المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تفسير الجامع المعلى لمن أراد الفردوس الأعلى

لقمان حسن أمين أبو توحيد

صفحة ١١ من ١٠٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 122 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن كثير: وَقَدْ سُئِلَ الْقُرْطُبِي وَغَيػْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَ نْ حِكْمَةِ كَفِّوِ، عَلَيْوِ السَّلاَـُ، عَنْ قػَتْلِ الْمُنَافِقِينَ مَعَ عِلْمِوِ بِأَعْيَافِ بػَعْضِهِمْ، وَذَكَرُوا أَجْوِبَةً عَنْ ذَلِكَ مِنػْهَا مَا ثػَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّوُ قَاؿَ لِعُمَرَ : "أَكْرَهُ أَفْ يػَتَحَدَّثَ الْعَرَبُ أَفَّ مُحَمَّ دًا يػَقْتُلُ أَصْحَابَوُ " (ٔ) وَمَعْنَى ىَذَا خَشْيَةَ أَفْ يػَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ تػَغَيػ رٌ لِكَثِيرٍ مِنَ الأَْعْرَابِ عَنِ الد خُوؿِ فِي الإِْسْلاَـِ وَلاَ يػَعْلَمُوفَ حِكْمَةَ قػَتْلِوِ لَهُمْ، وَأَفَّ قػَتػْلَوُ إِيَّاىُمْ إِنَّمَا ىُوَ عَلَى الْكُفْرِ، فَإِنػَّهُمْ إِنَّمَا يَأْخُذُونَوُ بِمُجَرَّدِ مَا يَظْهَرُ لَهُمْ فػَيػَقُولُوفَ : إِفَّ مُحَمَّدًا يػَقْتُلُ أَصْحَابَوُ . (تػَنْبِيوٌ ) قػَوْؿُ مَنْ قَاؿَ : كَافَ عَلَيْوِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَـُ يػَعْلَمُ أَعْيَافَ بػَعْضِ الْمُنَافِقِينَ إِنَّمَا مُسْتػَنَدُهُ حَدِيثُ حُذَيػْفَةَ بْنِ الْيَمَافِ فِي تَسْمِيَةِ أُولَئِكَ الأَْرْبػَعَةَ عَشَرَ مُنَافِقًا فِي غَزْوَةِ تػَبُوؾَ الَّذِينَ ىَم وا أَفْ يػَفْتِكُوا بِرَسُوؿِ اللَّوِ فِي ظَلْمَاءِ اللَّيْلِ عِنْدَ عَقَبَةٍ ىُنَاؾَ؛ عَزَمُوا عَلَى أَفْ يػُنْفِرُوا بِوِ النَّ اقَةَ لِيَسْقُطَ عَنػْهَا فَأَوْحَى اللَّوُ إِلَيْوِ أَمْرَىُمْ فَأَطْلَعَ عَلَى ذَلِكَ حُذَيػْفَةَ . وَلَعَلَّ الْكَفَّ عَنْ قػَتْلِهِمْ كَافَ لِمُدْرَؾٍ مِنْ ىَذِهِ الْمَدَارِؾِ أَوْ لِغَيْرِىَا وَاللَّوُ أَعْلَمُ . فَأَمَّا غَيػْرُ ىَؤُلاَءِ فػَقَدْ قَاؿَ تػَعَ الَى{ :وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُوفَ وَمِنْ أَىْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النػِّفَاؽِ لاَ تػَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نػَعْلَمُهُمْ }الآْيَةَ، و قَاؿَ تػَعَالَى{ :لَئِنْ لَمْ يػَنْتَوِ الْمُنَافِقُوفَ وَالَّذِينَ فِي قػُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُ رْجِفُوفَ فِي الْمَدِينَةِ لَنػُغْرِيػَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا * مَلْعُونِينَ أَيػْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقػُتػِّلُوا تػَقْتِيلا}فَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّوُ لَمْ يػُغْرَ بِهِمْ وَلَمْ يُدْرِؾْ عَلَى أَعْيَانِهِمْ وَإِنَّمَ ا كَانَتْ تُذْكَرُ لَوُ صِفَاتػُهُمْ فػَيَتػَوَسَّمُهَا فِي بػَعْضِهِمْ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيػْنَاكَهُمْ فػَلَعَرَفػْتػَهُمْ بِسِيمَاىُمْ وَلَتػَعْرِفػَنػَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْؿِ }وَقَدْ كَافَ مِنْ أَشْهَرِىِمْ بِالنػِّفَاؽِ عَبْدُ اللَّوِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُوؿَ وَقَدْ شَهِدَ عَلَيْوِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ بِذَلِكَ الْكَلاَـِ الَّذِي سَبَقَ فِي صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَمَعَ ىَذَا لَمَّا مَاتَ [صَلَّى عَلَيْوِ ] وَشَهِدَ دَفػْنَوُ كَمَا يػَفْعَلُ بِبَقِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية: ٔ- أف الإنساف إذا لم يكن لو إقباؿ على الحق، وكاف قلبو مريضاً فإنو يعاقب بزيادة المرض؛ لقولو تعالى{ :في قلوبهم مرض فزادىم الله مرضاً }؛ وىذا المرض الذي في قلوب المنافقين: شبهات، وشهوات؛ فمنهم من علم الحق، لكن لم يُرِده؛ ومنهم من اشتبو عليو؛ وقد قاؿ الله تعالى في سورة النساء{ :إف الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً [ }النساء: ٖٚٔ]، وقاؿ تعالى في سورة المنافقين{ :ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهوف[ }المنافقوف: ٖ] ٕ- أف أسباب إضلاؿ اللَّوِ العبدَ ىو من العبد؛ لقولو تعالى{ :في قلوبهم مرض فزادىم الله مرضاً }؛ ومثل ذلك قولو

عدد الصفحات ١٢٤

ك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهوف[ }المنافقوف: ٖ] ٕ- أف أسباب إضلاؿ اللَّوِ العبدَ ىو من العبد؛ لقولو تعالى{ :في قلوبهم مرض فزادىم الله مرضاً }؛ ومثل ذلك قولو تعالى{ :فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم[ }الصف: ٘]، وقولو تعالى{ :ونقلب أفئدتهم وأبصارىم كما لم يؤمنوا بو أوؿ -1 صحيح البخاري برقم (ٕٜٓٗ) وصحيح مسمم برقم (ٖٖٗٔ) .

عدد الصفحات ١٢٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 123 - سورة البقرة الجزء الاول مرة[ }الأنعاـ: ٓٔٔ]، وقولو تعالى{ :فإف تولوا فاعلم أنما يريد الله أف يصيبهم ببعض ذنوبهم[ }الماددة: ٜٗ].. ٖ- أف المعاصي والفسوؽ، تزيد وتنقص، كما أف الإيماف يزيد وينقص؛ لقولو تعالى{ :فزادىم الله مرضاً }؛ والزيادة لا تُعقل إلا في مقابلة النقص؛ فكما أف الإيماف يزيد وينقص، كذلك الفسق يزيد، وينقص؛ والمرض يزيد، وينقص.. ٗ- الوعيد الشديد للمنافقين؛ لقولو تعالى: (ولهم عذاب أليم). ٘- أف العقوبات لا تكوف إلا بأسباب. أي أف الله لا يعذب أحداً إلا بذنب.؛ لقولو تعالى: (بما كانوا يكذبوف). ٙ- أف ىؤلاء المنافقين جمعوا بين الكذب، والتكذيب؛ وىذا شر الأحواؿ. ٚ- ذـ الكذب، وأنو سبب للعقوبة؛ فإف الكذب من أقبح الخصاؿ؛ وقد بين رسوؿ الله أف الكذب من خصاؿ المنافقين، فقاؿ "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب ... " (ٔ) الحديث؛ والكذب مذموـ شرعاً ، ومذموـ عادة، ومذموـ فطرة أيضاً .. (مسألة) إف قيل: كيف يكوف خداعهم لله وىو يعلم ما في قلوبهم؟ فالجواب: أنهم إذا أظهروا إسلامهم فكأنما خادعوا الله؛ لأنهم حينئذ تُجرى عليهم أحكاـ الإسلاـ، فيلوذوف بحكم الله. تبارؾ وتعالى. حيث عصموا دماءىم وأموالهم بذلك.. وَإِ ذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تػُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُوفَ (ٔٔ) أَلاَ إِنػَّهُمْ ىُمُ الْمُفْسِدُوفَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُوفَ (ٕٔ) قاؿ ابن العثيمين: القادل ىنا مبهم للعموـ. أي ليعم أيَّ قادل كاف؛ و "الإفساد في الأرض" ىو أف يسعى الإنساف فيها بالمعاصي. كما فسره بذلك السلف؛ لقولو تعالى{ :ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعوف [ }الروـ: ٔٗ] وقولو تعالى{ :في الأرض} المراد الأرض نفسها؛ أو أىلها؛ أو كلاىما. وىو الأولى؛ أما إفساد الأرض نفسها: فإف المعاصي سبب للقحط، ونزع البركات، وحلوؿ الآفات في الثمار، وغيرىا، كما قاؿ تعالى عن آؿ فرعوف لما عصوا رسولو موسى عليو السلاـ{ :ولقد أخذنا آؿ فرعوف بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكروف [ }الأعراؼ: ٖٓٔ]، فهذا فساد في الأرض.. -ٔأخرجو البخاري ص٘، كتاب الإيمان، باب ٕٗ: علامات المنافق، حديث رقم ٖٖ؛ وأخرجو مسمم صٜٓٙ، كتـاب الإيمـان، بـاب ٕ٘: خصـال المنـافق، حـديث رقم ٕٔٔ [ٚٓٔ]ٜ٘.

عدد الصفحات ١٢٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 124 - سورة البقرة الجزء الاول وأما الفساد في أىلها: فإف ىؤلاء المنافقين يأتوا إلى اليهود، ويقولوف لهم{ :لئن أخرجتم لنخرجنَّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإف قوتلتم لننصرنكم[ }الحشر: ٔٔ]فيزدادوا استعداءً للرسوؿ ومحاربة لو؛ كذلك أيضاً من فسادىم في أىل الأرض: أنهم يعيشوف بين المسلمين، ويأخذوف أسرارىم، ويفشونها إلى أعدادهم؛ ومن فسادىم في أىل الأرض: أنهم يفتحوف للناس باب الخيانة والتَقِيَّة، بحيث لا يكوف الإنساف صريحاً واضحاً، وىذا من أخطر ما يكوف في المجتمع.. قولو تعالى{ :قالوا إنما نحن مصلحوف} ؛ {إنما} أداة حصر؛ و {نحن}مبتدأ؛ و {مصلحوف} خبر؛ والجملة اسمية؛ والجملة الاسمية تفيد الثبوت، والاستمرار؛ فكأنهم يقولوف: ما حالنا إلا الإصلاح؛ يعني: أنو ليس فيهم إفساد مطلقاً .. ومن توفيق الله أنو لم يلهمهم، فيقولوا: إنما نحن المصلحوف؛ فلو أنهم قالوا: "نحن المصلحوف" كاف مقتضاه أف لا مصلح غيرىم؛ لكنهم قالوا: {إنما نحن مصلحوف}أي ما حالنا إلا إصلاح؛ ولم يدَّعوا أنهم المصلحوف وحدىم قولو تعالى{ :أ إنهم ىم المفسدوف}؛ {أ}أداة تفيد التنبيو، والتأكيد؛ و {إنهم}توكيد أيضاً؛ و {ىم} :ضمير فصل يفيد التوكيد أيضاً؛ فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات : {أ} ، و "إف"، و {ىم} وىذا من أبلغ صيغ التوكيد؛ وأتى بػ "أؿ" الدالة على حقيقة الإفساد، وأنهم ىم المفسدوف حقاً؛ ووجو حصر الإفساد فيهم أف {ىم} ضمير فصل يفيد الحصر. أي ىم لا غيرىم المفسدوف؛ وىذا كقولو تعالى{ :ىم العدو فاحذرىم[ }المنافقوف: ٗ] أي ىم لا غيرىم؛ فلا عداء أبلغ من عداء المنافقين للمؤمنين؛ ولا فساد أعظم من فساد المنافقين في الأرض.. قولو تعالى{ :ولكن لا يشعروف}: أي لا يشعروف أنهم مفسدوف؛ لأف الفساد أمر حسي يدرؾ بالشعور والإحساس؛ فلبلادتهم وعدـ فهمهم للأمور، لا يشعروف بأنهم ىم المفسدوف دوف غيرىم.. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٚص٘ٚ: وَقَاؿَ تػَعَالَى{ :وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تػُفْسِدُوا فِي الأَْرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُوفَ { }أَلاَ إنػَّهُمْ ىُمُ الْمُفْسِدُوفَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُوفَ }وَالضَّمِيرُ عَادِدٌ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فِي قػَوْلِوِ { :وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يػَقُو ؿُ آمَنَّا بِاللَّوِ وَبِالْيػَوْـِ الآْخِرِ وَمَا ىُمْ بِمُؤْمِنِينَ }وَىَذَا مُطْلَقٌ يػَتػَنَاوَؿُ مَنْ كَافَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَمَنْ سَيَكُوفُ بػَعْدَىُمْ؛ وَلِهَذَا قَاؿَ سَلْمَافُ الْفَارِسِي : إنَّوُ عَنَى بِهَذِهِ الآْيَةِ قػَوْمًا لَمْ يَكُونُ وا خُلِقُوا حِينَ نػُزُولِهَا وَكَذَا قَاؿَ السدي عَنْ أَشْيَاخِوِ : الْفَسَادُ َْالكُفْرُ وَالْمَعَاصِي. وَعَنْ مُجَاىِدٍ : تػَرْؾُ امْتِثَاؿِ الأَْوَامِرِ وَاجْتِنَابِ النػَّوَاىِي. وَالْقَوْلاَفِ مَعْنَاىُمَا وَاحِدٌ . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْكُفْرُ . وَىَذَ ا مَعْنَى قػَوْؿِ مَنْ قَاؿَ : النػِّفَاؽُ الَّذِي صَافُوا بِوِ الْكُفَّارَ وَأَطْلَعُوىُمْ عَلَى أَسْرَارِ الْمُؤْمِنِينَ . وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَمُقَاتِلٍ : الْعَمَلُ بِالْمَعَاصِي. وَىَذَا أَيْضًا عَاـ كَالأَْوَّلَيْنِ . وَقػَوْلُهُمْ { :إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُوفَ }فُسِّرَ بِإِنْكَارِ مَا أَقػَر وا بِوِ أَيْ : إنَّا إنَّمَا نػَفْعَلُ مَا أَمَرَنَا بِوِ الرَّسُوؿُ . وَفُسِّرَ : بِأَفَّ الَّذِي نػَفْعَلُوُ صَلاَحٌ وَنػَقْصِدُ بِوِ الصَّلاَحَ وَكِلاَ الْقَوْلَيْنِ يػُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكِلاَىُمَا حَق فَ إِنػَّهُمْ يػَقُولُوفَ ىَذَا وَىَذَا، يػَقُولُوفَ الأَْوَّؿَ لِمَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى بػَوَاطِنِهِمْ وَيػَقُولُوفَ الثَّانِيَ لأَِنػْفُسِهِمْ وَلِمَنْ اطَّلَعَ عَلَى بػَوَاطِنِهِمْ .

عدد الصفحات ١٢٦

هُمْ يػَقُولُوفَ ىَذَا وَىَذَا، يػَقُولُوفَ الأَْوَّؿَ لِمَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى بػَوَاطِنِهِمْ وَيػَقُولُوفَ الثَّانِيَ لأَِنػْفُسِهِمْ وَلِمَنْ اطَّلَعَ عَلَى بػَوَاطِنِهِمْ . لَكِنَّ الثَّانِيَ يػَتػَنَاوَؿُ الأَْوَّؿَ؛ فَإِفَّ مِنْ جُمْلَةِ

عدد الصفحات ١٢٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 125 - سورة البقرة الجزء الاول أَفػْعَالِهِمْ إسْرَارَ خِلاَؼِ مَا يُظْهِرُوفَ وَىُمْ يػَرَوْفَ ىَذَا صَلاَحًا قَاؿَ مُجَاىِدٌ : أَرَادُوا أَفَّ مُصَافَاةَ الْكُفَّارِ صَلاَحٌ لاَ فَسَادٌ . وَعَنْ السدي: إفَّ فِعْلَنَا ىَذَا ىُوَ الصَّلاَحُ وَتَصْدِيقُ مُحَمَّدٍ فَسَادٌ، وَقِيلَ : أَرَادُوا أَفَّ ىَذَا صَ لاَحٌ فِي الد نػْيَا فَإِفَّ الدَّوْلَةَ إفْ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ فػَقَدْ أَمِنُوا بِمُتَابػَعَتِوِ وَإِفْ كَانَتْ لِلْكُفَّارِ؛ فػَقَدْ أَمِنُوىُمْ بِمُصَافَاتِهِمْ . وَلأَِجْلِ الْقَوْلَيْنِ قِيلَ فِي قػَوْلِوِ { :أَلاَ إنػَّهُمْ ىُمُ الْمُفْسِدُوفَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُوفَ }أَيْ لاَ يَشْعُرُوفَ أَفَّ مَا فػَعَلُوهُ فَسَادٌ لاَ صَلاَحٌ . وَقِيلَ : لاَ يَشْعُرُوفَ أَفَّ اللَّوَ يُطْلِعُ نَبِيَّوُ عَلَى فَسَادِىِمْ . وَالْقَوْؿُ الأَْوَّؿُ يػَتػَنَاوَؿُ الثَّانِيَ؛ فػَهُوَ الْمُرَادُ كَمَا يَدُؿ عَلَيْوِ لَفْظُ الآْيَ ةِ . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيتين: ٔ- أف النفاؽ الذي ىو إظهار الإسلاـ، وإبطاف الكفر من الفساد في الأرض؛ لقولو تعالى{ :وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض}؛ والنفاؽ من أعظم الفساد في الأرض.. ٕ- أف من أعظم البلوى أف يػُزَيَّن للإنساف الفساد حتى يَرى أنو مصلح؛ لقولهم: (إنما نحن مصلحوف) ٖ- أف غير المؤمن نظره قاصر، حيث يرى الإصلاح في الأمر المعيشي فقط؛ بل الإصلاح حقيقة أف يسير على شريعة الله واضحاً صريحاً .. ٗ- أنو ليس كل من ادعى شيئاً يصدؽ في دعواه؛ لأنهم قالوا{ :إنما نحن مصلحوف}؛ فقاؿ الله تعالى: {أ إنهم ىم المفسدوف}؛ وليس كل ما زينتو النفس يكوف حسناً، كما قاؿ تعالى{ :أفمن زُين لو سوء عملو فرآه حسناً فإف الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء[ }فاطر: ٛ] ٘- أف الإنساف قد يبتلى بالإفساد في الأرض، ويخفى عليو فساده؛ لقولو تعالى{ :ولكن لا يشعروف} ٙ- قوة الرد على ىؤلاء الذين ادعوا أنهم مصلحوف، حيث قاؿ الله عزّ وجلّ { :أ إنهم ىم المفسدوف}؛ فأكد إفسادىم بثلاثة مؤكدات؛ وىي {أ}و "إف"، و {ىم}؛ بل حصر الإفساد فيهم عن طريق ضمير الفصل.. وَإِذَا قِ يلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنػُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ الس فَهَاءُ أَلاَ إنػَّهُمْ ىُمُ الس فَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يػَعْلَمُوفَ (ٖٔ) قاؿ السعدي: أي: إذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس، أي: كإيماف الصحابة ، وىو الإيماف بالقلب واللساف، قالوا بزعمهم الباطل: أنؤمن كما آمن السفهاء؟ يعنوف - قبحهم الله - الصحابة ، بزعمهم أف سفههم أوجب لهم الإيماف، وترؾ الأوطاف، ومعاداة الكفار، والعقل عندىم يقتضي ضد ذلك، فنسبوىم إلى السفو؛ وفي ضمنو أنهم ىم العقلاء أرباب الحجى والنهى.

عدد الصفحات ١٢٧

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 126 - سورة البقرة الجزء الاول فرد الله ذلك عليهم، وأخبر أنهم ىم السفهاء على الحقيقة، لأف حقيقة السفو جهل الإنساف بمصالح نفسو، وسعيو فيما يضرىا، وىذه الصفة منطبقة عليهم وصادقة عليهم، كما أف العقل والحجا، معرفة الإنساف بمصالح نفسو، والسعي فيما ينفعو، و في دفع ما يضره، وىذه الصفة منطبقة على الصحابة والمؤمنين وصادقة عليهم، فالعبرة بالأوصاؼ والبرىاف، لا بالدعاوى المجردة، والأقواؿ الفارغة. قاؿ ابن العثيمين: وىذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات : {أ} ، و "إف"، وضمير الفصل: {ىم} ، وىو أيضاً مفيد للحصر؛ وىذه الجملة كالتي قبلها في قولو تعالى: {أ إنهم ىم المفسدوف} .. قولو تعالى{ :ولكن لا يعلموف} أي لا يعلموف سفههم؛ فإف قيل: ما الفرؽ بين قولو تعالى ىنا: {ولكن لا يعلموف} ، وقولو تعالى فيما سبق: {ولكن لا يشعروف} ؟ فالجواب: أف الإفساد في الأرض أمر حسي يدركو الإنساف بإحساسو، وشعوره؛ وأما السفو فأمر معنوي يدرؾ بآثاره، ولا يُحَس بو نفسِو .. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية: ٔ- أف المنافق لا تنفعو الدعوة إلى الخير؛ لقولو تعالى{ :وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء}؛ فهم لا ينتفعوف إذا دعوا إلى الحق؛ بل يقولوف{ :أنؤمن كما آمن السفهاء}. ٕ- إعجاب المنافقين بأنفسهم؛ لقولهم: {أنؤمن كما آمن السفهاء}. ٖ- شدة طغياف المنافقين؛ لأنهم أنكروا على الذين عرضوا عليهم الإيماف{ :قالوا أنؤمن}؛ وىذا غاية ما يكوف من الطغياف؛ ولهذا قاؿ الله تعالى في آخر الآية{ :في طغيانهم يعمهوف[ }البقرة: ٘ٔ] ٗ- أف أعداء الله يصفوف أولياءه بما يوجب التنفير عنهم لقولهم{ :أنؤمن كما آمن السفهاء}؛ فأعداء الله في كل زماف، وفي كل مكاف يصفوف أولياء الله بما يوجب التنفير عنهم؛ فالرسل وصفهم قومهم بالجنوف، والسحر، والكهانة، والشعر تنفيراً عنهم، كما قاؿ تعالى{ :كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسو ؿ إلا قالوا ساحر أو مجنوف} [الذاريات: ٕ٘]، وقاؿ تعالى{ :وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين[ }الفرقاف: ٖٔ]وورثة الأنبياء مثلهم يجعل الله لهم أعداء من المجرمين، ولكن {وكفى بربك ىادياً ونصيراً [ }الفرقاف: ٖٔ]؛ فمهما بلغوا من الأساليب فإف الله تعالى إذا أراد ىداية أحد فلا يمنعو إضلاؿ ىؤلاء؛ لأف أعداء الأنبياء يسلكوف في إبطاؿ دعوة الأنبياء مَسْلكين؛ مسلك الإضلاؿ، والدعاية الباطلة في كل زماف، ومكاف؛ ثم مسلك السلاح. أي المجابهة المسلحة؛ ولهذا قاؿ تعالى{ :ىادياً[ }الفرقاف: ٖٔ]في مقابل المسلك الأوؿ الذي ىو الإضلاؿ. وىو الذي نسميو الآف بالأفكار المنحرفة، وتضليل الأمة، والتلبيس على عقوؿ أبنادها؛ وقاؿ تعالى{ :ونصيراً[ }الفرقاف: ٖٔ]في مقابل المسلك الثاني. وىو المجابهة المسلحة.

عدد الصفحات ١٢٨

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 127 - سورة البقرة الجزء الاول ٘- أف كل من لم يؤمن فهو سفيو، كما قاؿ الله تعالى{ :ومن يرغب عن ملة إبراىيم إلا من سفو نفسو[ }البقرة: ٖٓٔ] ٙ- أف الحكمة كل الحكمة إنما ىي الإيماف بالله، واتباع شريعتو؛ لأف الكافر المخالف للشريعة سفيو؛ فيقتضي أف ضده يكوف حكيماً رشيداً .. ٚ- تحقيق ما وعد الله بو من الدفاع عن المؤمنين، كما قاؿ تعالى{ :إف الله يدافع عن الذين آمنوا[ }الحج: ٖٛ]؛ فإذا ذموا بالقوؿ دافع الله عنهم بالقوؿ؛ فهؤلاء قالوا{ :أنؤمن كما آمن السفهاء}، والله عزّ وجلّ ىو الذي جادؿ عن المؤمنين، فقاؿ{ :أ إنهم ىم السفهاء}يعني ىم السفهاء لا أنتم؛ فهذا من تحقيق دفاع الله تعالى عن المؤمنين؛ أما دفاعو عن المؤمنين إذا اعتُدي عليهم بالفعل فاستمع إلى قوؿ الله تعالى{ :إذ يوحي ربك إلى الملادكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوؽ الأعناؽ واضربوا منهم كل بناف[ }الأنفاؿ: ٕٔ] :ىذه مدافعة فعلية، حيث تنْزؿ جنود الله تعالى من السماء لتقتل أعداء المؤمنين؛ فهذا تحقيق لقوؿ الله تعالى{ :إف الله يدافع عن الذين آمنوا[ }الحج: ٖٛ]؛ ولكن الحقيقة أف ىذا الوعد العظيم من القادر جل وعلا الصادؽ في وعده يحتاج إلى إيماف حتى نؤمن بالله عزّ وجلّ، ولا نخشى أحداً سواه، فإذا ضعف الإيماف أصبحنا نخشى الناس كخشية الله، أو أشد خشية؛ لأننا إذا كنا نراعيهم دوف أوامر الله فسنخشاىم أشد من خشية الله عزّ وجلّ؛ وإلا لكنا ننفذ أمر الله عزّ وجلّ، ولا نخشى إلا الله سبحانو وتعالى.. فنحن لو آمنا حقيقة الإيماف بهذا الوعد الصادؽ الذي لا يُ خلَف لكنا منصورين في كل حاؿ؛ لكن الإيماف ضعيف؛ ولهذا صرنا نخشى الناس أكثر مما نخشى الله عزّ وجلّ؛ وىذه ىي المصيبة، والطامة العظيمة التي أصابت المسلمين اليوـ؛ ولذلك تجد كثيراً من ولاة المسلمين. مع الأسف. لا يهتموف بأمر الله، ولا بشريعة الله؛ لكن يهتموف بمراعاة فلاف، وفلاف؛ أو الدولة الفلانية، والفلانية. ولو على حساب الشريعة الإسلامية التي من تمسك بها فهو المنصور، ومن خالفها فهو المخذوؿ؛ وىم لا يعرفوف أف ىذا ىو الذي يبعدىم من نصر الله؛ فبدلاً من أف يكونوا عبيداً لله أعزة صاروا عبيداً للمخلوقين أذلة؛ لأف الأمم الكافرة الكبرى لا ترحم أحداً في سبيل مصلحتها؛ لكن لو أننا ضربنا بذلك عُرض الحادط، وقلنا: لا نريد إلا رضى الله، ونريد أف نطبق شريعة الله سبحانو وتعالى على أنفسنا، وعلى أمتنا؛ لكانت تلك الأمم العظمى تهابنا؛ ولهذا يقاؿ: من خاؼ الله خافو كل شيء، ومن خاؼ غير الله خاؼ من كل شيء.. ٛ- الدلالة على جهل المنافقين؛ لأف الله عزّ وجلّ نفى العلم عنهم؛ لقولو تعالى{ :ولكن لا يعلموف}؛ فالحقيقة أنهم من أجهل الناس. إف لم يكونوا أجهل الناس؛ لأف طريقهم إنما ىو خداع، وانخداع، وتضليل؛ وىؤلاء المنافقوف من أجهل الناس؛ لأنهم لم يعلموا حقيقة أنفسهم، وأنهم ىم السفهاء..

عدد الصفحات ١٢٩

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 128 - سورة البقرة الجزء الاول وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتػَهْزِدُوفَ (ٗٔ) اللَّوُ يَسْتػَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُد ىُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يػَعْمَهُوفَ (٘ٔ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :وإذا لقوا الذين آمنوا} أي قابلوىم، أو جلسوا إليهم؛ {قالوا} أي للمؤمنين الذين لقوىم؛ {آمنا} أي كإيمانكم.. قولو تعالى{ :وإذا خلوا إلى شياطينهم} ؛ ضُمِّن الفعل ىنا معنى "رجعوا"؛ ولذلك عُدِّي بػ {إلى} ، لكن عُدِّي بالفعل {خلوا} ليكوف المعنى: رجعوا خالِين بهم؛ والمراد بػ {شياطينهم} كبراؤىم؛ وسمي كبراؤىم بػ "الشياطين" لظهور تمردىم؛ وقد قيل: إف "الشيطاف" كل مارد؛ أي كل عاتٍ من الجن، أو الإنس، أو غيرىما: شيطاف؛ وقد وصف النبي الكلب الأسود بأنو شيطاف؛ وليس معناه شيطاف الجن؛ بل معناه: الشيطاف في جنسو: لأف أعتى الكلاب، وأشدىا قبحاً ىي الكلاب السود؛ فلذلك قاؿ : "الكلب الأسود شيطاف" (ٔ) ؛ ويقاؿ للرجل العاتي: ىذا شيطاف بني فلاف. أي مَريدىم، وعاتيهم.. وكلمة : "شيطاف": النوف فيها أصلية من "شطن" بمعنى بعُد؛ ولكونها أصلية صُرؼ الاسم بتنوين، كما في قولو تعالى{ :ويتبع كل شيطاف مريد[ }الحج: ٖ]؛ ولو كانت النوف والألف زاددتاف منعت من الصرؼ؛ لأف الألف والنوف إذا كانتا زاددتين في عَلَم؛ أو وصف فإنو يُمنع من الصرؼ؛ وأما إذا كانتا زاددتين في غير علم، ولا وصف فإنو لا يمنع من الصرؼ.. وعن ابن عَبَّ اسٍ { :وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ }مِنْ يػَهُودَ الَّذِينَ يَأْمُرُونػَهُمْ بِالتَّكْذِيبِ وَخِلاَؼِ مَا جَاءَ بِوِ الرَّسُوؿُ . وَقَاؿَ مُجَاىِدٌ { :وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ }إِلَى أَصْحَابِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ . وَقَ اؿَ قػَتَادَةُ { :وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ }قاؿ: إلى رؤوسهم، وَقَادَتِهِمْ فِي الشِّرْؾِ، وَالشَّرِّ . وَبِنَحْوِ ذَلِكَ فسَّره أَبُو مَالِكٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالس دِّي ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . وَقػَوْلُوُ تػَعَالَى{ :قَالُوا إِنَّا مَعَكُ مْ } عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَيْ إِنَّا عَلَى مِثْلِ مَا أَنػْتُمْ عَلَيْوِ {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتػَهْزِدُوفَ } أَيْ: إِنَّمَا نَحْنُ نَسْتػَهْزِئُ بِالْقَوْـِ وَنػَلْعَبُ بِهِمْ . قاؿ السعدي: {اللَّوُ يَسْتػَهْزِئُ بِهِمْ } :وىذا جزاء لهم، على استهزادهم بعباده، فمن استهزادو بهم أف زين لهم ما كانوا فيو من الشقاء والحالة الخبيثة، حتى ظنوا أنهم مع المؤمنين، لما لم يسلط الله المؤمنين عليهم، ومن استهزادو بهم يوـ القيامة، أنو يعطيهم مع المؤمنين نورا ظاىرا، فإذا مشى المؤمنوف بنورىم، طفئ نور المنافقين، وبقوا في الظلمة بعد النور متحيرين، فما أعظم اليأس بعد الطمع، {ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم}الآية. -1أخرجو مسمم صٚ٘ٚ، كتاب الصلاة، باب ٓ٘: قدر ما يستر المصمي، حديث رقم ٖٚٔٔ [ٕ٘ٙ]ٓٔ٘.

عدد الصفحات ١٣٠

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 129 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ الطبري: اختُلف في صفة استهزاءِ الله جلّ جلالو، الذي ذَكر أنو فاعلو بالمنافقين، الذين وَصَف صفتهم. والصواب في ذلك من القوؿ والتأويل عندنا: أف معنى الاستهزاء في كلاـ العرب: إظهارُ المستهزِئ للمستهزَ أ بو من القوؿ والفعل ما يُرضيو ظاىرًا، وىو بذلك من قِيلو وفِعْلو بو مُورِثو مَساءة باطنًا وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر. فإذا كاف ذلك كذلك وكاف الله جل ثناؤه قد جعل لأىل النفاؽ في الدنيا من الأحكاـ بما أظهروا بألسنتهم، من الإقرار بالله وبرسولو وبما جاء بو من عند الله، المُدْخِلِهم في عداد من يشملو اسمُ الإسلاـ، وإف كانوا لغير ذلك مستبطنين أحكاـَ المسلمين المصدِّقين إقرارَىم بألسنتهم بذلك، بضمادر قلوبِهم، وصحادح عزادمهم، وحميدِ أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم معَ علم الله عز وجل بكذبهم، واطلاعِو على خُبث اعتقادىم، وشكِّهم فيما ادَّعوا بألسنتهم أنهم بو مصدِّقوف، حتى ظن وا في الآخرة إذْ حشروا في عِداد من كانوا في عِدادىم في الدنيا، أنَّهم وارِدُوف موْرِدَىم. وداخلوف مدخلهم. والله جل جلالو مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكاـ المُلْحِقَتِهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حاؿ تمييزه بينهم وبين أوليادو، وتفريقِو بينهم وبينهم معد لهم من أليم عقابو ونَكاؿ عذابو، ما أعدّ منو لأعدى أعدادو وشر عباده، حتى ميز بينهم وبين أوليادو، فألحقهم من طبقات جحيمو بالدَّرؾ الأسفل كاف معلومًا أنو جل ثناؤه بذلك من فعلِو بهم - وإف كاف جزاءً لهم على أفعالهم، وعدلا ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منو بعصيانهم لو -كاف بهم- بما أظهرَ لهم من الأمور التي أظهرىا لهم: من إلحاقو أحكامهم في الدنيا بأحكاـ أوليادِو وىم لو أعداء، وحشرِه إياىم في الآخرة مع المؤمنين وىم بو من المكذبين -إلى أف ميَّز بينهم وبينهم- مستهزدًا، وبهم ساخرًا، ولهم خادعًا، وبهم ماكرًا. إذ كاف معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دوف أف يكوف ذلك معناه في حاؿٍ فيها المستهزئ بصاحبو لو ظالم، أو عليو فيها غير عادؿ، بل ذلك معناه في كل أحوالو، إذا وُجدت الصفات التي قدَّمنا ذكرىا في معنى الاستهزاء وما أشبهو من نظادره. عن ابن عباس، في قولو:"الله يَسْتػَهْزِئ بِهِمْ "، قاؿ: يسخر بهم للنقمة منهم . وأما الذين زعموا أف قوؿ الله تعالى ذكره: الله يَسْتػَهْزِئ بِهِ مْ "، إنما ىو على وجو الجواب، وأنو لم يكن من الله استهزاء ولا مكرٌ ولا خديعة، فنافُوف على الله عز وجل ما قد أثبتو الله عز وجل لنفسو، وأوجبو لها. وسواءٌ قاؿ قادل: لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخريةٌ بمن أخبر أنو يستهزئ ويسخر ويمكر بو، أو قاؿ: لم يخسف الله بمن أخبر أنو خَسَف بو من الأمم، ولم يُغرؽ من أخبر أنو أغرقو منهم. ويقاؿ لقادل ذلك: إف الله جل ثناؤه أخبرنا أنو مكرَ بقوـ مضَوْا قبلنا لم نػَرَىُم، وأخبر عن آخرين أنو خَسَف بهم، وعن آخرين أنو أغرقهم، فصدَّقْنا الله تعالى ذكره فيما أخبر نا بو من ذلك، ولم نػُفَرِّؽ بين شيء منو. فما بُرىانُك على تفريقك ما فػَرَّقت بينو، بزعمك: أنو قد أغرؽَ وخَسف بمن أخبر أنو أغرؽ وخسف بو، ولم يمكُرْ بمن أخبر أنو قد مكر بو؟ ثم نعكس القوؿ عليو في ذلك، فلن يقوؿ في أحدىما شيئًا إلا ألزِـ في الآخَر مثلو. فإف لجأ إلى أف يقوؿ: إف الاستهزاء عبثٌ ولعبٌ، وذلك عن الله عز وجل منفي . قيل لو: إف كاف الأمر عندؾ على ما وصفتَ من معنى الاستهزاء، أفلست تقوؿ:"الله يستهزئ بهم"، و"سَخِر الله منهم" و"مكر الله بهم"، وإف لم يكنْ من الله عندؾ ىزء ولا سخرية؟

عدد الصفحات ١٣١

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 131 - سورة البقرة الجزء الاول فإف قاؿ:"لا"، كذَّب بالقرآف، وخرج عن ملة الإسلاـ. وإف قاؿ:"بلى"، قيل لو: أفنقوؿ من الوجو الذي قلت:"الله يستهزئ بهم" و"سخر الله منهم" -"يلعب الله بهم" و"يعبث" - ولا لعبَ من الله ولا عبث؟ فإف قاؿ:"نعم"! وَصَف الله بما قد أجمع المسلموف على نفيو عنو، وعلى تخطئة واصفو بو، وأضاؼ إليو ما قد قامت الحجة من العقوؿ على ضلاؿ مضيفو إليو. وإف قاؿ: لا أقوؿ:"يلعب الله بهم" ولا"يعبث"، وقد أقوؿ"يستهزئ بهم" و"يسخر منهم". قيل: فقد فرقت بين معنى اللعب والعبث، والهزء والسخرية، والمكر والخديعة. ومن الوجو الذي جازَ قِيلُ ىذا، ولم يَجُزْ قِيلُ ىذا، افترؽ معنياىُما. فعُلم أف لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر. قاؿ السعدي: قولو{ :ويمدىم} أي: يزيدىم {في طغيانهم} أي: فجورىم وكفرىم، {يعمهوف} أي: حادروف مترددوف، وىذا من استهزادو تعالى بهم. قاؿ ابن العثيمين: الطغياف مجاوزة الحد، كقولو تعالى{ :إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية[ }الحاقة: ٔٔ]؛ و "العَمَو" الضلاؿ؛ والمعنى أف الله يبقيهم ضالين في طغيانهم؛ واعلم أف بين "يَمد" الثلاثي، و"يُمد" الرباعي فرقاً؛ فالغالب أف الرباعي يستعمل في الخير، والثلاثي في الشر؛ قاؿ الله تعالى{ :ونمد لو من العذاب مداً [ }مريم: ٜٚ] وىذا في الشر؛ وقاؿ تعالى{ :وأمددناىم بفاكهة ولحم مما يشتهوف[ }الطور: ٕٕ]وىذا في الخير؛ وىنا قاؿ تعالى: {ويَمدىم} :فهو في الشر.. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية: ٔ- ذؿّ المنافق؛ فالمنافق ذليل؛ لأنو خادن؛ فهم {إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا}خوفاً من المؤمنين؛ و {إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم}خوفاً منهم؛ فهم أذلاء عند ىؤلاء، وىؤلاء؛ لأف كوف الإنساف يتخذ من دينو تَقيَّة فهذا دليل على ذلو؛ وىذا نوع من النفاؽ؛ لأنو تستر بما يُظَن أنو خير وىو شر.. ٕ- أف الله يستهزئ بمن يستهزئ بو، أو برسلو، أو بشر عو جز اءً وفاقاً؛ واعلم أف ىا ىنا أربعة أقساـ: قسم ىو صفة كماؿ لكن قد ينتج عنو نقص: ىذا لا يسمى الله تعالى بو؛ ولكن يوصف الله بو، مثل "المتكلم"، و"المريد"؛ فػ"المتكلم"، و"المريد" ليسا من أسماء الله؛ لكن يصح أف يوصف الله بأنو متكلم، ومريد على سبيل الإطلاؽ؛ و لم تكن من أسمادو؛ لأف الكلاـ قد يكوف بخير، وقد يكوف بشر؛ وقد يكوف بصدؽ، وقد يكوف بكذب؛ وقد يكوف بعدؿ، وقد يكوف بظلم؛ وكذلك الإرادة.. القسم الثاني: ما ىو كماؿ على الإطلاؽ، ولا ينقسم: فهذا يسمى الله بو، مثل: الرحمن، الرحيم، الغفور، السميع، البصير ... وما أشبو ذلك؛ وىو متضمن للصفة؛ وليس معنى قولنا: "يسمى الله بو" أف نُحْدِث لو اسماً بذلك؛ لأف الأسماء توقيفية؛ لكن معناه أف الله سبحانو وتعالى تَسَمَّى بو..

عدد الصفحات ١٣٢

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 131 - سورة البقرة الجزء الاول القسم الثالث: ما لا يكوف كمالاً عند الإطلاؽ؛ ولكن ىو كماؿ عند التقييد؛ فهذا لا يجوز أف يوصف بو إلا مقيداً، مثل: الخداع، والمكر، والاستهزاء، والكيد. فلا يصح أف تقوؿ: إف الله ماكر على سبيل الإطلاؽ، ولكن قل: إف الله ماكر بمن يمكر بو، وبرسلو، ونحو ذلك.. (مسألة) ىل "المنتقم" من جنس الماكر، والمستهزئ؟ الجواب: مسألة "المنتقم" اختلف فيها العلماء؛ منهم من يقوؿ: إف الله لا يوصف بو على سبيل الإفراد، وإنما يوصف بو إذا اقترف بػ "العفوّ "؛ فيقاؿ: "العفو المنتقم"؛ لأف "المنتقم" على سبيل الإطلاؽ ليس صفة مدح إلا إذا قُرِف بػ "العفوّ "؛ ومثلو أيضاً المُذِؿ: قالوا: لا يوصف الله سبحانو وتعالى بو على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِف بػ "المُعِز"؛ فيقاؿ: "المعز المُذؿ"؛ ومثلو أيضاً "الضار": قالوا: لا يوصف الله سبحانو وتعالى بو على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِف "بالنافع"؛ فيقاؿ: "النافع الضار"؛ ويسموف ىذه: الأسماء المزدوجة.. ويرى بعض العلماء أنو لا يوصف بو على وجو الإطلاؽ. ولو مقروناً بما يقابلو. أي إنك لا تقوؿ: العفوّ المنتقم؛ لأنو لم يرد من أوصاؼ الله سبحانو وتعالى "المنتقم"؛ وليست صفة كماؿ بذاتها إلا إذا كانت مقيدة بمن يستحق الانتقاـ؛ ولهذا يقوؿ عزّ وجلّ { :إنا من المجرمين منتقموف[ }السجدة: ٕٕ]، وقاؿ عزّ وجلّ { :وا عزيز ذو انتقاـ[ }آؿ عمر اف: ٗ]؛ وىذا ىو الذي يرجحو شيخ الإسلاـ ابن تيمية؛ والحديث الذي ورد في سرد أسماء الله الحسنى، وذُكر فيو المنتقم غير صحيح؛ بل ىو مدرج؛ لأف ىذا الحديث فيو أشياء لم تصح من أسماء الله؛ وحذؼ منها أشياء ىي من أسماء الله. مما يدؿ على أنو ليس من كلاـ الرسوؿ .. القسم الرابع: ما يتضمن النقص على سبيل الإطلاؽ: فهذا لا يوصف الله سبحانو وتعالى بو أبداً، ولا يسمى بو، مثل: العاجز؛ الضعيف؛ الأعور.... وما أشبو ذلك؛ فلا يجوز أف يوصف الله سبحانو وتعالى بصفة عيب مطلقاً .. والاستهزاء ىنا في الآية على حقيقتو؛ لأف استهزاء الله بهؤ لاء المستهزدين داؿ على كمالو، وقوتو، وعدـ عجزه عن مقابلتهم؛ فهو صفة كماؿ ىنا في مقابل المستهزدين مثل قولو تعالى{ :إنهم يكيدوف كيداً * وأكيد كيداً [ }الطارؽ: ٘ٔ-ٙٔ}أي أعظمَ منو كيداً؛ فالاستهزاء من الله تعالى حق على حقيقتو، ولا يجوز أف يفسر بغير ظاىره؛ فتفسيره بغير ظاىره محرـ؛ وكل من فسر شيئاً من القرآف على غير ظاىره بلا دليل صحيح فقد قاؿ على الله ما لم يعلم؛ والقوؿ على الله بلا علم حراـ، كما قاؿ تعالى{ :قل إنما حرـ ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأف تشركوا بالله ما لم ينزؿ بو سلطاناً وأف تقولوا على الله ما لا تعلموف[ }الأعراؼ: ٖٖ]؛ فكل قوؿ على الله بلا علم في شرعو، أو في فعلو، أو في وصفو غير جادز؛ بل نحن نؤمن بأف الله جل وعلا يستهزئ بالمنافقين استهزاءً حقيقياً؛ لكن ليس كاستهزادنا؛ بل أعظم من استهزادنا، وأكبر، وليس كمثلو شيء.. وىذه القاعدة يجب أف يسار عليها في كل ما وصف الله بو نفسو؛ فكما أنك لا تتجاوز حكم الله فلا تقوؿ لما حرـ: "إنو حلاؿ"، فكذلك لا تقوؿ لما وصف بو نفسو أف ىذا ليس المراد؛ فكل ما وصف الله بو نفسو يجب عليك أف

عدد الصفحات ١٣٣

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 132 - سورة البقرة الجزء الاول تبقيو على ظاىره، لكن تعلم أف ظاىره ليس كالذي ينسب لك؛ فاستهزاء الله ليس كاستهزادنا؛ وقرب الله ليس كقربنا؛ واستواء الله على عرشو ليس كاستوادنا على السرير؛ وىكذا بقية الصفات نجريها على ظاىرىا، ولا نقوؿ على الله ما لا نعلم؛ ولكن ننزه ربنا عما نزَّه نفسو عنو من مماثلة المخلوقين؛ لأف الله تعالى يقوؿ{ :ليس كمثلو شيء وىو السميع البصير[ }الشورى: ٔٔ] أما الخيانة فلا يوصف بها الله مطلقاً؛ لأف الخيانة صفة نقص مطلق؛ و"الخيانة" معناىا: الخديعة في موضع الادتماف. وىذا نقص؛ ولهذا قاؿ الله عزّ وجلّ { :وإف يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم[ }الأنفاؿ: ٔٚ]، ولم يقل: فخانهم؛ لكن لما قاؿ تعالى{ :يخادعوف الله[ }النساء: ٕٗٔ]قاؿ{ :وىو خادعهم[ }النساء: ٕٗٔ]؛ لأف الخديعة صفة مدح مقيدة؛ ولهذا قاؿ الرسوؿ : "الحرب خدعة" (ٔ) ، وقاؿ : "لا تخن من خانك" (ٕ) ؛ لأف الخيانة تكوف في موضع الادتماف؛ أما الخداع فيكوف في موضع ليس فيو ادتماف؛ والخيانة صفة نقص مطلق. ٖ- أف الله سبحانو وتعالى قد يُملي للظالم حتى يستمر في طغيانو.. فيستفاد من ىذه الفاددة فاددة أخرى: وىي تحذير الإنساف الطاغي أف يغتر بنعم الله عزّ وجلّ؛ فهذه النعم قد تكوف استدراجاً من الله؛ فالله سبحانو وتعالى يملي، كما قاؿ تعالى: {ويمدىم في طغيانهم يعمهوف}؛ ولو شاء لأخذىم، ولكنو سبحانو وتعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلتو. كما جاء في الحديث. فإف قاؿ قادل: كيف يعرؼ الفرؽ بين النعم التي يجازى بها العبد، والنعم التي يستدرج بها العبد؟ فالجواب: أف الإنساف إذا كاف مستقيماً على شرع الله فالنعم من باب الجزاء؛ وإذا كاف مقيماً على معصية الله مع توالي النعم فهي استدراج.. ٗ- أف صاحب الطغياف يعميو ىواه، وطغيانو عن معرفة الحق، وقبولو؛ ولهذا قاؿ تعالى{ :ويمدىم في طغيانهم يعمهوف}؛ ومن الطغياف أف يػُقَدِّـ المرء قولو على قوؿ الله ورسولو؛ والله تعالى يقوؿ{ :يا أيها الذين آمنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسولو واتقوا الله إف الله سميع عليم (الحجرات: ٔ) . ٔ- أخرجو البخاري صٖٕٗ، كتاب الجياد والسير، باب ٚ٘ٔ؛ الحرب خدعة، حديث رقم ٕٖٛٓ؛ وأخرجو مسمم صٜٙٛ، كتاب الجياد والسـير، بـاب ٘؛ جـواز الخداع في الحرب، حديث رقم ٓٗ٘ٗ [ٛٔ]ٓٗٚٔ. -ٕ أخرجو أحمد في مسنده ٖ/ٗٔٗ؛ وأخرجو أبو داود في سـننو ص٘ٛٗٔ، كتـاب البيـوع، بـاب ٜٚ: فـي الرجـل يأخـذ حقـو مـن تحـت يـده، حـديث رقـم ٖٖٗ٘؛ وأخرجو الترمـذي صٛٚٚٔ، كتـاب البيـوع، بـاب ٖٛ: أد الأمانـة إلـى مـن ائتمنـك، حـديث رقـم ٕٗٙٔ؛ وأخرجـو الـدارمي فـي سـننو ٕ/ٖٖٗ، حـديث رقـم ٜٕٚ٘، كتــاب البيــوع، بــاب ٚ٘: فــي أداء الأمانــة واجتنــاب الخيانــة، قــال الألبــاني فــي صــحيح الترمــذي: صــحيح ٕ/ٛٔ، وقــال عبــد القــادر الأر نــاؤوط فــي حاشــية جــامع الأصول: صحيح ٙ/ٖٕٖ، حاشية رقم ٔ.

عدد الصفحات ١٣٤

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 133 - سورة البقرة الجزء الاول أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتػَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتػُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (ٙٔ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى}؛ "أولاء" اسم إشارة؛ والمشار إليهم المنافقوف؛ وجاءت الإشارة بصيغة البُعد لبُعد منزلة المنافق سفولاً؛ و {اشتروا}أي اختارو ا؛ و {الضلالة} :العماية؛ وىي ما ساروا عليو من النفاؽ؛ و {بالهدى} : الباء ىنا للعوض؛ أخذوا الضلالة، وأعطوا الهدى. مثلما تقوؿ: اشتريت الثوب بدرىم؛ فالهدى المدفوع عوض عن الضلالة المأخوذة، كما أف الدرىم المدفوع عوض عن الثوب المأخوذ.. قولو تعالى{ :فما ربحت تجارتهم} أي ما زادت تجارتهم. وىي اشتراؤىم الضلالة بالهدى.. قولو تعالى: {وما كانوا مهتدين} أي ما كانوا متصفين بالاىتداء حينما اشتروا الضلالة بالهدى؛ بل ىم خاسروف في تجارتهم ضالوف في منهجهم.. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية: ٔ- بياف سفو ىؤلاء المنافقين، حيث اشتروا الضلالة بالهدى.. ٕ- شغف المنافقين بالضلاؿ؛ لأنو تبارؾ وتعالى عبر عن سلوكهم الضلاؿ بأنهم اشتروه؛ والمشتري مشغوؼ بالسلعة محب لها.. ٖ- أف الإنساف قد يظن أنو أحسنَ عملاً وىو قد أساء؛ لأف ىؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظناً منهم أنهم على صواب، وأنهم رابحوف، فقاؿ الله تعالى{ :فما ربحت تجارتهم} ٗ- خسراف المنافقين فيما يطمعوف فيو بالربح؛ لقولو تعالى: (فما ربحت تجارتهم) ... ٘- أف المدار في الربح، والخسراف على اتباع الهدى؛ فمن اتبعو فهو الرابح؛ ومن خالفو فهو الخاسر؛ ويدؿ لذلك قولو تعالى{ :والعصر * إف الإنساف لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: ٔ. ٖ]، وقولو تعالى{ :يا أيها الذين آمنوا ىل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنوف بالله ورسولو وتجاىدوف في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إف كنتم تعلموف[ }الصف: ٓٔ، ٔٔ]تقف على {خير لكم}؛ لأف {إف كنتم تعلموف}إذا وصلناىا بما قبلها صار الخير معلقاً بكوننا نعلم. وىو خير علمنا أـ لم نعلم.. ٙ- أف ىؤلاء لن يهتدوا؛ لقولو تعالى{ :وما كانوا مهتدين}؛ لأنهم يحسبوف أنهم يحسنوف صنعاً؛ ولذلك لا يرجعوف؛ وىكذا كل فاسق، أو مبتدع يظن أنو على حق فإنو لن يرجع؛ فالجاىل البسيط خير من ىذا؛ لأف ىذا جاىل مركب يظن أنو على صواب. وليس على صواب..

عدد الصفحات ١٣٥

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 134 - سورة البقرة الجزء الاول مَثػَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتػَوْقَدَ نَارًا فػَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَوُ ذَىَبَ اللَّوُ بِنُورِىِمْ وَتػَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يػُبْصِرُوفَ (ٚٔ) صُم بُكْمٌ عُمْيٌ فػَهُمْ لاَ يػَرْجِعُوفَ (ٛٔ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :مثلهم} أي وصْفهم، وحالهم {كمثل الذي استوقد ناراً } أي طلب من غيره أف يوقد لو ناراً، أو طلب من غيره ما يوقد بو النار بنفسو؛ {فلما أضاءت ما حولو} أي أنارت ما حوؿ المستوقد، ولم تذىب بعيداً لضعفها؛ {ذىب الله بنورىم} يعني: وأبقى حرارة النار؛ و "لما" حرؼ شرط، و {أضاءت} فعل الشرط؛ و {ذىب الله} جواب الشرط؛ والمعنى: أنو بمجرد الإضاءة ذىب النور؛ لأف القاعدة أف جواب الشرط يلي المشروط مباشرة.. وفي ىذه الآية نجد اختلافاً في الضمادر: {استوقد} :مفرد؛ {حولو} :مفرد؛ {بنورىم} :جمع؛ {تركهم } : جمع؛ {لا يبصروف} :جمع؛ قد يقوؿ قادل: كيف يجوز في أفصح الكلاـ أف تكوف الضمادر مختلفة والمرجع فيها واحد؟ الجواب من وجهين:. الأوؿ: أف اسم الموصوؿ يفيد العموـ؛ وإذا كاف يفيد العموـ فهو صالح للمفرد، والجمع؛ فتكوف الضمادر في {استوقد} ، و {حولو} عادت إلى اسم الموصوؿ باعتبار اللفظ؛ وأما {نورىم} ، و {تركهم } ، و {لا يبصروف} فعادت إلى الموصوؿ باعتبار المعنى.. الوجو الثاني: أف الذي استوقد النار كاف مع رفقة، فاستوقد النار لو، ولرفقتو؛ ولهذا قاؿ تعالى: {أضاءت ما حولو ذىب الله بنورىم } ...إلخ.. وعلى الوجو الثاني تكوف الآية ممثلة لرؤساء المنافقين مع أتباعهم؛ لأف رأس المنافقين ىو الذي استوقد النار، وأراد أف ينفع بها أقرانو، ثم ذىبت الإضاءة، وبقيت الحرارة، والظلمة، وتركهم جميعاً في ظلمات لا يبصروف. قولو تعالى{ :وتركهم في ظلمات} جمعها لتضمنها ظلمات عديدة؛ أولها: ظلمة الليل؛ لأف استيقاد النار للإضاءة لا يكوف إلا في الليل؛ لأنك إذا استوقدت ناراً بالنهار فإنها لا تضيء؛ والثانية: ظلمة الجو إذا كاف غادماً؛ والثالثة: الظلمة التي تحدث بعد فقد النور؛ فإنها تكوف أشد من الظلمة الدادمة؛ و {لا يبصروف} تأكيد من حيث المعنى لقولو تعالى: {في ظلمات} داؿ على شدة الظلمة ... قولو تعالى في وصفهم{ :صم} خبر لمبتدأ محذوؼ. أي ىم صم؛ و {صم} جمع أصم؛ و"الأصم" الذي لا يسمع، لكنو ىنا ليس على سبيل الإطلاؽ؛ بل أريد بو شيء معين: أي ىم صم عن الحق، فلا يسمعوف؛ والمراد نفي السمع المعنوي. وىو السمع النافع؛ لا الحسي. وىو الإدراؾ؛ لأف كلهم يسمعوف القرآف، ويفهموف معناه، لكن لما

عدد الصفحات ١٣٦

تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 135 - سورة البقرة الجزء الاول كانوا لا ينتفعوف بو صاروا كالصم الذين لا يسمعوف؛ وذلك مثل قوؿ الله تعالى{ :و تكونوا كالذين قالوا سمعنا وىم لا يسمعوف} (الأنفاؿ: ٕٔ) . قولو تعالى{ :بُكْمٌ} جمع أبكم؛ وىو الذي لا ينطق؛ والمراد أنهم لا ينطقوف بالحق؛ وإنما ينطقوف بالباطل؛ و {عُمْيٌ} جمع أعمى؛ والمراد أنهم لا ينتفعوف بما يشاىدونو من الآية التي تظهر على أيدي الرسل. عليهم الصلاة والسلاـ.. فبهذا سُدت طرؽ الحق أمامهم؛ لأف الحق إما مسموع؛ وإما مشهود؛ وإما معقوؿ؛ فهم لا يسمعوف، ولا يشهدوف؛ كذلك أيضاً لا يؤخذ منهم حق؛ لأنهم لا ينطقوف بالحق؛ لأنهم بُكم؛ فهم لا ينتفعوف بالحق من غيرىم، ولا ينفعوف غيرىم بحق.. قولو تعالى{ :فهم لا يرجعوف } الفاء ىذه عاطفة، لكنها تفيد السببية. أي بسبب ىذه الأوصاؼ الثلاثة لا يرجعوف عن غيِّهم؛ فلا ينتفعوف بسماع الحق، ولا بمشاىدتو، ولا ينطقوف بو.. قاؿ شيخ الإسلاـ في مجموع الفتاوى ج ٚصٖٚٔ: قَاؿَ غَيػْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ ضَرَبَ لَهُمْ الْمَثَلَ فِي سُورَةِ الْبػَقَرَةِ أَنػَّهُمْ أَبْصَرُوا ثُمَّ عَمُوا وَعَرَفُوا ثُمَّ أَنْكَرُوا وَآمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا. وَكَذَلِكَ قَاؿَ قتادة وَمُجَاىِدٌ : ضَرَبَ الْمَثَلَ لإِِقػْبَالِهِمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛ وَسَمَاعِهِمْ مَا جَاءَ بِوِ الرَّسُوؿُ وَذَىَابِ نُورِىِمْ قَاؿَ { :مَثػَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتػَوْقَدَ نَارًا فػَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَوُ ذَىَبَ اللَّوُ بِنُورِىِمْ وَتػَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يػُبْصِرُوفَ { }صُم بُكْمٌ عُمْيٌ فػَهُمْ لاَ يػَرْجِعُوفَ }إلَى مَا كَانُوا عَلَيْوِ . وَأَمَّا قػَوْؿُ مَنْ قَاؿَ : الْمُرَادُ بِالن ورِ مَا حَصَلَ فِي الد نػْيَا مِنْ حَقْنِ دِمَادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَإِذَا مَاتُوا سُلِبُوا ذَلِكَ الضَّوْءَ كَمَا سُلِبَ صَاحِبُ النَّارِ ضَوْءُهُ؛ فػَلَفْظُ الآْيَةِ يَدُؿ عَلَى خِلاَؼِ ذَلِكَ فَإِنَّوُ قَاؿَ { :وَتػَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَ اتٍ لاَ يػُبْصِرُوفَ { }صُم بُكْمٌ عُمْيٌ فػَهُمْ لاَ يػَرْجِعُوفَ }وَيػَوْـَ الْقِيَامَةِ يَكُونُوفَ فِي الْعَذَابِ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :يػَوْـَ يػَقُوؿُ الْمُنَافِقُوفَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نػَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِ عُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بػَيػْنػَهُمْ بِسُورٍ لَوُ بَابٌ بَاطِنُوُ فِيوِ الرَّحْمَةُ وَظَاىِرُهُ مِنْ قِبَلِوِ الْعَذَابُ { }يػُنَادُونػَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بػَلَى وَلَكِنَّكُمْ فػَتػَنْتُمْ أَنػْفُسَكُمْ }الآْيَةَ وَقَدْ قَاؿَ غَيػْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ : إفَّ الْمُنَافِقَ يػُعْطَى يػَوْـَ الْقِيَامَةِ نُورًا ثُمَّ يُطْفَأُ وَلِهَذَا قَاؿَ تػَعَالَى{ :يػَوْـَ لاَ يُخْزِي اللَّوُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَوُ نُورُىُمْ يَسْعَى بػَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يػَقُولُو فَ رَبػَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا}قَاؿَ الْمُفَسِّرُوفَ : إذَا رَأَى الْمُؤْمِنُوفَ نُورَ الْمُنَافِقِينَ يُطْفَأُ سَأَلُوا اللَّوَ أَفْ يُتِمَّ لَهُمْ نُورَىُمْ وَيػُبػَلِّغَهُمْ بِوِ الْجَنَّةَ . قَاؿَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلاَّ يػُعْطَى نُورًا يػَوْـَ الْقِيَامَةِ؛ فَأَمَّا الْمُنَافِقُ فػَيُطْفَأُ نُورُهُ وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فػَيُشْفِقُ مِمَّا رَأَى مِنْ إطْفَاءِ نُورِ الْمُنَافِقِ فػَهُوَ يػَقُوؿُ { :رَبػَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}وَىُوَ كَمَا قَاؿَ : فػَقَدْ ثػَ بَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ

عدد الصفحات ١٣٧