ِقُ مِمَّا رَأَى مِنْ إطْفَاءِ نُورِ الْمُنَافِقِ فػَهُوَ يػَقُوؿُ { :رَبػَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}وَىُوَ كَمَا قَاؿَ : فػَقَدْ ثػَ بَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي ىُرَيػْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ - وَىُوَ ثَابِتٌ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ - عَنْ النَّبِيِّ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَىُوَ مَعْرُوؼٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَىُوَ أَطْوَلُهَا - وَمِنْ حَدِيثِ أَ بِي مُوسَى فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الَّذِي يُذْكَرُ فِيوِ أَنَّوُ {يػُنَادَى يػَوْـَ الْقِيَامَةِ : لِتَتَّبِعْ كُل أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تػَعْبُدُ؛ فػَيَتَّبِعُ مَنْ كَافَ يػَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ وَيػَتَّبِعُ مَنْ كَافَ يػَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ وَيػَتَّ بِعُ مَنْ كَافَ
عدد الصفحات ١٣٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 136 - سورة البقرة الجزء الاول يػَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ وَتػَبػْقَى ىَذِهِ الأُْمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوىَا فػَيَأْتِيهِمْ اللَّوُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِوِ الَّتِي يػَعْرِفُوفَ فػَيػَقُوؿُ أَنَا رَب كُمْ . فػَيػَقُولُوفَ : نػَعُوذُ بِاَللَّوِ مِنْك وَىَذَا مَكَانػُ نَا حَتَّى يَأْتِيػَنَا رَبػ نَا فَإِذَا جَاءَ رَبػ نَا عَرَفػْنَاهُ فػَيَأْتِيهِمْ اللَّوُ فِي صُورَتِوِ الَّتِي يػَعْرِفُوفَ فػَيػَقُوؿُ أَنَا رَب كُمْ : فػَيػَقُولُوفَ : أَنْتَ رَبػ نَا فػَيَتَّبِعُونَوُ }وَفِي رِوَايَةٍ { :فػَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِوِ }وَفِي رِوَايَ ةٍ فػَيػَقُوؿُ { :ىَلْ بػَيػْنَكُمْ وَبػَيػْنَوُ آيَةٌ فػَتػَعْرِفُونَوُ بِهَا فػَيػَقُولُوفَ : نػَعَمْ . فػَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِوِ فَلاَ يػَبػْقَى مَنْ كَافَ يَسْجُدُ لِلَّوِ مِنْ تِلْقَاءِ نػَفْسِوِ إلاَّ أَذِفَ لَوُ بِالس جُودِ وَلاَ يػَبػْقَى مَنْ كَافَ يَسْجُدُ نِفَاقًا وَرِيَاءً إلاَّ جَعَلَ اللَّوُ ظَهْرَهُ طَبػَقَةً وَاحِدَةً كُلَّمَا أَرَادَ أَفْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قػَفَاهُ . فػَتَبػْقَى ظُهُورُىُمْ مِثْلَ صَيَاصِيِ الْبػَقَرِ فػَيػَرْفػَعُوفَ رُءُوسَهُمْ فَإِذَا نُورُىُمْ بػَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ وَيُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ فػَيػَقُولُوفَ ذَرُونَا نػَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ }فػَبػَيَّنَ أَفَّ الْمُنَافِقِينَ يُحْشَرُوفَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الظَّاىِرِ كَمَا كَانُوا مَعَهُمْ فِي الد نػْيَا ثُمَّ وَقْتَ الْحَقِيقَةِ ىَؤُلاَءِ يَسْجُدُوفَ لِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ لاَ يػَتَمَكَّنُوفَ مِنْ الس جُودِ فَإِنػَّهُمْ لَمْ يَسْجُدُوا فِي الد نػْيَا لَوُ بَلْ قَصَدُوا الرِّيَاءَ لِلنَّاسِ وَالْجَزَاءُ فِي الآْخِرَةِ ىُوَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ فِي الد نػْيَا فَلِهَذَا أُعْطُوا نُورًا ثُمَّ طفئ لأَِنػَّهُمْ فِي الد نػْيَا دَخَ لُوا فِي الإِْيمَافِ ثُمَّ خَرَجُوا مِنْوُ . وَلِهَذَا ضَرَبَ اللَّوُ لَهُمْ الْمَثَلَ بِذَلِكَ . وَىَذَا الْمَثَلُ ىُوَ لِمَنْ كَافَ فِيهِمْ آمِنٌ ثُمَّ كَفَرَ وَىَؤُلاَءِ الَّذِينَ يػُعْطَوْفَ فِي الآْخِرَةِ نُورًا ثُمَّ يُطْفَأُ . وَلِهَذَا قَاؿَ { :فػَهُمْ لاَ يػَرْجِعُوفَ }إلَى الإِْسْلاَـِ فِي الْبَاطِنِ وَقَاؿَ قتادة وَمُقَاتِلٌ : لاَ يػَرْجِعُوفَ عَنْ ضَلاَلِهِمْ وَقَاؿَ السدي: لاَ يػَرْجِعُوفَ إلَى الإِْسْلاَـِ يػَعْنِي فِي الْبَاطِنِ وَإِلاَّ فػَهُمْ يُظْهِرُونَوُ وَىَذَا الْمَثَلُ إنَّمَا يَكُوفُ فِي الد نػْ يَا وَىَذَا الْمَثَلُ مَضْرُوبٌ لِبػَعْضِهِمْ وَىُمْ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيتين: ٔ- بلاغة القرآف، حيث يضرب للمعقولات أمثالاً محسوسات؛ لأف الشيء المحسوس أقرب إلى الفهم من الشيء المعقوؿ؛ لكن من بلاغة القرآف أف الله تعالى يضرب الأمثاؿ المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنساف جيداً، كما قاؿ تعالى{ :وتلك الأمثاؿ نضربها للناس وما يعقلها إلا العالموف} [العنكبوت: ٖٗ] ٕ- ثبوت القياس، وأنو دليل يؤخذ بو؛ لأف الله أراد منا أف نقيس حالهم على حاؿ من يستوقد؛ وكل مثل في القرآف فهو دليل على ثبوت القياس ... ٖ- أف ىؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقولو تعالى{ :كمثل الذي استوقد ناراً }؛ فهؤلاء المنافقوف يستطعموف الهدى، والعلم، والنور؛ فإذا وصل إلى قلوبهم. بمجرد ما يصل إليها. يتضاءؿ، ويزوؿ؛ لأف ىؤلاء المنافقين إخواف للمؤمنين من حيث النسب، وأعماـ، وأخواؿ، وأقارب؛ فربما يجلس إلى المؤمن حقاً، فيتكلم لو بإيماف حقيقي، ويدعوه، فينقدح في قلبو ىذا الإيماف، ولكن سرعاف ما يزوؿ..
عدد الصفحات ١٣٨ؤلاء المنافقين إخواف للمؤمنين من حيث النسب، وأعماـ، وأخواؿ، وأقارب؛ فربما يجلس إلى المؤمن حقاً، فيتكلم لو بإيماف حقيقي، ويدعوه، فينقدح في قلبو ىذا الإيماف، ولكن سرعاف ما يزوؿ.. ٗ- أف الإيماف نور لو تأثير حتى في قلب المنافق؛ لقولو تعالى{ :فلما أضاءت ما حولو}الإيماف أضاء بعض الشيء في قلوبهم؛ ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر؛ ولهذا قاؿ تعالى في سورة المنافقين. وىي أوسع ما تحدَّث الله بو عن المنافقين{ :ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم[ }المنافقوف: ٖ]
عدد الصفحات ١٣٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 137 - سورة البقرة الجزء الاول ٘- أنو بعد أف ذىب ىذا الضياء حلت الظلمة الشديدة؛ بل الظلمات.. ٙ- أف الله تعالى جازاىم على حسب ما في قلوبهم{ :ذىب الله بنورىم}، كأنو أخذه قهراً .. فإف قاؿ قادل: أليس في ىذا دليل على مذىب الجبرية؟ فالجواب: لا؛ لأف ىذا الذي حصل من رب العباد عزّ وجلّ بسببهم؛ وتذكَّر دادماً قوؿ الله تعالى{ :فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم[ }الصف: ٘] .حتى يتبين لك أف كل من وصفو الله بأنو أضلو فإنما ذلك بسبب منو. ٚ- تخلي الله عن المنافقين؛ لقولو تعالى[ :وتركهم ]ويتفرع على ذلك: أف من تخلى الله عنو فهو ىالك. ليس عنده نور، ولا ىدًى، ولا صلاح؛ لقولو تعالى: (وتركهم في ظلمات لا يبصروف) . ٛ- أف ىؤلاء المنافقين أصم الله تعالى آذانهم، فلا يسمعوف الحق؛ ولو سمعوا ما انتفعوا؛ ويجوز أف يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع بو، كما في قولو تعالى{ :و تكونوا كالذين قالوا سمعنا وىم لا يسمعوف}الأنفاؿ: ٕٔ) ٜ- أف ىؤلاء المنافقين لا ينطقوف بالحق. كالأبكم.. ٓٔ- أنهم لا يبصروف الحق. كالأعمى.. ٔٔ- أنهم لا يرجعوف عن غيِّهم؛ لأنهم يعتقدوف أنهم محسنوف، وأنهم صاروا أصحاباً للمؤمنين، وأصحاباً للكافرين: ىم أصحاب للمؤمنين في الظاىر، وأصحاب للكافرين في الباطن؛ ومن استحسن شيئاً فإنو لا يكاد أف يرجع عنو.. أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيوِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبػَرْؽٌ يَجْعَلُوفَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّوُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (ٜٔ) يَكَادُ الْبػَرْؽُ يَخْطَفُ أَبْصَارَىُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيوِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّوُ لَذَىَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِىِمْ إِفَّ اللَّوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (ٕٓ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :أو كصيِّب من السماء}؛ {أو} ىنا للتنويع؛ لأف المثل الثاني نوع آخر؛ والكاؼ اسم بمعنى "مِثل"؛ فالمعنى: أو مِثل صيب؛ ويجوز أف نقوؿ: إف الكاؼ حرؼ تشبيو، والتقدير: أو مَثلهم كصيب؛ و "الصيِّب" المطر النازؿ من السماء؛ والمراد بػ {السماء} ىنا العلو.. قولو تعالى{ :فيو ظلمات} أي معو ظلمات؛ لأف الظلمات تكوف مصاحبة لو؛ وىذه الظلمات ثلاث: ظلمة الليل؛ وظلمة السحاب؛ وظلمة المطر؛ والدليل على أنها ظلمة الليل قولو تعالى بعد ذلك: {يكاد البرؽ يخطف أبصارىم} ، وقولو تعالى: {كلما أضاء لهم مشوا فيو} :وىذا لا يكوف إلا في الليل؛ والثاني: ظلمة السحاب؛ لأف السحاب الكثير يتراكم بعضو على بعض، فيَحدُث من ذلك ظلمةٌ فوؽ ظلمة؛ والثالث: ظلمة المطر النازؿ؛ لأف المطر النازؿ لو كثافة تُحدِث ظلمةً؛ ىذه ثلاث ظلمات؛ وربما تكوف أكثر، كما لو كاف في الجو غبار..
عدد الصفحات ١٣٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 138 - سورة البقرة الجزء الاول قولو تعالى{ :ورعد وبرؽ} ؛ "الرعد" ىو الصوت الذي نسمعو من السحاب؛ أما "البرؽ" فهو النور الذي يلمع في السحاب..فهؤلاء عندىم ظلمات في قلوبهم. فهي مملوءة ظلمة من الأصل؛ أصابها صيب. وىو القرآف. فيو رعد؛ والرعد ىو وعيد القرآف؛ إلا أنو بالنسبة لهؤلاء المنافقين وخوفهم منو كأنو رعد شديد؛ وفيو برؽ. وىو وعد القرآف؛ إلا أنو بالنسبة لما فيو من نور، وىدى يكوف كالبرؽ؛ لأف البرؽ ينير الأرض.. قولو تعالى{ :يجعلوف أصابعهم في آذانهم} ؛ الضمير في {يجعلوف} يعود على أصحاب الصيب؛ ففيها حذؼ المضاؼ؛ والتقدير: أصحاب الصيب؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأنو ليس المشبو بو ىنا ىو الصيب؛ وإنما المشبو بو الذين أصابهم الصيب؛ و "أصابع" جمع أصبع، وفيو عشر لغات أشار إليها في قولو:. (وىمزَ أنملةٍ ثلِّث وثالثَو التسعُ في إصبعٍ واختم بأصبوع ) ىذا وقد قيل: إف في الآية مجازاً من وجهين؛ الأوؿ: أف الأصابع ليست كلها تجعل في الأذف؛ والثاني: أنو ليس كل الأصبع يدخل في الأذف؛ والتحقيق: أنو ليس في الآية مجاز؛أما الأوؿ: فلأف "أصابع" جمع عادد على قولو تعالى: {يجعلوف} ، فيكوف من باب توزيع الجمع على الجمع. أي يجعل كل واحد منهم أصبعو في أذنو؛ وأما الثاني: فلأف المخاطَب لا يمكن أف يفهم من جعْل الأصبع في الأذف أف جميع الأصبع تدخل في الأذف؛ وإذا كاف لا يمكن ذلك امتنع أف تحمل الحقيقة على إدخاؿ جميع الأصبع؛ بل الحقيقة أف ذلك إدخاؿ بعض الأصبع؛ وحينئذ لا مجاز في الآية؛ على أف القوؿ الراجح أنو لا مجاز في القرآف أصلاً؛ لأف معاني الآية تدرؾ بالسياؽ؛ وحقيقة الكلاـ: ما دؿّ عليو السياؽ. وإف استعملت الكلمات في غير أصلها؛ وبحث ذلك مذكور في كتب البلاغة، وأصوؿ الفقو، وأكبر دليل على امتناع المجاز في القرآف: أف من علامات المجاز صحة نفيو، وتبادر غيره لولا القرينة؛ وليس في القرآف ما يصح نفيو؛ وإذا وجدت القرينة صار الكلاـ بها حقيقة في المراد بو.. قولو تعالى{ :من الصواعق} ؛ {من} سببية. أي يجعلونها بسبب الصواعق؛ و {الصواعق} جمع صاعقة؛ وىي ما تَصعَق. أي تُهلك. مَنْ أصابتو؛ ىذه الصواعق معروفة بآثارىا؛ فهي نار تنطلق من البرؽ؛ فإذا أصابت أحداً، أو شيئاً أحرقتو؛ وغالباً تسقط على النخيل، وتحرقها؛ وترى فيها النار، والدخاف؛ وأحياناً تسقط على المنازؿ وتهدمها؛ لأنها كتلة نارية تنطلق بشدة لها ىواء تدفعو أمامها.. فيجعلوف أصابعهم في آذانهم من ىذه الصواعق لئلا يموتوا؛ ولكنهم لا ينجوف منها بهذا الفعل؛ إلا أنهم كالنعامة إذا رأت الصياد أدخلت رأسها في الرمل لئلا تراه؛ وتظن أنها إذا لم تره تنجو منو! وكذلك الذين يجعلوف أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلموف بهذا؛ إذا أراد الله تعالى أف يصيبهم أصابهم؛ ولهذا قاؿ تعالى{ :وا محيط بالكافرين}، فلن ينفعهم الحذر..
عدد الصفحات ١٤٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 139 - سورة البقرة الجزء الاول ولما بػَيَّن الله شدة الصوت، وأنهم لفرارىم منو، وعدـ تحملهم إياه يجعلوف أصابعهم في آذانهم بػَيَّن شدة الضوء عليهم، فقاؿ تعالى{ :يكاد البرؽ يخطف أبصارىم} أي يقرب أف يخطف أبصارىم. أي يأخذىا بسرعة، فتعمى؛ وذلك لقوتو، وضعف أبصارىم.. قولو تعالى{ :كلما أضاء لهم مشوا فيو}؛ فكأنهم ينتهزوف فرصة الإضاءة، ولا يتأخروف عن الإضاءة طرفة عين؛ كلما أضاء لهم. ولو شيئاً يسيراً . مشوا فيو.. قولو تعالى{ :وإذا أظلم عليهم} أي أصابهم بظلمة؛ وذلك أف الضوء إذا انطفأ بسرعة اشتدت الظلمة بعده؛ {قاموا} أي وقفوا.. قولو تعالى{ :ولو شاء الله لذىب بسمعهم وأبصارىم} دوف أف تحدث الصواعق، ودوف أف يحدث البرؽ؛ لأف الله على كل شيء قدير؛ فهو قادر على أف يُذىب السمع و البصر بدوف أسباب: فيذىب السمع بدوف صواعق، والبصر بدوف برؽ؛ {إف الله على كل شيء قدير} .. ىذا المثل ينطبق على منافقين لم يؤمنوا أصلاً؛ بل كانوا كافرين من قبل، كاليهود؛ لأف المنافقين منهم عرب من الخزرج، والأوس؛ ومنهم يهود من بني إسراديل؛ فاليهود لم يذوقوا طعم الإيماف أبداً؛ لأنهم كفار من الأصل؛ لكن أظهروا الإسلاـ خوفاً من النبي بعد أف أعزه الله في بدر؛ فهؤلاء ليسوا على ىدًى. كالأولين؛ الأولوف استوقدوا النار، وصار عندىم شيء من النور بهذه النار، ثم. والعياذ بالله. انتكسوا؛ لكن ىؤلاء من الأصل في ظلمات؛ فيكوف ىذا المثل غير المثل الأوؿ؛ بل ىو لقوـ آخرين؛ والمنافقوف أصناؼ بلا شك.. و"الصواعق" عبارة عما في القرآف من الإنذار، والخوؼ؛ ولهذا يقوؿ الله سبحانو وتعالى عنهم في آية أخرى: {يحسبوف كل صيحة عليهم[ }المنافقوف: ٗ]؛ و "البرؽ" نور الإسلاـ، لكنو ليس نوراً يستمر؛ نور البرؽ ينقطع في لحظة؛ وميض؛ فهؤلاء لم يدخل الإيماف في قلوبهم أصلاً، ولا فكروا في ذلك؛ وإنما يروف ىذا النور العظيم الذي شع، فينتفعوف بو لمجرد خطوة يخطونها فقط؛ وبعد ذلك يقفوف؛ كذلك أيضاً يكاد البرؽ يخطف أبصارىم؛ لأنهم لا يتمكنوف من رؤية النور الذي جاء بو النبي ؛ بل لكبريادهم، وحسدىم للعرب يكاد ىذا البرؽ يعمي أبصارىم؛ لأنو قوي عليهم لا يستطيعوف مدافعتو، ومقابلتو.. فالظاىر أف القوؿ الراجح أف ىذين مثلاف يتنَزلاف على صنفين من المنافقين.. فإف قاؿ قادل: الصنف الأوؿ كيف نقوؿ: إنو دخل الإيماف في قلوبهم؟ فالجواب: نقوؿ: نعم؛ قاؿ الله تعالى{ :ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهوف[ }المنافقوف: ٖ]؛ وىذا يدؿ على أنهم آمنوا أولاً، ثم كفروا ثانياً؛ لأف الإيماف لم يستقر في قلوبهم، ولم تستنر بو؛ وإنما ىو وميض ضوء ما لبث أف طفئ؛ وإلا فإف الإيماف إذا دخل القلب دخولاً حقيقياً فإنو لن يخرج منو بإذف الله؛ ولهذا سأؿ ىرقل أبا سفياف عن أصحاب الرسوؿ الذين يدخلوف في الإسلاـ: "فػَهَلْ يػَرْتَد أَحَدٌ مِنػْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِوِ بػَعْدَ أَفْ
عدد الصفحات ١٤١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 141 - سورة البقرة الجزء الاول يَدْخُلَ فيو؛ فقاؿ: لا؛ فقاؿ: وَكَذَلِكَ الإِْيْمَافُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُ وُ القُلوبَ " (ٔ) ؛ لكن الإيماف الهش - الذي لم يتمكن من القلب - ىو الذي يُخشى على صاحبو.. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٚص٘ٚٔ: وأمّ ا الَّذِينَ لَمْ يػَزَالُوا مُنَافِقِينَ فَضَرَبَ لَهُمْ الْمَثَلَ الآْخَرَ وَىُوَ قػَوْلُوُ { :أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيوِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبػَرْؽٌ }وَىَذَا أَصَح الْقَوْلَيْنِ . فَإِفَّ الْمُفَسِّرِينَ اخْتػَلَفُوا ىَلْ الْمَثَلاَفِ مَضْرُوبَافِ لَهُمْ كُلِّهِمْ أَوْ ىَذَا الْمَثَلُ لِبػَعْضِهِمْ؟ عَلَى " قػَوْلَيْنِ ". وَ " الثَّانِي " ىُوَ الصَّوَابُ لأَِنَّوُ قَاؿَ { :أَوْ كَصَيِّبٍ }وَإِنَّمَا يػَثْبُتُ بِهَا أَحَدُ الأَْمْرَيْنِ؛ فَدَؿَّ ذَلِكَ عَلَى أَنػَّهُمْ مَثػَلُهُمْ ىَذَا وَىَذَا فَإِنػَّهُمْ لاَ يَخْرُجُوفَ عَنْ الْمَثػَلَيْنِ بَلْ بػَعْضُهُمْ يُشْبِوُ ىَذَا وَبػَعْضُهُمْ يُشْبِوُ ىَذَا وَلَوْ كَانُوا كُل هُمْ يُ شْبِهُوفَ الْمَثػَلَيْنِ لَمْ يَذْكُرْ (أَوْ بَلْ يَذْكُرْ الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ . وَقػَوْؿُ مَنْ قَاؿَ : (أَوْ ىَاىُنَا لِلتَّخْيِيرِ - كَقَوْلِهِمْ : جَالِسْ الْحَسَنَ أَوْ ابْنَ سِيرِين - لَيْسَ بِشَيْءِ لأَِفَّ التَّخْيِيرَ يَكُوفُ فِي الأَْمْرِ وَالطَّلَبَ لاَ يَكُوفُ فِي الْخَبَرِ وَكَذَلِكَ قػَوْؿُ مَنْ قَاؿَ : أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَوْ لِتَشْكِيكِ الْمُخَاطَبِينَ أَوْ الإِْبػْهَاـِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِشَيْءِ فَإِفَّ اللَّوَ يُرِيدُ بِالأَْمْثَاؿِ الْبػَيَافَ وَالتػَّفْهِيمَ لاَ يُرِيدُ التَّشْكِيكَ وَالإِْ بػْهَاـَ . وَالْمَقْصُودُ تػَفْهِيمُ الْمُؤْمِنِينَ حَالَهُمْ وَيَدُؿ عَلَى ذَلِكَ أَنَّوُ قَاؿَ فِي " الْمَثَلِ الأَْوَّؿِ { :"صُم بُكْمٌ عُمْيٌ }وَقَاؿَ فِي " الثَّانِي { :"يَجْعَلُوفَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّوُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ { }يَكَادُ الْبػَرْؽُ يَخْطَفُ أَبْصَارَىُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيوِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّوُ لَذَىَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِىِمْ إفَّ اللَّوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }فػَبػَيَّنَ فِي " الْمَثَلِ الثَّانِي " أَنػَّهُمْ يَسْمَعُوفَ وَيػُبْصِرُوفَ {وَلَوْ شَاءَ اللَّوُ لَذَىَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِىِمْ }وَفِي " الأَْوَّؿِ " كَانُوا يػُبْصِرُوفَ ثُمَّ صَارُوا {فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يػُبْصِرُوفَ { }صُم بُكْمٌ عُمْيٌ } وَفِي " الثَّانِي { "كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ }الْبػَرْؽُ {مَشَوْا فِيوِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا}فػَلَهُمْ " حَالاَفِ ": حَاؿُ ضِيَاءٍ وَحَاؿُ ظَلاَـٍ وَالأَْوَّلُوفَ بػَقُوا فِي الظ لْمَةِ . فَالأَْوَّؿُ حَاؿُ مَنْ كَافَ فِي ضَوْءٍ فَصَارَ فِي ظُلْمَةٍ وَالثَّانِي حَاؿُ مَنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ لاَ فِي ضَوْءٍ وَلاَ فِي ظُلْمَةٍ بَلْ تَخْتَلِفُ عَلَيْوِ الأَْحْوَاؿُ الَّتِي تُوجِبُ مَقَامَوُ وَاسْتِرَابػَتَوُ . قاؿ الطبري{ :إِف اللَّوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَ دير} :وإنما وَصف الله نفسو جلّ ذكره بالقدرة على كل شيء في ىذا الموضع، لأنو حذَّر المنافقين بأسو وسطوتو، وأخبرىم أنو بهم مُحيطٌ، وعلى إذىاب أسماعهم وأبصارىم قَديرٌ . ثم قاؿ: فاتقوني أي ها المنافقوف، واحذرُوا خِداعي وخداعَ رسولي وأىلِ الإيماف بي، لا أحِلَّ بكم نقمتي، فإني على ذلك وعلى غيره من الأشياء قدير. ومعنى"قدير" قادر، كما معنى"عليم" عالم، على ما وصفتُ فيما تَقدـ من نظادره، من زيادة معنى فعيل على فاعل في المدح والذـ.
عدد الصفحات ١٤٢أحِلَّ بكم نقمتي، فإني على ذلك وعلى غيره من الأشياء قدير. ومعنى"قدير" قادر، كما معنى"عليم" عالم، على ما وصفتُ فيما تَقدـ من نظادره، من زيادة معنى فعيل على فاعل في المدح والذـ. قاؿ السعدي: وفي ىذه الآية وما أشبهها، رد على القدرية القادلين بأف أفعالهم غير داخلة في قدرة الله تعالى، لأف أفعالهم من جملة الأشياء الداخلة في قولو: {إف الله على كل شيء قدير} . 1- أخرجو البخاري صٔ - ٕ، كتاب بدء الوحي، حـديث رقـم ٚ؛ وأخرجـو مسـمم صٕٜٜ - ٖٜٜ، كتـاب الجيـاد والسـير، بـاب ٕٙ: كتـب النبـي إلـى ىرقـل ... ، حديث رقم ٚٓٙٗ [ٗٚ]ٖٚٚٔ.
عدد الصفحات ١٤٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 141 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٛصٚ: اتػَّفَقَ الْمُسْلِمُوفَ وَسَادِرُ أَىْلِ الْمِلَلِ عَلَى أَفَّ اللَّوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآفُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا ، فػَنػَقُوؿُ : ىُنَا مَسَادِلُ : الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى : قَدْ أَخْبػَرَ اللَّوُ أَنَّوُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَالنَّاسُ فِي ىَذَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقػْوَاؿٍ : وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْوِ عَامَّةُ الن ظَّارِ وَىُوَ أَفَّ الْمُمْتَنِعَ لِذَاتِوِ لَيْسَ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ وَإِفْ كَانُ وا مُتػَنَازِعِينَ فِي الْمَعْدُوـِ فَإِفَّ الْمُمْتَنِعَ لِذَاتِوِ لاَ يُمْكِنُ تَحَق قُوُ فِي الْخَارِجِ . وَلاَ يػَتَصَوَّرُهُ الذِّىْنُ ثَابِتًا فِي الْخَارِجِ؛ وَلَكِنْ يػُقَدَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الذِّىْنِ ثُمَّ يُحْكَمُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّوُ مُمْتَ نِعٌ فِي الْخَارِجِ؛ إذْ كَافَ يَمْتَنِعُ تَحَق قُوُ فِي الأَْعْيَافِ وَتَصَو رُهُ فِي الأَْذْىَافِ؛ إلاَّ عَلَى وَجْوِ التَّمْثِيلِ : بِأَفْ يػُقَاؿَ : قَدْ تَجْتَمِعُ الْحَرَكَةُ وَالس كُوفُ فِي الشَّيْءِ فػَهَلْ يُمْكِنُ فِي الْخَارِجِ أَفْ يَجْتَمِعَ السَّوَادُ وَالْبػَيَاضُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ . كَمَا تَجْتَمِعُ الْحَرَكَةُ وَالس كُوفُ . فػَيػُقَاؿُ : ىَذَا غَيػْرُ مُمْكِنٍ فػَيػُقَدَّرُ اجْتِمَاعُ نَظِيرِ الْمُمْكِنِ ثُمَّ يُحْكَمُ بِامْتِنَاعِوِ وَأَمَّا نػَفْسُ اجْتِمَاعِ الْبػَيَاضِ وَالسَّوَادِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَلاَ يُمْكِنُ وَلاَ يػُعْقَلُ فػَلَيْسَ بِشَيْءِ لاَ فِي الأَْعْيَافِ وَلاَ فِي الأَْذْىَافِ . فػَلَمْ يَدْخُلْ فِي قػَوْلِوِ { :وَىُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَفَّ الْمَعْدُوـَ لَيْسَ بِشَيْءِ فِي الْخَارِجِ عِنْدَ الْ جُمْهُورِ وَىُوَ الصَّوَابُ . الى أف قاؿ رحمو اللّو: والتّ حْ قِ يقُ : أَفَّ الشَّيْءَ اسْمٌ لِمَا يُوجَدُ فِي الأَْعْيَافِ وَلِمَا يػُتَصَوَّرُ فِي الأَْذْىَافِ . فَمَا قَدَّرَهُ اللَّوُ وَعَلِمَ أَنَّوُ سَيَكُوفُ ىُوَ شَيْءٌ فِي التػَّقْدِيرِ وَالْعِلْمِ وَالْكِ تَابِ وَإِفْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا فِي الْخَارِجِ . وَمِنْوُ قػَوْلُوُ { :إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَفْ يػَقُوؿَ لَوُ كُنْ فػَيَكُوفُ }وَلَفْظُ الشَّيْءِ فِي الآْيَةِ يػَتػَنَاوَؿُ ىَذَا وَىَذَا. فػَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مَا وُجِدَ وَكُل مَا تَصَوَّ رَهُ الذِّىْنُ مَوْجُودًا إفْ تُصُوِّرَ أَفْ يَكُوفَ مَوْجُودًا قَدِيرٌ؛ لاَ يُسْتَثػْنَى مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَلاَ يػُزَادُ عَلَيْوِ شَيْءٌ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :بػَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَفْ نُسَوِّيَ بػَنَانَوُ }وَقَاؿَ{ :قُلْ ىُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَفْ يػَبػْ عَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فػَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ }وَقَدْ ثػَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنػَّهَا لَمَّا نػَزَلَتْ قَاؿَ النَّبِي {أَعُوذُ بِوَجْهِك فػَلَمَّا نػَزَؿَ { :أَوْ يػَلْبِسَكُمْ شِيػَعًا }الآْيَةَ قَاؿَ : ىَاتَافِ أَىْوَفُ }فػَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الأوليتين وَإِفْ لَمْ يػَفْعَلْهُمَا وَقَاؿَ { :وَأَنػْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَْرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَىَابٍ بِوِ لَقَادِرُوفَ }قَاؿَ الْمُفَسِّرُوفَ : لَقَادِرُوفَ عَلَى أَفْ نَذْىَبَ بِوِ حَتَّى تَمُوتُوا عَطَشًا وَتػَهْلَكَ مَوَاشِيكُمْ وَتَخْرَبَ أَرَاضِيكُمْ . وَمَعْلُوـٌ أَنَّوُ لَمْ يَذْىَبْ بِوِ
عدد الصفحات ١٤٣}قَاؿَ الْمُفَسِّرُوفَ : لَقَادِرُوفَ عَلَى أَفْ نَذْىَبَ بِوِ حَتَّى تَمُوتُوا عَطَشًا وَتػَهْلَكَ مَوَاشِيكُمْ وَتَخْرَبَ أَرَاضِيكُمْ . وَمَعْلُوـٌ أَنَّوُ لَمْ يَذْىَبْ بِوِ وَىَذَا كَقَوْلِوِ { :أَفػَرَأَيػْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُوفَ }إلَى قػَوْلِوِ { :وَتَجْعَلُوفَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُوفَ }وَىَذَا يَدُؿ عَلَى أَنَّوُ قَادِرٌ عَلَى مَا لاَ يػَفْعَلُوُ . فَإِنَّوُ أَخْبػَرَ أَنَّوُ لَوْ شَاءَ جَعَلَ الْمَاءَ أُجَاجًا وَىُوَ لَمْ يػَفْعَلْوُ وَمِثْلُ ىَذَا{ :وَلَوْ شِئػْنَا لآَتػَيػْنَا كُلَّ نػَفْسٍ ىُدَاىَا} {وَلَوْ شَاءَ رَب كَ لآَمَنَ مَنْ فِي الأَْرْضِ { . }وَلَوْ شَاءَ اللَّوُ مَا اقػْتَتػَلُوا}فَإِنَّوُ أَخْبػَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّوُ لَوْ شَاءَ لَفَعَلَ أَشْيَاءَ وَىُوَ لَمْ يػَفْعَلْهَا فػَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَيػْهَا لَكَافَ إذَا شَاءَىَا لَمْ يُمْكِنْ فِعْلُهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنَّوُ عَلَى كُ لِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فػَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَفػْعَاؿُ الْعِبَادِ وَغَيػْرُ أَفػْعَاؿِ الْعِبَادِ . وَأَكْثػَرُ الْمُعْتَزِلَةِ يػَقُولُوفَ : إفَّ أَفػْعَاؿَ الْعَبْدِ غَيػْرُ مَقْدُورَةٍ . الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : أَنَّوُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَفػْعَاؿُ نػَفْسِوِ وَقَدْ نَطَقَتْ الن صُوصُ بِهَذَا وَىَذَا كَقَوْلِوِ تػَعَالَى{ :أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَفْ يَخْلُقَ مِثػْلَهُ مْ { }أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَفْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى{ }بػَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَفْ
عدد الصفحات ١٤٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 142 - سورة البقرة الجزء الاول نُسَوِّيَ بػَنَانَوُ }وَنَظَادِرُهُ كَثِيرَةٌ . وَالْقُدْرَةُ عَلَى الأَْعْيَافِ جَاءَتْ فِي مِثْلِ قػَوْلِوِ { :وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسَافَ { }أَيَحْسَبُ أَفْ لَنْ يػَقْدِرَ عَلَيْوِ أَحَدٌ }وَجَاءَتْ مَنْصُوصًا عَلَيػْهَا فِي الْكِتَابِ وَالس نَّةِ أَمَّا الْكِتَابُ فػَقَوْلُوُ { :فَإِمَّا نَذْىَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنػْهُمْ مُنْتَقِمُوفَ }فػَبػَيَّنَ أَنَّوُ سُبْحَانَوُ يػَقْدِرُ عَلَيْهِمْ أَنػْفُسِهِمْ وَىَذَا نَص فِي قُدْرَتِوِ عَلَى الأَْعْيَافِ الْمَفْعُولَةِ وَقػَوْلُوُ { :وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ }و {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ }وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَىُوَ يَدُؿ بِمَفْهُومِوِ عَلَى أَفَّ الرَّبَّ ىُوَ الْجَبَّارُ عَلَيْهِمْ الْمُسَيْطِرُ وَذَلِكَ يَسْتػَلْ زِـُ قُدْرَتَوُ عَلَيْهِمْ . الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : أَفَّ الْقُدْرَةَ ىِيَ قُدْرَتُوُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ " نػَوْعَافِ : لازِـٌ وَمُتػَعَدٍّ وَ " النػَّوْعَافِ " فِي قػَوْلِوِ { :ىُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّاـٍ ثُ مَّ اسْتػَوَى عَلَى الْعَرْشِ }فَالاِسْتِوَاءُ وَالإِْتػْيَافُ وَالْمَجِيءُ وَالنػ زُوؿُ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَفػْعَاؿٌ لاَزِمَةٌ لاَ تػَتػَعَدَّى إلَى مَفْعُوؿٍ؛ بَلْ ىِيَ قَادِمَةٌ بِالْفَاعِلِ وَالْخَلْقِ وَالرِّزْؽِ وَالإِْمَاتَةِ وَالإِْحْيَاءِ وَالإِْعْطَاءِ وَالْمَنْعِ وَالْهُدَى وَالنَّصْرِ وَالتػَّنْزِيلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ تػَتػَعَدَّى إلَى مَفْعُوؿٍ . الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : دَوَاـُ كَوْنِوِ قَادِرًا فِي الأَْزَؿِ وَالأَْبَدِ فَإِنَّوُ قَادِرٌ وَلاَ يػَ زَاؿُ قَادِرًا عَلَى مَا يَشَاؤُهُ بِمَشِيئَتِوِ فػَلَمْ يػَ زَؿْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَىَذَا قػَوْؿُ السَّلَفِ وَالأَْدِمَّةِ كَابْنِ الْمُبَارَؾِ وَأَحْمَد. إلَى أَفْ قَاؿَ : وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ تػَعْلِيقًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبػَيْرٍ أَفَّ رَجُلاً سَأَؿَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قػَوْلِوِ { :وَكَافَ اللَّوُ غَفُورًا رَحِيمًا { }وَكَافَ اللَّوُ عَزِيزًا حَكِيمًا{ }وَكَافَ اللَّوُ سَمِيعًا بَصِيرًا}فَكَأَنَّوُ كَافَ فَمَضَى فػَقَاؿَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قػَوْلُوُ {وَكَافَ اللَّوُ { }وَكَافَ اللَّوُ }فَإِنَّوُ يُجِل نػَفْسَوُ عَنْ ذَلِكَ وَسَمَّى نػَفْسَوُ بِ ذَلِكَ لَمْ يُجِلَّوُ أَحَدٌ غَيػْرُهُ وَكَافَ أَيْ لَمْ يػَزَؿْ كَذَلِكَ . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيتين: ٔ- تهديد الكفار بأف الله محيط بهم؛ لقولو تعالى{ :وا محيط بالكافرين}. ٕ- أف البرؽ الشديد يخطف البصر؛ ولهذا يُنهى الإنساف أف ينظر إلى البرؽ حاؿ كوف السماء تبرؽ؛ لئلا يُخطف بصره. ٖ- أف من طبيعة الإنساف اجتناب ما يهلكو؛ لقولو تعالى: (وإذا أظلم عليهم قاموا). ٗ- إثبات مشيئة الله؛ لقولو تعالى: (ولو شاء الله لذىب بسمعهم وأبصارىم) . ٘- أنو ينبغي للإنساف أف يلجأ إلى الله عزّ وجلّ أف يمتعو بسمعو، وبصره؛ لقولو تعالى{ :ولو شاء الله لذىب بسمعهم وأبصارىم}؛ وفي الدعاء المأثور: "متعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا" (ٔ) .. ٙ- أف من أسماء الله أنو قدير على كل شيء.. ٔ- أخرجو الترمذي صٕٕٔٓ، كتاب الدعوات، باب ٜٚ: الميم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننـا وبـين معاصـيك ... ، حـديث رقـم ٕٖٓ٘، قـال الألبـاني فـي صحيح الترمذي: حسن [ٖ/ٛٙٔ، حديث رقم ٖٕٛٚ]
عدد الصفحات ١٤٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 143 - سورة البقرة الجزء الاول ٚ- عموـ قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهو جلّ وعلا قادر على إيجاد المعدوـ، وإعداـ الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد، والفاسد إلى صالح، وغير ذلك.. يا أَيػ هَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قػَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تػَتػَّقُوفَ (ٕٔ) قاؿ ابن العثيمين يا أيها الناس: النداء ىنا وجِّو لعموـ الناس مع أف السورة مدنية؛ والغالب في السور المدنية أف النداء فيها يكوف موجهاً للمؤمنين. والله أعلم بما أراد في كتابو؛ ولو قاؿ قادل: لعل ىذه آية مكية جعلت في السورة المدنية؟ فالجواب: أف الأصل عدـ ذلك - أي عدـ إدخاؿ الآية المكية في السور المدنية، أو العكس؛ ولا يجوز العدوؿ عن ىذا الأصل إلا بدليل صحيح صريح؛ وعلى ىذا فما نراه في عناوين بعض السور أنها مدنية إلا آية كذا، أو مكية إلا آية كذا غير مسلَّم حتى يثبت ذلك بدليل صحيح صريح؛ وإلا فالأصل أف السورة المدنية جميع آياتها مدنية، وأف السور المكية جميع آياتها مكية إلا بدليل ثابت.. قاؿ القرطبي: قَاؿَ عَلْقَمَةُ وَمُجَاىِدٌ : كُل آيَةٍ أَوَّلُهَا" يَا أَيػ هَا النَّاسُ " فَإِنَّمَا نػَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَكُلِّ آيَةٍ أَوَّلُهَا" يَا أَيػ هَا الَّذِينَ آمَنُوا" فَإِنَّمَا نػَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ . قػُلْتُ : وَىَذَا يػَرُد هُ أَفَّ ىَذِهِ الس ورَةَ وَالنِّسَ اءَ مَدَنِيَّتَافِ وَفِيهِمَا يَا أَيػ هَا النَّاسُ . وَأَمَّا قولهما في" يا أَيػ هَا الَّذِينَ آمَنُوا[ "النساء: ٜٔ]فَصَحِيحٌ . وَقَاؿَ عُرْوَةُ بْنُ الز بػَيْرِ : مَا كَافَ مِنْ حَدٍّ أَوْ فَرِيضَةٍ فَإِنَّوُ نػَزَؿَ بِالْمَدِينَةِ، وَمَا كَافَ مِنْ ذِكْرِ الأُْمَمِ وَالْعَذَابِ فَإِنَّوُ نػَزَؿَ بِمَكَّةَ . وَىَذَا وَاضِحٌ . وَاخْتُلِفَ مِنَ الْمُرَادِ بِالنَّاسِ ىُنَا عَلَى قػَوْلَيْنِ : أَحَدِىِمَا: الْكُفَّارُ الَّذِينَ لَمْ يػَعْبُدُوهُ، يَدُؿ عَلَيْوِ قػَوْلُوُ " وَإِفْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ " [البقرة: ٖٕ]الثَّانِي: أَنَّوُ عَاـ فِي جَمِيعِ النَّاسِ، فػَيَكُوفُ خِطَابُوُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاسْتِدَامَةِ الْعِبَادَةِ، وَلِلْكَافِرِينَ بِابْتِدَادِهَا. وَىَذَا حَسَنٌ . قػَوْلُوُ تػَعَالَى:" اعْبُدُوا" أَمْرٌ بِالْعِبَادَةِ لَوُ . وَالْعِبَادَةُ ىُنَا عِبَارَةٌ عَنْ تػَوْحِيدِهِ وَالْتِزَاـِ شَرَادِعِ دِينِوِ . وَأَصْلُ الْعِبَادَةِ الْخُضُوعُ وَالتَّذَل لُ، يػُقَاؿُ : طَرِيقٌ مُعَبَّدَةٌ إِذَا كَ انَتْ مَوْطُوءَةً بِالأَْقْدَاـِ . قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :اعبدوا ربكم} أي تذللوا لو بالطاعة؛ وذلك بفعل الأوامر، واجتناب النواىي ذلاً تاماً ناشئاً عن المحبة، والتعظيم؛ و "الرب" ىو الخالق المالك المدبر لشؤوف خلقو؛ {الذي خلقكم}أي أوجدكم من العدـ؛ {والذين من قبلكم} معطوؼ على الكاؼ في قولو تعالى: {خلقكم} .يعني وخلق الذين من قبلكم؛ والمراد بػ "من قبلنا": سادر الأمم الماضية..
عدد الصفحات ١٤٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 144 - سورة البقرة الجزء الاول وقولو تعالى{ :الذي خلقكم} صفة كاشفة تبين بعض معنى الربوبية؛ وليست صفة احترازية؛ لأنو ليس لنا رباف أحدىما خالق، والثاني غير خالق؛ بل ربنا ىو الخالق.. قاؿ القرطبي: خَصَّ تػَعَالَى خَلْقَوُ لَهُمْ مِنْ بػَيْنِ سَادِرِ صِفَاتِوِ إِذْ كَانَتِ الْعَرَبُ مُقِرَّةً بِأَفَّ اللَّوَ خَلَقَهَا، فَذَكَرَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وَتػَقْرِيعًا لَهُمْ . وَقِيلَ : لِيُذَكِّرَىُمْ بِذَلِكَ نِعْمَتَوُ عَلَ يْهِمْ . وَفِي أَصْلِ الْخَلْقِ وَجْهَافِ : أَحَدُىُمَا: التػَّقْدِيرُ، يػُقَاؿُ : خَلَقْتُ الأَْدِيمَ لِلسِّقَاءِ إِذَا قَدَّرْتُوُ قػَبْلَ الْقَطْعِ، قَاؿَ الشَّاعِرُ : وَلأََنْتَ تػَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ ... ضُ الْقَوْـِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يػَفْرِي وَقَ اؿَ الْحَجَّاجُ : مَا خَلَقْتُ إِلاَّ فػَرَيْتُ ، وَلاَ وَعَدْتُ إِلاَّ وَفػَّيْتُ . الثَّانِي: الإِْنْشَاءُ وَالاِخْتِرَاعُ وَالإِْبْدَاعُ، قَاؿَ اللَّوُ تػَعَالَى:" وَتَخْلُقُوفَ إِفْكاً [ "العنكبوت: ٚٔ] قػَوْلُوُ تػَعَالَى: (وَالَّذِينَ مِنْ قػَبْلِكُمْ ) فػَيػُقَاؿُ إِذَا ثػَبَتَ عِنْدَىُمْ خَلْقُهُمْ ثػَبَتَ عِنْدَىُمْ خَلْقُ غَيْرِىِمْ، فَالْجَوَابُ : أَنَّوُ إِنَّمَا يَجْرِي الْكَلاَـُ عَلَ ى التػَّنْبِيوِ وَالتَّذْكِيرِ لِيَكُوفَ أَبػْلَغَ فِي الْعِظَةِ، فَذَكَّرَىُمْ مَنْ قػَبػْلَهُمْ لِيػَعْلَمُوا أَفَّ الَّذِي أَمَاتَ مَنْ قػَبػْلَهُمْ وَىُوَ خَلَقَهُمْ يُمِيتػُهُمْ، وَلِيػُفَكِّرُوا فِيمَنْ مَضَى قػَبػْلَهُمْ كَيْفَ كَانُوا، وَعَلَى أَيِّ الأُْمُو رِ مَضَوْا مِنْ إِىْلاَؾِ مَنْ أَىْلَكَ، وَلِيػَعْلَمُوا أَنػَّهُمْ يػُبْتػَلَوْفَ كَمَا ابػْتػُلُوا. وَاللَّوُ أَعْلَمُ . قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٓٔصٜٔ: " الْعِبَادَةُ " ىِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِب وُ اللَّوُ وَيػَرْضَاهُ : مِنْ الأَْقػْوَاؿِ وَ الأَْعْمَاؿِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاىِرَةِ فَالصَّلاَةُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَاـُ وَالْحَج وَصِدْؽُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءُ الأَْمَانَةِ؛ وَبِر الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةُ الأَْرْحَاـِ وَالْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالأَْمْرُ بِالْمَعْرُوؼِ وَالنػَّهْيُ عَنْ الْمُنْ كَرِ . وَالْجِهَادُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالإِْحْسَافُ إلَى الْجَارِ وَالْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالْمَمْلُوؾِ مِنْ الآْدَمِيِّينَ وَالْبػَهَادِمِ وَالد عَاءِ وَالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَأَمْثَاؿِ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَةِ . وَ كَذَلِكَ حُب اللَّوِ وَرَسُولِوِ وَخَشْيَةُ اللَّوِ وَالإِْنَابَةُ إلَيْوِ . وَإِخْلاَصُ الدِّينِ لَوُ وَالصَّبػْرُ لِحُكْمِوِ وَالش كْرُ لِنِعَمِوِ وَالرِّضَا بِقَضَادِوِ؛ وَالتػَّوَك لُ عَلَيْوِ؛ وَالرَّجَاءُ لِرَحْمَتِوِ وَالْخَوْؼُ لِعَذَابِوِ وَأَمْ ثَاؿُ ذَلِكَ ىِيَ مِنْ الْعِبَادَةِ لِلَّوِ . وَذَلِكَ أَفَّ الْعِبَادَةَ لِلَّوِ ىِيَ الْغَايَةُ الْمَحْبُوبَةُ لَوُ وَالْمَرْضِيَّةُ لَوُ الَّتِي خَلَقَ الْخَلْقَ لَهَا كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إلاَّ لِيػَعْبُدُوفِ }وَبِهَا أَرْسَلَ جَمِيعَ الر سُلِ كَمَا قَاؿَ نُوحٌ لِقَوْمِوِ { :اعْبُدُوا اللَّوَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَوٍ غَيػْرُهُ }وَكَذَلِكَ قَاؿَ ىُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَغَيػْرُىُمْ لِقَوْمِهِمْ . وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :وَلَقَدْ بػَعَثػْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَفِ اُعْبُ دُوا اللَّوَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنػْهُمْ مَنْ ىَدَى اللَّوُ وَمِنػْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْوِ الضَّلاَلَةُ }وَقَاؿَ
عدد الصفحات ١٤٦بػَعَثػْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَفِ اُعْبُ دُوا اللَّوَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنػْهُمْ مَنْ ىَدَى اللَّوُ وَمِنػْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْوِ الضَّلاَلَةُ }وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قػَبْلِكَ مِنْ رَسُوؿٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْوِ أَنَّوُ لاَ إلَوَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُوفِ }وَقَاؿَ تػَ عَالَى{ :إِف ىَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَب كُمْ فَاتػَّقُوفِ }كَمَا قَاؿَ فِي الآْيَةِ الأُْخْرَى{ :يَا أَيػ هَا الر سُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تػَعْمَلُوفَ عَلِيمٌ }وَجَعَلَ ذَلِكَ لاَزِمًا لِرَسُ ولِوِ إلَى الْمَوْتِ كَمَا قَاؿَ { :وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ }وَبِذَلِكَ وَصَفَ مَلاَدِكَتَوُ وَأَنْبِيَاءَهُ فػَقَاؿَ تػَعَالَى{ :وَلَوُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُوفَ عَنْ عِبَادَتِوِ وَلاَ يَسْ تَحْسِرُوفَ } {يُسَبِّحُوفَ اللَّيْلَ وَالنػَّهَارَ لاَ يػَفْتػُرُوفَ }وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :إف الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُوفَ عَنْ عِبَادَتِوِ وَيُسَبِّحُونَوُ وَلَوُ يَسْجُدُوفَ }وَذَـ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَنػْهَا بِقَوْلِوِ { :وَقَاؿَ رَب كُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إفَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُوفَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُوفَ
عدد الصفحات ١٤٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 145 - سورة البقرة الجزء الاول جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }وَنػَعَتَ صَفْوَةَ خَلْقِوِ بِالْعُبُودِيَّةِ لَوُ فػَقَاؿَ تػَعَالَى{ :عَيػْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّوِ يػُفَجِّرُونػَهَا تػَفْجِيرًا }وَقَاؿَ: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُوفَ عَلَى الأَْرْضِ ىَوْنًا}الآْيَاتِ . وَلَمَّا قَاؿَ الشَّيْطَافُ { :قَاؿَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيػْتَنِي لأَُزَيػِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَْرْضِ وَلأَُغْوِيػَنػَّهُمْ أَجْمَعِينَ { }إ عِبَادَؾَ مِنػْهُمُ الْمُخْلَصِينَ }قَاؿَ اللَّوُ تػَعَالَى{ :إف عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَافٌ إلاَّ مَنِ اتػَّبػَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ }وَقَاؿَ فِي وَصْفِ الْمَلاَدِكَةِ بِذَلِكَ { :وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَوُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُوفَ { }لاَ يَسْبِقُونَوُ بِالْقَ وْؿِ وَىُمْ بِأَمْرِهِ يػَعْمَلُوفَ }إلَى قػَوْلِوِ { :وَىُمْ مِنْ خَشْيَتِوِ مُشْفِقُوفَ }وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا{ }تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يػَتػَفَطَّرْفَ مِنْوُ وَتػَنْشَق الأَْرْضُ وَتَخِر الْجِبَاؿُ ىَدًّا{ }أَفْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا{ }وَمَا يػَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَفْ يػَتَّخِذَ وَلَدًا{ }إفْ كُل مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ إلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا{ }لَقَدْ أَحْصَاىُمْ وَعَدَّىُمْ عَدًّا{ }وَكُل هُمْ آتِيوِ يػَوْـَ الْ قِيَامَةِ فػَرْدًا}وَقَاؿَ تػَعَالَى عَنْ الْمَسِيحِ - الَّذِي اُد عِيَتْ فِيوِ الإِْلَهِيَّةُ وَالن بػُوَّةُ - {إفْ ىُوَ إلاَّ عَبْدٌ أَنػْعَمْنَا عَلَيْوِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إسْرَادِيلَ }وَلِهَذَا قَاؿَ النَّبِي فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { :لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فػَقُولُوا: عَبْدُ اللَّوِ وَرَسُولُوُ }وَقَدْ نػَعَتَوُ اللَّوُ " بِالْعُبُودِيَّةِ " فِي أَكْمَلِ أَحْوَالِوِ فػَقَاؿَ فِي الإِْسْرَاءِ : {سُبْحَافَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْ دِهِ لَيْلاً }وَقَاؿَ فِي الإِْيحَاءِ { :فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}وَقَاؿَ فِي الدَّعْوَةِ { :وَأَنَّوُ لَمَّا قَاـَ عَبْدُ اللَّوِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُوفَ عَلَيْوِ لِبَدًا}وَقَاؿَ فِي التَّحَدِّي{ :وَإِفْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نػَزَّلْ نَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِوِ }فَالدِّينُ كُل وُ دَاخِلٌ فِي الْعِبَادَةِ . وَقَدْ ثػَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {أَف جِبْرِيلَ لَمَّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ فِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ وَسَأَلَوُ عَنْ الإِْسْلاَـِ قَاؿَ : أَفْ تَشْهَدَ أَفْ لاَ إلَوَ إلاَّ اللَّوُ وَأَفَّ مُحَمَّدًا رَسُوؿُ اللَّوِ وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ وَتػُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُوـَ رَمَضَافَ وَتَحُجَّ الْبػَيْتَ إفْ اسْتَطَعْت إلَيْوِ سَبِيلاً . قَاؿَ : فَمَا الإِْيمَافُ؟ قَاؿَ أَفْ تػُؤْمِنَ بِاَللَّوِ وَمَلاَدِكَتِوِ وَكُتُبِ وِ وَرُسُلِوِ وَالْبػَعْثِ بػَعْدَ الْمَوْتِ وَتػُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ . قَاؿَ فَمَا الإِْحْسَافُ؟ قَاؿَ أَفْ تػَعْبُدَ اللَّوَ كَأَنَّك تػَرَاهُ فَإِفْ لَمْ تَكُنْ تػَرَاهُ فَإِنَّوُ يػَرَاؾ ثُمَّ قَاؿَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ىَذَا جِبْرِيلُ جَاءَكُ مْ يػُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ }فَجَعَلَ ىَذَا كُلَّوُ مِنْ الدِّينِ . وَ " الدِّينُ " يػَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْخُضُوعِ وَالذ ؿِّ . يػُقَاؿُ : دِنْتو فَدَافَ أَيْ : ذَلَّلْتو فَذَؿَّ وَيػُقَاؿُ يَدِينُ اللَّوَ وَيَدِينُ لِلَّوِ أَيْ : يػَعْبُدُ اللَّوَ وَيُطِيعُوُ وَيَ خْضَعُ لَوُ فَدِينُ اللَّوِ عِبَادَتُوُ وَطَاعَتُوُ
عدد الصفحات ١٤٧دِنْتو فَدَافَ أَيْ : ذَلَّلْتو فَذَؿَّ وَيػُقَاؿُ يَدِينُ اللَّوَ وَيَدِينُ لِلَّوِ أَيْ : يػَعْبُدُ اللَّوَ وَيُطِيعُوُ وَيَ خْضَعُ لَوُ فَدِينُ اللَّوِ عِبَادَتُوُ وَطَاعَتُوُ وَالْخُضُوعُ لَوُ . وَ " الْعِبَادَةُ " أَصْلُ مَعْنَاىَا الذ ؿ أَيْضًا يػُقَاؿُ : طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ إذَا كَافَ مُذَلَّلاً قَدْ وَطِئَتْوُ الأَْقْدَاـُ . لَكِنَّ الْعِبَادَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا تػَتَضَمَّنُ مَعْنَى الذ ؿِّ وَمَعْنَى الْحُبِّ فَهِيَ تػَتَضَمَّنُ غَايَةَ الذ ؿِّ لِلَّوِ بِغَايَةِ الْمَحَبَّةِ لَوُ فَإِفَّ آخِرَ مَرَاتِبِ الْحُبِّ ىُوَ التَّتْمِيمُ وَأَوَّلُوُ " الْعَلاَقَةُ " لِتػَعَل قِ الْقَلْبِ بِالْمَحْبُوبِ ثُمَّ " الصَّبَابَةُ " لاِنْصِ بَابِ الْقَلْبِ إلَيْوِ ثُمَّ " الْغَرَاـُ " وَىُوَ الْحُب اللاَّزِـُ لِلْقَلْبِ ثُمَّ " الْعِشْقُ " وَآخِرُىَا " التَّتْمِيمُ " يػُقَاؿُ : تػَيْمُ اللَّوِ أَيْ : عَبْدُ اللَّوِ فَالْمُتػَيَّمُ الْمُعَبَّدُ لِمَحْبُوبِوِ . وَمَنْ خَضَعَ لإِِنْسَافِ مَعَ بػُغْضِ وِ لَوُ لاَ يَكُوفُ عَابِدًا لَوُ وَلَوْ أَحَبَّ شَيْئًا وَلَمْ يَخْضَعْ لَوُ لَمْ يَكُنْ عَابِدًا لَوُ كَمَا قَدْ يُحِب وَلَدَهُ وَصَدِيقَوُ وَلِهَذَا لاَ يَكْفِي أَحَدُىُمَا فِي عِبَادَةِ اللَّوِ تػَعَالَى بَلْ يَجِبُ أَفْ يَكُوفَ اللَّوُ أَحَبَّ إلَى الْعَبْدِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَفْ يَكُوفَ اللَّوُ أَعْظَمَ عِنْدَهُ مَنْ كُلِّ شَيْءٍ بَلْ لاَ يَسْتَحِق الْمَحَبَّةَ وَالذ ؿَّ التَّاـَّ إلاَّ اللَّوُ . وَكُل مَا أُحِبَّ لِغَيْرِ اللَّوِ فَمَحَبَّتُوُ فَاسِدَةٌ وَمَا عُظِّمَ بِغَيْرِ أَمْرِ اللَّوِ كَافَ تػَعْظِيمُوُ بَاطِلاً . قَاؿَ اللَّوُ تػَعَالَى{ :قُلْ إفْ كَافَ آبَاؤُكُمْ وَأَبػْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَاؿٌ اقػْتػَرَفػْتُمُوىَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْفَ كَسَادَىَا وَمَسَاكِنُ تػَرْضَوْنػَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّوِ وَرَسُولِوِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِوِ فػَتػَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّوُ بِأَمْرِهِ }فَجِنْسُ الْمَحَبَّةِ
عدد الصفحات ١٤٧