَا بِفَتْحِ الن وفِ - وَحُشِيَ إِذَا أُصِيبَ فِي حَشَاهُ . وَقَالُوا: إِفَّ الْحَيَاءَ ضَعْفٌ فِي الْحَيَاةِ بِمَا يُصِيبُ مَوْضِعَهَا وَىُوَ النػَّفْسُ، فَمَعْنَى عَدَـِ اسْتِحْ يَاءِ اللهِ تػَعَالَى أَنَّوُ لاَ يػَعْرِضُ لَوُ
عدد الصفحات ١٧٧َشَاهُ . وَقَالُوا: إِفَّ الْحَيَاءَ ضَعْفٌ فِي الْحَيَاةِ بِمَا يُصِيبُ مَوْضِعَهَا وَىُوَ النػَّفْسُ، فَمَعْنَى عَدَـِ اسْتِحْ يَاءِ اللهِ تػَعَالَى أَنَّوُ لاَ يػَعْرِضُ لَوُ ذَلِكَ الاِنْكِسَارُ وَالاِنْفِعَاؿُ، وَلاَ يػَعْتَرِيوِ ذَلِكَ التَّأَثػ رُ وَالضَّعْفُ فػَيَمْتَنِعُ مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ، بَلْ ىُوَ يَضْرِبُ مِنَ الأَْمْثَاؿِ الْهَادِيَةِ وَالْمُطَابِقَةِ لِحَاؿِ الْمُمَثَّ لِ بِوِ مَا يػُعْلَمُ أَنَّوُ يُجَلِّي الْحَقَادِقَ، وَيػُؤَثػِّرُ فِي الْقُلُوبِ . وَلَكِنَّ صَاحِبَ الْكَشَّاؼِ وَغَيػْرَهُ أَرَادُوا أَفْ يَجْعَلُوا الآْيَةَ دَلِيلاً عَلَى اتِّصَاؼِ اللهِ تػَعَالَى بِالْحَيَاءِ فػَقَالُوا: إِفَّ النػَّفْيَ خَاص ، وَمِثػْلُوُ إِذَا وَرَدَ عَلَى شَيْءٍ يَدُؿ عَلَى أَفَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ قَابِلٌ لِلاِتِّصَاؼِ بِالْمَنْفِيِّ، فَمَنْ لاَ قُدْرَةَ لَوُ عَلَى شَيْءٍ لاَ يػُنػْفَى عَنْوُ، لاَ تػَقُوؿُ : إِفَّ عَيْنِي لاَ تَسْمَعُ وَأُذُنِي لاَ تػَرَى،
عدد الصفحات ١٧٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 176 - سورة البقرة الجزء الاول وَقَالُوا: إِفَّ مَعْنَى نػَفْيِ الاِ سْتِحْيَاءِ ىُوَ أَفَّ اللهَ تػَعَالَى لاَ يػَرَى مِنَ النػَّقْصِ أَفْ يَضْرِبَ مَثَلاً بػَعُوضَةً فَمَا دُونػَهَا؛ لأَِنَّوُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ نِسْبَةُ الْحَيَاءِ إِلَى اللهِ تػَعَالَى، وَالنَّافُوفَ لَوُ يػُؤَوِّلُوفَ مَا وَرَدَ بِأَثَرِهِ وَغَايَتِوِ . أَقُوؿُ : ىَذَا مُؤَدَّى مَا قَالَوُ الأُْسْتَاذُ فِي الدَّرْسِ، وَالْحَدِيثُ فِي وَصْفِوِ تػَعَالَى بِالْحَيَاءِ مَرْوِي عَنْ يػَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، وَعَنْ سَلْمَافَ الْفَارِسِيِّ، أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالأَْوَّ ؿُ النَّسَادِي ، وَالثَّانِي التػِّرْمِذِي وَابْنُ مَاجَوْ وَالْحَاكِمُ وَحَسَّنُوىُمَا. وَالتَّحْقِيقُ : أَفَّ الْحَيَاءَ انْفِعَاؿُ النػَّفْسِ وَتَأَل مُهَا مِنَ النػَّقْصِ وَالْقَبِيحِ بِالْغَرِيزَةِ الْفُضْلَى، غَرِيزَةِ حُبِّ الْكَمَاؿِ فػَهُوَ كَمَاؿٌ لَهَا خِلاَفًا لأُِولِي الْوَقَاحَةِ الَّذِينَ يػَعُد ونَوُ ضَعْفًا وَنػَقْصًا، وَإِنَّمَا النػَّقْصُ الإِْفػْرَاطُ فِي ىَذِهِ الصِّفَةِ بِحَيْثُ تَضْعُفُ عَنِ الإِْقْدَاـِ عَلَى الشَّيْءِ الْحَسَنِ النَّافِعِ اتػَّقَاءً لِذَـِّ مَنْ لاَ يػَعْرِؼُ حُسْنَوُ أَ وْ لاَ يػَعْتَرِؼُ بِوِ . قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :فأما الذين آمنوا فيعلموف أنو} أي المثل الذي ضربو الله {الحق من ربهم} ، ويؤمنوف بو، ويروف أف فيو آيات بينات.. قولو تعالى{ :وأما الذين كفروا فيقولوف ماذا أراد الله بهذا مثلاً } لأنو لم يتبين لهم الحق لإعراضهم عنو، وقد قاؿ الله تعالى{ :إذا تتلى عليو آياتنا قاؿ أساطير الأولين * كلا بل راف على قلوبهم ما كانوا يكسبوف}المطففين: ٖٔ، ٗٔ) .. وقولو تعالى{ :ماذا} "ما" ىنا اسم استفهاـ مبتدأ؛ و "ذا" اسم موصوؿ بمعنى "الذي" خبر المبتدأ. أي: ما الذي أراد الله بهذا مثلاً، كما قاؿ ابن مالك:.(ومثل ماذا بعد ما استفهاـ أو مَن إذا لم تلغ في الكلاـ). قولو تعالى{ :يضل بو كثيراً } الجملة استئنافية لبياف الحكمة من ضرب المثل بالشيء الحقير؛ ولهذا ينبغي الوقوؼ على قولو تعالى: {ماذا أراد الله بهذا مثلاً } ؛ و {يضل بو}أي بالمثل؛ {كثيراً} أي من الناس؛ {ويهدي بو كثيراً وما يضل بو إلا الفاسقين} أي الخارجين عن طاعة الله؛ والمراد ىنا الخروج المطلق الذي ىو الكفر؛ لأف الفسق قد يراد بو الكفر؛ وقد يراد بو ما دونو؛ ففي قولو تبارؾ وتعالى{ :وأما الذين فسقوا فمأواىم النار[ }السجدة: ٕٓ]المراد بو في ىذه الآية الكفر؛ وكذلك ىنا.. قاؿ ابن الكثير: وَقَاؿَ أَبُو الْعَالِيَةِ : {وَمَا يُضِل بِوِ إِلا الْفَاسِقِينَ } قَاؿَ: ىُمْ أَىْلُ النػِّفَاؽِ . وَكَذَا قَاؿَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . وَقَاؿَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاىِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ { :وَمَا يُضِل بِوِ إِلا الْفَاسِقِينَ }يػَقُوؿُ: يػَعْرِفُوُ الْكَافِرُوفَ فػَيَكْفُرُوفَ بِوِ . وَقَاؿَ قػَتَادَةُ { :وَمَا يُضِل بِوِ إِلا الْفَاسِقِينَ }فَسَقُوا، فَأَضَلَّهُمُ اللَّوُ عَلَى فِسْقِهِمْ وفي رواية قاؿ: ىم الحرورية. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٙٔصٗٓٔ: وَلاَ يَجِبَ أَفْ يَكُونُوا فَاسِقِينَ قػَبْلَ ضَلاَلِهِمْ؛ بَلْ مَنْ سَمِعَوُ فَكَذَّبَ بِوِ صَارَ فَاسِقًا وَضَلَّ . وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَغَيػْرُهُ أَدْخَلُوا فِي ىَذِهِ الآْيَةِ أَىْلَ الأَْىْوَاءِ كَالْخَوَ ارِجِ . وَكَافَ سَعْدٌ يػَقُوؿُ : ىُمْ مِنْ {الْفَاسِقِينَ { }الَّذِينَ يػَنػْقُضُوفَ عَهْدَ اللَّوِ مِنْ بػَعْدِ مِيثَاقِوِ وَيػَقْطَعُوفَ مَا أَمَرَ اللَّوُ بِوِ أَفْ يُوصَلَ }وَلَمْ يَكُنْ
عدد الصفحات ١٧٨َ سَعْدٌ يػَقُوؿُ : ىُمْ مِنْ {الْفَاسِقِينَ { }الَّذِينَ يػَنػْقُضُوفَ عَهْدَ اللَّوِ مِنْ بػَعْدِ مِيثَاقِوِ وَيػَقْطَعُوفَ مَا أَمَرَ اللَّوُ بِوِ أَفْ يُوصَلَ }وَلَمْ يَكُنْ عَلِي وَسَعْدٌ وَغَيػْرُىُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ يُكَفِّرُونػَهُمْ . وَسَ عْدٌ أَدْخَلَهُمْ فِي ىَذِهِ الآْيَةِ لِقَوْلِوِ { :وَمَا يُضِل بِوِ إلاَّ الْفَاسِقِينَ }وَىْم ضَل وا بِوِ بِسَبَبِ تَحْرِيفِهِمْ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِوِ وَتَأْوِيلِوِ عَلَى غَيْرِ مَا أَرَادَ اللَّوُ . فػَتَمَسَّكُوا بِمُتَشَابِهِوِ وَأَعْرَضُوا عَنْ مُحْكَمِوِ
عدد الصفحات ١٧٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 177 - سورة البقرة الجزء الاول وَعَنْ الس نَّةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي تػُبػَيِّنُ مُرَادَ اللَّوِ بِكِتَابِوِ . فَخَالَفُوا الس نَّةَ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ مَعَ مَا خَالَفُوهُ مِنْ مُحْكَمِ كِتَابِ اللَّوِ تػَعَالَى. وَلِهَذَا أَدْخَلَهُمْ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ فِي الَّذِينَ {يػَتَّبِعُوفَ مَا تَشَابَوَ مِنْوُ ابْتِغَاءَ الْفِتػْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِوِ {}الَّذِينَ فػَرَّقُوا دِينػَهُمْ وَكَانُوا شِيػَعًا }. قاؿ ابن كثير وَىَذَا و إِفْ صَحَّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، ، فػَهُوَ تػَفْسِيرٌ عَلَى الْمَعْنَى، لاَ أَفَّ الآْيَ ةَ أُرِيدَ مِنػْهَا التػَّنْصِيصُ عَلَى الْخَوَارِجِ، الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى عليٍّ بِالنػَّهْرَوَافِ، فَإِفَّ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا حَاؿَ نػُزُوؿِ الآْيَةِ، وَإِنَّمَا ىُمْ دَاخِلُوفَ بِوَصْفِهِمْ فِيهَا مَعَ مَنْ دَخَلَ؛ لأَِنػَّهُمْ سُم وا خَوَارِجَ لِخُ رُوجِهِمْ عَلَى طَاعَةِ الإِْمَاـِ وَالْقِيَاـِ بِشَرَادِعِ الإِْسْلاَـِ . وَالْفَاسِقُ فِي الل غَةِ : ىُوَ الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ أَيْضًا، فَالْفَاسِقُ يَشْمَلُ الْكَافِرَ وَالْعَاصِيَ، وَلَكِنَّ فسْق الْكَافِرِ أَشَد وَأَفْحَشُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الآْيَةِ الْفَاسِقُ الْكَافِرُ، وَاللَّوُ أَعْلَمُ، بِدَلِيلِ أَنَّوُ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِوِ { :الَّذِينَ يػَنػْقُضُوفَ عَهْدَ اللَّوِ مِنْ بػَعْدِ مِيثَاقِوِ وَيػَقْطَعُوفَ مَا أَمَرَ اللَّوُ بِوِ أَفْ يُوصَلَ وَيػُفْسِدُوفَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ ىُمُ الْخَاسِرُ وفَ } .وَىَذِهِ الصِّفَاتُ صِفَاتُ الْكُفَّارِ الْمُبَايِنَةُ لِصِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى فِي سُورَةِ الرَّعْدِ { :أَفَمَنْ يػَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزؿَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَق كَمَنْ ىُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يػَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُوفَ بِعَهْدِ اللَّوِ وَلا يػَنػْقُضُوفَ الْمِيثَاؽَ * وَالَّذِينَ يَصِلُوفَ مَا أَمَرَ اللَّوُ بِوِ أَفْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْفَ رَبػَّهُمْ وَيَخَافُوفَ سُوءَ الْحِسَابِ }الآْيَاتِ، إِلَى أَفْ قَاؿَ { :وَالَّذِينَ يػَنػْقُضُوفَ عَهْدَ اللَّوِ مِنْ بػَعْدِ مِيثَاقِوِ وَيػَقْطَعُوفَ مَا أَمَرَ اللَّوُ بِوِ أَفْ يُوصَلَ وَيػُفْسِدُوفَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ }. قاؿ السعدي{وما يضل بو إلا الفاسقين} أي: الخارجين عن طاعة الله؛ المعاندين لرسل الله؛ الذين صار الفسق وصفهم؛ فلا يبغوف بو بدلا فاقتضت حكمتو تعالى إضلالهم لعدـ صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمتو وفضلو ىداية من اتصف بالإيماف وتحلى بالأعماؿ الصالحة. والفسق نوعاف: نوع مخرج من الدين، وىو الفسق المقتضي للخروج من الإيماف؛ كالمذكور في ىذه الآية ونحوىا، ونوع غير مخرج من الإيماف كما في قولو تعالى{ :يا أيها الذين آمنوا إف جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا[ }الآية] (الفوادد قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية: ٔ- إثبات الحياء لله عزّ وجلّ؛ لقولو تعالى: (إف الله لا يستحيي أف يضرب مثلاً ما) . ووجو الدلالة: أف نفي الاستحياء عن الله في ىذه الحاؿ دليل على ثبوتو فيما يقابلها؛ وقد جاء ذلك صريحاً في السنة، كما في قوؿ النبي : "إف ربكم حييّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديو إليو أف يردىما صِفراً " (ٔ) ؛ والحياء الثابت لله ليس كحياء المخلوؽ؛ لأف حياء المخلوؽ انكسار لما يَدْىَمُ الإنساف ويعجز عن مقاومتو؛ فتجده ٔ- أخرجــو أبــو داود صٖٖٖٔ، كتــاب الــوتر، بــاب ٖٕ: الــدعاء، حــديث رقــم ٛٛٗٔ؛ وأخرجــو الترمــذي صٕٛٔٓ، كتــاب الــدعوات، بــاب ٗٓٔ: "إن الله حيــي كريم ...
عدد الصفحات ١٧٩قاومتو؛ فتجده ٔ- أخرجــو أبــو داود صٖٖٖٔ، كتــاب الــوتر، بــاب ٖٕ: الــدعاء، حــديث رقــم ٛٛٗٔ؛ وأخرجــو الترمــذي صٕٛٔٓ، كتــاب الــدعوات، بــاب ٗٓٔ: "إن الله حيــي كريم ... "، حديث رقم ٖٙ٘٘؛ وأخرجو ابن ماجة ٕٚٓٚ، كتـاب الـدعاء، بـاب ٖٔ: رفـع اليـدين فـي الـدعاء، حـديث رقـم ٖ٘ٙٛ؛ وأخرجـو عبـد الـرزاق ٕ/ٕٔ٘، باب رفع اليدين في الصلاة، حديث رقم ٕٖٓ٘، قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح [ٔ/ٜٓٗ، حديث رقم ٛٛٗٔ]
عدد الصفحات ١٧٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 178 - سورة البقرة الجزء الاول ينكسر، ولا يتكلم، أو لا يفعل الشيء الذي يُستحيا منو؛ وىو صفة ضعف ونقص إذا حصل في غير محلو. ٕ- أف الله تعالى يضرب الأمثاؿ؛ لأف الأمثاؿ أمور محسوسة يستدؿ بها على الأمور المعقولة؛ انظر إلى قولو تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دوف الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً [ }العنكبوت: ٔٗ]؛ وىذا البيت لا يقيها من حَرّ، ولا برد، ولا مطر، ولا رياح {وإف أوىن البيوت لبيت العنكبوت[ }العنكبوت: ٔٗ]؛ وقاؿ تعالى{ :والذين يدعوف من دونو لا يستجيبوف لهم بشيء إلا كباسط كفيو إلى الماء ليبلغ فاه وما ىو ببالغو[ }الرعد: ٗٔ]إنساف بسط كفيو إلى غدير مثلاً، أو نهر يريد أف يصل الماء إلى فمو! ىذا لا يمكن؛ ىؤلاء الذين يمدوف أيديهم إلى الأصناـ كالذي يمد يديو إلى النهر ليبلغ فاه؛ فالأمثاؿ لا شك أنها تقرب المعاني إلى الإنساف إما لفهم المعنى؛ وإما لحكمتها، وبياف وجو ىذا المثل .. ٖ- أف البعوضة من أحقر المخلوقات؛ لقولو تعالى{ :بعوضة فما فوقها}، ومع كونها من أحقر المخلوقات فإنها تقض مضاجع الجبابرة؛ وربما تهلك: لو سُلطت على الإنساف لأىلكتو وىي ىذه الحشرة الصغيرة المهينة.. ٗ- رحمة الله تعالى بعباده حيث يقرر لهم المعاني المعقولة بضرب الأمثاؿ المحسوسة لتتقرر المعاني في عقولهم.. ٘- أف القياس حجة؛ لأف كل مثل ضربو الله في القرآف، فهو دليل على ثبوت القياس.. ٙ- فضيلة الإيماف، وأف المؤمن لا يمكن أف يعارض ما أنزؿ الله عزّ وجلّ بعقلو؛ لقولو تعالى{ :فأما الذين آمنوا فيعلموف أنو الحق من ربهم}، ولا يعترضوف، ولا يقولوف: لِم؟، ولا: كيف؟؛ يقولوف: سمعنا، وأطعنا، وصدقنا؛ لأنهم يؤمنوف بأف الله عزّ وجلّ لو الحكمة البالغة فيما شرع، وفيما قدر.. ٚ- إثبات الربوبية الخاصة؛ لقولو تعالى{ :من ربهم}؛ واعلم أف ربوبية الله تعالى تنقسم إلى قسمين: عامة؛ وخاصة؛ فالعامة ىي الشاملة لجميع الخلق، وتقتضي التصرؼ المطلق في العباد؛ والخاصة ىي التي تختص بمن أضيفت لو، وتقتضي عناية خاصة؛ وقد اجتمعتا في قولو تعالى{ :قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وىاروف[ }الأعراؼ: ٕٔٔ، ٕٕٔ]فالأولى ربوبية عامة؛ والثانية خاصة بموسى، وىاروف؛ كما أف مقابل ذلك "العبودية" تنقسم إلى عبودية عامة، كما في قولو تبارؾ وتعالى{ :إف كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً [ }مريم: ٖٜ]وخاصة كما في قولو تعالى{ :تبارؾ الذي نزؿ الفرقاف على عبده[ }الفرقاف: ٔ]؛ والفرؽ بينهما أف العامة ىي الخضوع للأمر الكوني؛ والخاصة ىي الخضوع للأمر الشرعي؛ وعلى ىذا فالكافر عبد لله بالعبودية العامة؛ والمؤمن عبد لله بالعبودية العامة، والخاصة ... ٛ- أف ديدف الكافرين الاعتراض على حكم الله، وعلى حكمة الله؛ لقولو تعالى{ :وأما الذين كفروا فيقولوف ماذا أراد الله بهذا مثلاً }؛ وكل من اعترض ولو على جزء من الشريعة ففيو شبو بالكفار؛ فمثلاً لو قاؿ قادل: لماذا ينتقض الوضوء بأكل لحم الإبل، ولا ينتقض بأكل لحم الخنزير إذا جاز أكلو للضرورة مع أف الخنزير خبيث نجس؟ فالجواب: أف ىذا اعتراض على حكم الله عزّ وجلّ؛ وىو دليل على نقص الإيماف؛ لأف لازـ الإيماف التاـ التسليم التاـ لحكم الله عزّ وجلّ . إلا أف يقوؿ ذلك على سبيل الاسترشاد، والاطلاع على الحكمة؛ فهذا لا بأس بو..
عدد الصفحات ١٨٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 179 - سورة البقرة الجزء الاول ٜ- أف لفظ الكثير لا يدؿ على الأكثر؛ لقولو تعالى{ :يضل بو كثيراً ويهدي بو كثيراً }؛ فلو أخذنا بظاىر الآية لكاف الضالوف، والمهتدوف سواءً؛ وليس كذلك؛ لأف بني آدـ تسعمادة وتسعة وتسعوف من الألف ضالوف؛ وواحد من الألف مهتدٍ؛ فكلمة{ :كثيراً}لا تعني الأكثر؛ وعلى ىذا لو قاؿ إنساف: عندي لك دراىم كثيرة، وأعطاه ثلاثة لم يلزمو غيرىا؛ لأف "كثير" يطلق على القليل، وعلى الأكثر.. ٓٔ- أف إضلاؿ من ضل ليس لمجرد المشيئة؛ بل لوجود العلة التي كانت سبباً في إضلاؿ الله العبد؛ لقولو تعالى: {وما يضل بو إلا الفاسقين}؛ وىذا كقولو تعالى{ :فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوـ الفاسقين}الصف: ٘) ٔٔ- الرد على القدرية الذين قالوا: إف العبد مستقل بعملو. لا علاقة لإرادة الله تعالى بو؛ لقولو تعالى: (وما يضل بو إلا الفاسقين) .. الَّذِينَ يػَنػْقُضُوفَ عَهْدَ اللَّوِ مِنْ بػَعْدِ مِيثَاقِوِ وَيػَقْطَعُوفَ مَا أَمَرَ اللَّوُ بِوِ أَفْ يُوصَلَ وَيػُفْسِدُوفَ فِي الأَْرْضِ أُولَئِكَ ىُمُ الْخَاسِرُوفَ (ٕٚ) قاؿ ابن العثيمين: أي العهد الذي بينهم وبين الله عزّ وجلّ؛ وىو الإيماف بو، وبرسلو؛ فإف ىذا مأخوذ على كل إنساف؛ إذا جاء رسوؿ بالآيات فإف الواجب على كل إنساف أف يؤمن بو؛ فهؤلاء نقضوا عهد الله، ولم يؤمنوا بو، وبرسلو؛ والنقض حَلّ الشيء بعد إبرامو؛ وقد بين الله عزّ وجلّ ىذا العهد في قولو تعالى{ :ولقد أخذ الله ميثاؽ بني إسراديل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً وقاؿ الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموىم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرف عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل[ }الماددة: ٕٔ] قاؿ الطبري اختلف أىل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله ىؤلاء الفاسقين بنقضو:- وأولى الأقواؿ عندي بالصواب في ذلك قوؿُ من قاؿ: إف ىذه الآيات نزلت في كفّار أحبار اليهود الذين كانوا بين ظَهْرَانَيْ مهاجَر رسوؿ الله ، وما قرُب منها من بقايا بني إسراديل، ومن كاف على شِركو من أىل النفاؽ، وقد دللنا على أف قوؿ الله جل ثناؤه:"إفّ الذين كفروا سواء عليهم"، وقولو:"ومن الناس من يقوؿ آمنا بالله وباليوـ الآخر"، فيهم أنزِلت، وفيمن كاف على مثل الذي ىم عليو من الشرؾ بالله. غيرَ أف ىذه الآيات عندي، وإف كانت فيهم نزلتْ، فإنو معني بها كل من كاف على مثل ما كانوا عليو من الضّلاؿ، ومعني بما وافق منها صفة المنافقين خاصّةً، جميعُ المنافقين؛ وبما وافق منها صفة كفار أحبار اليهود، جميعُ من كاف لهم نظيرًا في كفرىم. وذلك أف الله جلّ ثناؤه يعم أحيانًا جميعَهم بالصّفة، لتقديمو ذكر جميعهم في أوؿ الآيات التي ذكرتْ قَصَصهم، ويخصّ أحيانا بالصفة بعضَهم، لتفصيلو في أوؿ الآيات بين فريقيْهم، أعني: فريقَ المنافقين من عبدة الأوثاف وأىل
عدد الصفحات ١٨١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 181 - سورة البقرة الجزء الاول الشرؾ بالله، وفريقَ كفار أحبار اليهود. فالذين ينقضوف عهدَ الله، ىم التاركوف ما عهد الله إليهم من الإقرار بمحمد وبما جاء بو، وتبيين نبوتو للناس، الكاتموف بياف ذلك بعدَ علمهم بو، وبما قد أخذَ الله عليهم في ذلك، كما قاؿ الله جل ذكره: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّوُ مِيثَاؽَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبػَيػِّنػُنَّوُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَوُ فػَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِىِمْ [ )سورة آؿ عمراف: ٚٛٔ]، ونبذُىم ذلك وراء ظهورىم، ىو نقضُهم العهدَ الذي عهد إليهم في التوراة الذي وصفناه، وتركُهم العمل بو. وإنما قلت: إنو عنى بهذه الآيات من قلتُ إنو عنى بها، لأف الآيات - من مبتدأ الآيات الخمس والست من سورة البقرة- فيهم نزلتْ، إلى تماـ قصصهم. وفي الآية التي بعد الخبر عن خلق آدـ وبيانِوِ في قولو . (يَا بَنِي إِسْرَادِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِ يَ الَّتِي أَنػْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوؼِ بِعَهْدِكُمْ [ )سورة البقرة: ٓٗ]وخطابو إياىم جلّ ذكره بالوفاء في ذلك خاصّة دوف سادر البشر- ما يدؿ على أف قولو:"الذين ينقضُوف عَهدَ الله من بعد ميثاقو" مقصودٌ بو كفارىم ومنافقوىم، ومن كاف من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثاف على ضلالهم. غيرَ أفّ الخطاب - وإف كاف لمن وصفتُ من الفريقين - فداخلٌ في أحكامهم، وفيما أوجبَ الله لهم من الوعيد والذـ والتوبيخ، كلّ من كاف على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق وأصناؼ الأمم المخاطبين بالأمر والنهي. فمعنى الآية إذًا: وما يُضِلّ بو إلا التاركين طاعةَ الله، الخارجين عن اتباع أمره ونهيو، الناكثين عهود الله التي عهدىا إليهم، في الكتب التي أنزلها إلى رُسلو وعلى ألسن أنبيادو، باتباع أمر رسولو محمد وما جاء بو، وطاعة الله فيما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس، وإخبارِىم إياىم أنهم يجدونو مكتوبًا عندىم أنو رسوؿٌ من عند الله مفترضةٌ طاعتُو، وترؾ كتماف ذلك لهم . ونكثُهم ذلك ونقضُهم إياه، ىو مخالفتهم الله في عهده إليهم - فيما وصفتُ أنو عهد إليهم - بعد إعطادهم ربهم الميثاؽَ بالوفاء بذلك. كما وصفهم بو ربنا تعالى ذكره بقولو: (فَخَلَفَ مِنْ بػَعْدِىِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُوفَ عَرَضَ ىَذَا الأدْنَى وَيػَقُولُوفَ سَيػُغْفَرُ لَنَا وَإِفْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثػْلُوُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يػُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاؽُ الْكِتَابِ أَفْ لا يػَقُولُوا عَلَى اللَّوِ إِلا الْحَقَّ [ . )سورة الأعراؼ: ٜٙٔ] وأما قولو: "من بعد ميثاقو"، فإنو يعني: من بعد توَث ق الله فيو بأخذ عهوده بالوفاء لو، بما عهد إليهم في ذلك غيرَ أف التوثق مصدر من قولك: توثقت من فلاف تػَوَثػ قًا، والميثاؽُ اسمٌ منو. والهاء في الميثاؽ عاددة على اسمِ الله. وقد يدخل في حكم ىذه الآية كلّ من كاف بالصفة التي وصف الله بها ىؤلاء الفاسقين من المنافقين والكفار، في نقض العهد وقطع الرّحم والإفساد في الأرض. عن قتادة، قولو:"الذين ينقضُوف عهدَ الله من بعد ميثاقو"، فإياكم ونقضَ ىذا الميثاؽ، فإف الله قد كره نقضَو وأوعدَ فيو، وقدّـ فيو في آي القرآف حُجة وموعظة ونصيحة، وإنا لا نعلم الله جل ذكره أوعدَ في ذنب ما أوعد في نقض الميثاؽ. فمن أعطى عهدَ الله وميثاقو من ثمرَة قلبو فػَلْيَفِ بو لله .
عدد الصفحات ١٨٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 181 - سورة البقرة الجزء الاول عن الربيع، في قولو:"الذين ينقضوف عهد الله من بعد ميثاقو ويَقطعوف ما أمرَ الله بو أف يُوصَل ويفسدوف في الأرض أولئك ىمُ الخاسروف"، فهي ست خلاؿ في أىل النفاؽ، إذا كانت لهم الظَّهَرَة، (ٔ) أظهرُوا ىذه الخلاؿ الست جميعًا: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وَعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضُوا عهد الله من بعد ميثاقو، وقطعوا ما أمرَ اللهُ بو أف يوصل، وأفسدُوا في الأرض. وإذا كانت عليهم الظَّهَرَةُ، أظهروا الخلاؿَ الثلاثَ إذا حدّثوا كذَبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا(ٕ). قاؿ الطبري{ :وَيػَقْطَعُوفَ مَا أَمَرَ اللَّوُ بِوِ أَفْ يُوصَلَ }: والذي رَغب اللهُ في وَصْلو وذـّ على قطعو في ىذه الآية: الرحم . وقد بين ذلك في كتابو، فقاؿ تعالى: (فػَهَلْ عَسَيْتُمْ إِفْ تػَوَلَّيْتُمْ أَفْ تػُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتػُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [ )سورة محمد: ٕٕ]وإنما عَنى بالرّحم، أىل الرّحم الذين جمعتهم وإياه رَحِمُ والدة واحدة. وقطعُ ذلك: ظلمو في ترؾ أداء ما ألزـ الله من حقوقها، وأوجبَ من بِرِّىا. وَوَصْلُها: أداءُ الواجب لها إليها من حقوؽ الله التي أوجبَ لها، والتعطفُ عليها بما يحق التعطف بو عليها. "وأف" التي مع"يوصل" في محل خفض، بمعنى رَدِّىا على موضع الهاء التي في "بو": فكاف معنى الكلاـ : ويقطعوف الذي أمرَ الله بأف يُوصَل. والهاء التي في "بو"، ىي كناية عن ذكر"أف يوصل". عن قتادة:"ويقطعوف ما أمر الله بو أفْ يوصَل"، فقطع والله ما أمر الله بو أف يوصل بقطيعة الرحم والقرابة (ٖ) . قاؿ ابن العثيمين: أي يقطعوف كل ما أمر الله بو أف يوصل، كالأرحاـ، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عن الحق.. قاؿ السعدي: وىذا يدخل فيو أشياء كثيرة، فإف الله أمرنا أف نصل ما بيننا وبينو بالإيماف بو والقياـ بعبوديتو، وما بيننا وبين رسولو بالإيماف بو ومحبتو وتعزيره والقياـ بحقوقو، وما بيننا وبين الوالدين والأقارب والأصحاب؛ وسادر الخلق بالقياـ بتلك الحقوؽ التي أمر الله أف نصلها. فأما المؤمنوف فوصلوا ما أمر الله بو أف يوصل من ىذه الحقوؽ، وقاموا بها أتم القياـ، وأما الفاسقوف، فقطعوىا، ونبذوىا وراء ظهورىم؛ معتاضين عنها بالفسق والقطيعة؛ والعمل بالمعاصي؛ وىو: الإفساد في الأرض. ٔ - الظيرة (بثلاث فتحات) : الكثرة، وأراد بيا ظيور الأمر والغمبة. ولو أسكنت الياء، كان صوابًا، من قوليم: ظيرت عمى فلان: إذا عموتو وغمبتو. ٕ- الأثر- في ابن كثير ٔ: ٕٓٔ - ٕٔٔ عن أبي العالية، ثم قال: "وكذا قال الربيع بن أنس أيضًا". ىذا، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور، والشوكاني خبرًا خرجوه عن ابن جرير عن سعد بن أبي وقاص قال: "الحرورية ىم الذين ينقضون عيد الله من بعد ميثاقو، قال: إياكم ونقض ىذا الميثاق. وكان يسمييم: الفاسقين" الدر المنثور ٔ: ٕٗ، والشوكاني ٔ: ٘ٗ. أما ابن كثير فقد رواه في تفسيره ٔ: ٜٔٔ نقلا عن ابن أبي حاتم؛ بإسناده، ولم ينسبو إلى الطبري . وأخشى أن يكون وىمًا من السيوطي والشوكاني. ٖ- الأثر: في الدر المنثور ٔ: ٕٗ، والشوكاني ٔ: ٙٗ مختصرًا، ونصو ىناك: "ويقطعون ما أمر الله بو أن يوصل، قال: الرحم والقرابة ".
عدد الصفحات ١٨٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 182 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري{ :ويفسدوف في الأرض}: وفسادُىم في الأرض: ىو ما تقدـ وَصَفْناه قبلُ من معصيتهم ربَّهم، وكفرىم بو، وتكذيبهم رسولو، وجحدىم نبوتو، وإنكارىم ما أتاىم بو من عند الله أنو حق من عنده. قاؿ ابن العثيمين: أي يسعوف لما بو فساد الأرض فساداً معنوياً كالمعاصي؛ وفساداً حسياً كتخريب الديار، وقتل الأنفس.. قولو تعالى{ :أولئك ىم الخاسروف}جملة اسمية مؤكَّدة بضمير الفصل: {ىم} ؛ لأف ضمير الفصل لو ثلاث فوادد؛ الفاددة الأولى: التوكيد؛ والفاددة الثانية: الحصر؛ والفاددة الثالثة: إزالة اللبس بين الصفة، والخبر؛ مثاؿ ذلك: تقوؿ: " زيد الفاضل": كلمة "الفاضل" يحتمل أف تكوف خبراً؛ ويحتمل أف تكوف وصفاً، فتقوؿ: " زيد الفاضل محبوب"؛ إذا قلت: "زيد الفاضل محبوب" تعين أف تكوف صفة؛ وإذا قلت: "زيد الفاضل" يحتمل أف تكوف صفة، والخبر لم يأت بعد؛ ويحتمل أف تكوف خبراً؛ فإذا قلت: "زيد ىو الفاضل" تعين أف تكوف خبراً لوجود ضمير الفصل؛ ولهذا سُمي ضمير فصل. لفصلو بين الوصف والخبر؛ الفاددة الثانية: التوكيد؛ إذا قلت: "زيد ىو الفاضل" كاف أبلغ من قولك: "زيد الفاضل"؛ والفاددة الثالثة: الحصر؛ فإنك إذا قلت: "زيد ىو الفاضل" فقد حصرت ىذا الوصف فيو دوف غيره؛ وضمير الفصل ليس لو محل من الإعراب، كما في قولو تعالى{ :لعلنا نتبع السحرة إف كانوا ىم الغالبين} [الشعراء: ٓٗ]؛ ولو كاف لو محل من الإعراب لكانت: "ىم الغالبوف"؛ وربما يضاؼ إليو اللاـ، كما في قولو تعالى: {إف ىذا لهو القصص الحق[ }آؿ عمراف: ٕٙ]؛ فيكوف في إضافة اللاـ إليو زيادة توكيد .. وقولو تعالى{ :الخاسروف} ؛ "الخاسر" ىو الذي فاتو الربح؛ وذلك؛ لأف ىؤلاء فاتهم الربح الذي ربحو من لم ينقض عهد الله من بعد ميثاقو، ولم يقطع ما أمر الله بو أف يوصل.. قاؿ الطبري: والخاسروف جمع خاسر، والخاسروف: الناقصُ وف أنفسَهم حظوظَها -بمعصيتهم الله- من رحمتو، كما يخسرُ الرجل في تجارتو، بأف يوضَع من رأس مالو في بيعو. فكذلك الكافر والمنافق، خسر بحرماف الله إياه رحمتَو التي خلقها لعباده في القيامة، أحوج ما كاف إلى رحمتو . قاؿ السعدي: فػ {فأولئك}أي: من ىذه صفتو {ىم الخاسروف} في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم؛ لأف خسرانهم عاـ في كل أحوالهم؛ ليس لهم نوع من الربح؛ لأف كل عمل صالح شرطو الإيماف؛ فمن لا إيماف لو لا عمل لو؛ وىذا الخسار ىو خسار الكفر، وأما الخسار الذي قد يكوف كفرا؛ وقد يكوف معصية؛ وقد يكوف تفريطا في ترؾ مستحب، المذكور في قولو تعالى{ :إف الإنساف لفي خسر}فهذا عاـ لكل مخلوؽ؛ إلا من اتصف بالإيماف والعمل الصالح؛ والتواصي بالحق؛ والتواصي بالصبر؛ وحقيقة فوات الخير؛ الذي كاف العبد بصدد تحصيلو وىو تحت إمكانو. قاؿ الطبري: عن ابن عباس، قاؿ: كل شيء نسبو الله إلى غير أىل الإسلاـ من اسم مثل"خاسر"، فإنما يعني بو الكفر، وما نسبو إلى أىل الإسلاـ، فإنما يعني بو الذنب.
عدد الصفحات ١٨٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 183 - سورة البقرة الجزء الاول (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- أف نقض عهد الله من الفسق؛ لقولو تعالى{ :الذين ينقضوف عهد الله من بعد ميثاقو}فكلما رأيت شخصاً قد فرط في واجب، أو فعل محرماً فإف ىذا نقض للعهد من بعد الميثاؽ.. ٕ- التحذير من نقض عهد الله من بعد ميثاقو؛ لأف ذلك يكوف سبباً للفسق ... ٖ- التحذير من قطع ما أمر الله بو أف يوصل من الأرحاـ . أي الأقارب. وغيرىم؛ لأف الله ذكر ذلك في مقاـ الذـ؛ وقطع الأرحاـ من كبادر الذنوب؛ لقوؿ النبي لا يدخل الجنة قاطع" (ٔ) ، يعني قاطع رحم .. ٗ- أف المعاصي والفسوؽ سبب للفساد في الأرض، كما قاؿ تعالى{ :ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعوف [ }الروـ: ٔٗ]؛ ولهذا إذا قحط المطر، وأجدبت الأرض، ورجع الناس إلى ربهم، وأقاموا صلاة الاستسقاء، وتضرعوا إليو سبحانو وتعالى، وتابوا إليو، أغاثهم الله عز وجل؛ وقد قاؿ نوح عليو السلاـ لقومو{ :فقلت استغفروا ربكم إنو كاف غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأمواؿ وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لهم أنهارا[ }نوح : ٓٔ. ٕٔ] فإف قاؿ قادل: أليس يوجد في الأرض من ىم صلحاء قادموف بأمر الله مؤدوف لحقوؽ عباد الله ومع ذلك نجد الفساد في الأرض؟ فالجواب: أف ىذا الإيراد أوردتو أـ المؤمنين زينب على النبي حيث قاؿ: "ويل للعرب من شر قد اقترب"؛ قالت: أنهلك وفينا الصالحوف؟! قاؿ : "نعم، إذا كثر الخبث" (ٕ) ؛ وقولو "إذا كثر الخبث" يشمل معنيين:. أحدىما: أف يكثر الخبث في العاملين بحيث يكوف عامة الناس على ىذا الوصف.. والثاني: أف يكثر فعل الخبث بأنواعو من فئة قليلة، لكن لا تقوـ الفئة الصالحة بإنكاره؛ فمثلا إذا كثر الكفار في أرض كاف ذلك سببا للشر، والبلاء؛ لأف الكفار نجس؛ فكثرتهم كثرة خبث؛ وإذا كثرت أفعاؿ المعاصي كاف ذلك سببا أيضا للشر، والبلاء؛ لأف المعاصي خبث.. ٘- أف ىؤلاء الذين اعترضوا على الله فيما ضرب من الأمثاؿ، ونقضوا عهده، وقطعوا ما أمر الله بو أف يوصل، وأفسدوا في الأرض ىم الخاسروف. وإف ظنوا أنهم يحسنوف صنعا.. ٔ- أخرجــو البخــاري صٚٓ٘، كتــاب الأدب، بــاب ٔٔ: إثــم القــاطع، حــديث رقــم ٜٗٛ٘؛ وأخرجــو مســمم صٕٙٔٔ، كتــاب البــر والصــمة، بــاب ٙ: صــمة الــرحمن وتحريم قطيعتيا، حديث رقم ٕٓ٘ٙ [ٛٔ]ٕٙ٘٘. ٕ- أخرجــو البخــاري صٕٔٚ، كتــاب أحاديــث الأنبيــاء، بــاب ٚ: قصــة يــأجوج ومــأجوج، حــديث رقــم ٖٖٙٗ؛ وأخرجــو مســمم صٙٚٔٔ - ٚٚٔٔ، كتــاب الفــتن وأشراط الساعة، باب ٔ: اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج، حديث رقم ٖٕ٘ٚ [ٔ]
عدد الصفحات ١٨٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 184 - سورة البقرة الجزء الاول كَيْفَ تَكْفُرُوفَ بِاللَّوِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْوِ تػُرْجَعُوفَ (ٕٛ) قاؿ الطبري: وىذه الآية توبيخٌ من الله جل ثناؤه للقادلين:"آمنَّا بالله وباليوـ الآخر"، الذين أخبر الله عنهم أنهم مع قيلهم ذلك بأفواىهم، غيرُ مؤمنين بو. وأنهم إنما يقولوف ذلك خداعًا لله وللمؤمنين، فعذَلهم الله بقولو:"كيف تكفروف بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم"، ووبَّخهم واحتجّ عليهم - في نكيرىم ما أنكروا من ذلك وجحودىم ما جحدوا بقلوبهم المريضة. عن ابن مسعود وعن ابن عباس: من أف معنى قولو:"وكنتم أمواتًا" أمواتَ الذكر، خمولا في أصلاب آبادكم نطفًا، لا تُعرفوف ولا تُذكروف: فأحياكم بإنشادكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتم، ثم يُميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفوف ولا تُذكروف في البرزخ إلى يوـ تبعثوف، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة، ثم إلى الله ترجعوف بعد ذلك، كما قاؿ:"ثم إليو تُرجعوف"، لأف الله جل ثناؤه يحييهم في قبورىم قبلَ حشرىم، ثم يحشرىم لموقف الحساب، كما قاؿ جل ذكره: (يػَوْـَ يَخْرُجُوفَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنػَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُوفَ [ )سورة المعارج : ٖٗ]وقاؿ: (وَنُفِخَ فِي الص ورِ فَإِذَا ىُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يػَنْسِلُوفَ [ )سورة يس: ٔ٘] قاؿ السعدي ىذا استفهاـ بمعنى التعجب والتوبيخ والإنكار، أي: كيف يحصل منكم الكفر بالله؛ الذي خلقكم من العدـ؛ وأنعم عليكم بأصناؼ النعم؛ ثم يميتكم عند استكماؿ آجالكم؛ ويجازيكم في القبور؛ ثم يحييكم بعد البعث والنشور؛ ثم إليو ترجعوف ؛ فيجازيكم الجزاء الأوفى، فإذا كنتم في تصرفو؛ وتدبيره؛ وبره؛ وتحت أوامره الدينية؛ ومن بعد ذلك تحت دينو الجزادي؛ أفيليق بكم أف تكفروا بو؛ وىل ىذا إلا جهل عظيم وسفو وحماقة ؟ بل الذي يليق بكم أف تؤمنوا بو وتتقوه وتشكروه وتخافوا عذابو؛ وترجوا ثوابو. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- شدة الإنكار حتى يصل إلى حد التعجب ممن يكفر وىو يعلم حالو، ومآلو ٕ- أف الموت يطلق على ما لا روح فيو. وإف لم تسبقو حياة.؛ يعني: لا يشترط للوصف بالموت تقدـ الحياة؛ لقولو تعالى{ :كنتم أمواتا فأحياكم}؛ أما ظن بعض الناس أنو لا يقاؿ: "ميت" إلا لمن سبقت حياتو؛ فهذا ليس بصحيح؛ بل إف الله تعالى أطلق وصف الموت على الجمادات؛ قاؿ تعالى في الأصناـ{ :أموات غير أحياء[ }النحل: ٕٔ] ٖ- أف الجنين لو خرج قبل أف تنفخ فيو الروح فإنو لا يثبت لو حكم الحي؛ ولهذا لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلي عليو، ولا يرث، ولا يورث؛ لأنو ميت جماد لا يستحق شيئا مما يستحقو الأحياء؛ وإنما يدفن في أي مكاف في المقبرة، أو غيرىا..
عدد الصفحات ١٨٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 185 - سورة البقرة الجزء الاول ٗ- تماـ قدرة الله عز وجل؛ فإف ىذا الجسد الميت ينفخ الله فيو الروح، فيحيى، ويكوف إنسانا يتحرؾ، ويتكلم، ويقوـ، ويقعد، ويفعل ما أراد الله عز وجل.. ٘- إثبات البعث؛ لقولو تعالى{ :ثم يحييكم ثم إليو ترجعوف }؛ والبعث أنكره من أنكره من الناس، واستبعده، وقاؿ: {من يحيي العظاـ وىي رميم[ }يس: ٛٚ]؛ فأقاـ الله. تبارؾ وتعالى. على إمكاف ذلك ثمانية أدلة في آخر سورة "يس":. الدليل الأوؿ: قولو تعالى{ :قل يحييها الذي أنشأىا أوؿ مرة[ }يس: ٜٚ]ىذا دليل على أنو يمكن أف يحيي العظاـ وىي رميم؛ وقولو تعالى{ :أنشأىا أوؿ مرة}دليل قاطع، وبرىاف جلي على إمكاف إعادتو كما قاؿ الله تعالى{ :وىو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وىو أىوف عليو[ }الروـ: ٕٚ] الدليل الثاني: قولو تعالى{ :وىو بكل خلق عليم[ }يس: ٜٚ]يعني: كيف يعجز عن إعادتها وىو سبحانو وتعالى بكل خلق عليم: يعلم كيف يخلق الأشياء، وكيف يكونها؛ فلا يعجز عن إعادة الخلق.. الدليل الثالث: قولو تعالى{ :الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منو توقدوف[ }يس: ٓٛ]الشجر الأخضر فيو البرودة، وفيو الرطوبة؛ والنار فيها الحرارة، واليبوسة؛ ىذه النار الحارة اليابسة تخرج من شجر بارد رطب؛ وكاف الناس فيما سبق يضربوف أغصانا من أشجار معينة بالزند؛ فإذا ضربوىا انقدحت النار، ويكوف عندىم شيء قابل للاشتعاؿ بسرعة؛ ولهذا قاؿ تعالى{ :فإذا أنتم منو توقدوف[ }يس: ٓٛ]تحقيقا لذلك.. ووجو الدلالة: أف القادر على إخراج النار الحارة اليابسة من الشجر الأخضر مع ما بينهما من تضاد قادر على إحياء العظاـ وىي رميم. الدليل الرابع: قولو تعالى{ :أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أف يخلق مثلهم بلى}يس: ٔٛ) ووجو الدلالة: أف خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس؛ والقادر على الأكبر قادر على ما دونو.. الدليل الخامس: قولو تعالى{ :وىو الخلاؽ العليم[ }يس: ٔٛ]؛ فػ {الخلاؽ}صفتو، ووصفو الدادم؛ وإذا كاف خلاقا، ووصفو الدادم ىو الخلق فلن يعجز عن إحياء العظاـ وىي رميم.. الدليل السادس: قولو تعالى{ :إنما أمره إذا أراد شيئا أف يقوؿ لو كن فيكوف[ }يس: ٕٛ]إذا أراد شيئا مهما كاف؛ و {شيئا}نكرة في سياؽ الشرط، فتكوف للعموـ؛ {أمره}أي شأنو في ذلك أف يقوؿ لو كن فيكوف؛ أو {أمره} الذي ىو واحد "أوامر"؛ ويكوف المعنى: إنما أمره أف يقوؿ: "كن"، فيعيده مرة أخرى.. ووجو الدلالة: أف الله سبحانو وتعالى لا يستعصي عليو شيء أراده.. الدليل السابع: قولو تعالى{ :فسبحاف الذي بيده ملكوت كل شيء}كل شيء فهو مملوؾ لله عز وجل: الموجود يعدمو؛ والمعدوـ يوجده؛ لأنو رب كل شيء.. ووجو الدلالة: أف الله سبحانو وتعالى نزه نفسو؛ وىذا يشمل تنزيهو عن العجز عن إحياء العظاـ وىي رميم الدليل الثامن: قولو تعالى: (وإليو ترجعوف ) ..
عدد الصفحات ١٨٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 186 - سورة البقرة الجزء الاول ووجو الدلالة: أنو ليس من الحكمة أف يخلق الله ىذه الخليقة، ويأمرىا، وينهاىا، ويرسل إليها الرسل، ويحصل ما يحصل من القتاؿ بين المؤمن، والكافر، ثم يكوف الأمر ىكذا يذىب سدى؛ بل لابد من الرجوع؛ وىذا دليل عقلي.. فهذه ثمانية أدلة على قدرة الله على إحياء العظاـ وىي رميم جمعها الله عز وجل في موضع واحد؛ وىناؾ أدلة أخرى في مواضع كثيرة في القرآف؛ وكذلك في السنة.. ٙ- أف الخلق مآلهم، ورجوعهم إلى الله عز وجل.. ىُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتػَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاىُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَىُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (ٜٕ) قاؿ ابن العثيمين: لما ذكر جل وعلا أنو قادر على الإحياء والإماتة، بين منتو على العباد بأنو خلق لهم ما في الأرض جميعا. قولو تعالى{ :ىو الذي خلق لكم} أي أوجد عن علم وتقدير على ما اقتضتو حكمتو جل وعلا، وعلمو؛ و {لكم} :اللاـ ىنا لها معنياف؛ المعنى الأوؿ: الإباحة، كما تقوؿ: "أبحت لك"؛ والمعنى الثاني: التعليل: أي خلق لأجلكم.. قولو تعالى{ :ما في الأرض جميعا}؛ {ما}اسم موصوؿ تعم: كل ما في الأرض فهو مخلوؽ لنا من الأشجار، والزروع، والأنهار، والجباؿ ... كل شيء.. قاؿ السعدي: أي: خلق لكم، برا بكم ورحمة، جميع ما على الأرض، للانتفاع والاستمتاع والاعتبار. وفي ىذه الآية العظيمة دليل على أف الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، لأنها سيقت في معرض الامتناف، يخرج بذلك الخبادث، فإف تحريمها أيضا يؤخذ من فحوى الآية، ومعرفة المقصود منها، وأنو خلقها لنفعنا، فما فيو ضرر، فهو خارج من ذلك، ومن تماـ نعمتو، منعنا من الخبادث، تنزيها لنا. قاؿ البغوي: وقولو{ :ثم استوى إلى السماء فسواىن سبع سماوات وىو بكل شيء عليم} قَاؿَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثػَرُ مُفَسِّرِي السَّلَفِ : أَيِ ارْتػَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَاؿَ ابْنُ كَيْسَافَ وَالْفَرَّاءُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ : أَيْ أَقػْبَلَ عَلَى خَلْقِ السَّمَاءِ، وَقِيلَ : قَصَدَ لأَِنَّوُ خَلَقَ الأَْ رْضَ أَوَّلاً ثُمَّ عَمَدَ إِلَى خَلْقِ السماء، فَسَوَّاىُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ . قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :ثم}أي بعد أف خلق لنا ما في الأرض جميعا {استوى إلى السماء} أي علا إلى السماء؛ ىذا ما فسرىا بو ابن جرير. رحمو الله؛ وقيل: أي قصد إليها؛ وىذا ما اختاره ابن كثير. رحمو الله؛ فللعلماء في تفسير {استوى إلى} قولاف: الأوؿ: أف الاستواء ىنا بمعنى القصد؛ وإذا كاف القصد تاما قيل: استوى؛ لأف الاستواء كلو يدؿ على الكماؿ، كما قاؿ تعالى{ :ولما بلغ أشده واستوى[ }القصص: ٗٔ]أي كمل؛ فمن نظر
عدد الصفحات ١٨٨