تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 111 - سورة البقرة الجزء الاول مِنْ الْكُفَّارِ عِنْدَ إنْذَارِىِمْ . وَلَوْ كَانَتْ عَلَى ظَاىِرِىَا فِي الْعُمُوـِ لَكَافَ خَبػَرُ اللَّ وِ بِخِلاَؼِ مُخْبِرِهِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ نػَقْلُهَا إلَى الْخُصُوصِ . وَالْقَوْؿُ الثَّانِي: أَفَّ الآْيَةَ عَلَى مُقْتَضَاىَا وَالْمُرَادُ بِهَا أَفَّ الإِْنْذَارَ وَعَدَمَوُ سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَافِرِ مَا دَاـَ كَافِرًا لاَ يػَنػْفَعُوُ الإِْنْذَ ارُ وَلاَ يػُؤَثػِّرُ فِيوِ كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الآْيَاتِ أَنػَّهَا غَيػْرُ مُوجِبَةٍ لِلإِْيمَافِ . وَقَدْ جَمَعَ بػَيػْنػَهُمَا فِي قػَوْلِوِ {وَمَا تػُغْنِي الآْيَاتُ وَالن ذُرُ عَنْ قػَوْـٍ لاَ يػُؤْمِنُوفَ } فَالآْيَاتُ أُفُقِيَّةٌ وَأَرْضِيَّةٌ وَقػُ رْآنِيَّةٌ وَىِيَ أَدِلَّةُ الْعِلْمِ . وَالإِْنْذَارُ يػَقْتَضِي الْخَوْؼَ . فَالآْيَاتُ لِمَنْ إذَا عَرَؼَ الْحَقَّ عَمِلَ بِوِ فػَهَذَا تػَنػْفَعُوُ الْحِكْمَةُ . وَالإِْنْذَارُ لِمَنْ يػَعْرِؼُ الْحَقَّ وَلَوُ ىَوًى يَصُد هُ فػَيػُنْذَرُ بِالْعَذَابِ الَّذِي يَ دْعُوهُ إلَى مُخَالَفَةِ ىَوَاهُ وَىُوَ خَوْؼُ الْعَذَابِ . وَىَذَا ىُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ . وَآخَرُ لاَ يػَقْبَلُ الْحَقَّ فػَيَحْتَاجُ إلَى الْجَدَؿِ فػَيُجَادِؿُ بِاَلَّتِي ىِيَ أَحْسَنُ . وَقَدْ قَاؿَ تػَعَالَى{ :وَلَوْ أَنػَّنَا نػَزَّلْنَا إلَيْهِمُ الْمَلاَدِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قػُبُلاً مَا كَانُوا لِيػُؤْمِنُوا إلاَّ أَفْ يَشَاءَ اللَّوُ }وَقَاؿَ {إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاىَا{ }إنَّمَا تػُنْذِرُ مَنِ اتػَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِ يَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ }فَالْمُرَادُ أَفَّ الْكَافِرَ مَا دَاـَ كَافِرًا لاَ يػَقْبَلُ الْحَقَّ سَوَاءٌ أُنْذِرَ أَـْ لَمْ يػُنْذَرْ وَلاَ يػُؤْمِنُ مَا دَاـَ كَذَلِكَ . لأَِفَّ عَلَى قػَلْبِوِ وَسَمْعِوِ وَبَصَرِهِ مَوَانِعَ تَصُد عَنْ الْفَهْمِ وَالْ قَبُوؿِ . وَىَكَذَا حَاؿُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْوِ ىَوَاهُ . وَىُوَ سُبْحَانَوُ لَمْ يػَقُلْ " إنػَّهُمْ لاَ يػُؤْمِنُوفَ ". وَقِيلَ ذَلِكَ لِمَنْ سَبػَقَتْ عَلَيْوِ الشِّقْوَةُ أَوْ حَقَّتْ عَلَيْوِ الْكَلِمَةُ كَقَوْلِوِ {إف الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يػُؤْمِنُوفَ { }وَلَوْ جَاءَتػْهُمْ كُل آيَةٍ حَتَّى يػَرَوُا الْعَذَابَ الأَْلِيمَ }فػَبػَيَّنَ أَفَّ ىَؤُلاَءِ لاَ يػُؤْمِنُوفَ إلاَّ حِينَ لاَ يػَنػْفَعُهُمْ إيمَانػُهُمْ وَقْتَ رُؤْيَةِ الْعَذَابِ الأَْلِيمِ كَإِيمَافِ فِرْعَوْفَ الْمَذْكُورِ قػَبػْ لَهَا. وَمُوسَى قَدْ دَعَا عَلَيْوِ فػَقَاؿَ {رَبػَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قػُلُوبِهِمْ فَلاَ يػُؤْمِنُوا حَتَّى يػَرَوُا الْعَذَابَ الأَْلِيمَ { }قَاؿَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا}وَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ سُبْحَانَوُ الْكُفَّارَ فػَهُوَ مِثْلُ قػَوْلِوِ {وَلَوْ أَنػَّنَا نػَزَّلْنَا إلَيْهِمُ الْمَلاَدِكَةَ }الآْيَةَ . فػَبػَيَّنَ أَنػَّهُمْ قَدْ يػُؤْمِنُوا إذَا شَاءَ . وَآيَةُ الْبػَقَرَةِ مُطْلَقَةٌ عَامَّةٌ . فَإِنَّوُ ذَكَرَ فِي أَوَّؿِ الس ورَةِ أَرْبَعَ آيَاتٍ فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ . وَ آيػَتػَيْنِ فِي صِفَةِ الْكَافِرِينَ وَبِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً فِي الْمُنَافِقِينَ . فػَبػَيَّنَ حَاؿَ الْكَافِرِ الْمُصِرِّ عَلَى كُفْرِهِ أَفَّ الإِْنْذَارَ لاَ يػَنػْفَعُوُ لِلْحُجُبِ الَّتِي عَلَى قػَلْبِوِ وَسَمْعِوِ وَبَصَرِهِ . وَلَيْسَ قَاؿَ : إفَّ اللَّوَ لاَ يػَهْدِي أَحَدًا مِنْ ىَؤُلاَءِ فػَيَسْمَعُ وَيػَقْبَلُ . وَلَكِنْ ىُوَ
عدد الصفحات ١١٢يػَنػْفَعُوُ لِلْحُجُبِ الَّتِي عَلَى قػَلْبِوِ وَسَمْعِوِ وَبَصَرِهِ . وَلَيْسَ قَاؿَ : إفَّ اللَّوَ لاَ يػَهْدِي أَحَدًا مِنْ ىَؤُلاَءِ فػَيَسْمَعُ وَيػَقْبَلُ . وَلَكِنْ ىُوَ حِينَ يَكُوفُ كَافِرًا لاَ تػَتػَنَاوَلُوُ الآْيَةُ . وَىَذَا كَمَا يػُقَاؿُ فِي الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ : لاَ يَجُوزُ أَفْ تػُعْقَدَ لَوُ الذِّمَّةُ وَلاَ يَكُوفُ قَط مِنْ أَىْلِ دَارِ الإِْ سْلاَـِ مَا دَاـَ حَرْبِيًّا. فَالْكُفَّارُ مَا دَامُوا كُفَّارًا ىُمْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ . لَهُمْ مَوَانِعُ تَمْنػَعُهُمْ مِنْ الإِْيمَافِ كَمَا أَفَّ لِلْمُنَافِقِينَ مَوَانِعَ تَمْنػَعُهُمْ مَا دَامُوا كَذَلِكَ وَإِفْ أُنْذِرُوا. وَىَذَا كَقَوْلِوِ {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يػَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُم بُكْمٌ عُمْيٌ فػَهُمْ لاَ يػَعْقِلُوفَ }فػَهَذَا مِثْلُ كُلِّ كَافِرٍ مَا دَاـَ كَافِرًا. وَذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ أَفْ يَكُونُوا قَدْ يَسْمَعُوفَ إذَا زَاؿَ الْغِ طَاءُ الَّذِي عَلَى قػُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِىِمْ فَإِنػَّهُمْ لاَ يَسْمَعُوفَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْوُ وَىُوَ الْكُفْرُ . فَمَا دَامُوا ىَذِهِ حَالُهُمْ فػَهُمْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ تػَغَيػ رَ الْحَاؿِ مُمْكِنٌ كَمَا قَاؿَ {إ أَفْ يَشَاءَ اللَّوُ }وَكَمَا ىُوَ الْوَاقِعُ . وَمِثْلُ ىَذَا يُفِيدُ أَفَّ الإِْنْسَافَ لاَ يػَعْتَقِدُ أَنَّوُ بِدُعَادِوِ وَإِنْذَارِهِ وَبػَيَانِوِ يَحْصُلُ الْهُدَى وَلَوْ كَافَ أَكْمَلَ النَّاسِ وَأَفَّ الدَّاعِيَ وَإِفْ كَافَ صَالِحًا نَاصِحًا مُخْلِصًا فػَ قَدْ لاَ يَسْتَجِيبُ الْمَدْعُو لاَ لِنػَقْصِ فِي الد عَاءِ لَكِنْ لِفَسَادِ فِي الْمَدْعُوِّ . وَىَذَا لأَِفَّ حُصُوؿَ الْمَطْلُوبِ مُتػَوَقِّفٌ عَلَى فِعْلِ الْفَاعِلِ وَقػَبُوؿِ الْقَابِلِ كَالسَّيْفِ الْقَاطِعِ يػُؤَثػِّرُ بِشَرْطِ قػَبُوؿِ الْمَحَلِّ فِيوِ لاَ يػَقْطَعُ الْحِجَارَةَ وَالْحَدِيدَ وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَالنػَّفْخُ يػُؤَثػِّرُ إذَا كَافَ ىُنَاؾَ قَابِلٌ لاَ يػُؤَثػِّرُ فِي الرَّمَادِ . وَالد عَاءُ وَالتػَّعْلِيمُ وَالإِْرْشَادُ . وَكُل مَا كَافَ مِنْ
عدد الصفحات ١١٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 111 - سورة البقرة الجزء الاول ىَذَا الْجِنْسِ لَوُ فَاعِلٌ وَىُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْعِلْمِ وَالْهُدَى وَالنِّذَارَةِ وَلَوُ قَابِلٌ وَىُوَ الْمُسْتَمِعُ . فَإِذَا كَافَ الْمُسْتَمِعُ قَابِلاً حَصَلَ الإِْنْذَارُ التَّاـ وَالتػَّعْلِيمُ التَّاـ وَالْهُدَى التَّاـ . وَإِفْ لَمْ يَكُنْ قَابِلاً قِيلَ : عَلَّمْتو فػَلَمْ يػَتػَعَلَّمْ وَىَ دَيْتو فػَلَمْ يػَهْتَدِ وَخَاطَبْتو فػَلَمْ يُصْغِ وَنَحْوَ ذَلِكَ . فػَقَوْلُوُ فِي الْقُرْآفِ {ىُدًى لِلْمُتَّقِينَ } ىُوَ مِنْ ىَذَا. إنَّمَا يػَهْتَدِي مَنْ يػَقْبَلُ الاِىْتِدَاءَ وَىُمْ الْمُتػَّقُوفَ لاَ كُلَّ أَحَدٍ . وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنػَّهُمْ كَانُوا مُتَّقِينَ قػَبْلَ اىْتِدَادِهِمْ بَلْ قَدْ يَكُونُوا كُفَّارًا. لَكِنْ إنَّمَا يػَهْتَدِي بِوِ مِنْ كَافَ مُتَّقِيًا. فَمَنْ اتػَّقَى اللَّوَ اىْتَدَى بِالْقُرْآفِ . وَالْعِلْمُ وَالإِْنْذَارُ إنَّمَا يَكُوفُ بِمَا أَمَرَ بِوِ الْقُرْآفُ . وَىَكَذَا قػَوْلُوُ {لِيػُنْذِرَ مَنْ كَافَ حَيًّا}الإِْنْذَارَ التَّاـَّ فَإِفَّ الْحَيَّ يػَقْبػَلُوُ . وَلِهَذَا قَاؿَ {وَيَحِق الْقَوْؿُ عَلَى الْكَافِرِينَ }فػَهُمْ لَمْ يػَقْبػَلُوا الإِْنْذَارَ . وَمِثػْلُوُ قػَوْلُوُ {إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاىَا} وَعَكْسُوُ قػَوْ لُوُ {وَمَا يُضِل بِوِ إلاَّ الْفَاسِقِينَ }أَيْ كُل مَنْ ضَلَّ بِوِ فػَهُوَ فَاسِقٌ . فػَهُوَ ذَـ لِمَنْ يَضِل بِوِ فَإِنَّوُ فَاسِقٌ . لَيْسَ أَنَّوُ كَافَ فَاسِقًا قػَبْلَ ذَلِكَ . وَلِهَذَا تَأَوَّلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْخَوَارِجِ وَسَ مَّاىُمْ " فَاسِقِينَ " لأَِنػَّهُمْ ضَل وا بِالْقُرْآفِ . فَمَنْ ضَلَّ بِالْقُرْآفِ فػَهُوَ فَاسِقٌ . فػَقَوْلُوُ {إف الَّذِينَ كَفَرُوا}مِنْ ىَذَا الْبَابِ . وَالتػَّقْدِيرُ : مَنْ خَتَمَ عَلَى قػَلْبِوِ وَجَعَلَ عَلَى سَمْعِوِ وَبَصَرِهِ غِشَاوَةً فَسَوَاءٌ عَلَيْك أَنْذَرْتو أَـْ لَمْ تػُنْذِرْهُ ىُوَ لاَ يػُؤْمِنُ أَيْ مَا دَاـَ كَذَلِكَ . وَلَكِنْ ىَذَا قَدْ يػَزُوؿُ وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ {إنَّا أَرْسَلْنَاؾَ شَاىِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}وَحِرْزًا لِلأُْمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُك " الْمُتػَوَكِّلَ " لَسْت بِفَظِّ وَلاَ غَلِيظٍ وَلا صخاب فِي الأَْسْوَاؽِ . وَلاَ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يػَعْفُو وَيػَغْفِرُ . وَلَنْ أَقْبِضَوُ حَتَّى أُقِيمَ بِوِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ فَأَفػْتَحُ بِوِ أَعْيػُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّ ا وَقػُلُوبًا غُلْفًا. وَقَدْ قَاؿَ {لِتػُنْذِرَ قػَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُىُمْ فػَهُمْ غَافِلُوفَ { }لَقَدْ حَقَّ الْقَوْؿُ عَلَى أَكْثَرِىِمْ فػَهُمْ لاَ يػُؤْمِنُوفَ }فَدَؿ عَلَى أَفَّ بػَعْضَهُمْ يػُؤْمِنُوفَ . ثُمَّ قَاؿَ {إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً }إلَى قػَوْلِوِ {إنَّمَا تػُنْذِرُ مَنِ اتػَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ }فػَهَذَا ىُوَ الإِْنْذَارُ التَّاـ وَىُوَ الإِْنْذَارُ الَّذِي يػَقْبػَلُوُ الْمُنْذِرُ وَيػَنْتَفِعُ بِوِ . وَقػَوْلُوُ {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتػَهُمْ أَـْ لَمْ تػُنْذِرْىُمْ }ىُوَ أَصْلُ الإِْنْذَارِ كَمَا يػُقَاؿُ فِي الْبَلِيدِ وَالْمَشْغُوؿِ الذِّىْنِ بِأُمُورِ الد نػْيَا وَالشَّهَوَاتِ : سَوَاءٌ عَلَيْك أَعْلَمْتو أَـْ لَمْ تػُعْلِمْوُ لاَ يػَتػَعَلَّمُ وَلاَ يػَقْبَلُ الْهُدَى وَيػُقَاؿُ فِي الذَّكِيِّ الْ فَارِغِ : إنَّمَا يػَتػَعَلَّمُ مِثْلُ ىَذَا. ثُمَّ الْمَشْغُوؿُ قَدْ يػَتػَفَرَّغُ .
عدد الصفحات ١١٣َـْ لَمْ تػُعْلِمْوُ لاَ يػَتػَعَلَّمُ وَلاَ يػَقْبَلُ الْهُدَى وَيػُقَاؿُ فِي الذَّكِيِّ الْ فَارِغِ : إنَّمَا يػَتػَعَلَّمُ مِثْلُ ىَذَا. ثُمَّ الْمَشْغُوؿُ قَدْ يػَتػَفَرَّغُ . وَقَدْ يَصْلُحُ ذِىْنٌ بػَعْدَ فَسَادِهِ وَيػَفْسُدُ بػَعْدَ صَلاَحِوِ لِفَسَادِ قػَلْبِوِ وَصَلاَحِوِ . وَعَلَى ىَذَا الْقَوْؿِ أَكْثػَرُ تػَفْسِيرِ السَّلَفِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاؽَ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيػْرُهُ . قَاؿَ ابْنُ إسْحَاؽَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدُ بْنُ جُبػَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { :إف الَّذِينَ كَفَرُوا}أَيْ بِمَا أُنْزِؿَ إلَيْك وَإِفْ قَالُوا: إنَّا قَدْ آمَنَّا بِمَا جَاءَنَا قػَبػْلَك {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتػَهُمْ أَـْ لَمْ تػُنْذِرْىُمْ لاَ يػُؤْمِنُوفَ }أَيْ إنػَّهُمْ قَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدَىُمْ مِنْ ذِكْرِؾ وَجَحَدُوا مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمِيثَاؽِ فػَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَؾ وَبِمَ ا عِنْدَىُمْ مِمَّا جَاءَىُمْ بِوِ غَيػْرُؾ. فَكَيْفَ يَسْمَعُوفَ مِنْك إنْذَارًا وَتَحْذِيرًا؟ فػَقَدْ تػَبػَيَّنَ أَنػَّهُمْ لاَ يَسْمَعُوفَ الإِْنْذَارَ لِكُفْرِىِمْ بِمَا عِنْدَىُمْ وَمَا جَاءَىُمْ مِنْ الْحَقِّ . وَمَعْلُوـٌ أَفَّ مِنػْهُمْ خَلْقًا تَابُوا بػَعْدَ ذَلِكَ وَآمَنُوا. وَرُوِيَ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَاؿَ : آيػَتَافِ فِي قَادَةِ الأَْحْزَابِ {إف الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتػَهُمْ أَـْ لَمْ تػُنْذِرْىُمْ لاَ يػُؤْمِنُوفَ }قَاؿَ: ىُمْ الَّذِينَ ذَكَ رَىُمْ اللَّوُ فِي ىَذِهِ الآْيَةِ {أَلَمْ تػَرَ إلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّوِ كُفْرًا وَأَحَل وا قػَوْمَهُمْ دَارَ الْبػَوَارِ }قػُلْت: جَعَلَهُمْ قَادَةَ الأَْحْزَابِ لِكَوْنِهِمْ أَضَل وا الأَْتػْبَاعَ فَأَحَل وىُمْ دَارَ الْبػَوَارِ . وَالأَْ حْزَابُ يػَوْـَ الْخَنْدَؽِ قَدْ أَسْلَمَ عَامَّةُ قَادَتِهَا وَحَسُنَ إسْلاَمُهُمْ مِثْلُ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَصَفْوَافَ بْنِ أُمَيَّةَ وَسُهَيْلِ بْنِ
عدد الصفحات ١١٣تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 112 - سورة البقرة الجزء الاول عَمْرٍو وَأَبِي سُفْيَاف. وَىَؤُلاَءِ أَسْلَمَ مِنػْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ عَاـَ الْفَتْحِ وَىُمْ الط لَقَاءُ . وَمِنػْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ قػَبْلَ ذَلِكَ . وَالْحِزْبُ الآْخَرُ غطفاف وَقَدْ أَسْلَمُوا أَيْضًا. وَالآْيَةُ لاَ بُدَّ أَفْ تػَتػَنَاوَؿَ كُفَّارَ أَىْلِ الْكِتَابِ كَمَا قَاؿَ ابْنُ إسْحَاؽَ فَإِفَّ الس ورَةَ مَدَنِيَّةٌ وَإِفْ تػَنَاوَلَتْ مَعَ ذَ لِكَ الْمُشْرِكِينَ . فَهِيَ تػَعُم كُلَّ كَافِرٍ . وَمُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاؾُ يَخُص هَا بِبػَعْضِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ . وَابْنُ السَّادِبِ يػَقُوؿُ : ىِيَ إنَّمَا نػَزَلَتْ فِي الْيػَهُودِ مِنػْهُمْ حيي بْنُ أَخْطَبَ . وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاؽَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنػَّهَا فِي الْيػَهُودِ . وَأَبُو الْعَالِيَةِ يػَقُوؿُ : إنػَّهَا نػَزَلَتْ فِي قَادَةِ الأَْحْزَابِ . وَالآْيَةُ تػَعُم ىَؤُلاَءِ كُل هُمْ وَغَيػْرُىُمْ كَمَا أَفَّ آيَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ كَافَ سَبَبُ نػُزُولِهَا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ الْمَوْجُودِينَ وَقْتَ النػ زُوؿِ وَىِيَ تػَعُم هُمْ وَغَيػْرُىُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إلَى قِيَاـِ السَّاعَةِ . وَالْمَقْصُودُ أَفَّ قػَوْلَوُ {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتػَهُمْ أَـْ لَمْ تػُنْذِرْىُمْ لاَ يػُؤْمِنُوفَ }كَقَوْلِوِ {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الص مَّ الد عَاءَ إذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ { }وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ }وَقػَوْلَوُ {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الص مَّ وَلَوْ كَانُوا لاَ يػَعْقِلُوفَ { }وَمِنػْهُمْ مَنْ يػَنْظُرُ إلَيْكَ أَفَأَنْتَ تػَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لاَ يػُبْصِرُوفَ }وَكُل ىَذَا فِيوِ بػَيَافُ أَفَّ مُجَرَّدَ دُعَادِك وَتػَبْلِيغِك وَحِرْصِك عَلَى ىُدَاىُمْ لَيْسَ مُوجِبُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إذَا شَاءَ اللَّوُ ىُدَاىُمْ فَشَرَحَ صُدُ ورَىُمْ لِلإِْسْلاَـِ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى {إفْ تَحْرِصْ عَلَى ىُدَاىُمْ فَإِفَّ اللَّوَ لاَ يػَهْدِي مَنْ يُضِل }فَفِيوِ تػَعْزِيَةٌ لِرَسُولِوِ وَبػَيػَّنَتْ الآْيَةُ لَوُ أَفَّ تػَبْلِيغَك وَإِفْ لَمْ يػَهْتَدُوا بِوِ فَفِيوِ مَصَالِحُ عَظِيمَةٌ غَيػْرُ ذَ لِكَ . وَفِيوِ بػَيَافُ أَفَّ الْهُدَى ىُدَى اللَّوِ . ؼ {مَنْ يػَهْدِ اللَّوُ فػَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فػَلَنْ تَجِدَ لَوُ وَلِيًّا مُرْشِدًا }وَقَدْ قَاؿَ لَوُ {إنَّكَ لاَ تػَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّوَ يػَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } فَفِيوِ تػَ قْرِيرُ التػَّوْحِيدِ وَتػَقْرِيرُ مَقْصُودِ الرِّسَالَةِ . وَىُوَ سُبْحَانَوُ أَخْبػَرَ عَمَّنْ لاَ يػُؤْمِنُ فػَقَاؿَ {إف الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يػُؤْمِنُوفَ { }وَلَوْ جَاءَتػْهُمْ كُل آيَةٍ }وَقَاؿَ {لِتػُنْذِرَ قػَوْمًا مَا أُنْذِ رَ آبَاؤُىُمْ فػَهُمْ غَافِلُوفَ }ثُم قَاؿَ {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْؿُ عَلَى أَكْثَرِىِمْ فػَهُمْ لاَ يػُؤْمِنُوفَ }فَخَص فِي ىَذِهِ الآْيَةِ وَفِي تِلْكَ {إف الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ }وَىُمْ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْؿُ أَيْ حَقَّ عَلَيْهِمْ مَا قَالَوُ اللَّوُ سُبْحَانَوُ وَكَتَبَوُ وَقَدَّرَهُ . فَجَعَلَ الْمُوجَبَ ىُوَ التػَّقْدِيرُ السَّابِقُ وَىُوَ قػَوْلُوُ . وَالْقَوْؿُ وَإِفْ كَافَ قَدْ يَكُوفُ خَبػَرًا مُجَرَّدًا بِمَا سَيَكُوفُ وَقَدْ يَكُوفُ قػَوْلاً يػَتَضَمَّنُ أَشْ يَاءَ كَالْيَمِينِ الْمُتَضَمِّنَة لِلْحَضِّ وَالْمَنْعِ . فػَقَدْ ذَكَرَ
عدد الصفحات ١١٤وَإِفْ كَافَ قَدْ يَكُوفُ خَبػَرًا مُجَرَّدًا بِمَا سَيَكُوفُ وَقَدْ يَكُوفُ قػَوْلاً يػَتَضَمَّنُ أَشْ يَاءَ كَالْيَمِينِ الْمُتَضَمِّنَة لِلْحَضِّ وَالْمَنْعِ . فػَقَدْ ذَكَرَ فِي مَوَاضِعَ تػَقَد ـَ الْيَمِينِ كَقَوْلِوِ {وَلَوْ شِئػْنَا لآَتػَيػْنَا كُلَّ نػَفْسٍ ىُدَاىَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْؿُ مِنِّي}وَنَحْوُ ذَلِكَ . فػَهُوَ خَبػَرٌ عَمَّا قَالَوُ أَوْ قَالَ وُ وَكَتَبَوُ . وَىُوَ التػَّقْدِيرُ الَّذِي يػَتَضَمَّنُ أَنَّوُ قَدَّرَ مَا يػَفْعَلُوُ وَعَلِمَوُ وَكَتَبَوُ كَمَا تَظَاىَرَتْ الن صُوصُ بِأَفَّ اللَّوَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلاَدِقِ قػَبْلَ أَفْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ . وَالْقَدَرُ تَضَمَّنَ عِلْمَوُ بِمَا سَيَكُوفُ وَمَشِيئَتَوُ لِوُجُودِ مَا قَدَّرَهُ وَعَلِمَ أَفْ سَيَخْلُقُوُ . وَالْقَوْؿُ قَدْ يَكُوفُ خَبػَرًا وَقَدْ يَكُوفُ فِيوِ مَعْنَى الطَّلَبِ الْحَضِّ وَالْمَنْعِ بِالْقَسَمِ وَإِمَّا لِكِتَابَتِوِ عَلَى نػَفْسِوِ كَقَوْلِوِ {كَتَبَ رَب كُمْ عَلَى نػَفْسِوِ الرَّحْمَةَ }وَقػَوْلِوِ {وَكَافَ حَقًّا عَلَيػْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ }وَقػَوْلِوِ { "يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظ لْمَ عَلَى نػَفْسِي وَجَعَلْتو بػَيػْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا} وَأَمَّا قػَوْلُوُ {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ }فػَهَذَا مُخْتَص بِالْكُفَّارِ . وَىُوَ الْوَعِيدُ الْمُتَضَمِّنُ الْجَزَاءَ عَلَى الأَْعْمَاؿِ كَمَا قَاؿَ تػَعَالَى لإبليس {لأََمْلأََف جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنػْهُمْ أَجْمَعِينَ } وَقػَوْلُوُ {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبػَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَافَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى}أَيْ إفَّ عَذَابػَهُمْ لَوُ أَجَلٌ مُسَمًّى إمَّا يػَوْـَ الْقِيَامَةِ وَإِمَّا فِي الد نػْيَا كَيػَوْـِ بَدْرٍ وَإِمَّا عَقِبَ الْمَوْتِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الآْيَةِ الأَْقػْوَاؿَ الثَّلاَثَةَ . فػَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبػَقَتْ مِنْ رَبِّك إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
عدد الصفحات ١١٤تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 113 - سورة البقرة الجزء الاول لَكَافَ الْعَذَابُ لِزَامًا أَيْ لاَزِمًا لَهُمْ . فَإِفَّ الْمُقْتَضِي لَوُ قَادِمٌ تَاـ وَىُوَ كُفْرُىُمْ . وَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ الْقَوْؿَ عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ غَيْ رِ تػَقْيِيدٍ فَإِنَّوُ لاَ يُرِيدُ مَنْ لاَ يػُؤْمِنُ مِنػْهُمْ . فَإِفَّ اللَّفْظَ لاَ يَدُؿ عَلَى ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ . وَأَيْضًا فَإِفَّ ىَذَا لاَ فَادِدَةَ فِيوِ إذْ كَافَ أُولَئِكَ غَيػْرُ مَعْرُوفِينَ وَإِنَّمَا ىُمْ طَادِفَةٌ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَ وْؿُ وَىُمْ لاَ يػَتَمَيػَّزُوفَ مِنْ غَيْرِىِمْ . بَلْ ىُوَ مَأْمُورٌ بِإِنْذَارِ الْجَمِيعِ وَفِيهِمْ مَنْ يػُؤْمِنُ وَمَنْ لاَ يػُؤْمِنُ . فَذَكَرَ اللَّفْظَ الْعَاـَّ؛ وَإِرَادَةُ أُولَئِكَ دُوفَ غَيْرِىِمْ لَيْسَ فِيوِ بػَيَافٌ لِلْمُرَادِ الْخَاصِّ . وَذَكَ رَ الْمَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَ أَنػَّهُمْ لاَ يػُؤْمِنُوفَ قَط وَلاَ فِيوِ تػَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْعَاـِّ . وَكَلاَـُ اللَّوِ تػَعَالَى يُصَافُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ . وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْمَوَانِعِ ىِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يػَقْبَلْ الإِْ نْذَارَ سَوَاءٌ كَافَ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ غَيػْرَ ذَلِكَ لِسَبَبِ يُوجِبُ ذَلِكَ فػَيَمْتَنِعُ قػَبُوؿُ الإِْنْذَارِ بِسَبَبِ الْمَوَانِعِ . وَلَكِنَّ ىَذِهِ الْمَوَانِعَ قَدْ تػَزُوؿُ فَإِنػَّهَا لَيْسَتْ لاَزِمَةً لِكُلِّ كَافِرٍ . وَإِذَ ا كَافَ الْمَانِعُ مَا سَبَقَ مِنْ الْقَوْؿِ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ فػَقَدْ لاَ يػَزُوؿُ أَبَدًا كَمَا قَاؿَ {إف الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يػُؤْمِنُوفَ { }وَلَوْ جَاءَتػْهُمْ كُل آيَةٍ حَتَّى يػَرَوُا الْعَذَابَ الأَْلِيمَ }وَقَدْ يَذْكُرُ ىَذَا وَىَذَا. خَتَمَ اللَّوُ عَلَى قػُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِىِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (ٚ) قاؿ الشنقيطي: لاَ يَخْفَى أَفَّ الْوَاوَ فِي قػَوْلِوِ : (وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِىِمْ ) مُحْتَمِلَةٌ فِي الْحَرْفػَيْنِ أَفْ تَكُوفَ عَاطِفَةً عَلَى مَا قػَبْلِهَا، وَأَفْ تَكُوفَ اسْتِئػْنَافِيَّةً، وَلَمْ يػُبػَيِّنْ ذَلِكَ ىُنَا، وَلَكِنْ بػَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَفَّ قػَوْلَوُ (وَعَلَى سَمْعِهِمْ ) مَعْطُوؼٌ عَلَى قػَوْلِوِ (عَلَى قػُلُوبِهِمْ ) ، وَأَفَّ قػَوْلَ وُ (وَعَلَى أَبْصَارِىِمْ ) اسْتِئػْنَاؼٌ، وَالْجَار وَالْمَجْرُورُ خَبػَرُ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي ىُوَ (غِشَاوَةٌ ) وَسَوَّغَ الاِبْتِدَاءَ بِالنَّكِرَةِ فِيوِ اعْتِمَادُىَا عَلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ قػَبػْلَهَا، وَلِذَلِكَ يَجِبُ تػَقْدِيمُ ىَذَا الْخَبَرِ ؛ لأَِنَّوُ ىُوَ الَّذِي سَوَّغَ الاِبْتِدَاءَ بِالْمُبْتَدَأِ كَمَا عَقَدَهُ فِي [الْخُلاَصَةِ ]بِقَوْلِوِ[ :الرَّجَزُ] وَنَحْوَ عِنْدِي دِرْىَمٌ وَلِي وَطَرْ ... مُلْتػَزَـٌ فِيوِ تػَقُد ـُ الْخَبػَرْ فػَتَحَصَّلَ أَفَّ الْخَتْمَ عَلَى الْقُلُوبِ وَالأَْسْ مَاعِ، وَأَفَّ الْغِشَاوَةَ عَلَى الأَْبْصَارِ، وَذَلِكَ فِي قػَوْلِوِ تػَعَالَى: (أَفػَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَوُ ىَوَاهُ وَأَضَلَّوُ اللَّوُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِوِ وَقػَلْبِوِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [ )٘ٗ \ ٖٕ]، وَالْخَتْمُ : الاِ سْتِيثَاؽُ مِنَ الشَّيْءِ حَتَّى لاَ يَخْرُجَ مِنْوُ دَاخِلٌ فِيوِ وَلاَ يَدْخُلَ فِيوِ خَارِجٌ عَنْوُ، وَالْغِشَاوَةُ : الْغِطَاءُ عَلَى الْعَيْنِ يَمْنػَعُهَا مِنَ الر ؤْيَةِ، وَمِنْوُ قػَوْؿُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَاصِ [ :الطَّوِيلُ] ىَوَيػْتُكِ إِذْ عَيْنِي عَلَيػْهَا غِشَاوَةٌ ...
عدد الصفحات ١١٥: الْغِطَاءُ عَلَى الْعَيْنِ يَمْنػَعُهَا مِنَ الر ؤْيَةِ، وَمِنْوُ قػَوْؿُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَاصِ [ :الطَّوِيلُ] ىَوَيػْتُكِ إِذْ عَيْنِي عَلَيػْهَا غِشَاوَةٌ ... فػَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نػَفَسِي أَلُومُهَا وَعَلَى قِرَاءَةِ مَنْ نَصَبَ «غِشَاوَةٌ» فَهِيَ مَنْصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوؼٍ أَيْ (وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [ )٘ٗ \ ٖٕ]، كَمَا فِي سُورَةِ «الْجَاثِيَةِ» وَىُوَ كَقَوْلِوِ [ :الرَّجَزُ] عَلَفْتػُهَا تِبػْنًا وَمَاءً بَارِدًا ... حَتَّى شَتَتْ ىَمَّالَةً عَيػْنَاىَا وَقػَوْؿِ الآْخَرِ [ :مُرَفَّلُ الْكَامِلِ ] وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتػَقَلِّدًا سَيػْفًا وَرُمْحَا وَقػَوْؿِ الآْخَرِ [ :الْوَافِرُ] إِذَا مَا الْغَانِيَاتُ بػَرَزْفَ يػَوْمًا ... وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ وَالْعَيُونَا
عدد الصفحات ١١٥تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 114 - سورة البقرة الجزء الاول كَمَا ىُوَ مَعْرُوؼٌ فِي النَّحْوِ، وَأَجَازَ بػَعْضُهُمْ كَوْنَوُ مَعْطُوفًا عَلَى مَحَلِّ الْمَجْرُورِ، فَإِفْ قِيلَ : قَدْ يَكُوفُ الطَّبْعُ عَلَى الأَْبْصَارِ أَيْضًا، كَمَا فِ ي قػَوْلِوِ تػَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ : (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّوُ عَلَى قػُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِىِمْ [ )الآْيَةَ ٛٓٔ] فَالْجَوَابُ: أَفَّ الطَّبْعَ عَلَى الأَْبْصَارِ الْمَذْكُورَ فِي آيَةِ النَّحْلِ : ىُوَ الْغِشَاوَةُ الْمَذْكُورَ ةُ فِي سُورَةِ الْبػَقَرَةِ وَالْجَاثِيَةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّوِ تػَعَالَى. قاؿ ابن العثيمين: والختم على الأذف: أف لا تسمع خيراً تنتفع بو.. و {غشاوة}أي غطاء يحوؿ بينها وبين النظر إلى الحق؛ ولو نظرت لم تنتفع. قولو تعالى{ :ولهم} أي لهؤلاء الكفار الذين بقوا على كفرىم {عذاب عظيم} :وىو عذاب النار؛ وعظمو الله تعالى؛ لأنو لا يوجد أشد من عذاب النار.. قاؿ البغوي: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، أَيْ : فِي الآْخِرَةِ، وَقِيلَ : الْقَتْلُ وَالأَْسْرُ فِي الد نػْيَا وَالْعَذَابُ الدَّادِمُ فِي الْعُقْبَى، والعذاب: كل ما يعيي الإِْنْسَافَ وَيَشُق عَلَيْوِ، قَاؿَ الْخَلِيلُ بن أحمد : الْعَذَابُ مَا يَمْنَعُ الإِْنْسَافَ عَنْ مُرَادِهِ، وَمِنْوُ الْمَاءُ الْعَذْبُ لأَِنَّوُ يَمْنَعُ الْعَطَشَ . (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآيتين: ٔ- تسلية الرسوؿ حين يرد ه الكفار، ولا يَقبلوف دعوتو.. ٕ- أف من حقت عليو كلمة العذاب فإنو لا يؤمن مهما كاف المنذِر والداعي؛ لأنو لا يستفيد. قد ختم الله على قلبو.، كما قاؿ تعالى{ :إف الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنوف * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: ٜٙ، ٜٚ]، وقاؿ تعالى{ :أفمن حق عليو كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار[ }الزمر: ٜٔ]يعني ىؤلاء لهم النار؛ انتهى أمرىم، ولا يمكن أف تنقذىم.. ٖ- أف الإنساف إذا كاف لا يشعر بالخوؼ عند الموعظة، ولا بالإقباؿ على الله تعالى فإف فيو شبهاً من الكفار الذين لا يتعظوف بالمواعظ، ولا يؤمنوف عند الدعوة إلى الله ... ٗ- أف محل الوعي القلوب؛ لقولو تعالى{ :ختم الله على قلوبهم}يعني لا يصل إليها الخير.. ٘- أف طرؽ الهدى إما بالسمع؛ وإما بالبصر: لأف الهدى قد يكوف بالسمع، وقد يكوف بالبصر؛ بالسمع فيما يقاؿ؛ وبالبصر فيما يشاىد؛ وىكذا آيات الله عزّ وجلّ تكوف مقروءة مسموعة؛ وتكوف بيّنة مشهودة.. ٙ- وعيد ىؤلاء الكفار بالعذاب العظيم.. (مسألة) إذا قاؿ قادل: ىل ىذا الختم لو سبب من عند أنفسهم، أو مجرد ابتلاء وامتحاف من الله عزّ وجلّ؟
عدد الصفحات ١١٦تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 115 - سورة البقرة الجزء الاول فالجواب: أف لو سبباً؛ كما قاؿ تعالى{ :فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم[ }الصف: ٘] ، وقاؿ تعالى{ :فبما نقضهم ميثاقهم لعناىم وجعلنا قلوبهم قاسية (الماددة: ٖٔ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يػَقُوؿُ آمَنَّا بِاللَّوِ وَبِالْيػَوْـِ الآْخِرِ وَمَا ىُمْ بِمُؤْمِنِينَ (ٛ) قاؿ ابن العثيمين: قولو تعالى{ :ومن الناس{ : }من} للتبعيض؛ أي: وبعض الناس؛ ولم يصفهم الله تعالى بوصف. لا بإيماف، ولا بكفر.؛ لأنهم كما وصفهم الله تعالى في سورة النساء{ :مذبذبين بين ذلك لا إلى ىؤلاء ولا إلى ىؤلاء[ }النساء: ٖٗٔ]؛ و {الناس} أصلها الأناس؛ لكن لكثرة الاستعماؿ حذفت الهمزة تخفيفاً، كما قالوا في "خير"، و"شر": إف أصلهما: "أخير"، و"أشر"؛ لكن حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرة الاستعماؿ؛ وسُموا أناساً : من الأُنس؛ لأف بعضهم يأنس بعضاً، ويركن إليو؛ ولهذا يقولوف: "الإنساف مدني بالطبع"؛ بمعنى: أنو يحب المدنية. يعني الاجتماع، وعدـ التفرؽ ... قولو تعالى{ :من يقوؿ آمنا بالله وباليوـ الآخر} أي يقوؿ بلسانو. بدليل قولو تعالى: {وما ىم بمؤمنين}أي بقلوبهم.؛ وسبق معنى الإيماف بالله، وباليوـ الآخر.. قاؿ الطبري: وقولو: (وَبِالْيػَوْـِ الآخِرِ ) ، يعني: بالبعث يوـ القيامة، وإنما سُمّى يوـُ القيامة "اليوـَ الآخر"، لأنو آخر يوـ، لا يوـَ بعده سواه. فإف قاؿ قادل: وكيف لا يكوف بعده يوـ، ولا انقطاعَ للْخرة ولا فناء، ولا زواؿ؟ قيل: إف اليوـَ عند العرب إنما سُمي يومًا بليلتو التي قبلو، فإذا لم يتقدـ النهارَ ليلٌ لم يسمَّ يومًا. فيوـ القيامة يوـ لا ليلَ بعده، سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة، فذلك اليوـ ىو آخر الأياـ. ولذلك سمّاه الله جل ثناؤه"اليوـ الآخر"، ونعتَو بالعَقِيم. ووصفو بأنو يوـ عَقيم، لأنو لا ليل بعده (ٔ) . وأما تأويل قولو: "وما ىم بمؤمنين"، ونفيُو عنهم جلّ ذكره اسمَ الإيماف، وقد أخبرَ عنهم أنّهم قد قالوا بألسنتهم: آمَنَّا بالله وباليوـ الآخر - فإف ذلك من الله جل وعزّ تكذيبٌ لهم فيما أخبػَرُوا عن اعتقادىم من الإيماف والإقرار بالبعث، وإعلاـٌ منو نبيَّو أفّ الذي يػُبْدونو لو بأفواىهم خلاؼُ ما في ضمادر قلوبهم، وضِد ما في عزادم نفوسهم. وفي ىذه الآية دلالةٌ واضحة على بُطوؿ ما زَعَمتْو الجهميةُ : من أفّ الإيماف ىو التصديق بالقوؿ، دوف سادر المعاني غيره. وقد أخبر الله جل ثناؤه عن الذين ذكرىم في كتابو من أىل النفاؽ، أنهم قالوا بألسنتهم:"آمنا بالله وباليوـ الآخر"، ثم نفَى عنهم أف يكونوا مؤمنين، إذْ كاف اعتقادىم غيرَ مُصَدِّؽٍ قِيلَهُم ذلك. -1 وذلك قول ربنا سبحانو في سورة الحج: ٘٘{ :وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْوُ حَتَّى تَأْتِيَيُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَيُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ }
عدد الصفحات ١١٧تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 116 - سورة البقرة الجزء الاول وقولو"وما ىم بمؤمنين"، يعني بمصدِّقين" فيما يزعموف أنهم بو مُصَدِّقوف. قاؿ السعدي: واعلم أف النفاؽ ىو: إظهار الخير وإبطاف الشر، ويدخل في ىذا التعريف النفاؽ الاعتقادي، والنفاؽ العملي، كالذي ذكر النبي في قولو: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خاف "وفي رواية: "وإذا خاصم فجر ". وأما النفاؽ الاعتقادي المخرج عن دادرة الإسلاـ، فهو الذي وصف الله بو المنافقين في ىذه السورة وغيرىا، ولم يكن النفاؽ موجودا قبل ىجرة الرسوؿ من مكة إلى المدينة، وبعد أف ىاجر، فلما كانت وقعة "بدر " وأظهر الله المؤمنين وأعزىم، ذؿ من في المدينة ممن لم يسلم، فأظهر بعضهم الإسلاـ خوفا ومخادعة، ولتحقن دماؤىم، وتسلم أموالهم، فكانوا بين أظهر المسلمين في الظاىر أنهم منهم، وفي الحقيقة ليسوا منهم. فمن لطف الله بالمؤمنين، أف جلا أحوالهم ووصفهم بأوصاؼ يتميزوف بها، لئلا يغتر بهم المؤمنوف، ولينقمعوا أيضا عن كثير من فجورىم قاؿ تعالى{ :يحذر المنافقوف أف تنزؿ عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم}فوصفهم الله بأصل النفاؽ فقاؿ: {ومن الناس من يقوؿ آمنا بالله وباليوـ الآخر وما ىم بمؤمنين} فإنهم يقولوف بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فأكذبهم الله بقولو: {وما ىم بمؤمنين} لأف الإيماف الحقيقي، ما تواطأ عليو القلب واللساف، وإنما ىذا مخادعة لله ولعباده المؤمنين. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية: ٔ- بلاغة القرآف؛ بل فصاحة القرآف في التقسيم؛ لأف الله سبحانو وتعالى ابتدأ ىذه السورة بالمؤمنين الخلَّص، ثم الكفار الخلَّص، ثم بالمنافقين؛ وذلك؛ لأف التقسيم مما يزيد الإنساف معرفة، وفهماً .. ٕ- أف القوؿ باللساف لا ينفع الإنساف؛ لقولو تعالى: (ومن الناس من يقوؿ آمنا بالله وباليوـ الآخر وما ىم بمؤمنين). ٖ- أف المنافقين ليسوا بمؤمنين. وإف قالوا: إنهم مؤمنوف.؛ لقولو تعالى{ :وما ىم بمؤمنين}؛ ولكن ىل ىم مسلموف؟ إف أريد بالإسلاـ الاستسلاـ الظاىر فهم مسلموف؛ وإف أريد بالإسلاـ إسلاـ القلب والبدف فليسوا بمسلمين.. ٗ- أف الإيماف لا بد أف يتطابق عليو القلب، واللساف..ووجو الدلالة: أف ىؤلاء قالوا: "آمنا" بأفواىهم ولم تؤمن قلوبهم؛ فصح نفي الإيماف عنهم؛ لأف الإيماف باللساف ليس بشيء..
عدد الصفحات ١١٨تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 117 - سورة البقرة الجزء الاول يُخَادِعُوفَ اللَّوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُوفَ إِلاَّ أَنػْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُوفَ (ٜ) قاؿ الطبري: وخداعُ المنافق ربَّو والمؤمنينَ، إظهارُ ه بلسانو من القوؿ والتصديق، خلاؼَ الذي في قلبو من الشكّ والتكذيب، ليدْرَأ عن نفسو، بما أظهر بلسانو، حكمَ الله عز وجلّ - اللازـَ مَن كاف بمثل حالو من التكذيب، لو لم يُظْهِرْ بلسانو ما أظهرَ من التصديق والإقرار - من القَتْل والسِّباء. فذلك خِداعُو ربَّو وأىلَ الإيماف بالله. فإف قاؿ قادل: وكيف يكوف المنافق لله وللمؤمنين مُخادِعًا، وىو لا يظهر بلسانو خلاؼَ ما ىو لو معتقدٌ إلا تَقِيَّةً؟ قيل: لا تمتنعُ العربُ من أفْ تُسمّي من أعطى بلسانو غيرَ الذي ىو في ضميره تَقِيَّةً لينجو مما ىو لو خادف، فنجا بذلك مما خافو - مُخادِعًا لمن تخلص منو بالذي أظهر لو من التَّقيّة. فكذلك المنافق، سمي مخادعًا لله وللمؤمنين، بإظهاره ما أظهر بلسانو تقيَّةً، مما تخلَّص بو من القتل والسِّباء والعذاب العاجل، وىو لغير ما أظهر مستبطِنٌ . وذلك من فعلِو - وإف كاف خِدَاعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسو بذلك من فعلو خادعٌ، لأنو يُظهر لها بفعلو ذلك بها، أنو يُعطيها أمنيَّتها، وُيسقيها كأسَ سُرورىا، وىو مُورِدُىا بو حِياض عَطَبها، ومجَرِّعها بو كأس عَذابها، ومُزِيرُىا من غَضب الله وأليم عقابو ما لا قبل لها بو . فذلك خديعَتُو نفسو، ظَنًّا منو - مع إساءتو إليها في أمر معادىا - أنو إليها محسن، كما قاؿ جل ثناؤه:"وما يخدَعُوف إلا أنفسهم ومَا يشعُرُوف"، إعلامًا منو عبادَه المؤمنين أفَّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفُسهم في إسخاطهم رَّبهم بكُفْرىم وشكِّهم وتكذيبهم - غيرُ شاعرين ولا دارين، ولكنهم على عَمْ يَاء من أمرِىم مُقيموف. القوؿ في تأويل قولو جل ثناؤه{ :وَمَا يَخْدَعُوفَ إِلا أَنػْفُسَهُمْ }: إف قاؿ قادل: أو ليس المنافقوف قد خدعُوا المؤمنين - بما أظهرُوا بألسنتهم من قيل الحق - عن أنفسهم وأموالِهم وذَرَاريهم حتى سلمت لهم دنياىم، وإف كانوا قد كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم؟ قيل: خَطأٌ أف يقاؿ إنهم خَدعوا المؤمنين. لأنَّا إذا قلنا ذلك، أوجبنا لهم حقيقةَ خدعةٍ جازت لهم على المؤمنين . كما أنَّا لو قلنا: قتل فلاف فلانًا، أوجبنا لو حقيقةَ قتلٍ كاف منو لفلاف. ولكنا نقوؿ: خادَع المنافقوف رَبَّهم والمؤمنين، ولم يَخْدَ عوىم بَل خَدعوا أنفسهم، كما قاؿ جل ثناؤه، دوف غيرىا، نظيرَ ما تقوؿ في رجل قاتَل آخر، فقتَل نفسَو ولم يقتُل صاحبو: قاتَل فلاف فلانًا فلم يقتل إلا نفسو، فتوجبُ لو مقاتَلةَ صاحبو، وتنفي عنو قتلَو صاحبَو، وتوجب لو قتل نفسو. فكذلك تقوؿ:"خادَعَ المنافقُ ربَّو و المؤمنين فلم يخدعْ إلا نفسو"، فتثبت منو مخادعةَ ربو والمؤمنين، وتنفي عنو أف يكوفَ خَدع غير نَفسو، لأف الخادعَ ىو الذي قد صحّت الخديعة لو، وَوقع منو فعلُها. فالمنافقوف لم يخدَعوا غيرَ أنفسهم، لأفّ ما كاف لهم من ماؿ وأىلٍ، فلم يكن المسلموف مَلَكوه عليهم - في حاؿ خِداعهم إياىم عنو بنفاقهم وَلا قػَبْلها - فيستنقِذُوه بخداعهم منهم، وإنما دافعوا عنو بكذبهم وإظهارىم بألسنتهم غيرَ الذي في ضمادرىم، ويحكُم الله لهم في أموالهم وأنفسهم وذراريهم في ظاىر أمورِىم بحُكْم ما انتسبوا إليو من الملّة، والله بما يُخْفوف من
عدد الصفحات ١١٩تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 118 - سورة البقرة الجزء الاول أمورِ ىم عالم. وإنما الخادع من خَتَل غيرَهُ عن شيئِو، والمخدوعُ غير عالم بموضع خديعةِ خادعِوِ . فأما والمخادَع عارؼٌ بخداعِ صاحبو إياه غير لاحقِو من خداعو إيّاه مكروهٌ، بل إنما يَتجافى للظَّافّ بو أنو لو مُخادع، استدراجًا، ليبلغ غايةً يتكامل لو عليو الحُجَّةُ للعقوبة التي ىو بها مُوقع عند بلوغو إياىا ، والمُسْتَدرَج غيرُ عالم بحاؿ نفسو عند مستدرِجِو، ولا عارؼ باطِّلاعو على ضميره، وأفّ إمهاؿَ مستدرِجِو إياه، تركو معاقبتو على جرمو ليبلغ المخاتِل المخادِعُ من استحقاقو عقوبةَ مستدرِجِو، بكثرة إساءتو، وطوؿِ عِصيانو إياه، وكثرة صفح المستدرِج، وطوؿ عفوه عنو أقصى غايةٍ فإنما ىو خادع نفسو لا شك، دوف من حدّثتو نفسو أنو لو مخادعٌ . ولذلك نَفى الله جل ثناؤه عن المنافق أف يكوفَ خدَعَ غيرَ نفسو، إذ كانت الصِّفةُ التي وَصَفنا صفتَو. وإذ كاف الأمر على ما وصفنا من خِدَاع المنافق ر بَّو وأىلَ الإيماف بو، وأنو غير صادر بخداعو ذلك إلى خديعةٍ صحيحة إلا لنفسو دوف غيرىا، لما يػُوَرِّطها بفعلو من الهلاؾ والعطب - فالواجب إذًا أف يكوف الصحيح من القراءة: (وَمَا يَخْدَعُوفَ إِلا أَنػْفُسَهُمْ ) دوف (وما يخادعوف) لأف لفظ"المخادع " غير مُوجب تثبيتَ خديعةٍ على صحَّة، ولفظ"خادع " موجب تثبيت خديعة على صحة. ولا شك أف المنافق قد أوْجبَ خديعة الله عز وجل لِنػَفْسو بما رَكِبَ من خداعو ربَّو ورسولَو والمؤمنين - بنفاقو، فلذلك وجبَت الصِّحةُ لقراءة من قرأ: (وَمَا يَخْدَعُوفَ إِلا أَنػْفُسَهُمْ ) . ومن الدلالة أيضً ا على أف قراءة من قرأ: (وَمَا يَخْدَعُوفَ ) أولى بالصحة من قراءة من قرأ: (وما يخادعوف) ، أف الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يُخادعوف الله والمؤمنين في أوؿ الآية، فمحاؿ أف يَنفي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه، لأف ذلك تضاد في المعنى، وذلك غير جادزٍ من الله جلّ وعزّ . القوؿ في تأويل قوؿ الله جل ثناؤه{ :وَمَا يَشْعُرُوفَ (ٜ} ) يعني بقولو جل ثناؤه"وما يَشعروف"، وما يَدْرُوف. يقاؿ: ما شَعَرَ فلافٌ بهذا الأمر، وىو لا يشعر بو -إذا لم يَدْرِ ولم يػَعْلم- شِعرًا وشعورًا. وقاؿ الشاعر: عَقَّوْا بِسَهمٍ وَلَمْ يَشْعُر بِ وِ أَحَدٌ ... ثُمَّ اسْتػَفَاءُوا وَقَالُوا: حَبَّذَا الوَضَحُ يعني بقولو: لم يَشعر بو، لم يدر بو أحد ولم يعلم. فأخبر الله تعالى ذكره عن المنافقين: أنهم لا يشعروف بأف الله خادِعُهم، بإملادو لهم واستدراجِو إياىم، الذي ىو من الله جل ثناؤه إبلاغٌ إليهم في الحجة والمعذرة، ومنهم لأنفسهم خديعةٌ، ولها في الآجل مَضرة. (الفوادد) قاؿ ابن العثيمين من فوادد الآية:ٔ- مكر المنافقين، وأنهم أىل مكر، وخديعة؛ لقولو تعالى{ :يخادعوف الله والذين آمنوا وما يخدعوف إلا أنفسهم}؛ ولهذا قاؿ الله تعالى في سورة المنافقين{ :ىم العدو فاحذرىم[ }المنافقوف: ٗ]؛ فحصر العداوة فيهم؛ لأنهم مخادعوف..
عدد الصفحات ١٢٠تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 119 - سورة البقرة الجزء الاول ٕ- التحفظ من المنافقين؛ لأنو إذا قيل لك: "فلاف يخدع " فإنك تزداد تحفظاً منها؛ وأنو ينبغي للمؤمن أف يكوف يقظاً حذراً، فلا ينخدع بمثل ىؤلاء.. فإف قاؿ قادل: كيف نعرؼ المنافق حتى نكوف حذرين منو؟ فالجو اب: نعرفو بأف نتتبع أقوالو، وأفعالو: ىل ىي متطابقة، أو متناقضة؟ فإذا علمنا أف ىذا الرجل يتملق لنا، ويظهر أنو يحب الإسلاـ، ويحب الدين، لكن إذا غاب عنا نسمع عنو بتأكد أنو يحارب الدين عرفنا أنو منافق؛ فيجب علينا أف نحذر منو.. ٖ- أف المكر السيئ لا يحيق إلاّ بأىلو؛ فهم يخادعوف الله، ويظنوف أنهم قد نجحوا، أو غلبوا؛ ولكن في الحقيقة أف الخداع عادد عليهم؛ لقولو تعالى{ :وما يخدعوف إلا أنفسهم}فالحصر ىنا يدؿ على أف خداعهم ىذا لا يضر الله تعالى شيئاً، ولا رسولو، ولا المؤمنين.. ٗ- أف العمل السيئ قد يُعمي البصيرة؛ فلا يشعر الإنساف بالأمور الظاىرة؛ لقولو تعالى{ :وما يشعروف}أي ما يشعروف أنهم يخدعوف أنفسهم؛ و "الشعور" أخص من العلم فهو العلم بأمور دقيقة خفية؛ ولهذا قيل: إنو مأخوذ من الشَّعر؛ والشعر دقيق؛ فهؤلاء الذين يخادعوف الله، والرسوؿ، والمؤمنين لو أنهم تأملوا حق التأمل لعرفوا أنهم يخدعوف أنفسهم، لكن لا شعور عندىم في ذلك؛ لأف الله تعالى قد أعمى بصادرىم. والعياذ بالله.، فلا يشعروف بهذا الأمر.. فِي قػُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فػَزَادَىُمُ اللَّوُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُوفَ (ٓٔ) قاؿ ابن العثيمين قو لو تعالى{ :في قلوبهم مرض} ىذه الجملة جملة اسمية تدؿ على مكث وتمكن ىذا المرض في قلوبهم؛ ولكنو مرض على وجو قليل أثّر بهم حتى بلغوا النفاؽ؛ ومن أجل ىذا المرض قاؿ سبحانو وتعالى: {فزادىم الله مرضاً }الفاء ىنا عاطفة؛ ولكنها تفيد معنى السببية: زادىم الله مرضاً على مرضهم؛ لأنهم. والعياذ بالله. يريدوف الكفر؛ وىذه الإرادة مرض أدى بهم إلى زيادة المرض؛ لأف الإرادات التي في القلوب عبارة عن صلاح القلوب، أو فسادىا؛ فإذا كاف القلب يريد خيراً فهو دليل على سلامتو، وصحتو؛ وإذا كاف يريد الشر فهو دليل على مرضو، وعلتو.. وىؤلاء قلوبهم تريد الكفر؛ لأنهم يقولوف لشياطينهم إذا خلوا إليهم{ :إنا معكم إنما نحن مستهزدوف[ }البقرة: ٗٔ]، أي بهؤلاء المؤمنين السذج. على زعمهم. ويروف أف المؤمنين ليسوا بشيء، وأف العِلْية من القوـ ىم الكفار؛ ولهذا جاء التعبير بػ {إنا معكم[ }البقرة: ٗٔ]الذي يفيد المصاحبة، والملازمة.. فهذا مرض زادىم الله بو مرضاً إلى مرضهم حتى بلغوا إلى موت القلوب، وعدـ إحساسها، وشعورىا..
عدد الصفحات ١٢١تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 121 - سورة البقرة الجزء الاول قاؿ ابن القيم: ومرض القلب خروجو عن صحتو واعتدالو. فإف صحتو أف يكوف عارفا بالحق محبا لو، مؤثرا لو على غيره، فمرضو إما بالشك فيو، وإما بإيثار غيره عليو. فمرض المنافقين: مرض شك وريب، ومرض العصاة غي وشهوة. وقد سمى الله سبحانو كلاّ منهما مرضا. قاؿ ابن الأنباري: أصل المرض في اللغة: الفساد، مرض فلاف: فسد جسمو، وتغيرت حالو. ومرضت بالمرض: تغيرت وفسدت، قالت ليلى الأخيلية: إذا ىبط الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دادها فشفاىا وقاؿ آخر: ألم تر أفّ الأرض أضحت مريضة ... لفقد الحسين، والبلاد اقشعرت والمرض يدور على أربعة أشياء: فساد، وضعف، ونقصاف، وظلمة. ومنو مرض الرجل في الأمر، إذا ضعف فيو. ولم يبالغ، وعين مريضة النظر: أي فاترة ضعيفة. وريح مريضة: إذا ىبّ ىبوبها، كما قاؿ: راحت لأربعك الرياح مريضة أي لينة ضعيفة، حتى لا يعفى أثرىا. وقاؿ ابن الإعرابي: أصل المرض النقصاف. ومنو: بدف مريض، أي ناقص القوة، وقلب مريض: ناقص الدين، ومرض في حاجتي: إذا نقصت حركتو . وقاؿ الأزىري، عن المنذري عن بعض أصحابو: المرض إظلاـ الطبيعة واضطرابها بعد صفادها. قاؿ: والمرض الظلمة، وأنشد: وليلة مرضت من كل ناحية ... فما يضيء لها شمس ولا قمر ىذا أصلو في اللغة. ثم الشك، والجهل، والحيرة، والضلاؿ، وإرادة الغي، وشهوة الفجور في القلب: تعود إلى ىذه الأمور الأربعة، فيتعاطى العبد أسباب المرض حتى يمرض، فيعاقبو الله بزيادة المرض، لإيثاره أسبابو وتعاطيو لها. قاؿ السعدي والمراد بالمرض ىنا: مرض الشك والشبهات والنفاؽ، لأف القلب يعرض لو مرضاف يخرجانو عن صحتو واعتدالو: مرض الشبهات الباطلة، ومرض الشهوات المردية، فالكفر والنفاؽ والشكوؾ والبدع، كلها من مرض الشبهات، والزنا، ومحبة الفواحش و المعاصي وفعلها، من مرض الشهوات، كما قاؿ تعالى{ :فيطمع الذي في قلبو مرض}وىي شهوة الزنا، والمعافى من عوفي من ىذين المرضين، فحصل لو اليقين والإيماف، والصبر عن كل معصية، فرفل في أثواب العافية. قاؿ الطبري: والمرضُ الذي ذكر الله جل ثناؤه أنّو في اعتقاد قلوبهم الذي وصفناه: ىو شك هم في أمر محمد وما جاء بو من عند الله، وتحيػ رُىم فيو، فلا ىم بو موقنوف إيقاف إيماف، ولا ىم لو منكروف إنكارَ إشراؾ، ولكنهم، كما وصفهم الله عز وجل، مُذَبْذَبُوفَ بين ذلك لا إلى ىؤلاء ولا إلى ىؤلاء كما يقاؿ: فلافٌ يمَرِّضُ في ىذا الأمر، أي يُضَعِّف العزـَ ولا يصحِّح الروِيَّة فيو.
عدد الصفحات ١٢٢تفسير الجامع المعلّى لمن اراد الفردوس الاعلى - 121 - سورة البقرة الجزء الاول القوؿ في تأويل قولو جل ثناؤه{ :فػَزَادَىُمُ اللَّوُ مَرَضًا} قد دللنا آنفًا على أف تأويل المرض الذي وصَف الله جل ثناؤه أنو في قلوب المنافقين، ىو الشك في اعتقادات قلوبهم وأديانهم، وما ىم عليو - في أمر محمد رسوؿ الله ، وأمر نبوتو وما جاء بو - مقيموف. فالمرض الذي أخبرَ الله جل ثناؤه عنهم أنَّو زادىم على مرضهم، نظيرُ ما كاف في قلوبهم من الشَّكِّ والحيْرة قبل الزيادة، فزادىم الله بما أحدث من حدوده وفرادضِو - التي لم يكن فرضَها قبلَ الزيادة التي زادىا المنافقين - من الشك والحيرة، إذْ شك وا وارتَابوا في الذي أحدَث لهم من ذلك - إلى المرض والشك الذي كاف في قلوبهم في السَّالف، من حدوده وفرادضو التي كاف فػَرَضها قبل ذلك. كما زاد المؤمنين بو إلى إيمانهم الذي كانوا عليو قبل ذلك، بالذي أحدث لهم من الفرادض والحدود إذْ آمنوا بو، إلى إيمانهم بالسالف من حُدُوده وفرادضو - إيمانًا. كالذي قاؿ جل ثناؤه في تنزيلو: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنػْهُمْ مَنْ يػَقُوؿُ أَي كُمْ زَادَتْوُ ىَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فػَزَادَتػْهُمْ إِيمَانًا وَ ىُمْ يَسْتَبْشِرُوفَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قػُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فػَزَادَتػْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَىُمْ كَافِرُوفَ [ )سورة التوبة: ٕٗٔ، ٕ٘ٔ]فالزيادة التي زِيدَىا المنافقوف من الرَّجاسة إلى رَجاستهم، ىو ما وصفنا. والتي زِيدَىا المؤمنوف إلى إيمانهم، ىو ما بيَّنا. وذلك ىو التأويل المجمَعُ عليو. قاؿ السعدي: وفي قولو عن المنافقين: {في قلوبهم مرض فزادىم الله مرضا} بياف لحكمتو تعالى في تقدير المعاصي على العاصين، وأنو بسبب ذنوبهم السابقة، يبتليهم بالمعاصي اللاحقة الموجبة لعقوباتها كما قاؿ تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارىم كما لم يؤمنوا بو أوؿ مرة}وقاؿ تعالى{ :فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}وقاؿ تعالى{ :وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم }فعقوبة المعصية، المعصية بعدىا، كما أف من ثواب الحسنة، الحسنة بعدىا، قاؿ تعالى{ :ويزيد الله الذين اىتدوا ىدى} قاؿ ابن العثيمينقولو تعالى في مجازاتهم{ :ولهم عذاب} أي عقوبة؛ {أليم} أي مؤلم؛ فهو شديد، وعظيم، وكثير؛ لأف الأليم قد يكوف مؤلماً لقوتو، وشدتو: فضربة واحدة بقوة تؤلم الإنساف؛ وقد يكوف مؤلماً لكثرتو: فقد يكوف ضرباً خفيفاً؛ ولكن إذا كثر، وتوالى آلَم؛ وقد اجتمع في ىؤلاء المنافقين الأمراف؛ لأنهم في الدرؾ الأسفل من النار. وىذا ألم حسي.؛ وقاؿ تعالى في أىل النار{ :كلما أرادوا أف يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم بو تكذبوف[ }السجدة: ٕٓ]، وىذا ألم قلبي يحصل بتوبيخهم.. قولو تعالى{ :بما كانوا يكذبوف} : الباء للسببية. أي بسبب كذبهم.، أو تكذيبهم؛ و "ما" مصدرية تؤوؿ وما بعدىا بمصدر؛ فيكوف التقدير: بكونهم كاذبين؛ أو: بكونهم مكذبين؛ لأف في الآية قراءتين؛ الأولى: بفتح الياء، وسكوف الكاؼ، وكسر الذاؿ مخففة؛ ومعناىا: يَكْذِبوف بقولهم: آمنا بالله، وباليوـ الآخر. وما ىم بمؤمنين.؛ والقراءة الثانية: بضم الياء، وفتح الكاؼ، وكسر الذاؿ مشددة؛ ومعناىا: يُكَذِّبوف الله، ورسولو؛ وقد اجتمع الوصفاف في المنافقين؛ فهم كاذبوف مكذبوف..
عدد الصفحات ١٢٣