المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ١٣ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 146 - سورة البقرة الجزء الاول تَكُوفُ لِلَّوِ وَرَسُولِوِ كَالطَّاعَةِ؛ فَإِفَّ الطَّاعَةَ لِلَّوِ وَرَسُولِوِ وَالإِْرْضَاءَ لِلَّوِ وَرَسُولِوِ { :وَاللَّوُ وَرَسُولُوُ أَحَق أَفْ يػُرْضُوهُ }وَالإِْيتَاءُ لِلَّوِ وَرَسُولِوِ { :وَلَوْ أَنػَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاىُمُ اللَّوُ وَرَسُولُوُ }وَأَمَّا " الْعِبَادَةُ " وَمَا يػُنَاسِبػُهَا مِنْ التػَّوَك لِ؛ وَالْخَوْؼِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلاَ يَكُوفُ إلاَّ لِلَّوِ وَحْدَهُ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :قُلْ يَا أَىْلَ الْكِتَابِ تػَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بػَيػْنػَنَا وَبػَيػْنَكُمْ أَلاَّ نػَعْبُدَ إلاَّ اللَّوَ وَلاَ نُشْرِؾَ بِوِ شَيْئًا}إلَى قػَوْلِوِ { :فَإِفْ تػَوَلَّوْا فػَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُوفَ }وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :وَلَوْ أَنػَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاىُمُ اللَّوُ وَرَسُولُوُ وَقَالُوا حَسْبػُنَا اللَّوُ سَيػُؤْتِينَا اللَّوُ مِنْ فَضْلِوِ وَرَسُولُوُ إنَّا إلَى اللَّوِ رَاغِبُوفَ }فَالإِْيتَاءُ لِلَّوِ وَالرَّسُوؿِ كَقَوْلِوِ { :وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُوؿُ فَخُذُوهُ وَمَا نػَهَا كُمْ عَنْوُ فَانػْتػَهُوا}وَأَمَّا الحسب وَىُوَ الْكَافِي فػَهُوَ اللَّوُ وَحْدَهُ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :الَّذِينَ قَاؿَ لَهُمُ النَّاسُ إفَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْىُمْ فػَزَادَىُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبػُنَا اللَّوُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :يَا أَيػ هَا النَّبِي حَسْبُكَ اللَّوُ وَمَنِ اتػَّبػَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }أَيْ حَسْبُك وَحَسْبُ مَنْ اتػَّبػَعَك اللَّوُ . وَمَنْ ظَنَّ أَفَّ الْمَعْنَى حَسْبُك اللَّوُ وَالْمُؤْمِنُوفَ مَعَوُ فػَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا كَمَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي غَيْرِ ىَذَا الْمَوْضِعِ وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :أَلَيْسَ اللَّوُ بِكَاؼٍ عَبْدَهُ }وَ " تَحْرِيرُ ذَلِكَ " أَفَّ الْعَبْدَ يػُرَادُ بِوِ " الْمُعَبَّدُ " الَّذِي عَبَّدَهُ اللَّوُ فَذَلَّلَوُ وَدَبػَّرَهُ وَصَرَّفَوُ وَبِهَذَا الاِعْتِبَارِ الْمَخْلُوقُوفَ كُل هُمْ عِبَادُ اللَّوِ مِنْ الأَْبػْرَارِ وَالْفُجَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ وَأَىْلِ الْجَنَّةِ وَأَىْلِ النَّارِ؛ إذْ ىُوَ رَبػ هُمْ كُل هُمْ وَمَلِيكُهُمْ لاَ يَخْرُجُوفَ عَنْ مَشِيئَتِوِ وَقُدْرَتِوِ وَكَلِمَاتِوِ التَّامَّاتِ الَّتِي لاَ يُجَاوِزُىُنَّ بػَر وَلاَ فَاجِرٌ؛ فَمَا شَاءَ كَافَ وَإِفْ لَمْ يَشَاءُوا. وَمَا شَاءُوا إفْ لَمْ يَشَأْهُ لَمْ يَكُنْ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى: {أَفػَغَيػْرَ دِينِ اللَّوِ يػَبػْغُوفَ وَلَوُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ طَوْعًا وَكَ رْىًا وَإِلَيْوِ يػُرْجَعُوفَ }فػَهُوَ سُبْحَانَوُ رَب الْعَالَمِينَ وَخَالِقُهُمْ وَرَازِقػُهُمْ وَمُحْيِيهِمْ وَمُمِيتػُهُمْ وَمُقَلِّبُ قػُلُوبِهِمْ وَمُصَرِّؼُ أُمُورِىِمْ لاَ رَبَّ لَهُمْ غَيػْرُهُ وَلاَ مَالِكَ لَهُمْ سِوَاهُ وَلاَ خَالِقَ إلاَّ ىُوَ سَوَاءٌ اعْتػَرَفُوا بِذَلِكَ أَوْ أَنْكَرُوهُ وَسَوَاءٌ عَلِمُوا ذَلِكَ أَوْ جَهِلُوهُ؛ لَكِنَّ أَىْلَ الإِْيمَافِ مِنػْهُمْ عَرَفُوا ذَلِكَ وَاعْتػَرَفُوا بِوِ؛ بِخِلاَؼِ مَنْ كَافَ جَاىِلاً بِذَلِكَ؛ أَوْ جَاحِدًا لَوُ مُسْتَكْبِرًا عَلَى رَبِّوِ لاَ يُقِر وَلاَ يَخْضَعُ لَوُ؛ مَعَ عِلْمِوِ بِأَفَّ اللَّوَ رَب وُ وَخَالِقُوُ . فَالْمَعْرِفَةُ بِالْحَقِّ إذَا كَانَتْ مَعَ الاِسْتِكْبَارِ عَنْ قػَبُولِوِ وَالْجَحْدِ لَوُ كَافَ عَذَابًا عَلَى صَاحِبِوِ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :وَجَحَدُوا بِهَا

عدد الصفحات ١٤٨

خَالِقُوُ . فَالْمَعْرِفَةُ بِالْحَقِّ إذَا كَانَتْ مَعَ الاِسْتِكْبَارِ عَنْ قػَبُولِوِ وَالْجَحْدِ لَوُ كَافَ عَذَابًا عَلَى صَاحِبِوِ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتػَيػْقَنَتػْهَ ا أَنػْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَافَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ }وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :الَّذِينَ آتػَيػْنَاىُمُ الْكِتَابَ يػَعْرِفُونَوُ كَمَا يػَعْرِفُوفَ أَبػْنَاءَىُمْ وَإِفَّ فَرِيقًا مِنػْهُمْ لَيَكْتُمُوفَ الْحَقَّ وَىُمْ يػَعْلَمُوفَ }وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :فَإِنػَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّوِ يَجْحَدُوفَ }فَإِفْ اعْتػَرَؼَ الْعَبْدُ أَفَّ اللَّوَ رَب وُ وَخَالِقُوُ؛ وَأَنَّوُ مُفْتَقِرٌ إلَيْوِ مُحْتَاجٌ إلَيْوِ عَرَؼَ الْعُبُودِيَّةَ الْمُتػَعَلِّقَةَ بِرُبُو بِيَّةِ اللَّوِ وَىَذَا الْعَبْدُ يَسْأَؿُ رَبَّوُ فػَيَتَضَرَّعُ إلَيْوِ وَيػَتػَوَكَّلُ عَلَيْوِ لَكِنْ قَدْ يُطِيعُ أَمْرَهُ؛ وَقَدْ يػَعْصِيوِ وَقَدْ يػَعْبُدُهُ مَعَ ذَلِكَ؛ وَقَدْ يػَعْبُدُ الشَّيْطَافَ وَالأَْصْنَاـَ . وَمِثْلُ ىَذِهِ الْعُبُودِيَّةِ لاَ تػُ فَرِّؽُ بػَيْنَ أَىْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَلاَ يَصِيرُ بِهَا الرَّجُلُ مُؤْمِنًا. كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :وَمَا يػُؤْمِنُ أَكْثػَرُىُمْ بِاللَّوِ إلاَّ وَىُمْ مُشْرِكُوفَ }فَإِف الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُقِر وفَ أَفَّ اللَّوَ خَالِقُهُمْ وَرَازِقػُهُمْ وَ ىُمْ يػَعْبُدُوفَ غَيػْرَهُ قَاؿَ تػَعَالَى{ :وَلَئِنْ سَأَلْتػَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ لَيػَقُولُنَّ اللَّوُ }وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :قُلْ لِمَنِ الأَْرْضُ وَمَنْ فِيهَا إفْ كُنْتُمْ تػَعْلَمُوفَ { }سَيػَقُولُوفَ لِلَّوِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُوفَ }إلَى قػَوْلِوِ { :قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُوفَ }وَكَثِيرٌ مِمَّنْ يػَتَكَلَّمُ فِي الْحَقِيقَةِ وَيَشْهَدُىَا يَشْهَدُ ىَذِهِ الْحَقِيقَةَ وَىِيَ " الْحَقِيقَةُ الْكَوْنِيَّةُ " الَّتِي يَشْتَرِؾُ فِيهَا وَفِي شُهُودِىَا وَمَعْرِفَتِهَا الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالْبػَر وَالْفَاجِرُ وَإِبْلِيسُ مُعْتَرِؼٌ بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ؛ وَأَىْلُ النَّارِ . قَاؿَ إبْلِيسُ { :رَب فَأَنْظِرْنِي إلَى يػَوْـِ يػُبػْعَثُوفَ }وَقَاؿَ{ :رَب بِمَا أَغْوَيػْتَنِي لأَُزَيػِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَْرْضِ وَلأَُغْوِيػَنػَّهُمْ أَجْمَعِينَ }وَقَاؿَ{ :فَبِعِزَّتِكَ لأَُغْوِيػَنػَّهُمْ أَجْمَعِينَ }وَقَاؿَ{ :أَرَأَيػْتَكَ ىَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ

عدد الصفحات ١٤٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 147 - سورة البقرة الجزء الاول عَلَيَّ }وَأَمْثَاؿَ ىَذَا مِنْ الْخِطَابِ الَّذِي يُقِر فِيوِ بِأَفَّ اللَّوَ رَب وُ وَخَالِقُوُ وَخَالِقُ غَيْرِهِ؛ وَكَذَلِكَ أَىْلُ النَّارِ قَالُو ا{ :رَبػَّنَا غَلَبَتْ عَلَيػْنَا شِقْوَتػُنَا وَكُنَّا قػَوْمًا ضَالِّينَ }وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :وَلَوْ تػَرَى إذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَاؿَ أَلَيْسَ ىَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بػَلَى وَرَبػِّنَا}فَمَنْ وَقَفَ عِنْدَ ىَذِهِ الْحَقِيقَةِ وَعِنْدَ شُهُودِىَا وَلَ مْ يػَقُمْ بِمَا أُمِرَ بِوِ مِنْ الْحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي ىِيَ عِبَادَتُوُ الْمُتػَعَلِّقَةُ بِإِلَهِيَّتِوِ وَطَاعَةِ أَمْرِهِ وَأَمْرِ رَسُولِوِ كَافَ مِنْ جِنْسِ إبْلِيسَ وَأَىْلِ النَّارِ؛ وَإِفْ ظَنَّ مَعَ ذَلِكَ أَنَّوُ مِنْ خَوَاصِّ أَوْلِيَ اءِ اللَّوِ وَأَىْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّحْقِيقِ الَّذِينَ يَسْقُطُ عَنػْهُمْ الأَْمْرُ وَالنػَّهْيُ الشَّرْعِيَّافِ كَافَ مِنْ أَشَرِّ أَىْلِ الْكُفْرِ وَالإِْلْحَادِ . وَمَنْ ظَنَّ أَفَّ الْخَضِرَ وَغَيػْرَهُ سَقَطَ عَنػْهُمْ الأَْمْرُ لِمُشَاىَدَةِ الإِْرَ ادَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَافَ قػَوْلُوُ ىَذَا مِنْ شَرِّ أَقػْوَاؿِ الْكَافِرِينَ بِاَللَّوِ وَرَسُولِوِ . حَتَّى يَدْخُلَ فِي " النػَّوْعِ الثَّانِي " مِنْ مَعْنَى الْعَبْدِ وَىُوَ الْعَبْدُ بِمَعْنَى الْعَابِدِ فػَيَكُوفُ عَابِدًا لِلَّوِ لاَ يػَعْبُدُ إلاَّ إيَّ اهُ؛ فػَيُطِيعُ أَمْرَهُ وَأَمْرَ رُسُلِوِ وَيػُوَالِي أَوْلِيَاءَهُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ؛ وَيػُعَادِي أَعْدَاءَهُ وَىَذِهِ الْعِبَادَةُ مُتػَعَلِّقَةٌ بِإِلَهِيَّتِوِ وَلِهَذَا كَافَ عُنػْوَافُ التػَّوْحِيدِ " لاَ إلَوَ إلاَّ اللَّوُ " بِخِلاَؼِ مَنْ يُ قِر بِرُبُوبِيَّتِوِ وَلاَ يػَعْبُدُهُ : أَوْ يػَعْبُدُ مَعَوُ إلَهًا آخَرَ فَالإِْلَوُ الَّذِي يألهو الْقَلْبُ بِكَمَاؿِ الْحُبِّ وَالتػَّعْظِيمِ وَالإِْجْلاَؿِ وَالإِْكْرَاـِ وَالْخَوْؼِ وَالرَّجَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَىَذِهِ الْعِبَادَةُ ىِيَ الَّتِي يُحِ بػ هَا اللَّوُ وَيػَرْضَاىَا وَبِهَا وَصَفَ الْمُصْطَفَيْنَ مِنْ عِبَادِهِ وَبِهَا بػَعَثَ رُسُلَوُ . وَأَمَّا " الْعَبْدُ " بِمَعْنَى الْمُعَبَّدِ سَوَاءٌ أَقػَرَّ بِذَلِكَ أَوْ أَنْكَرَهُ : فَتِلْكَ يَشْتَرِؾُ فِيهَا الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ . وَبِالْفَرْؽِ بػَ يْنَ ىَذَيْنِ النػَّوْعَيْنِ يػُعْرَؼُ الْفَرْؽُ بػَيْنَ " الْحَقَادِقِ الدِّينِيَّةِ " الدَّاخِلَةِ فِي عِبَادَةِ اللَّوِ وَدِينِوِ وَأَمْرِهِ الشَّرْعِيِّ الَّتِي يُحِبػ هَا وَيػَرْضَاىَا وَيػُوَالِي أَىْلَهَا وَيُكْرِمُهُمْ بِجَنَّتِوِ وَبػَيْنَ " الْحَقَادِقِ الْكَوْنِيَّةِ " الَّتِي يَشْتَرِؾُ فِيهَا الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالْبػَر وَالْفَاجِرُ الَّتِي مَنْ اكْتػَفَى بِهَا وَلَمْ يػَتَّبِعْ الْحَقَادِقَ الدِّينِيَّةَ كَافَ مِنْ أَتػْبَاعِ إبْلِيسَ اللَّعِينِ وَالْكَافِرِينَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . وَمَنْ اكْ تػَفَى بِهَا فِي بػَعْضِ الأُْمُورِ دُوفَ بػَعْضٍ أَوْ فِي مَقَاـٍ أَوْ حَاؿٍ نػَقَصَ مِنْ إيمَانِوِ وَوِلاَيَتِوِ لِلَّوِ بِحَسَبِ مَا نػَقَصَ مِنْ الْحَقَادِقِ الدِّينِيَّةِ . وَىَذَا مَقَاـٌ عَظِيمٌ فِيوِ غَلِطَ الغالطوف وَكَثػُرَ فِيوِ الاِشْتِبَاهُ عَلَى السَّ الِكِينَ حَتَّى زَلَقَ فِيوِ مِنْ أَكَابِرِ الش يُوخِ الْمُدَّعِينَ التَّحْقِيقَ وَالتػَّوْحِيدَ وَالْعِرْفَافَ مَا لاَ يُحْصِيهِمْ إلاَّ اللَّوُ الَّذِي يػَعْلَمُ السِّرَّ وَالإِْعْلاَفَ .(ٔ) قاؿ الطبري: وىذه الآيةُ من أدؿّ دليل على فساد قوؿ من زعم: أفّ تكليف ما لا يطاؽ إلا بمعونة الله غيرُ جادز، إلا

عدد الصفحات ١٤٩

ِيهِمْ إلاَّ اللَّوُ الَّذِي يػَعْلَمُ السِّرَّ وَالإِْعْلاَفَ .(ٔ) قاؿ الطبري: وىذه الآيةُ من أدؿّ دليل على فساد قوؿ من زعم: أفّ تكليف ما لا يطاؽ إلا بمعونة الله غيرُ جادز، إلا بَعد إعطاء الله المكلف المعُونةَ على ما كلَّفو. وذلك أفّ الله أمرَ من وَصفنا، بعبادتو والتوبة من كفره، بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنوف، وأنهم عن ضَلالتهم لا يػَرْجعوف. قاؿ ابن العثيمين قولو تعالى{ :لعلكم تتقوف}؛ "لعل" ىنا للتعليل. أي لتصلوا إلى التقوى؛ ومعلوـ أف التقوى مرتبة عالية، حتى قاؿ الله عزّ وجلّ في الجنة{ :أعدت للمتقين[ }آؿ عمراف: ٖٖٔ]، وقاؿ تعالى{ :إف الله مع الذين اتقوا والذين ىم محسنوف[ }النحل: ٕٛٔ]، وقاؿ تعالى{ :واعلموا أف الله مع المتقين[ }البقرة: ٜٗٔ] قاؿ سيبويو: لعلّ و عسى حرفا ترجٍّ وىما من اللّو واجب قاؿ الطبري: لعلكم تتقوف بعبادتكم ربَّكم الذي خلقكم، وطاعتِكم إياه فيما أمركم بو ونهاكم عنو، وإفرادكُم لو العبادة لتتقوا سَخَطو وغضَبو أف يَحلّ عليكم، وتكونُوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم. -ٔ (قمت): أنظر كلام ابن القيم عن العبادة في سورة الفاتحة الآية (٘).

عدد الصفحات ١٤٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 148 - سورة البقرة الجزء الاول فإف قاؿ لنا قادل: فكيف قاؿ جل ثناؤه: "لعلكم تتقوف"؟ أو لم يكن عالمًا بما يصيرُ إليو أمرُىم إذا ىم عبدوه وأطاعُوه، حتى قاؿ لهم: لعلكم إذا فعلتم ذلك أف تتقوا، فأخرج الخبر عن عاقبة عبادتهم إياه مخرج الشكّ؟ قيل لو: ذلك على غير المعنى الذي توىَّمتَ، وإنما معنى ذلك: اعبدُوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعتو وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية: ٔ- العناية بالعبادة؛ يستفاد ىذا من وجهين؛ الوجو الأوؿ: تصدير الأمر بها بالنداء؛ والوجو الثاني: تعميم النداء لجميع الناس مما يدؿ على أف العبادة أىم شيء؛ بل إفّ الناس ما خُلقوا إلا للعبادة، كما قاؿ تعالى{ :وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوف}الذاريات: ٙ٘) ٕ- أف الإقرار بتوحيد الربوبية مستلزـ للإقرار بتوحيد الألوىية؛ لقولو تعالى{ :اعبدوا ربكم} ٖ- وجوب عبادة الله عزّ وجلّ وحده. وىي التي خُلق لها الجن، والإنس؛ و"العبادة" تطلق على معنيين؛ أحدىما: التعبد. وىو فعل العابد؛ والثاني: المتعبَّد بو. وىي كل قوؿ، أو فعل ظاىر، أو باطن يقرب إلى الله عزّ وجلّ ... ٗ- أف وجوب العبادة علينا مما يقتضيو العقل بالإضافة إلى الشرع؛ لقولو تعالى{ :اعبدوا ربكم}؛ فإف الرب عزّ وجلّ يستحق أف يُعبد وحده، ولا يعبد غيره؛ والعجب أف ىؤلاء المشركين الذين لم يمتثلوا ىذا الأمر إذا أصابتهم ضراء، وتقطعت بهم الأسباب يتوجهوف إلى الله، كما قاؿ تعالى{ :وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين لو الدين} [لقماف: ٕٖ]؛ لأف فطرىم تحملهم على ذلك ولابد.. ٘- إثبات أف الله عزّ وجلّ ىو الخالق وحده، وأنو خالق الأولين، والآخرين؛ لقولو تعالى: (الذي خلقكم والذين من قبلكم) ٙ- أف من طريق القرآف أنو إذا ذَكر الحكم غالباً ذَكر العلة؛ الحكم:{اعبدوا ربكم}؛ والعلة: كونو رباً خالقاً لنا، ولمن قبلنا . ٚ- التقوى مرتبة عالية لا ينالها كل أحد إلا من أخلص العبادة لله عزّ وجلّ؛ لقولو تعالى: (لعلكم تتقوف) .. ٛ- بما يستفاد التحذير من البدع؛ وذلك؛ لأف عبادة الله لا تتحقق إلا بسلوؾ الطريق الذي شرعو للعباد؛ لأنو لا يمكن أف نعرؼ كيف نعبد الله إلا عن طريق الوحي والشرع : كيف نتوضأ، كيف نصلي ... يعني ما الذي أدرانا أف الإنساف إذا قاـ للصلاة يقرأ، ثم يركع، ثم يسجد ... إلخ، إلا بعد الوحي.. ٜ- الحث على طلب العلم؛ إذ لا تمكن العبادة إلا بالعلم؛ ولهذا ترجم البخاري. رحم و الله. على ىذه المسألة بقولو: "باب: العلم قبل القوؿ، والعمل..

عدد الصفحات ١٥٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 149 - سورة البقرة الجزء الاول الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَْرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنػْزَؿَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِوِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّوِ أَنْدَادًا وَأَنػْتُمْ تػَ عْلَمُوفَ (ٕٕ) قاؿ الطبري: وقولو:"الذي جَعل لكم الأرض فِرَاشًا" مردود على "الذي" الأولى في قولو "اعبدُوا ربكم الذي خَلقَكم"، وىما جميعًا من نَعت"ربكم"، فكأنّو قاؿ: اعبدُوا ربكم الخالقكُم، والخالقَ الذين من قبلكم، الجاعلَ لكم الأرض فراشًا. يعني بذلك أنّو جعل لكم الأرض مهادًا مُوَطَّأً وقرارًا يُستقرّ عليها. يُذكِّرُ ربّنا جلّ ذكره -بذلك من قِيلو- عبادَهُ نعمَو عندىم وآلاءه لديهم ليذْكروا أياديَو عندىم، فينيبوا إلى طاعتو -تعط فًا منو بذلك عليهم، ورأفةً منو بهم، ورحمةً لهم، من غير ما حاجة منو إلى عبادتهم، ولكن ليُتم نعمتو عليهم ولعلهم يهتدوف. عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي :"الذي جعل لكم الأرض فراشًا" فهي فراشٌ يُمشى عليها، وىي المهاد والقرار (ٔ) . قولو{ :وَالسَّمَاءَ بِنَاءً } وإنما سُميت السماءُ سماءً لعلوىا على الأرض وعلى سُكانها من خلقو، وكل شيء كاف فوؽ شيء آخرَ فهو لما تحتو سَمَاءٌ . ولذلك قيل لسقف البيت: سَمَاوة، لأنو فوقو مرتفعٌ عليو. ولذلك قيل: سَمَا فلاف لفلاف، إذا أشرؼ لو وقَصَد نحوه عاليًا عليو. عن قتادة في قوؿ الله:"والسماءَ بناءً "، قاؿ: جعل السماء سَقفًا لكَ . وإنما ذكر تعالى ذكره السماءَ والأرض فيما عدّد عليهم من نعمو التي أنعمها عليهم، لأف منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قواـُ دُنياىم. فأعلمهم أف الذي خَلقهما وخلق جميع ما فيهما وما ىم فيو من النعم، ىو المستحقّ عليهم الطاعة، والمستوجبُ منهم الشكرَ والعبادةَ، دوف الأصناـ والأوثاف، التي لا تضر ولا تنفع. قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :وأنزؿ من السماء ماءً }: ليست ىي السماء الأولى؛ بل المراد بػ {السماء} ىنا العلو؛ لأف الماء. الذي ىو المطر.ينزؿ من السحاب، والسحاب بين السماء، والأرض، كما قاؿ الله تعالى{ :ألم تر أف الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينو ثم يجعلو ركاماً فترى الودؽ يخرج من خلالو[ }النور: ٖٗ]، وقاؿ تعالى{ :إف في خلق السموات والأرض واختلاؼ الليل والنهار....[ }البقرة: ٗٙٔ]إلى قولو تعالى{ :والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوـ يعقلوف[ }البقرة: ٗٙٔ]؛ وبهذا نعرؼ أف السماء يطلق على معنيين؛ المعنى الأوؿ: البناء الذي فوقنا؛ والمعنى الثاني: العلو.. قاؿ الطبري: يعني تعالى ذكره بذلك أنو أنزؿ من السماء مطرًا، فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم وغَرْسهم ثمرات - رزقًا لهم، غذاءً وأقواتًا. فنبههم بذلك على قدرتو وسُلطانو، وذكَّرىم بو آلاءَه لديهم، وأنو ىو الذي خلقهم، وىو الذي يَرزقهم ويكفُلُهم، دوف من جعلوه لو نِدًّا وعِدْلا من الأوثاف والآلهة. ٔ- الخبر في الدر المنثور ٔ: ٖٗ، والشوكاني ٔ: ٖٛ.

عدد الصفحات ١٥١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 151 - سورة البقرة الجزء الاول ثم زَجَرىم عن أف يجعلوا لو ندًّا، مع علمهم بأف ذلك كما أخبرىم، وأنو لا نِدَّ لو ولا عِدْؿ، ولا لهم نافعٌ ولا ضار ولا خالقٌ ولا رازؽٌ سِواه . قاؿ ابن العثيمين: لأف المشركين يقر وف بأف الخالق ىو الله، والرازؽ ىو الله، والمدبر للأمر ىو الله إقراراً تاماً، ويعلموف أنو لا إلو مع الله في ىذا؛ لكن في العبادة ينكروف التوحيد: يشركوف؛ يجعلوف مع الله إلهاً آخر؛ وينكروف على من وحّد الله حتى قالوا في الرسوؿ {أجعل الآلهة إلهاً واحداً إف ىذا لشيء عجاب[ }ص: ٘]؛ وإقرارىم بالخلق، والرزؽ أف الله منفرد بو يستلزـ أف يجعلوا العبادة لله وحده؛ فإف لم يفعلوا فهم متناقضوف؛ ولهذا قاؿ العلماء. رحمهم الله.: توحيد الألوىية متضمن لتوحيد الربوبية؛ وتوحيد الربوبية مستلزـ لتو حيد الألوىية؛ يعني من أقر بتوحيد الربوبية لزمو أف يقر بتوحيد الألوىية؛ ومن أقر بتوحيد الألوىية فإنو لم يقرَّ بها حتى كاف قد أقر بتوحيد الربوبية.. قاؿ السعدي: {ف تجعلوا لله أندادا}أي: نظراء وأشباىا من المخلوقين، فتعبدونهم كما تعبدوف الله، وتحبونهم كما تحبوف الله، وىم مثلكم، مخلوقوف، مرزوقوف مدبروف، لا يملكوف مثقاؿ ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا ينفعونكم ولا يضروف، {وأنتم تعلموف}أف الله ليس لو شريك، ولا نظير، لا في الخلق، والرزؽ، والتدبير، ولا في العبادة فكيف تعبدوف معو آلهة أخرى مع علمكم بذلك؟ ىذا من أعجب العجب، وأسفو السفو. وىذه الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه، وبياف الدليل الباىر على وجوب عبادتو، وبطلاف عبادة من سواه، وىو ذكر توحيد الربوبية، المتضمن لانفراده بالخلق والرزؽ والتدبير، فإذا كاف كل أحد مقرا بأنو ليس لو شريك في ذلك، فكذلك فليكن إقراره بأف الله لا شريك لو في العبادة، وىذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري، وبطلاف الشرؾ. قاؿ الشنقيطي: أَشَارَ فِي ىَذِهِ الآْيَةِ إِلَى ثَلاَثَةِ بػَرَاىِينَ مِنْ بػَرَاىِينِ الْبػَعْثِ بػَعْدَ الْمَوْتِ، وَبػَيػَّنػَهَا مُفَصَّلَةً فِي آيَ اتٍ أُخَرَ : الأَْوَّؿُ : خَلْقُ النَّاسِ أَوَّلاً الْمُشَارُ إِلَيْوِ بػُقُولِوِ (يَا أَيػ هَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قػَبْلِكُمْ ) ؛ لأَِفَّ الإِْيجَادَ الأَْوَّؿَ أَعْظَمُ بػُرْىَافٍ عَلَى الإِْيجَادِ الثَّانِي، وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِوِ : (وَىُوَ الَّذِي يػَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) الآْيَةَ [ٖٓ \ ٕٚ]، وَقػَوْلِوِ : (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّؿَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [ )ٕٔ \ ٗٓٔ]، وَكَقَوْلِوِ : (فَسَيػَقُولُوفَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَ كُمْ أَوَّؿَ مَرَّةٍ [ )ٖٙ \ ٜٚ]، وَقػَوْلِوِ : (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَىَا أَوَّؿَ مَرَّةٍ ) ، وَقػَوْلِوِ : (أَفػَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَْوَّؿِ بَلْ ىُمْ فِي لَبْسٍ ) الآْيَةَ [ٓ٘ \ ٘ٔ]، وَكَقَوْلِوِ : (يَا أَيػ هَا النَّاسُ إِفْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبػَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تػُرَابٍ [ )ٕٕ \ ٘]، وَكَقَوْلِوِ : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُْولَى) الآْيَةَ [ٙ٘ \ ٕٙ] وَلِذَا ذَكَرَ تػَعَالَى أَفَّ مَنْ أَنْكَرَ الْبػَعْثَ فػَقَدْ نَسِيَ الإِْيجَادَ الأَْوَّؿَ، كَمَا فِي قػَوْلِوِ : (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَوُ ) الآْيَةَ [ٖٙ \ ٛٚ]، وَقػَوْلِوِ : (وَيػَقُوؿُ الإِْنْسَافُ أَدِذَا مَا مِت لَسَوْؼَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِْنْسَافُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قػَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا)

عدد الصفحات ١٥٢

َةَ [ٖٙ \ ٛٚ]، وَقػَوْلِوِ : (وَيػَقُوؿُ الإِْنْسَافُ أَدِذَا مَا مِت لَسَوْؼَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِْنْسَافُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قػَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) [ٜٔ \ ٚٙ، ٛٙ]، ثُمَّ رَتَّبَ عَ لَى ذَلِكَ الدَّلِيلَ بِقَوْلِوِ : (فػَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنػَّهُمْ ) الآْيَةَ [ٜٔ \ ٛٙ]إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ .

عدد الصفحات ١٥٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 151 - سورة البقرة الجزء الاول الْبػُرْىَافُ الثَّانِي: خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ الْمُشَارُ إِلَيْوِ بِقَوْلِوِ : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَْرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ) لأَِنػَّهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِ الأَْعْظَمِ فػَهُوَ عَلَى غَيْرِهِ قَادِرٌ مِنْ بَابٍ أَحْرَى. وَأَوْضَحَ اللَّوُ تػَعَالَى ىَذَا الْبػُرْىَافَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِوِ تػَعَالَى: (لَخَلْقُ السَّمَ اوَاتِ وَالأَْرْضِ أَكْبػَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ )ٓٗ \ ٚ٘]، وَقػَوْلِوِ : (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَفْ يَخْلُقَ مِثػْلَهُمْ بػَلَى وَىُوَ الْخَلاَّؽُ الْعَلِيمُ [ )ٖٙ \ ٔٛ]، وَقػَوْلِوِ : (أَوَلَمْ يػَرَوْا أَفَّ اللَّوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ وَلَمْ يػَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَفْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بػَلَى[ )ٙٗ \ ٖٖ]، وَقػَوْلِوِ : (أَوَلَمْ يػَرَوْا أَفَّ اللَّوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَفْ يَخْلُقَ مِثػْلَهُمْ [ )ٚٔ \ ٜٜ]، وَقػَوْلِوِ : (أَأَنػْتُمْ أَشَد خَلْقًا أَـِ السَّمَاءُ بػَنَاىَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاىَا) الآْيَةَ [ٜٚ \ ٕٚ]إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ . الْبػُرْىَافُ الثَّالِثُ : إِحْيَاءُ الأَْرْضِ بػَعْدَ مَوْتِهَا ؛ فَإِنَّوُ مِنْ أَعْظَمِ الأَْ دِلَّةِ عَلَى الْبػَعْثِ بػَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَا أَشَارَ لَوُ ىُنَا بِقَوْلِوِ : (وَأَنػْزَؿَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِوِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ) وَأَوْضَحَوُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِوِ : (وَمِنْ آيَاتِوِ أَنَّكَ تػَرَى الأَْرْضَ خَاشِ عَةً فَإِذَا أَنػْزَلْنَا عَلَيػْهَا الْمَاءَ اىْتػَزَّتْ وَرَبَتْ إِفَّ الَّذِي أَحْيَاىَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّوُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ )ٔٗ \ ٜٖ]، وَقػَوْلِوِ : (وَأَحْيػَيػْنَا بِوِ بػَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ )ٓ٘ \ ٔٔ]، يػَعْنِي: خُرُوجُ كُمْ مِنْ قػُبُورِكُمْ أَحْيَاءً بػَعْدَ أَفْ كُنْتُمْ عِظَامًا رَمِيمًا. وَقػَوْلِوِ : (وَيُحْيِي الأَْرْضَ بػَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُوفَ [ )ٖٓ \ ٜٔ]، وَقػَوْلِوِ تػَعَالَى: (حَتَّى إِذَا أَقػَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبػَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنػْزَ لْنَا بِوِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِوِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوفَ [ )ٚ \ ٚ٘]إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية: ٔ- بياف رحمة الله تعالى، وحكمتو في جعل الأرض فراشاً؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أف يستقر الإنساف عليها ما ىدأ لأحد باؿ؛ لكن من رحمتو، ولطفو، وإحسانو جعلها فراشاً .. ٕ- جعْل السماء بناءً؛ وفاددتنا من جعل السماء بناءً أف نعلم بذلك قدرة الله عزّ وجلّ؛ لأف ىذه السماء المحيطة بالأرض من كل الجوانب نعلم أنها كبيرة جداً، وواسعة، كما قاؿ تعالى{ :والسماء بنيناىا بأيد وإنا لموسعوف} (الذاريات: ٚٗ) .. ٖ- بياف قدرة الله عزّ وجلّ بإنزاؿ المطر من السماء؛ لقولو تعالى{ :وأنزؿ من السماء ماء}؛ لو اجتمعت الخلادق على أف يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا؛ والله تعالى ينزؿ ىذا المطر العظيم بلحظة؛ وقصة الرجل الذي دخل والنبي يخطب يوـ الجمعة قاؿ: ادع الله يغيثنا، فرفع ( يديو، وقاؿ: "اللهم أغثنا" (ٔ) ، وما نزؿ من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيتو.. ٔ- أخرجو البخاري صٜٚ، أبواب الاستسقاء، بـاب ٚ: الاستسـقاء فـي خطبـة الجمعـة غيـر مسـتقبل القبمـة، حـديث رقـم ٗٔٓٔ؛ وأخرجـو مسـمم صٚٔٛ، كتـاب

عدد الصفحات ١٥٣

منبر إلا والمطر يتحادر من لحيتو.. ٔ- أخرجو البخاري صٜٚ، أبواب الاستسقاء، بـاب ٚ: الاستسـقاء فـي خطبـة الجمعـة غيـر مسـتقبل القبمـة، حـديث رقـم ٗٔٓٔ؛ وأخرجـو مسـمم صٚٔٛ، كتـاب صلاة الاستسقاء، باب ٕ: الدعاء في الاستسقاء، حديث رقم ٕٛٚٓ [ٛ]ٜٚٛ.

عدد الصفحات ١٥٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 152 - سورة البقرة الجزء الاول ٗ- حكمة الله سبحانو وتعالى، ورحمتو بإنزاؿ المطر من السماء؛ وجو ذلك: لو كاف الماء الذي تحيى بو الأرض يجري على الأرض لأضر الناس؛ ولو كاف يجري على الأرض لحُرِـ منو أراضٍ كثيرة. الأراضي المرتفعة لا يأتيها شيء؛ ولكن من نعمة الله أف ينزؿ من السماء؛ ثم ىناؾ شيء آخر أيضاً : أنو ينزؿ رذاذاً . يعني قطرةً قطرةً؛ ولو نزؿ كأفواه القرب لأضر بالناس.. ٘- إثبات الأسباب؛ لقولو تعالى: (فأخرج بو من الثمرات رزقاً لكم). ٙ- أف الأسباب لا تكوف مؤثرة إلا بإرادة الله عزّ وجلّ؛ لقولو تعالى: (فأخرج بو) .. ٚ- أنو ينبغي لمن أراد أف يضيف الشيء إلى سببو أف يضيفو إلى الله مقروناً بالسبب، مثل لو أف أحداً من الناس غرؽ، وجاء رجل فأخرجو . أنقذه من الغرؽ؛ فليقل: أنقذني الله بفلاف؛ ولو أف يقوؿ: أنقذني فلاف؛ لأنو فعلاً أنقذه؛ ولو أف يقوؿ: أنقذني الله ثم فلاف؛ وليس لو أف يقوؿ: أنقذني الله وفلاف؛ لأف ىذا تشريك مع الله؛ ويدؿ لهذا. أي الاختيار أف يضيف الشيء إلى الله مقروناً بالسبب. أف النبي لما دعا الغلاـ اليهودي للإسلاـ وكاف ىذا الغلاـ في سياؽ الموت، فعرض عليو النبي أف يسلم، فأسلم؛ لكنو أسلم بعد أف استشار أباه: التفت إليو ينظر إليو يستشيره؛ قاؿ: "أطع أبا القاسم". أمر ولده أف يسلم، وىو لم يسلم في تلك الحاؿ، أما بعد فلا ندري، والله أعلم؛ فخرج النبي وىو يقوؿ: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار، وىكذا ينبغي لنا إذا حصل شيء بسبب أف نضيفو إلى الله تعالى مقروناً ببياف السبب؛ وذلك؛ لأف السبب موصل فقط.. ٛ- بياف قدرة الله، وفضلو بإخراج ىذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاىر: تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء فينزؿ المطر، وفي مدة وجيزة يخرج ىذا النبات من كل زوج بهيج بإذف الله عزّ وجلّ، كما قاؿ تعالى: {ألم تر أف الله أنزؿ من السماء ماءاً فتصبح الأرض مخضرَّة[ }الحج: ٖٙ]؛ وأما الفضل فبما يمن الله بو من الثمرات؛ ولذلك قاؿ تعالى{ :رزقاً لكم}... ٜ- أف الله عزّ وجلّ منعم على الإنساف كافراً كاف، أو مؤمناً؛ لقولو تعالى{ :لكم}، وىو يخاطب في الأوؿ الناس عموماً؛ لكن فضل الله على المؤمن دادم متصل بفضل الآخرة؛ وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعو من الدنيا.. ٓٔ- تحريم اتخاذ الأنداد لله؛ لقولو تعالى{ :ف تجعلوا لله أنداداً }؛ وىل الأنداد شرؾ أكبر، أو شرؾ أصغر؛ وىل ىي شرؾ جلي، أو شرؾ خفي؛ ىذا لو تفصيل في علم التوحيد؛ خلاصتو: إف اتخذ الأنداد في العبادة، أو جعلها شريكة لله في الخلق، والملك، والتدبير فهو شرؾ أكبر؛ وإف كاف دوف ذلك فهو شرؾ أصغر، كقوؿ الرجل لصاحبو: "ما شاء الله وشئت".. ٔٔ- أنو ينبغي لمن خاطب أحداً أف يبين لو ما تقوـ بو عليو الحجة؛ لقولو تعالى{ :ف تجعلوا لله أنداداً و أنتم تعلموف}، ولقولو تعالى في صدر الآية الأولى{ :اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم[ }البقرة: ٕٔ]؛ فإف قولو تعالى{ :الذي خلقكم والذين من قبلكم[ }البقرة: ٕٔ]فيو إقامة الحجة على وجوب عبادتو وحده؛ لأنو الخالق وحده..

عدد الصفحات ١٥٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 153 - سورة البقرة الجزء الاول وَإِفْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نػَ زَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِوِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُوفِ اللَّوِ إِفْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (ٖٕ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :وإف كنتم } ... الخطاب لمن جعل لله أنداداً؛ لأنو تعالى قاؿ: (فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلموف * وإف كنتم في ريب). وفي ذكر ىذه الآية المتعلقة برسالة محمد إشارة إلى كلمتي التوحيد؛ وىما شهادة أف لا إلو إلا الله، وأف محمداً رسوؿ الله؛ لكن شهادة أف لا إلو إلا الله: توحيد القصد؛ والثاني: توحيد المتابعة؛ فكلاىما توحيد؛ لكن الأوؿ توحيد القصد بأف يكوف العمل خالصاً لله؛ والثاني توحيد المتابعة بأف لا يتابع في عبادتو سوى رسوؿ الله وإذا تأملت القرآف وجدت ىكذا: يأتي بما يدؿ على التوحيد، ثم بما يدؿ على الرسالة؛ ومن أمثلة ذلك قولو تعالى{ :أفلم يدَّبروا القوؿ أـ جاءىم ما لم يأت آباءىم الأولين[ }المؤمنوف: ٛٙ]، ثم قاؿ تعالى{ :أـ لم يعرفوا رسولهم فهم لو منكروف[ }المؤمنوف: ٜٙ]؛ وىذا مطَّرد في القرآف الكريم.. قولو تعالى{ :في ريب}" :الريب" يفسره كثير من الناس بالشك؛ ولا شك أنو قريب من معنى الشك، لكنو يختلف عنو بأف "الريب" يُشعر بقلق مع الشك، وأف الإنساف في قلق عظيم مما وقع فيو الشك؛ وذلك؛ لأف ما جاء بو الرسوؿ حق؛ والشاؾ فيو لا بد أف يعتريو قلق من أجل أنو شك في أمر لا بد من التصديق بو؛ بخلاؼ الشك في الأمور الهينة، فلا يقاؿ: "ريب"؛ وإنما يقاؿ في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنساف وجد في داخل نفسو قلقاً، واضطراباً .. قاؿ السعدي: وفي قولو{ :وإف كنتم في ريب} إلى آخره، دليل على أف الذي يرجى لو الهداية من الضلالة: ىو الشاؾ الحادر الذي لم يعرؼ الحق من الضلاؿ، فهذا إذا بين لو الحق فهو حري بالتوفيق إف كاف صادقا في طلب الحق. وأما المعاند الذي يعرؼ الحق ويتركو، فهذا لا يمكن رجوعو، لأنو ترؾ الحق بعد ما تبين لو، لم يتركو عن جهل، فلا حيلة فيو. وكذلك الشاؾ غير الصادؽ في طلب الحق، بل ىو معرض غير مجتهد في طلبو، فهذا في الغالب أنو لا يوفق. قولو تعالى{ :مما نزَّلنا}قاؿ ابن العثيمين المراد بو القرآف؛ لأف الله أنزلو على محمد . {على عبدنا} ىو محمد رسوؿ الله والله. تبارؾ وتعالى. وصف رسولو بالعبودية في المقامات العالية: في الدفاع عنو؛ وفي بياف تكريمو بالمعراج، والإسراء؛ وفي بياف تكريمو بإنزاؿ القرآف، كما قاؿ تعالى{ :تبارؾ الذي نزؿ الفرقاف على عبده[ }الفرقاف: ٔ]، وقاؿ تعالى{ :سبحاف الذي أسرى بعبده ليلاً [ }الإسراء: ٔ]، وقاؿ تعالى{ :فأوحى إلى عبده

عدد الصفحات ١٥٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 154 - سورة البقرة الجزء الاول ما أوحى[ }النجم: ٓٔ]، وقاؿ تعالى{ :وإف كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} :ىذا في مقاـ التحدي، والمدافعة؛ وأفضل أوصاؼ الرسوؿ ىي العبودية، والرسالة؛ ولهذا قاؿ "إنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله، ورسولو" (ٔ) ؛ و "العبودية": ىي التذلل للمحبوب، والمعظم؛ ولهذا قاؿ الشاعر في محبوبتو:. (لا تدعني إلا بيا عبدىا فإنو أشرؼ أسمادي). يعني: لا تقل: فلاف، وفلاف؛ بل قل: يا عبد فلانة؛ لأف ىذا عنده أشرؼ أوصافو، حيث انتمى إليها. نعوذ بالله من الخذلاف.. قولو تعالى{ :فأتوا بسورة} أمر يقصد بو التحدي. يعني: إذا كنتم في شك من ىذا القرآف فإننا نتحداكم أف تأتوا بسورة واحدة؛ {من مثلو}يحتمل أف يكوف الضمير عادداً إلى الرسوؿ ؛ والمعنى: من مثل محمد ويحتمل أف يكوف عادداً إلى القرآف المنزؿ؛ والمعنى: من مثل ما نزلنا على عبدنا. أي من جنسو؛ وكلاىما صحيح.. قولو تعالى{ :وادعوا شهداءكم }: أي الذين تشهدوف لهم بالألوىية، وتعبدونهم كما تعبدوف الله، ادعوىم ليساعدوكم في الإتياف بمثلو؛ وىذا غاية ما يكوف من التحدي: أف يتحدى العابدَ والمعبودَ أف يأتوا بسورة مثلو. قولو تعالى{ :من دوف الله} أي مما سوى الله؛ {إف كنتم صادقين} أي في أف ىذا القرآف مفترًى على الله؛ والجواب على ىذا: أنو لا يمكن أف يأتوا بسورة مثلو مهما أتوا من المعاونين، والمساعدين.. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية: ٔ- دفاع الله سبحانو وتعالى عن رسولو ؛ لقولو تعالى{ :فأتوا بسورة من مثلو}؛ لأف الأمر ىنا للتحدي؛ فالله عزّ وجلّ يتحدى ىؤلاء بأف يأتوا بمعارضٍَِ لما جاء بو الرسوؿ .. ٕ- فضيلة النبي ؛ لوصفو بالعبودية؛ والعبودية لله عزّ وجلّ ىي غاية الحرية؛ لأف من لم يعبد الله فلا بد أف يعبد غيره؛ فإذا لم يعبد الله عزّ وجلّ . الذي ىو مستحق للعبادة. عَبَدَ الشيطاف، كما قاؿ ابن القيم. رحمو الله. في النونية:.(ىربوا من الرؽ الذي خلقوا لو وبلوا برؽ النفس والشيطاف) ٖ- أف القرآف كلاـ الله؛ لقولو تعالى{ :مما نزلنا}؛ ووجو كونو كلاـ الله أف القرآف كلاـ؛ والكلاـ صفة للمتكلم، وليس شيئاً بادناً منو؛ وبهذا نعرؼ بطلاف قوؿ من زعم أف القرآف مخلوؽ.. ٗ- إثبات علوّ الله عزّ وجلّ؛ لأنو إذا تقرر أف القرآف كلامو، وأنو منزؿ من عنده لزـ من ذلك علوّ المتكلم بو؛ وعلو الله عزّ وجلّ ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة؛ وتفاصيل ىذه الأدلة في كتب العقادد؛ ولولا خوض أىل البدعة في ذلك ما احتيج إلى كبير عناء في إثباتو؛ لأنو أمر فطري؛ ولكن علماء أىل السنة يضطروف إلى مثل -ٔأخرجو البخاري صٕٔٛ، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ٛٗ: قول الله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أىميا) ، حديث رقم ٖ٘ٗٗ.

عدد الصفحات ١٥٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 155 - سورة البقرة الجزء الاول ىذا لدحض حجج أىل البدع ... ٘- أف القرآف معجز حتى بسورة. ولو كانت قصيرة؛ لقولو تعالى{ :فأتوا بسورة من مثلو) .. ٙ- تحدي ىؤلاء العابدين للْلهة مع معبوديهم؛ وىذا أشد ذلاًّ مما لو تُحدوا وحدىم.. فَإِفْ لَمْ تػَفْعَلُوا وَلَنْ تػَفْعَلُوا فَاتػَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُىَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (ٕٗ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :فإف لم تفعلوا}: يعني فإف لم تأتوا بسورة من مثلو.. ولما قاؿ تعالى{ :فإف لم تفعلوا} .وىي شرطية. قطع أطماعهم بقولو: {ولن تفعلوا} يعني: ولا يمكنكم أف تفعلوا؛ و {لن} ىنا للتأبيد؛ لأف المقاـ مقاـ تحدٍّ .. قولو تعالى{ :فاتقوا النار} الفاء ىنا واقعة في جواب الشرط. وىو {إف لم تفعلوا} يعني: إف لم تفعلوا، وتعارضوا القرآف بمثلو فالنار مثواكم؛ فاتقوا النار. ولن يجدوا ما يتقوف بو النار إلا أف يؤمنوا بما أنزؿ على محمد . قولو تعالى{ :التي وقودىا الناس والحجارة} ؛ {التي} اسم موصوؿ صفة لػ {النار}؛ و {وقود} مبتدأ؛ و {الناس} خبر المبتدأ؛ والجملة: صلة الموصوؿ؛ و "الوقود" ما يوقد بو الشيء، كالحطب. مثلاً . في نار الدنيا؛ في الآخرة وقود النار ىم الناس، والحجارة؛ فالنار تحرقهم، وتلتهب بهم؛ و {الحجارة} :قاؿ بعض العلماء: إف المراد بها الحجارة المعبودة. يعني الأصناـ؛ لأنهم يعبدوف الأصناـ؛ فأصنامهم ىذه تكوف معهم في النار، كما قاؿ تعالى: {إنكم وما تعبدوف من دوف الله حصب جهنم أنتم لها واردوف[ }الأنبياء: ٜٛ]؛ وقيل: ىذا، وىذا. الحجارة المعبودة، والحجارة الموقودة التي خلقها عزّ وجلّ لتوقد بها النار.. قولو تعالى{ :أعدت} الضمير المستتر يعود على النار؛ والمعِد لها ىو الله عزّ وجلّ؛ ومعنى "الإعداد" التهيئة للشيء؛ {للكافرين}: أي لكل كافر سواء كفر بالرسالة، أو كفر بالألوىية، أو بغير ذلك.. قاؿ السعدي: وفي قولو{ :أعدت للكافرين} ونحوىا من الآيات، دليل لمذىب أىل السنة والجماعة، أف الجنة والنار مخلوقتاف خلافا للمعتزلة، وفيها أيضا، أف الموحدين وإف ارتكبوا بعض الكبادر لا يخلدوف في النار، لأنو قاؿ: {أعدت للكافرين} فلو كاف عصاة الموحدين يخلدوف فيها، لم تكن معدة للكافرين وحدىم، خلافا للخوارج والمعتزلة. وفيها دلالة على أف العذاب مستحق بأسبابو، وىو الكفر، وأنواع المعاصي على اختلافها. وىذه الآية ونحوىا يسمونها آيات التحدي، وىو تعجيز الخلق أف يأتوا بمثل ىذا القرآف، قاؿ تعالى {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أف يأتوا بمثل ىذا القرآف لا يأتوف بمثلو ولو كاف بعضهم لبعض ظهيرا}

عدد الصفحات ١٥٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 156 - سورة البقرة الجزء الاول وكيف يقدر المخلوؽ من تراب، أف يكوف كلامو ككلاـ رب الأرباب؟ أـ كيف يقدر الناقص الفقير من كل الوجوه، أف يأتي بكلاـ ككلاـ الكامل، الذي لو الكماؿ المطلق، والغنى الواسع من كل الوجوه؟ ىذا ليس في الإمكاف، ولا في قدرة الإنساف، وكل من لو أدنى ذوؽ ومعرفة بأنواع الكلاـ، إذا وزف ىذا القرآف العظيم بغيره من كلاـ البلغاء، ظهر لو الفرؽ العظيم. (مسألة) قاؿ ابن العثيمين: إذا قاؿ قادل: ما وجو الإعجاز في القرآف؟ وكيف أعجز البشر؟.. الجواب: أنو معجز بجميع وجوه الإعجاز؛ لأنو كلاـ الله، وفيو من وجوه الإعجاز ما لا يدرؾ؛ فمن ذلك:. أولاً : قوة الأسلوب، وجمالو؛ والبلاغة، والفصاحة؛ وعدـ الملل في قراءتو؛ فالإنساف يقرأ القرآف صباحاً، ومساءً . وربما يختمو في اليومين، والثلاثة. ولا يملو إطلاقاً؛ لكن لو كرر متناً من المتوف كما يكرر القرآف ملّ .. ثانياً : أنو معجز بحيث إف الإنساف كلما قرأه بتدبر ظهر لو بالقراءة الثانية ما لم يظهر لو بالقراءة الأولى.. ثالثاً : صدؽ أخباره بحيث يشهد لها الواقع؛ وكماؿ أحكامو التي تتضمن مصالح الدنيا، والآخرة؛ لقولو تعالى{ :وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً }الأنعاـ: ٘ٔٔ) رابعاً : تأثيره على القلوب، والمناىج؛ وآثاره، حيث ملك بو السلف الصالح مشارؽ الأرض، ومغاربها.. وأما كيفية الإعجاز فهي تحدي الجن، والإنس على أف يأتوا بمثلو، ولم يستطيعوا.. (مسألة:. ثانية):. حكى الله عزّ وجلّ عن الأنبياء، والرسل، ومن عاندىم أقوالاً؛ وىذه الحكاية تحكي قوؿ من حُكيت عنو؛ فهل يكوف قوؿ ىؤلاء معجزاً . يعني مثلاً : فرعوف قاؿ لموسى{ :لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين[ }الشعراء: ٜٕ]ىذا يحكيو الله عزّ وجلّ عن فرعوف؛ فيكوف القوؿ قوؿ فرعوف؛ فكيف كاف قوؿ فرعوف معجزاً والإعجاز إنما ىو قوؿ الله عزّ وجلّ؟ فالجواب: أف الله تعالى لم يحك كلامهم بلفظو؛ بل معناه؛ فصار المقروء في القرآف كلاـ الله عزّ وجلّ . وىو معجز.. قاؿ صالح آؿ الشيخ في شرحو للعقيدة الطحاوية: ىذه المسألة يمكن أف نمرّ عليها فيما ذَكَرْ بشيء من التقرير العاـ كما فعل الشارح؛ لكن ىذه المسألة متصلة ببحث عظيم، وىو بحث (دلادل النبوة)؛ لأفَّ كوف القرآف لا يشبو كلاـ البشر ولا يشبو قوؿ البشر ىو المسألة الموسومة عند العلماء بمسألة إعجاز القرآف وأفَّ القرآف مُعْجِزْ .

عدد الصفحات ١٥٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 157 - سورة البقرة الجزء الاول وىذه ولاشك مسألة مهمة قلّ بل نَدَرَ أف تػَتػَعَرَّضَ لها كتب العقادد، ولها صلة ببحث دلادل النبوة فهي في التوحيد؛ لأفَّ صلتها تارة بدلادل النبوة من كوف القرآف مُعْجِزاً ودليلاً على صحة نبوة محمد ، وأنو منزؿ من عند الله، ومن جهة أخرى لها صلة بمبحث كلاـ الله - عز وجل - وىو أفَّ القرآف لا يشبو كلاـ البشر وأفَّ كلاـ الله - عز وجل - ليس ككلاـ البشر. فلا بأس إذاً أف نقرر ىذه المسألة وىي المسألة الموسومة بإعجاز القرآف؛ لأجل ندرة الكلاـ عليها في كتب العقادد مُفَصَّلَة، ونذكر منها بعض ما يناسب ىذه الدروس المختصرة. لتقرير ىذه المسألة وىي مسألة إعجاز القرآف، وقد تكلم فيها أنواع من الناس من جميع الفرؽ والمذاىب، نجعل البحث فيها في مسادل، نقوؿ: [المسألة الأولى] أف لفظ الإعجاز لم يرد في الكتاب ولا في السنة، وإنما جاء في القرآف وفي السنة أفّ ما يعطيو الله - عز وجل - للأنبياء والرسل وما آتاه محمد ىو آية وبرىاف على نبوتو. فلفظ المعجزة لم يأتِ كما ذكرنا من قبل في الكتاب ولا في السنة وإنما ىو لفظٌ حادث ولا بأس باستعمالو إذا عُنِيَ بو المعنى الصحيح الذي سيأتي. الذي جاء في القرآف الآيات والبراىين؛ لكن العلماء استعملوا لفظ الإعجاز لسبب، وىو: أفَّ القرآف تَحَدَّى الله - عز وجل - العرب بأف يأتوا بمثلو، أو أف يأتوا بعشر سور مثلو أو أف يأتوا بسورة من مثلو، فلما تَحَدَّاىُمْ فلم يػَغْلِبُوا، ولم يأتوا بما تَحَدَّاىُ مْ بو، فدؿ ذلك على عجزىم، وذلك بسبب أفَّ القرآف مُعْجِزٌ لهم فلم يأتوا بمثلو، قاؿ - عز وجل - {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِْنسُ وَالْجِن عَلَى أَفْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ىَذَا الْقُرْآفِ لاَ يَأْتُوفَ بِمِثْلِوِ وَلَوْ كَافَ بػَعْضُهُمْ لِبػَعْضٍ ظَهِيرًا[}الإسراء:ٛٛ]، وقاؿ - عز وجل - {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِوِ مُفْتػَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُوفِ اللَّوِ إِفْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (ٖٔ)فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِؿَ بِعِلْمِ اللَّوِ وَأَفْ لاَ إِلَوَ إِلاَّ ىُوَ فػَهَلْ أَنػْتُمْ مُسْلِمُوفَ [}ىود:ٖٔ-ٗٔ] إذا تبين ذلك فالتحدي لمَّا وَقَعَ وعَجِزُوا، وىم يريدوف أي وسيلة لمعارضة القرآف وإثبات أنو قوؿ البشر، {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِوِ }، ادتوا بمثلو، {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِوِ }، لما عَجِزُوا سَمَّ ى العلماء فِعْلَهُمْ ذلك أو عجزىم سموه: مسألة إعجاز القرآف؛ لأجل التحدي وعجز الكفار أف يأتوا بمثلو. [المسألة الثانية] أف كلاـ الله - عز وجل - ىو المُعْجِزْ، وليس أفَّ الله - عز وجل - أعْجَزَ لأجل السماع، أعْجَزَ لما أنزؿ القرآف. والفرؽ بين المسألتين أفَّ الإعجاز صفة القرآف، ولكن لا يقاؿ أفَّ الله - عز وجل - أعْجَزَ البشر عن الإتياف بمثل ىذا القرآف؛ لأفَّ ىذا القوؿ يتضمن، بل يدؿ على أنهم قادروف لكنَّ الله - عز وجل - سلبهم القدرة على ىذه المعارضة. فإذاً الإعجاز والبرىاف والآية والدليل في القرآف نفسو لم؟

عدد الصفحات ١٥٩