تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 158 - سورة البقرة الجزء الاول لأنو كلاـ الله - عز وجل -، ولا يقاؿ إفَّ الله - عز وجل - أعْجَزَ الناس، أف يأتوا بمثل ىذا القرآف، أو صرفهم عن ذلك، كما ىي أقواؿ يأتي بيانها. فإذاً تنتبو على أفَّ تعبير أىل العلم في ىذه المسألة أفَّ القرآف آية، فآية نبوة محمد وآية رسالتو القرآف. بل محمد لمَّا سَمِعَ كلاـ الله - عز وجل - خاؼ ، فلما فَ اجَأَه الوحي وىو بغار حراء فأتاه جبريل فػَقَاؿَ لو: اقػْرَأْ، قَاؿَ (مَا أَنَا بِقَارِئٍ ) فػَقَاؿَ اقػْرَأْ، قَاؿَ : ( مَا أَنَا بِقَارِئٍ )، قَاؿَ {اقػْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِْنسَافَ مِنْ عَلَ قٍ [}العلق:ٔ-ٕ]إلى آخر ما أُنْزِؿْ في أوؿ ما نبئ النبي ، فرجع بها يرجُف بها فؤاده؛ لأفَّ ىذا الكلاـ لا يشبو كلاـ أحد، ولم يتحملو لا في ألفاظو ومعانيو ولفظو، ولا في أيضا صفة الوحي والتنزيل، فما استطاع أف يتحمل ذلك فرجع بهن -يعني بالآيات- يرجف بها فؤاده إلى آخر القصة. إذاً فالنبي أوؿ ما جاء الوحي لم يتحمل ىذا الذي جاءه، لم؟ لأنو كلاـ الله - عز وجل - وأما كلاـ البشر فإنو يتحملو لما سمع منو. [المسألة الثالثة] أقواؿ الناس في إعجاز القرآف. مسألة إعجاز القرآف -كما ذكرنا- لها صلة بدلادل النبوة. والقرآف مُعْجِزْ لمن؟ للجن والإنس جميعاً؛ بل معجز لكل المخلوقات، لم؟ لأنو كلاـ الله - عز وجل -، وكلاـ الله - عز وجل - لا يشبو كلاـ الخلق، وكوف القرآف معْجِزَاً، راجع إلى أشياء كثيرة يأتي فيها البياف. فاختلف الناس في وجو الإعجاز لأجل أَفَّ إعجاز القرآف دليل نبوة النبي في أقواؿ: ٔ - القوؿ الأوؿ: ذىب إليو طادفة من المعتزلة ومن غيرىم حتى من المعاصرين الذين تأثروا بالمدرسة العقلية في الصفات والكلاـ، قالوا: إفَّ الإعجاز في القرآف إنما ىو بصرؼ البشر عن معارضتو، وإلا فالعرب قادرة على معارضتو في الأصل؛ لكنهم صُرِفُوا عن معارضتو، فهذا الصرؼ ىو قدرة الله - عز وجل -، لا يمكن للنبي أف يصرفهم جميعاً عن معارضتو. وىذا الصرؼ لابد أف يكوف من قوة تَمْلِكُ ىؤلاء جميعا وىي قوة الله - عز وجل -. فإذاً الصَّرْفَةْ التي تسمع عنها، القوؿ بالصَّرْفَةْ؛ يعني أفَّ الله صَرَؼَ البشر عن معارضة ىذا القرآف، وإلا فإفَّ العرب قادروف على المعارضة. وىذا القوؿ ىو القوؿ المشهور الذي ينسب للنّظّاـ وجماعة بما ىو معلوـ.
عدد الصفحات ١٦٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 159 - سورة البقرة الجزء الاول وىذا القوؿ يرده أشياء نقتصر منها على دليلين: - الدليل الأوؿ سمعي نقلي من القرآف. - والدليل الثاني عقلي. أما الدليل الأوؿ وىو الدليل القرآني: فهو قوؿ الله - عز وجل - {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الإِْنسُ وَالْجِن عَلَى أَفْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ىَذَا الْقُرْآفِ لاَ يَأْتُوفَ بِمِثْلِوِ وَلَوْ كَافَ بػَعْضُهُمْ لِبػَعْضٍ ظَهِيرًا[}الإسراء:ٛٛ]، فالله - عز وجل - أثػْبَتَ أَفَّ الإنس والجن لو اجتمعت على أفْ تأتي بمثل ىذا القرآف وصار بعضهم لبعض معيناً في الإتياف بمثل ىذا القرآف أنهم لن يأتوا بمثلو، وىذا إثبات لقدرتهم على ذلك؛ لأفَّ اجتماعهم مع سلب القدرة عنهم بمنزلة اجتماع الأموات لتحصيل شيء من الأشياء. فالله - عز وجل - بيّنَ أنهم لو اجتمعوا على أف يأتوا بمثل ىذا القرآف وكاف بعضهم لبعض معيناً وظهيرا على المعارضة، فإنهم لن يستطيعوا أف يأتوا بمثل ىذا القرآف. فأثػْبَتَ لهم القدرة لو اجتمعوا قادرين وبعضهم لبعض يعين، لكنهم سيعجزوف مع قُدَرِتهم التي ستجتمع وسيكوف بعضهم لبعض معيناً على المعارضة. وىذه الآية ىي التي احتج بها المعتزلة على إعجاز القرآف، ففيها الدليل ضدىم على بطلاف الصَّرْفَةْ . أما الدليل الثاني وىو الدليل العقلي: أفَّ الأمة أجمعت من جميع الفرؽ والمذاىب أفَّ الإعجاز يػُنْسَبْ ويضاؼ إلى القرآف ولا يضاؼ إلى الله - عز وجل -. فلا يقاؿ إعجاز الله بالقرآف، وإنما يقاؿ باتفاؽ الجميع وبلا خلاؼ ىو إعجاز القرآف. فإضافة الإعجاز إلى القرآف تدؿ على أفَّ القرآف مُعْجِزٌ في نفسو، وليس الإعجاز من الله بصفة القدرة. لأننا لو قلنا الإعجاز إعجاز الله بقدرتو الناس عن الإتياف بمثل ىذا القرآف، فيكوف الإعجاز بأمر خارج عن القرآف. فلما أجمعت الأمة من جميع الفئات والمذاىب على أفّ الإعجاز وصْفٌ للقرآف علمنا بُطلاف أف يكوف الإعجاز صفة لقدرة الله - عز وجل -؛ لأفّْ من قاؿ بالصرفة بأفّْ الله سلبهم القدرة ىذا راجِعٌ الإعجاز -يعني تعجيز أولئك- راجع إلى صفة القدرة وىذه صفة ربوبية. فإذاً لا يكوف القرآف مُعْجِزَاً في نفسو، وإنما تكوف المعجزة في قدرة الله - عز وجل - على ذلك. وىذا لاشك أنو دليل قوي في إبطاؿ قوؿ ىؤلاء. لهذا المعتزلة المتأخروف ذىبوا على خلاؼ قوؿ المتقدمين في الإعجاز بالصرفة؛ لأفَّ قولهم لا يستقيم لا نقلاً ولا عقلاً . ٕ - القوؿ الثاني: من قاؿ القرآف مُعْجِزٌ بألفاظو، فألفاظ القرآف بلغت المنتهى في الفصاحة؛ لأفَّ البلاغيين يػُعَرِّفُوفَ الفصاحة بقولهم: فصاحة المفرد في سلامتو من نُفرة فيو ومن غرابتو
عدد الصفحات ١٦١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 161 - سورة البقرة الجزء الاول فالقرآف مشتمل على أعلا الفصيح في الألفاظ. ولما تأمل أصحاب ىذا القوؿ جميع كلاـ العرب في خطبهم وأشعارىم، وجدوا أفَّ كلاـ المتكلم لابد أف يشتمل على لفظ داني في الفصاحة، ولا يستقيم في كلاـ أي أحد -في المعلقات ولا في خطب العرب ولا في نثرىم ولا في مراسلاتهم إلى آخره- لا يستقيم أف يكوف كلامهم دادماً في أعلى الفصاحة، فنظروا إلى ىذه الجهة فقالوا الفصاحة ىي دليل إعجاز القرآف لأفَّ العرب عاجزوف. وىذا ليس بجيد؛ لأفَّ القرآف اسم للألفاظ والمعاني، فالله - عز وجل - تَحَدَّى أف يػُؤْتَى بمثل ىذا القرآف، أو بمثل عشر سور مثلو مفتريات -كما زعموا- وىذه المثلية إنما ىي باللفظ وبالمعنى جميعاً وبصورة الكلاـ المتركبة . فإذاً كونو مُعْجِزَاً بألفاظو نعم لكن ليس وجو الإعجاز الألفاظ وحدىا. ٖ - القوؿ الثالث: من قاؿ إفَّ الإعجاز في المعاني وأما الألفاظ فهي على قارعة الطريق. مثل ما يقوؿ الجاحظ وغيره؛ يعني فيما ساقو في كتاب الحيواف يقوؿ: الشأف في المعاني أما الألفاظ فهي ملقاة على قارعة الطريق. يعني أفَّ الألفاظ يتداولها الناس؛ لكن الشأف في الدِلالة بالألفاظ على المعاني. وىذا لاشك أنو قصور لأفَّ القرآف كما ذكرنا مشتمل على فصاحة الألفاظ وعظمة المعاني جميعاً . ٗ - القوؿ الرابع: من قاؿ إفَّ القرآف مُعْجِزٌ في نظمو، ومعنى النظم ىو الألفاظ المتركبة والمعاني التي دلت عليها الألفاظ وما بينها من الروابط. يعني أَفَّ الكلاـ يُحْتَاجُ فيو إلى أشياء، يُحْتَاجُ فيو إلى ألفاظ وإلى معافٍ في داخل ىذه الألفاظ يػُعَبػَّرُ بها، يػُعَبػَّرُ بالألفاظ عن المعاني وإلى رابط يربط بين ىذه الألفاظ والمعاني في صور بلاغية، وفي صور نحوية عالية، وىذا المجموع سماه أصحاب ىذا القوؿ النَّظم. وىذا ىو مدرسة الجُرجاني المعروفة، العلامة عبد القادر الجرجاني فيما كتب في دلادل الإعجاز وفي أسرار البلاغة. وىذا القوؿ لَ مَّا قاؿ بو الجرجاني وىو مسبوؽ إليو من جهة الخطّابي وغيره يعني في كلمة، ىو أراد بو الرد على عبد الجبار المعتزلي في كتابو المغني، فإنو ألف كتاب المغني وجعل مجلداً كاملا في إعجاز القرآف، وردّ عليو بكتاب دلادل الإعجاز وأفَّ الإعجاز راجع إلى اللفظ والمعنى والروابط؛ يعني إلى النظم ،نظم القرآف جميعا، المقصود بالنظم يعني تآلف الألفاظ والجمل مع دلالات المعاني البلاغية واللفظية وما بينها من صلات نحوية عالية. وىذا القوؿ قوؿ جيد؛ ولكن لا ينبغي أف يُقصر عليو إعجاز القرآف. ٘ - القوؿ الخامس: من قاؿ إفَّ إعجاز القرآف فيما اشتمل عليو.
عدد الصفحات ١٦٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 161 - سورة البقرة الجزء الاول فالقرآف اشتمل على: - أمور غيبية لا يمكن أف يأتي بها النبي ؛ بأمر الماضي وبأمر المستقبل. - واشتمل القرآف أيضا على أمور تشريعية لا يمكن أف تكوف من عند النبي . - واشتمل القرآف على ىداية ومخالطة للنفوس لا يمكن أف تكوف من عند بشر. وىذا قوؿ لبعض المتقدمين وجمع من المعاصرين بأفَّ القرآف محتمل على ىذه الأشياء جميعاً . ولكن ىذا القوؿ يُشْكِلْ عليو أَفَّ إعجاز القرآف الذي تُحُدِّيَت بو العرب، والعرب حينما خوطبوا بو ،خوطبوا بكلاـ مشتمل على أشياء كثيرة، وكاف التحدي واقعاً أف يأتوا بمثل ىذا القرآف أو بمثل سورة أو بعشر سور مثلو مفتريات كما زعموا، وىذا يؤوؿ إلى ما تميزت بو العرب، وىو مسألة البلاغة وما تميزوا بو من رِفعة الكلاـ وفصاحتو وبلاغتو. والعرب لم تكن متقدمة عارفة بالأمور الطبية ولا بالأمور الفلسفية ولا بالأمور العقدية ولا بالغيبيات، وليس عندىم معرفة بالتواريخ على تفاصيلها ونحو ذلك، حتى يقاؿ إفَّ الإعجاز وقع في ىذه الجهة؛ لكنهم خوطبوا بكلاـ من جنس ما يتكلموف بو -يعني من جهة الألفاظ والحروؼ-؛ لكنهم عجزوا عن الإتياف بذلك لأنو كلاـ الله - عز وجل -. ٙ - القوؿ الأخير -والأقواؿ متنوعة؛ لأفَّ المدارس كثيرة-: أفَّ القرآف مُعْجِزْ لأنو كلاـ الله - عز وجل -، وكلاـ الله - عز وجل - لا يمكن أف يشبو كلاـ المخلوؽ. وىذا القوؿ ىو الذي ذكره الطحاوي ىنا ،قاؿ (عَلِمْنَا وأَيػْقَنَّا أنو قوؿُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِوُ قوؿَ البشر، وَمَنْ وَصَفَ الله بِمعنَى مِنْ مَعاني البشر، فقدْ كَفَر، فمن أبْصَرَ ىذا اعْتَبر، وعَنْ مِثْلِ قوؿ الكفَّارِ انػْزَجَر، وعَلِمَ أنَّو بصفاتو-التي منها القرآف- ليسَ كالبشر). وىذا القوؿ الذي أشار إليو لم يػَتػَفَرَّعْ إليو شارحوا ىذه الرسالة سواء من السلفيين أو من المبتدعة من الماتريديين وغيرىم- في تقرير ىذه المسألة، وىو من أرْفَع وأعظم الأقواؿ؛ بل ىو القوؿ الحق في ىذه المسألة: أفَّ كلاـ الله - عز وجل - لا يمكن أف يشبو كلاـ البشر. خذ مثلاً فيما يتميز بو المخلوقات ترى فلاناً فتقوؿ ىذا عربي، وترى آخر فتقوؿ ىذا أوروبي، وترى ثالثا فتقوؿ ىذا من شرؽ آسيا، لم؟ لأفَّ الصفة العامة دَلَّتْ على ذلك، ولو أَخَذَ الآخِذْ يػُعَدِّدُ أشياء كثيرة متنوعة دلتو على أَفَّ ىذه الصورة ىي صورة عربي، وىذه الصورة صورة أوروبي، ىذه الصورة الخَلقية صورة من شرؽ آسيا وىكذا. فإذاً الصورة العامة بها تتفرؽ الأشياء، فالذي يدؿ على الفرقاف ما بين شيء وشيء، وأىمها الصورة العامة لو. كلاـ الناس -إذا انتقلنا من الصورة الخَلقية- كلاـ الناس يختلف بعضو عن بعض. قوؿ الصحابة إذا سمعنا كلاما نقوؿ ىذا من قوؿ الصحابة أو من قوؿ السلف؛ لأفَّ كلامهم لا يشبو كلاـ المتأخرين، كما قاؿ ابن رجب (كلاـ السلف قليل كثير الفاددة وكلاـ الخلف كثير قليل الفاددة).
عدد الصفحات ١٦٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 162 - سورة البقرة الجزء الاول فكلاـ السلف لو صورة عامة تعلم أفَّ ىذا من كلاـ السلف، فلو أتينا بكلاـ إنساف معاصر وبكلمات لو كثيرة وقارناىا بكلاـ السلف لاتضح الفرؽ. فإذاً المخلوؽ البشر في كلامو متباين. إذا رأيت كلاـ الإماـ أحمد تقوؿ ىذا ليس كلاـ ابن تيمية، ترى كلاـ الشيخ محمد ابن عبد الوىاب في تقريره تقوؿ ىذا ليس بكلاـ مثلاً النووي، إذا رأيت كلاـ الإماـ أحمد تقوؿ ىذا ليس ىو كلاـ أبي حنيفة وىكذا. فإذاً الكلاـ لو صورة، لو ىيئة من سَمِعَهَا مَيػَّزَ ىذا الكلاـ. وىذا ىو الذي أشار إليو الطحاوي بأفَّ كلاـ الله - عز وجل - لا يشبو كلاـ البشر. إذا تبين ذلك فإفَّ كلاـ الله - عز وجل - صِفَتُوُ، فهذا القرآف من سَمِعَوُ أيقن أنو ليس بكلاـ البشر. ولهذا بعض الأدباء الغواة مثل ابن المقفع والمعري ونحو ذلك أرادوا معارضة القرآف بصورة أدبية فظهر؛ بل افػْتَضَحُوا في ذلك فػَغَيػَّرُوا منحاىم إلى مَنْحَى التأثير إلى ما أشبو ذلك في كتبهم المعروفة وىي مطبوعة. أرادوا المعارضة من جهة المعاني، من جهة الألفاظ، أف يأتوا شيء لكنهم افتضحوا لأفَّ كلاـ البشر لا يمكن أف يكوف مثل كلاـ الله-عز وجل- العرب عندىم معرفة بالبياف، ىم الغاية في البياف، ىم الغاية في معرفة الفصاحة، ىم الغاية في معرفة تركيب الكلاـ؛ لكنهم لما سمعوا القرآف ما استطاعوا أف يعارضوه لم؟ لأفَّ الكلاـ لا يشبو الكلاـ، لا يمكن، لا يمكن أف يعارضوا؛ لأفَّ كلاـ الله - عز وجل - لا يشبو كلاـ المخلوؽ. إذا تبين لك ذلك، فنقوؿ إذاً : ما نػُقَرِّرُهُ ىو أفَّ وجو الإعجاز في كلاـ الله - عز وجل - ىو أَفَّ كلاـ الله ػ لا يشبو كلاـ البشر، ولا يماثل كلاـ البشر، وأفَّ البشر لا يمكن أف يقولوا شيئاً يماثل صفة الله - عز وجل -، والناس لا يستطيعوف على اختلاؼ طبقاتهم وتنوِّع مشاربهم أف يػَتػَلَقَّوا أعظم من ىذا الكلاـ، وإلا فكلاـ الله - عز وجل - في عظمتو لو تَحَمَّلَ البشر أعظم من القرآف لكانت الحجة أعظم؛ لكنهم لا يتحملوف أكثر من ىذا القرآف. لهذا تجد التفاسير من أوؿ الزماف إلى الآف وكل واحد يُخْرِجُ من عجادب القرآف ما يُخْرِجُ، والقرآف كنوزه لا تنفذ ولا يفتر على كثرة الرد لا من جهة التِّلاوة ولا من جهة التفسير. إذا تبين لك ذلك فكلاـ الطحاوي ىذا من أنػْفَسْ ما سمعت وأصح الأقواؿ في مسألة إعجاز القرآف وىو أفَّ الكلاـ لا يشبو الكلاـ. إذا تبين ىذا فنقوؿ: كلاـ الله - عز وجل - في كونو لا يشبو كلاـ البشر، لو خصادص. فأوجو إعجاز القرآف التي ذَكَرَىَا من ذَكَر، نقوؿ ىي خصادص لكلاـ الله - عز وجل - أوجبت أف يكوف كلاـ الله - عز وجل - ليس ككلاـ البشر.
عدد الصفحات ١٦٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 163 - سورة البقرة الجزء الاول مثل ما يقوؿ الواحد: ىذا الشعر موزوف، ىذا البيت فيو كسر، لماذا ؟، حرؼ واحد نقص قاؿ فيو كسر، أو ىذا البيت ما يمكن أف يكوف كذا، لماذا؟ في ىيئتو العامة؛ لكن لو برىاف يأتيك، يقوؿ لأنو كذا، وكذا، وكذا . فلاف بخصالو، دلنا بصفاتو، حركاتو تصرفاتو على أنو ليس بعربي، ىذه القضية العامة لم؟ لو أدلة عليها؛ لكن ىذه الخصادص العرب وما تميزوا بو عن غيرىم. يقوؿ ىذا الحديث ضعيف أو ىذا الحديث معلوؿ، ما وجو علتو؟ مثل ما قاؿ أبو حاتم وغيره ممن تقدمو: إفَّ أىل الحديث يعرفوف العلة كما يعرؼ صاحب الجوىر الزيف من النقي. أنت ترى ىل ىذا ألماس نقي أو ليس بنقي؟ يأتيك صاحب الخبرة ويقوؿ ىذا ألماس ليس بنقي، أنت ترى ما تعرؼ تػُفَرِّؽْ ىل ىذا نقي؟ ىذا الكتاب طبعتو طبعة حجرية، الذي لا يعرؼ ما يعرؼ، ىذا الكتاب مطبوع في روسيا كيف عرفت أنو مطبوع وليس عليو اسم البلاد؟ ىذا الكتاب مطبوع في بلدة كذا في الهند لماذا؟ عنده البرىاف ولكن الصفة العامة ىي ىذه. لهذا نقوؿ وانتبو لهذا حتى تخلص من إشكاؿ عظيم في ىذه المسألة -مسألة إعجاز القرآف- لتنوع الخطاب فيها وتنوع المدارس فيها نقوؿ: إفّ كلاـ الله - عز وجل - ليس ككلاـ البشر، وكلاـ الله - عز وجل - لو خصادص ميزتو عن كلاـ البشر. ما ىذه الخصادص؟ كل ما قيل داخل في خصادص القرآف: - أولاً : القرآف كلاـ الله - عز وجل -، واشتمل القرآف على ألفاظ العرب جميعاً . تجد القرآف فيو كلمات بلغة قريش، وفيو كلمات بلغة ىذيل، وفيو كلمات بلغة تميم، وفيو كلمات بلغة ىوازف، وفيو كلمات بلغة أىل اليمن، وفيو بلغات كثيرة بلغة حِمْيَر، {وَأَنػْتُمْ سَامِدُوفَ [}النجم:ٔٙ]، قاؿ ابن عباس (السمود: الغناء بلغة حمير). بعض قريش خَفِيَ عليها بعض الكلمات مثل ما قاؿ عمر لما تلا سورة النحل في يوـ الجمعة -يعني في الخطبة-، تلا سورة النحل فوقف عند قولو تعالى {أَوْ يَأْخُذَىُمْ عَلَى تَخَو ؼٍ فَإِفَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوؼٌ رَحِيمٌ [}النحل:ٚٗ]، نظر فقاؿ: ما التخوؼ؟ فسكت الحاضروف، فقاـ رجل من ىذيل فقاؿ: يا أمير المؤمنين التخوّؼ في لغتنا التػَّنػَق ص قاؿ شاعرنا أبو كبير الهذلي:
عدد الصفحات ١٦٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 164 - سورة البقرة الجزء الاول تخوّؼ الرَّحْلُ منها تامِكاً فردا كما تَخَوَّؼ عودُ النّبعة السَّفِنُ تنقص، يعني {أَوْ يَأْخُذَىُمْ عَلَى تَخَو ؼٍ }يعني يبدأ يتنقص شيئاً فشيئاً، ينقصوف عما كانوا فيو من النعمة شيئاً فشيئاً، حتى يأتيهم الأجل، عمر القرشي خفيت عليو ىذه الكلمة؛ لأنها بلغة أخرى. ىل يستطيع أحد من العرب أف يحيط بلغة العرب جميعاً؟ لا يمكن، أف يحيط بلغة العرب جميعاً بألفاظها وتفاصيلها لا يمكن. ولهذا تجد في القرآف الكلمة بلغة مختلفة، وتجد فيو التركيب النحوي بلغة من لغات العرب، فيكوف مثلاً على لغة حِمْيػَرْ في النحو، أو على لغة سَدُوسْ في النحو، أو على لغة ىذيل في النحو. فإذاً الألفاظ والمعاني والتراكيب النحوية في القرآف تنوَّعت ودخل فيها كل لغات في العرب. ىذا لا يمكن أف يكوف من كلاـ أحد، لا يستطيع أف يحيط ىذه الإحاطة إلا من خَلَقَ اللغات وىو رب العالمين. - ثانياً : الألفاظ، كما ذكرنا ألفاظ القرآف بلغت الأعلى في الفصاحة، والقرآف كلو فصيح في ألفاظو، والفصاحة راجعة إلى الكلمات جميعا؛ الأسماء والأفعاؿ والحروؼ، حتى {الم}فصيح. إذاً من خصادص القرآف التي دلت على إعجازه أفَّ ألفاظو جميعاً فصيحة، وما استطاع أحد من العرب الذين أنزؿ عليهم القرآف أف يعيبوا القرآف في لفظٍ مما فيو كما عابوا كلاـ بعضهم بعضاً، بل قاؿ قادلهم: إفَّ لو لحلاوة وإفَّ عليو لطُلاوة. إلى آخر كلامو. - ثالثاً : من خصادصو المعاني، المعاني التي يتصورىا البشر عند قوؿ كلامو لابد أف يكوف فيها قصور. فإذا تكلم البشر في المعاني العَقَدِيَة فلابد أف يكوف عنده لاشك قصور، إذا تكلم في المعاني التشريعية لابد أف يظهر خلل، إذا تكلم في المعاني الإصلاحية التهذيبية لابد أف يكوف فيها خلل، ولهذا قاؿ - عز وجل - {أَفَلاَ يػَتَدَبػَّرُوفَ الْقُرْآفَ وَلَوْ كَافَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّوِ لَوَجَدُوا فِيوِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا[}النساء:ٕٛ] فإذاً تػَنػَو عُ المعاني على ىذا الوجو التاـ بما يناسب المعاني الكثيرة التي يحتاجها الناس يدؿ على أفَّ ىذا كلاـ الله - عز وجل -؛ يعني أنو صفتو. ىذه خصادص كلاـ الله - عز وجل -، فلو قيل تقديراً : إننا سنصف القرآف الذي ىو كلاـ الله - عز وجل - وبو فارؽ كلاـ البشر فَسَتػُعَدِّدْ ىذه جميعا. فهي خصادص أو أوجو للإعجاز بها صار القرآف معجزاً بجميعها، لا بواحدة منها. - رابعاً : أفَّ القرآف فيو النَّظم مثل ما قاؿ الجُرْجَاني وىو من أحسن النظريات والكلاـ في إعجاز القرآف من جهة البياف. القرآف فيو القِمَّةْ في فصاحة الألفاظ وفي البلاغة.
عدد الصفحات ١٦٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 165 - سورة البقرة الجزء الاول البلاغة مُتػَرَكِّبَةْ من أشياء؛ مُتػَرَكِّبَةْ من ألفاظ ومن معاني ومن روابط -الحروؼ التي تربط بين الألفاظ والمعاني وتصل الجمل بعضها ببعض-. فالقرآف إذاً من أوجو إعجازه أو من صفاتو وخصادصو أفَّ نظمو - يعني أفَّ ترتيب الكلاـ والآيات فيو وترتيب الجمل في الآية الواحدة - يدؿ على أنَّو الغاية في البياف، ولا يمكن لبشر أو لا يمكن للجن والإنس لو اجتمعوا أف يكونوا دادما على أعلى مستوى في ىذا النظم. ولهذا تجد أفَّ تفاسير القرآف حارت في القرآف، حتى التفاسير المتخصصة في النحو تجده ينشط في أولو تجده يعجز في آخره، ما تجده ينشط، آخر تجده في البلاغة يريد أف يبين بلاغة القرآف فيُجَوِّدْ في موضع ثم بعد ذلك تأتي مواضع يكسل، ما يستطيع أف يُبِينْ عن ذلك. ولهذا قاؿ من قاؿ من أىل العلم: العلوـ ثلاثة: علم نضج واحترؽ. وعلم نضج ولم يحترؽ. وعلم لم ينضج ولم يحترؽ. والثالث ىو التفسير، لم ينضج ولم يحترؽ؛ لأنو على كثرة المؤلفات في التفسير وىي مئات فإنها لم تأتِ على كل ما في القرآف، لم؟ لأفَّ الإنساف يعجز، يعجز المبػَيَّن أف يػُبػَيَّن عن كل ما في القرآف. إذاً نظرية النظم التي ذكرىا عبدالقادر الجرجاني في كتابيو دلادل الإعجاز وأسرار البلاغة -على تفصيل ما فيها- لا شك أنها دالة على صفة من صفات القرآف. - خامساً : أفَّ القرآف لو سلطاف على النفوس، وليس ثَمَّ من كلاـ البشر ما لو سلطاف على النفوس في كل الكلاـ. ولكن القرآف لو سلطاف على النفوس بما تميز بو من كلاـ الله - عز وجل -؛ لأنو كلاـ الله - عز وجل -، مثل ما صار السلطاف على ذلك المشرؾ؛ يعني أنو يػُرْغِمْ الأنوؼ. وقد كاف مَرَّةً أحد الدعاة يخطب بالعربية وفي أثناء خطبتو يورد آيات من القرآف العظيم يتلوىا، فكانت امرأة كافرة لا تحسن الكلاـ العربي ولا تعرفو، فلما انتهى الخطيب من خطبتو استوقفتو -وكانت خطبتو في سفينة-، لما انتهى من خطبتو استوقفتو، وقالت: كلامك لو نمط، وتأتي في كلامك بكلمات مختلفة في رنتها وفي قرعها للأذف عن بقية كلامك، فما ىذه الكلمات؟ فقاؿ: ىي القرآف. وىذا لاشك إذا سمعت القرآف تجد لو سلطاف على النفس ينبئ النفس على الاستسلاـ لو، إلا لمن ركب ىواه. ىذا السلطاف تجده في أشياء:
عدد الصفحات ١٦٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 166 - سورة البقرة الجزء الاول أولاً : أفَّ آيات القرآف في السورة الواحدة -كما ىو معلوـ- لم تُجْعَلْ آيات العقيدة على حِدَا، و آيات الشريعة على حدا؛ الأحكاـ، وآيات السلوؾ على حدا، إلى آخره؛ بل الجميع كانت ىذه وراء ىذه، فآية تخاطب المؤمنين، وآية أخرى تخاطب المنافقين، وآية تخاطب النفس، وآية فيها العقيدة، وآية فيها قصص الماضين، وآية تليها فيها ما سيأتي، وآية فيها الوعد وآية فيها الوعيد، وآية فيها ذكر الجنة وذكر النار، وآية فيها التشريع، وثم يرجع إلى آية أخرى فيها أصل الخلق قصة آدـ، وىكذا في تنوع . وىذا من أسرار السلطاف الذي يكوف للقرآف على النفوس؛ لأفَّ الأنفس متنوعة. بل النفس الواحدة لها مشارب، فالنفس تارة يأتيها الترغيب وتارة يأتيها الترىيب، تارة تتأثر بالمثل، تارة تتأثر بالقصة، تارة ىي مُلْزَمَة بالعمل، تارة ىي ملزمة بالاعتقاد. فَكَوْفُ ىذه وراء ىذه وراء ىذه تػُغْدِؽُ على النفس البشرية أنواع ما تتأثر بو. وىذا لا يمكن أف يكوف إلا من كلاـ من خَلَقَ ىذه النفس البشرية، {أَلاَ يػَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَىُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [}الملك:ٗٔ] فتجد أفَّ القرآف يحاصرؾ، فأي إنساف أراد أف يفر لا يمكن أف يفر من القرآف، ستأتيو قوة بآية فيها وصف الكافرين، آيات فيها قوة في وصف المنافقين، آيات فيها قوة في وصف المؤمنين، آيات فيها العقيدة، فيها الماضي، فيها الحاضر، فيها النبوة، فيها الرسالة، فيها الدلادل، فيها حاؿ المشركين، إلى آخر [..... ]ما يحصر على النفس الحية والعقل الواعي الذي يتحرؾ وعنده ىمة يحصر عليو الهروب. وىذا لا يمكن أف يحصره في أنواع النفس البشرية الواحدة إلا من خَلَقَ ىذه النفس وتَكَلَّمَ بهذا القرآف لإصلاحها، {إِف ىَذَا الْقُرْآفَ يػَهْدِي لِلَّتِي ىِيَ أَقػْوَـُ [}الإسراء:ٜ] فكيف إذاً بأنواع الأنفس المختلفة، ىذا الذي يَصْلُحُ لو الترغيب، وىذا الذي يَصْلُحُ لو الترىيب، وىذا الذي يَصْلُحُ لو وصف الجنة، وىذا الذي ينشأ عنده الإيماف بالحب وإلى آخره، وذلك الذي ينشأ عنده الإيماف بالجهاد، ونحو ذلك. ~ثانياً: تنوع الأنفس وخطاب القرآف للناس جميعاً على تنوع أنفسهم ىذا دليل على أفَّ ىذا القرآف لو سلطاف على النفوس. أيضاً تجد أف القرآف خُوطب بو من عنده فن الشعر وما يسميو بعض الناس موسيقى الكلاـ؛ يعني رنات الكلاـ. بعض الناس عنده شفافية في التأثر باللحن، بالرنات، بالصعود والنزوؿ في نغمة الكلاـ، ىذا النوع من الناس تجد في القرآف ما يجبره على أف يستسلم لو. لَبيد بن رَبيعة صاحب معلقة وصاحب ديواف مشهور، قيل لو: ألا تنشدنا من قصاددؾ، لم وقفت عن الشعر؟ قاؿ أغناني عن الشعر وتذوقو -أو كما قاؿ- سورتا البقرة وآؿ عمراف.
عدد الصفحات ١٦٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 167 - سورة البقرة الجزء الاول لأفَّ ىذا الشيء ىو لو تذوؽ في ىذا الفن بخصوصو، فيأتي القرآف فيجعل سلطانو على النفس فيقصره قصرا، لهذا قاؿ - عز وجل - {وَإِنَّوُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (ٔٗ)لاَ يَأْتِيوِ الْبَاطِلُ مِنْ بػَيْنِ يَدَيْوِ وَلاَ مِنْ خَلْفِوِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [}فصلت:ٔٗ-ٕٗ]، وقاؿ سبحانو {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قػُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُوُ ءَاعْجَمِي وَعَرَبِي قُلْ ىُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ىُدًى وَشِفَاءٌ [}فصلت:ٗٗ] - سادساً: أفَّ القرآف فيو الفصل في أمور الغيبيات، فػَثَمَّ أشياء في القرآف أُنزلت على محمد وكاف أميا ، ما لم يَظْهَرْ وجو بيانها وحجتها في كماؿ أُطْرِىَا إلا في العصر الحاضر، وىو ما اعتنى بو طادفة من الناس وسموه الإعجاز العلمي في القرآف. والإعجاز العلمي في القرآف حق؛ لكن لو ضوابط، توسَّ عَ فيو بعضهم فخرجوا بو عن المقصود إلى أفَّ يجعلوا آيات القرآف خاضعة للنظريات، وىذا باطل؛ بل النظريات خاضعة للقرآف لأف القرآف حق من عند الله والنظريات من صنع البشر لكن بالفهم الصحيح للقرآف. فثَم أشياء من الإعجاز العلمي حق لم يكن يعلمها الصحابة رضواف الله عليهم على كماؿ معناىا وإنما علموا أصل المعنى، فظهرت في العصر الحاضر في أصوؿ من الإعجاز العلمي. الإعجاز الاقتصادي، الإعجاز التشريعي، الإعجاز العَقدي أشياء تكلم عنها الناس في ىذا العصر -ما نطيل في بيانها- وكل واحدة منها دالة على أف ىذا القرآف من عند الله - عز وجل - {وَلَوْ كَافَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّوِ لَوَجَدُوا فِيوِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا[}النساء:ٕٛ] سابعاً: أفّ القرآف من صفاتو أفّ الإنساف المؤمن كلما ازداد من القرآف ازداد حباً في الله - عز وجل -، وىذا راجع إلى الإيماف، وراجع إلى أفَّ صفة القرآف فيها زيادة في الهدى والشفاء للقلوب. فالأوامر والنواىي والأخبار التي في القرآف ىي ىدى وشفاء لما في القلوب، كما قاؿ سبحانو {قُلْ ىُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ىُدًى وَشِفَاءٌ [}فصلت:ٗٗ]، وىذا سلطاف خاص على الذين آمنوا في أنو يهديهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور في المسادل العلمية وفي المسادل العملية. لهذا ما تأتي فتنة ولا اشتباه إلا وعند المؤمن البصيرة لما في ىذا القرآف؛ {إِف ىَذَا الْقُرْآفَ يػَهْدِي لِلَّتِي ىِيَ أَقػْوَـُ [}الإسراء:ٜ] فإذاً صفة كلاـ الله - عز وجل - في أفَّ المؤمن الذي يقرأ القرآف ويعلم حدوده ويعلم معانيو، أفَّ عنده النور في الفصل في المسادل العلمية والعملية، وىذه لا يُلقاىا إلا أىل الإيماف {قُلْ ىُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ىُدًى وَشِفَاءٌ [}فصلت:ٗٗ]، {وَنػُنػَزِّؿُ مِنْ الْقُرْآفِ مَا ىُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَ ارًا[}الإسراء:ٕٛ]، وىذا أيضا سلطاف خاص يزيد المؤمن إيمانا.
عدد الصفحات ١٦٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 168 - سورة البقرة الجزء الاول لهذا إذا تليت على المؤمن آيات الله - عز وجل - {زَادَتػْهُمْ إِيمَانًا[}الأنفاؿ:ٕ]، زادتهم إيماناَ لما فيو من السلطاف على النفوس. إذا تبين لك ذلك فكلاـ الله - عز وجل - قديم النوع حادث الآحاد. والقرآف من الحادث الآحاد وقت التػَّنػَز ؿ كما قاؿ - عز وجل - {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَىُمْ يػَلْعَبُوفَ لاَىِيَةً قػُلُوبػُهُمْ وَأَسَر وا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا[}الأنبياء:ٕ-ٖ]إلى آخر الآيات. يعني أفّ الله - عز وجل - تَكَلَّمَ بو. وكلاـ الله - عز وجل - أوسع من الكلاـ بالقرآف. والقرآف جاء على ىذا النحو؛ لأنو الذي يتحملو الإنساف، الإنس والجن لا يتحملوف أكثر من ىذا، وإلا لصار عليهم كَلَفَة وعَنػَفَة. بهذا يتبين لك ما ظهر لي من تحصيل أقواؿ أىل العلم في ىذه المسألة العظيمة التي خاض فيها المعتزلة، وخاض فيها الأشاعرة، وقل بل نَدَرْ من أىل السنة من خاض فيها على ىذا النحو، بل لا أعلم من جمع فيها الأوجو على ىذا النحو في كتب العقادد؛ بل تجدىا متفرقة في كتب كثيرة في البلاغة، وفي الدراسات في إعجاز القرآف، وفي التفسير، وفي كتب متنوعة. وما أجمل قوؿ الطحاوي رحمو الله رحمة واسعة (أَيػْقَنَّا أنو قوؿُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِوُ قوؿَ البشر) وىذا ىو الحق فالقرآف بصورتو وىيئتو وصفتو لا يمكن أف يشبو قوؿ البشر، حتى في رسمو وتنوع آياتو وسوره لا يمكن أف يشبو قوؿ البشر. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية: ٔ- أف من عارض القرآف فإف مأواه النار؛ لقولو تعالى: (فاتقوا النار). ٕ- أف الناس وقود للنار كما توقد النار بالحطب؛ فهي في نفس الوقت تحرقهم، وىي أيضاً توقد بهم؛ فيجتمع العذاب عليهم من وجهين.. ٖ- إىانة ىؤلاء الكفار بإذلاؿ آلهتهم، وطرحها في النار. على أحد الاحتمالين في قولو تعالى: {الحجارة}؛ لأف من المعلوـ أف الإنساف يغار على من كاف يعبده، ولا يريد أف يصيبو أذًى؛ فإذا أحرؽ ىؤلاء المعبودوف أماـ العابدين فإف ذلك من تماـ إذلالهم، وخزيهم ... ٗ- أف النار موجودة الآف؛ لقولو تعالى{ :أعدت}؛ ومعلوـ أف الفعل ىنا فعل ماض؛ والماضي يدؿ على وجود الشيء؛ وىذا أمر دلت عليو السنة أيضاً؛ فإف النبي عُرضت عليو الجنة، والنار، ورأى أىلها يعذبوف فيها: رأى عمرو بن لحيّ الخزاعي يجر قصبو. أي أمعاءه. في النار؛ ورأى المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت جوعاً : فلم تكن أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض؛ ورأى فيها صاحب المحجن. الذي كاف يسرؽ الحُجَّاج بمحجنو.
عدد الصفحات ١٧٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 169 - سورة البقرة الجزء الاول يعذب: وىو رجل معو محجن. أي عصا محنية الرأس. كاف يسرؽ الحُجاج بهذا المحجن؛ إذا مر بو الحجاج جذب متاعهم؛ فإف تفطن صاحب الرحل لذلك ادعى أف الذي جذبو المحجن؛ وإف لم يتفطن أخذه؛ فكاف يعذب. والعياذ بالله. بمحجنو في نار جهنم . (مسألة) ىل النار باقية؛ أو تفنى؟ ذكر بعض العلماء إجماع السلف على أنها تبقى، ولا تفنى؛ وذكر بعضهم خلافاً عن بعض السلف أنها تفنى؛ والصواب أنها تبقى أبد الآبدين؛ والدليل على ىذا من كتاب الله عزّ وجلّ في ثلاث آيات من القرآف: في سورة النساء، وسورة الأحزاب، وسورة الجن؛ فأما الآية التي في النساء فهي قولو تعالى{ :إف الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً [ }النساء: ٛٙٔ، ٜٙٔ]؛ والتي في سورة الأحزاب قولو تعالى{ :إف الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً [ }الأحزاب: ٗٙ،٘ٙ]؛ والتي في سورة الجن قولو تعالى{ :ومن يعص الله ورسولو فإف لو نار جهنم خالدين فيها أبداً [ }الجن: ٖٕ]؛ وليس بعد كلاـ الله كلاـ؛ حتى إني أذكر تعليقاً لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمو الله على كتاب "شفاء العليل" لابن القيم؛ ذكر أف ىذا من باب: "لكل جواد كبوة؛ ولكل صارـ نبوة". وىو صحيح؛ كيف إف المؤلف رحمو الله يستدؿ بهذه الأدلة على القوؿ بفناء النار مع أف الأمر فيها واضح؟! غريب على ابن القيم رحمو الله أنو يسوؽ الأدلة بهذه القوة للقوؿ بأف النار تفنى! وعلى كل حاؿ، كما قاؿ شيخنا في ىذه المسألة: "لكل جواد كبوة؛ ولكل صارـ نبوة"؛ والصواب الذي لا شك فيو. وىو عندي مقطوع بو. أف النار باقية أبد الآبدين؛ لأنو إذا كاف يخلد فيها تخليداً أبدياً لزـ أف تكوف ىي مؤبدة؛ لأف ساكن الدار إذا كاف سكونو أبدياً لابد أف تكوف الدار أيضاً أبدية.. وأما قولو تعالى في أصحاب النار{ :خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك[ }ىود: ٚٓٔ]فهي كقولو تعالى في أصحاب الجنة{ :خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك[ }ىود: ٛٓٔ]لكن لما كاف أىل الجنة نعيمهم، وثوابهم فضلاً ومنَّة، بيَّن أف ىذا الفضل غير منقطع، فقاؿ تعالى{ :عطاءً غير مجذوذ[ }ىود: ٛٓٔ]؛ ولما كاف عذاب أىل النار من باب العدؿ، والسلطاف المطلق للرب عزّ وجلّ قاؿ تعالى في آخر الآية{ :إف ربك فعاؿ لما يريد[ }ىود: ٚٓٔ]؛ وليس المعنى{ :إف ربك فعاؿ لما يريد[ }ىود: ٚٓٔ]أنو سوؼ يخرجو من النار، أو سوؼ يُفني النار.. ٘- أف النار دار للكافرين؛ لقولو تعالى{ :أعدت للكافرين}؛ وأما من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم لا يخلدوف فيها؛ فهم فيها كالزوار؛ لا بد أف يَخرجوا منها؛ فلا تسمى النار داراً لهم؛ بل ىي دار للكافر فقط؛ أما المؤمن العاصي. إذا لم يعف الله عنو. فإنو يعذب فيها ما شاء الله، ثم يخرج منها إما بشفاعة؛ أو بمنة من الله وفضل؛ أو بانتهاء العقوبة..
عدد الصفحات ١٧١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 171 - سورة البقرة الجزء الاول و بَشِّ رِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَفَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَْنػْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنػْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا ىَذَا الَّذِي رُزِقػْنَا مِنْ قػَبْلُ وَأُتُوا بِوِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّ رَةٌ وَىُمْ فِيهَا خَالِدُوفَ (ٕ٘) قاؿ ابن العثيمين: مناسبة الآية لما قبلها أف الله لما ذكر وعيد الكافرين المكذبين للرسوؿ ذكر وعد المؤمنين بو، فقاؿ تعالى: {وبشر } ...الآية؛ و "البشارة" ىي الإخبار بما يسر؛ وسميت بذلك لتغير بَشَرة المخاطَب بالسرور؛ لأف الإنساف إذا أُخبر بما يُسِر ه استنار وجهو، وطابت نفسو، وانشرح صدره؛ وقد تستعمل "البشارة" في الإخبار بما يسوء، كقولو تعالى{ :فبشرىم بعذاب أليم[ }آؿ عمراف: ٕٔ]إمَّا تهكماً بهم؛ وإما لأنهم يحصل لهم من الإخبار بهذا ما تتغير بو بشرتهم، وتَسودَّ بو وجوىهم، وتُظلِم، كقولو تعالى في عذابهم يوـ القيامة{ :ثم صبوا فوؽ رأسو من عذاب الحميم * ذؽ إنك أنت العزيز الكريم[ }الدخاف: ٛٗ، ٜٗ] والخطاب في قولو تعالى: {بشِّر} إما للرسوؿ ؛ أو لكل من يتوجو إليو الخطاب. يعني بشِّر أيها النبي؛ أو بشِّر أيها المخاطَب من اتصفوا بهذه الصفات بأف لهم جنات.. قولو تعالى{ :الذين آمنوا} أي بما يجب الإيماف بو مما أخبر الله بو، ورسولو؛ وقد بيَّن الرسوؿ أصوؿ الإيماف بأنها الإيماف بالله، وملادكتو، وكتبو، ورسلو، واليوـ الآخر، والقدر خيره وشره؛ لكن ليس الإيماف بهذه الأشياء مجرد التصديق بها؛ بل لا بد من قبوؿ، وإذعاف؛ وإلا لما صح الإيماف.. قولو تعالى{ :وعملوا الصالحات} أي عملوا الأعماؿ الصالحات. وىي الصادرة عن محبة، وتعظيم لله عزّ وجلّ المتضمنة للإخلاص لله، والمتابعة لرسوؿ الله؛ فما لا إخلاص فيو فهو فاسد؛ لقوؿ الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرؾ؛ من عمل عملاً أشرؾ فيو معي غيري تركتو وشركو " (ٔ) ؛ وما لم يكن على الاتِّباع فهو مردود لا يقبل؛ لقوؿ النبي (: "من عمل عملاً ليس عليو أمرنا فهو رد .(ٕ)".. قولو تعالى{ :أف لهم جنات}: ىذا المبشر بو: أف لهم عند الله عزّ وجلّ {جنات } ... :جمع "جنَّة"؛ وىي في اللغة: البستاف كثير الأشجار بحيث تغطي الأشجار أرضو، فتجتن بها؛ والمراد بها شرعاً : الدار التي أعدىا الله للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذف سمعت، ولا خطر على قلب بشر.. قولو تعالى{ :تجري من تحتها الأنهار} أي تسيح من تحتها الأنهار؛ و {الأنهار} فاعل {تجري} ؛ و {من تحتها} قاؿ العلماء: من تحت أشجارىا، وقصورىا؛ وليس من تحت سطحها؛ لأف جريانها من تحت سطحها لا فاددة -1 أخرجو البخاري صٕٗٔ، كتاب الصمح، باب ٘: إذا اصطمحوا عمى صمح جور فالصمح مردود، حديث رقم ٜٕٚٙ؛ وأخرجو مسمم صٕٜٛ - ٖٜٛ، كتاب الأقضية، باب ٛ: نقض الأحكام الباطمة ورد محدثات الأمور، حديث رقم ٖٜٗٗ [ٛٔ]ٛٔٚٔ، والمفظ لمسمم. 2- أخرجو مسمم صٜ٘ٔٔ، كتاب الزىد، باب ٗ: تحريم الرياء، حديث رقم ٘ٚٗٚ [ٙٗ]ٜٕ٘ٛ.
عدد الصفحات ١٧٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 171 - سورة البقرة الجزء الاول منو؛ وما أحسن جري ىذه الأنهار إذا كانت من تحت الأشجار، والقصور! يجد الإنساف فيها لذة في المنظر قبل أف يتناولها.. وقد بيّن الله تعالى أنها أربعة أنواع، كما قاؿ تعالى{ :مثل الجنة التي وعد المتقوف فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمو وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفَّى}محمد: ٘ٔ) قولو تعالى: {كلما رزقوا} أي أعطوا؛ {منها} أي من الجنات؛ {من ثمرة} أي من أيّ ثمرة؛ {قالوا ىذا الذي رزقنا من قبل}لأنو يشبو ما سبقو في حجمو، ولونو، وملمسو، وغير ذلك من صفاتو؛ فيظنوف أنو ىو الأوؿ؛ ولكنو يختلف عنو في الطعم والمذاؽ اختلافاً عظيماً؛ ولهذا قاؿ تعالى: {وأتوا بو متشابهاً } ؛ وما أجمل وألذّ للإنساف إذا رأى ىذه الفاكهة يراىا و كأنها شيء واحد؛ فإذا ذاقها وإذا الطعم يختلف اختلافاً عظيماً ! تجده يجد في نفسو حركةً لهذا الفاكهة، ولذةً، وتعجباً؛ كيف يكوف ىذا الاختلاؼ المتباين العظيم والشكل واحد! ولهذا لو قُدـ لك فاكهة ألوانها سواء، وأحجامها سواء، وملمسها سواء، ثم إذا ذقتها وإذا ىذه حلو خالص، وىذه مُز. أي حلو مقروف بالحموضة. وىذه حامضة؛ تجد لذة أكثر مما لو كانت على حد سواء، أو كانت مختلفة.. قولو تعالى{ :وأتوا بو متشابهاً } ؛ {أتوا}من "أتى" التي بمعنى جاء؛ فالمعنى: جيء إليهم بو متشابهاً يشبو بعضو بعضاً . كما سبق.. قولو تعالى{ :ولهم فيها أز واج} ؛ لما ذكر الله الفاكهة ذكر الأزواج؛ لأف في كل منهما تفكهاً، لكن كل واحد من نوع غير الآخر: ىذا تفكو في المذاؽ، والمطعم؛ وىذا تفكو آخر من نوع ثاف؛ لأف بذلك يتم النعيم؛ و {أزواج} جمع زوج؛ وىو شامل للأزواج من الحور، ومن نساء الدنيا؛ ويطلق "الزوج " على الذك ر، والأنثى؛ ولهذا يقاؿ للرجل : "زوج "، وللمرأة: "زوج "؛ لكن في اصطلاح الفرضيين صاروا يلحقوف التاء للأنثى فرقاً بينها وبين الرجل عند قسمة الميراث.. قولو تعالى{ :مطهرة} يشمل طهارة الظاىر، والباطن؛ فهي مطهرة من الأذى القذر: لا بوؿ، ولا غادط، ولا حيض، ولا نفاس، ولا استحاضة، ولا عرؽ، ولا بخر، مطهرة من كل شيء ظاىر حسي؛ مطهرة أيضاً من الأقذار الباطنة، كالغل، والحقد، والكراىية، والبغضاء، وغير ذلك.. قاؿ البغوي: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّوِ قَاؿَ : قَ اؿَ رَسُوؿِ اللَّوِ : «أَىْلُ الْجَنَّةِ يَأْكُلُوفَ وَيَشْرَبُوفَ وَلاَ يػَبُولُوفَ وَلاَ يػَتػَغَوَّطُوفَ وَلاَ يَمْتَخِطُوفَ وَلاَ يػَبػْزُقُوفَ، يػُلْهَمُوفَ الْحَمْدَ والتسبيح كما يلهموف النػَّفَسَ، طَعَامُهُمُ الْجُشَاءُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ »(ٔ) . -ٔ إسناده صحيح عمى شرط مسمم، سفيان ىو ابن سعيد، والأعمش ىو سميمان بن ميران، وأبو سفيان ىـو طمحـة بـن نـافع الواسـطي، وىـو فـي «شـرح السـنة» (ٕٔٚٗ) بيذا الإسناد. وأخرجــو مســمم ٖٕ٘ٛ وأبــو داود ٔٗٚٗ والطيالســي ٙٚٚٔ وأحمــد ٖ/ ٜٖٗ وٖٗٛ والــدارمي ٕ/ ٖٖ٘ وأبــو يعمــى ٜٙٓٔ وٕٕ٘ٓ وابــن حبــان ٖ٘ٗٚ وأبــو نعيم في «صفة الجنة» (ٕٗٚ وٖٖٗ) والبغوي في «شرح السنة» (ٖ٘ٚٗ) والبييقي فـي «البعـث» (ٖٙٔ) مـن طـرق كميـم مـن حـديث جـابر، وروايـة أبـي داود مختصرة جدا.
عدد الصفحات ١٧٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 172 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :ىم فيها خالدوف} أي دادموف فيها لا يموتوف ولا يخرجوف منها. عَنْ أَبِي ىُرَيػْرَةَ قَاؿَ : قَاؿَ رَسُوؿُ اللَّوِ : «إِف أَوَّ ؿَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُوفَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيػْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يػَلُونػَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لاَ يػَبُولُوفَ وَلاَ يػَتػَغَوَّطُوفَ وَلاَ يػَتػْفُلُوفَ وَلاَ يَمْتَخِطُوفَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّىَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُىُمُ الأَْلُوَّةُ (ٔ)، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَـَ، سِت وفَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ »(ٕ) . عَن ثابِتٍ البُناني عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ :أَ فَّ رَسُوؿَ اللَّوِ قَاؿَ : «إِف فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونػَهَا كُلَّ جُمْعَةٍ فػَتػَهُب رِيحُ الشَّمَاؿِ فػَتَحْثُو فِي وُجُوىِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فػَيػَزْدَادُوفَ حُسْنًا وَجَمَالاً فػَيػَرْجِعُوفَ إِلَى أَىْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالاً، فػَيػَقُو ؿُ لَهُمْ أىلوىم: وَاللَّوِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بػَعْدَنَ ا حُسْنًا وَجَمَالاً، فػَيػَقُولُوفَ : وَأَنػْتُمْ وَاللَّوِ لَقَدِ ازددتم بعدنا حسنا وجمالا»(ٖ) . قاؿ السعدي: ففي ىذه الآية الكريمة، ذكر المبشر والمبشر، والمبشر بو، والسبب الموصل لهذه البشارة، فالمبشر: ىو الرسوؿ ومن قاـ مقامو من أمتو، والمبشر: ىم المؤمنوف العاملوف الصالحات، والمبشر بو: ىي الجنات الموصوفات بتلك الصفات، والسبب الموصل لذلك، ىو الإيماف والعمل الصالح، فلا سبيل إلى الوصوؿ إلى ىذه البشارة، إلا بهما، وىذا أعظم بشارة حاصلة، على يد أفضل الخلق، بأفضل الأسباب. قاؿ ابن القيم: فتأمل جلالة المبشّر ومنزلتو وصدقو، وعظمتو وعظمة من أرسلو إليك بهذه البشارة، وقد بشرؾ بو، وضمنو لك، وجعلو أسهل شيء عليك وأيسره، وجمع سبحانو في ىذه البشارة بين نعيم البدف بالجنات، وما فيها من الأنهار والثمار، ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، نعيم القلب، وقرة العين بمعرفة دواـ ىذا العيش أبد الآباد، وعدـ انقطاعو. ٔ- الألوّة: ىو العود الذي يتبخر بو- العود اليندي. ٕ- إسناده صحيح عمى شـرطيما. الفربـري ىـو أحـد رواة صـحيح البخـاري . جريـر ىـو ابـن عبـد الحميـد، وعمـارة ىـو ابـن القعقـاع بـن شـبرمة. أبـو زرعـة ىـو ابـن عمرو بن جرير قيل: اسمو ىرم، وقيل غير ذلك. وىو في «شرح السنة» (ٜٕٙٗ) بيذا الإسناد. في «صحيح البخاري » (ٕٖٖٚ) عن قتيبة بن سعيد بيذا الإسناد. وأخرجــو البخــاري ٕٖ٘ٗ وٕٖٙٗ ومســمم ٖٕٗٛ والترمــذي ٖٕٚ٘ وعبــد الــرزاق فــي «المصــنف» (ٕٙٙٛٓ) وأحمــد ٕ/ ٖٙٔ وأبــو نعــيم فــي «صــفة الجنــة» (ٖٕٗ) من حديث أبي ىريرة . ٖ- إسناده صحيح عمى شرط مسمم: ثابت ىو ابن أسمم البناني. وىو في «شرح السنة» (ٕ٘ٛٗ) بيذا الإسناد. أخرجو المصنف من طريق مسمم، وىو في «صحيحو» (ٖٖٕٛ) عن أبي عثمان بيذا الإسناد. وأخرجــو ابــن أبــي شــيبة ٖٔ/ ٓ٘ٔ وأحمــد ٖ/ ٕٗٛ وٕ٘ٛ والــدارمي ٕ٘ٗٛ وأبــو نعــيم ٚٔٗ والبغــوي فــي «شــرح الســنة» (٘ٔ/ ٕٕٙ- ٕٕٚ) والبييقــي فــي «البعث» (ٚٔٗ) من حديث أنس.
عدد الصفحات ١٧٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 173 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ السعدي: وفيو استحباب بشارة المؤمنين، وتنشيطهم على الأعماؿ بذكر جزادها وثمراتها، فإنها بذلك تخف وتسهل، وأعظم بشرى حاصلة للإنساف، توفيقو للإيماف والعمل الصالح، فذلك أوؿ البشارة وأصلها، ومن بعده البشرى عند الموت، ومن بعده الوصوؿ إلى ىذا النعيم المقيم، نسأؿ الله أف يجعلنا منهم . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية: ٔ- مشروعية تبشير الإنساف بما يسر؛ لقولو تعالى{ :وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات}؛ ولقوؿ الله تبارؾ وتعالى: {وبشرناه بإسحاؽ نبيًّا من الصالحين[ }الصافات: ٕٔٔ]، وقولو تعالى: {وبشروه بغلاـ عليم[ }الذاريات: ٕٛ]، وقولو تعالى{ :فبشرناه بغلاـ حليم[ }الصافات: ٔٓٔ]؛ فالبشارة بما يسر الإنساف من سنن المرسلين. عليهم الصلاة والسلاـ؛ وىل من ذلك أف تبشره بمواسم العبادة، كما لو أدرؾ رمضاف، فقلت: ىنّاؾ الله بهذا الشهر؟ الجواب: نعم؛ وكذلك أيضاً لو أتم الصوـ، فقلت: ىنّأؾ الله بهذا العيد، وتقبل منك عبادتك وما أشبو ذلك؛ فإنو لا بأس بو، وقد كاف من عادة السلف.. ٕ- أف الجنات لا تكوف إلا لمن جمع ىذين: الإيماف، والعمل الصالح.. فإف قاؿ قادل: في القرآف الكريم ما يدؿ على أف الأوصاؼ أربعة: الإيماف؛ والعمل الصالح؛ والتواصي بالحق؛ والتواصي بالصبر؟ فالجواب: أف التواصي بالحق، والتواصي بالصبر من العمل الصالح، لكن أحياناً يُذكر بعض أفراد العاـ لعلة من العلل، وسبب من الأسباب.. ٖ- أف جزاء المؤمنين العاملين للصالحات أكبر بكثير مما عملوا، وأعظم؛ لأنهم مهما آمنوا، وعملوا فالعمر محدود، وينتهي؛ لكن الجزاء لا ينتهي أبداً؛ ىم مخلدوف فيو أبد الآباد؛ كذلك أيضاً الأعماؿ التي يقدمونها قد يشوبها كسل؛ قد يشوبها تعب؛ قد يشوبها أشياء تنقصها، لكن إذا منّ الله عليو، فدخل الجنة فالنعيم كامل ... ٗ- أف الجنات أنواع؛ لقولو تعالى{ :جنات}؛ وقد دؿ على ذلك القرآف، والسنة؛ فقاؿ الله تعالى{ :ولمن خاؼ مقاـ ربو جنتاف[ }الرحمن : ٙٗ]، ثم قاؿ تعالى{ :ومن دونهما جنتاف[ }الرحمن : ٕٙ]؛ وقاؿ النبي "جنتاف من فضة آنيتهما وما فيهما؛ وجنتاف من ذىب آنيتهما وما فيهما (ٔ) ".. ٘- تماـ قدرة الله عزّ وجلّ بخلق ىذه الأنهار بغير سبب معلوـ، بخلاؼ أنهار الدنيا؛ لأف أنهار الماء في الدنيا معروفة أسبابها؛ وليس في الدنيا أنهار من لبن، ولا من عسل، ولا من خمر؛ وقد جاء في الأثر أنها أنهار تجري من ٔ- أخرجــو البخــاري صٚٔٗ، كتــاب التفســير، ســورة الــرحمن، بــاب ٔ: قولــو: (ومــن دونيمــا جنتــان..) ، حــديث رقــم ٛٚٛٗ؛ وأخرجــو مســمم صٜٓٚ، كتــاب الإيمان، باب ٓٛ: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربيم سبحانو وتعالى، حديث رقم ٛٗٗ [ٜٕٙ]ٓٛٔ.
عدد الصفحات ١٧٥