المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحكم على المدعى عليه لتغيبه دون بينة

عبد الرحمن بن يوسف اللحيدان

صفحة ٢ من ٤

17 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة المدَّعى عليه من سماع دعوى المدَّعي إن رُوعِيَ حالُه واحتِيْطَ لأجله بما سيأتي ذكره، وكذا الحالُ في شأن الدعوى على الميت والصبيِّ والمجنون بل هؤلاء أبلغ؛ فَكُلُّ واحدٍ من هؤلاء عاجزٌ عن الجواب .)((فأُلحِق بالغائب ويَستَدِلُّ أصحاب القول الثاني بجملةٍ من الأدلة منها: الدليل الأول: قالت: قالت هندُ أمُّ معاوية لرسولِ الله عن عائشة : إن أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ، فهَلْ عليَّ جُناحٌ أن آخذ  .)2(((خُذِي ما يَكْفِيْكِ بالمعروف من مالِهِ سَِّاً؟ قال: وجه الدلالة: .)3( قَضَ لها ولم يَكُن أبو سفيانَ حاضراً أن النبي نوقش: فتوىً وليس حُكْماًَ ولا قَضَاءً، بأن ذلك من النبي ويدُلُّ على ذلك أمورٌ منها: أنه جاء على هيئةِ السؤالِ لا على هيئةِ أن يُلْزِمَهُ الدعوى، ومنها: أنها لم تَطْلُبْ من النبي ).56(/4 ينظر: الممتع شرح المقنع ت ابن دهيش) (( ) ومسلم في 22(() برقم 79/3 أخرجه البخاري )2( )،7(4) برقم 29/5)،7(4) برقم 29/5« .)(7(4) برقم30/5( )، والمغني لابن 3(5/4 ينظر: أسنى المطالب ط دار الكتاب الإسلامي )3( .)96/(0قدامة ط مكتبة القاهرة

عدد الصفحات ١٧

18 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة بذلك بل ذَكَرَتْ ذلك على هيئة السائل، ومنها: أنها سَأَلَت هل عليها جُناحٌ من ذلك، وهذا ليس طَلباً للقضاء وإنما استفتاء وسؤال؛ إذ .)((سألتْ هل عليها إثمٌ من فعلها ذلك أم لا :يقول ابن القيم « .)2(الدعوى، ولا سَأَلهََا البيِّنة :قال ابن عبد الهادي « المُسَلِّطِ على الأخذِ من مال الغير، ولا يُْتَاجُ إلى ذلك في الفتوى، وقد يقال: إن أبا سفيان كان حاضرَِاً في البلد، ولا يُقْضَ على الغائبِ الحاضرِ مع إمكان إحضارِهِ وسماعِهِ الدعوى عليه في المشهور من .)3(مذاهب العلماء وقد سَبَقَ عند تحرير محلِّ النزاع نَقْلُ اتفاقِ الفقهاء على عَدَمِ جواز الحُكْمِ على الحاضر غيرِ الممتَنِع. )، والقبس في شرح 273/4 ينظر: إعلام الموقعين ط دار الكتب العلمية )(( )، وفتح ذي الجلال والإكرام 877موطأ مالك بن أنس ط دار الغرب ص ).45/6بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين ط المكتبة الإسلامية )، ووافق على هذا كذلك النووي وابن 429/3 زاد المعاد ط مؤسسة الرسالة) 2( .)5(0/9حجر وغيره من أهل العلم ينظر: فتح الباري ط دار المعرفة ).64-63/5 تنقيح التحقيق ط أضواء السلف) 3(

عدد الصفحات ١٨

19 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة الدليل الثا نِ َ وَأ﴿عموم الأدلة الدَّالة على الحُكْمِ بالعَدْلِ كقوله تعالى: ، وكذا الأدلة )((﴾هۡوَآءَهُمۡ َ نزَلَ ٱللَُّ وَلَ تَتَّبِعۡ أ َ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أ ((إذا لمَ يَكُنْ : الدَّالةُ على الحكمِ بالبيِّنة كقولِ النبي .)2(لِلطالِبِ بَيِّنَةٌ فعَلىَ المَطلوبِ اليَمينُ وجه الدلالة: جَعَلَ القضاء بالبَيِّنة أمراً مشروعاً، ولم أن النبي .)3(يُفَرِّق بين حاضرٍ وغائبٍ الدليل الثالث: على القضاء على الغائب إذا وُجِدَت إجماعُ الصحابة « :، يقولُ ابنُ حزم )4(البيِّنة القضاء على الغائب إذا صَحَّ الحقُّ قِبَلَهُ، ولا يَصِحُّ عن أحدٍ من ).49 سورة المائدة: آية رقم) (( ) من طريق 2(266) برقم253/(0 أخرجه البيهقي) 2( إسحاق بن إبراهيم عن روح بن عبادة عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف ) من طريق نعيم 45(3) برقم39(/5واللفظ له، والدارقطني بن حماد عن مروان بن معاوية عن الحجاج به، وأخرجه ابن أبي شيبة ) من طريق محمد بن بشر عن الحجاج به، ومن 2(222) برقم68(/(0( )، وأورده ابن4937) برقم59/5طريقه أخرجه الطبرا ) بألفاظ متقاربة، 2/2(89) برقم207/(0حجر واللفظ المثبت لفظ البيهقي، وإسناده ثقات. ).3/(0 ينظر: الذخيرة للقرافي ط دار الغرب) 3( حكى الإجماع في المسألة ابن حزم كما سيأتي قريباً، والقرافي في الذخيرة ط دار )4( .)((4/(0الغرب

عدد الصفحات ١٩

20 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة ، وقال بَعْدَ أن ذَكَرَ عدداً من صور قضاءِ )((الصحابةِ خلافُ ذلك على الغائب الصحابة يوجد من ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - لكَثُرَ جدَّاً - والذي أوردنا عن عُمَرَ، وعثمان صحيحٌ، ولا يصِحُّ عن أحدٍ من ، ومما استَدَلَّ به ما رواهُ عبد الرزاق بإسنادٍ )2(الصحابة خِلافُهُ أبداً قَضَيَا في المفقودِ أن امرأته تَترََبَّصُ صحيحٍ أنَّ عُمَرَ وعثمان أربَعَ سنينَ وأربعةَ أشهرٍ وعشراً بعد ذلك، ثم تُزَوَّج فإن جاء زوجُهَا .)3(الأول خُيرِّ بين الصَّداقِ وبين امرأته الدليل الرابع: « مُوافِقَةٌ، وإن أنكَرَ فالبيِّنةُ حُجَّةٌ، فلم يَكُن في الغيبة مانعٌ من الحكمِ .)4(بالبيِّنة في حالتَي إقرارهِ وإنكارِهِ الدليل الخامس: استصحابُ الإجماعِ في القضاء على الغائِبِينَْ في بعض الصور، ومن ذلك: إجماعهم على القضاء على العاقلة وهم غائبون، وإجماعُهُم في .)5(القضاء على الميت وهو أعظمُ من الغائب ).438/8 المحلى بالآثار لابن حزم ط دار الفكر) (( ).440/8 المحلى بالآثار ط دار الفكر) 2( .)(23(7 مصنف عبد الرزاق) 3( .)3(6/2 أدب القاضي للماوردي ط إحياء التراث) 4( )((4/(0 ينظر: الذخيرة للقرافي ط دار الغرب) 5(

عدد الصفحات ٢٠

21 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة الترجيح يترجَّح عندي القول الثاني قول الجمهور القائلين بجواز القضاء على الغائب بشرطِهِ على ما يأتي في المسائِلِ القادمة إن شاء الله، لأمور: أن الأدلة الدَّالَةَ على القضاء بالبيِّنَاتِ عامَّةٌ لم تخَُصَّص الأول: بالحاضر. أنَّه الذي عَمِلَ به الصحابة رضوانُ الله عليهم، بل نُقِلَ الثاني: إجماعُهُم عليه كما سبق. أنه الذي تقضيِ به المصلحة، إذ لو قِيل بأنه لا يُقْضَ الثالث: على الغائب لأدَّى ذلك إلى ضياع حقِّ من كان له على الغائب حقٌّ، « :يقول القرا أموال الناس وغابُوْا، فتَضِيْعَ الأموال، ويجوز ذهاب مال الغائب ، ويؤكِّدُ ذلك: أن الحنفية - القائلينَ )((قبل القدوم فيضِيْعَ الحق بعدمِ جوازِ القضاءِ على الغائب - اضْطُرُّوا في عددٍ من المسائل إلى الحكم على الغائب وقد سَبَقَ بيانُ شيءٍ منها، كما اضطُرَّ بعضهم إلى إيجاب إقامة (المُسَخَّرِ) وهو الذي يجُِيْبُ عن المدَّعى عليه لتقومَ البيِّنَةُ مع الإنكار، ويَظْهَرُ من هذا إدراكُهُم لأهمية مسألة القضاء على .)2(الغائب ).4/(0 الذخيرة للقرافي ط دار الغرب) (( )، وحاشية ابن 52/9 ينظر: البناية شرح الهداية ط دار الكتب العلمية )2( )، ودرر الحكام في شرح مجلة الأحكام ط دار409/5عابدين ط دار الفكر ).578/4الجيل

عدد الصفحات ٢١

22 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة المسألة الثالثة: شرط سماع الدعوى على الغائب سَبَقَ أن القائلينَ بجواز القضاء على الغائب هُم المذاهب الثلاثة سوى الحنفية، ولِئلاَّ يُفهَمَ من هذا أن الفقهاء مُتَسَاهِلونَ في الحُكم على الغائب رأيتُ أن أذكر ما يخدِمُ المسألة - محلّ البحث -، إذ أن الناظِرَ في كلامهم يجَِدُ أنهَّم يشدِّدُون في الحكم على الغائب تشديداً ِهِم لا يشدِّدُونه في الحُكْمِ على الحاضر، ويَظْهَرُ ذلك جليَّاً في اشتراط ألاَّ تُسمَعَ الدَّعوى على الغائب إلا مع وجود بيِّنةٍ. فقد اتَّفَقَ القائلون بجواز سماع الدعوى ضِدَّ الغائب أن الدَّعوى .)1(لا تُسْمَعُ عليه إلا بوجود بينةٍ « :يقول القرافي المالكي ؛ لعدم لم تُسمع دعواهأو كان حاضرَِاً فهَرَبَ وليس مع الطالب بيِّنةٌ .)2(الفائدة « :ويقول الجويني الشافعي ، وإنما تُفْرَضُ الدَّعاوى لا خَيرَْ فيها إذا لم يكُنْ للمدَّعي بيِّنَةٌ الغائب، .)3(على الغُيَّبِ ممن يَبْغِي إقامةَ البيِّنَة )، 367/20 نقل الاتفاق على ذلك الماوردي في الحاوي ط دار الفكر )(( )، وشرح مختص خليل للخرشي 3/(0وينظر: الذخيرة ط دار الغرب )، والشرح الصغير للدردير مع حاشية الصاوي ط دار 72/7ط دار الفكر )، والبيان في مذهب الإمام الشافعي للعمراني ط دار المنهاج 23(/4المعارف )، والكافي 3(5/4)، وأسنى المطالب ط دار الكتاب الإسلامي05/(3( )، وكشاف القناع ط دار24(/4في فقه الإمام أحمد ط دار الكتب العلمية ).353/6الكتب العلمية ).3/(0 الذخيرة ط دار الغرب) 2( .)50(/(8 نهاية المطلب في دراية المذهب ط دار المنهاج) 3(

عدد الصفحات ٢٢

23 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة « :ويقول العمراني الشافعي لم يَسْمَع مجلس الحكم بحقٍّ فإن لم يَكُن مع المدَّعي بيِّنَةٌ بما ادَّعاه .)((»الحاكم دعواه؛ لأنه لا فائدةَ في سماعها في سياق ردِّه على من مَنَعَ سماع ويقول الزركشي الحنب الدَّعوى ضِدَّ الغائب وصِحَّته بأن تقوم به بينة، فلو لم يكن به بينة لم الحَقُّ عنده وعليه، .)2(»يكم، بل ولا يسمع الدعوى لعدم فائدتها وهل يلزم أن تكون البيِّنة شاهدين أم يجوز سماع الدعوى إذا كان مع المدعَّي شاهدٌ ويمين؟ يجوزُ سماع الدعوى ضِدَّ الغائبِ إذا لم يَكُن مع المدَّعي إلا شاهد ، )5(، والحنابلة)4(، والشافعية)3(واحد ويمين، نصَّ على ذلك المالكية إلا أن الشاهد واليمين لمَّا كانا أضعَفَ من الشاهِدَيْنِ فسيأتي أنهَُّم يشدِّدُون فيها ما لا يشدِّدُون في اليمين مع الشاهدين. ).05/(3 البيان في مذهب الإمام الشافعي للعمراني ط دار المنهاج) (( ).286/7 شرح الزركشي على مختص الخرقي ط العبيكان) 2( ) وينظر إلى ما قرره99/4 ينظر: شرح مختص خليل للخرشي ط دار الفكر) 3( .)(00/8العدوي في حاشيته عليه، وما نقله القرافي في الذخيرة ط دار الغرب ينظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج مع حواشي الشرواني والعبادي )4( )، ومغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج ط دار الكتب 64/(0( .)308/6العلمية )، والإنصاف في 207/8 ينظر: المبدع في شرح المقنع ط دار الكتب العلمية )5( .)52(/28معرفة الراجح من الخلاف ت التركي

عدد الصفحات ٢٣

24 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة ورأى بعضُ الحنابلة أن شرَْطَ سماع الدَّعوى ضد المدَّعى عليه الغائب: وجودُ بيِّنةٍ كاملةٍ (شاهدين)، وأنه لا تسمع الدعوى ضِدَّ الغائب إذا كانت البيِّنَةُ شاهداً ويميناً، يقول الشيخ مرعي الكرمي في ، وعلَّله الرحيبا)((« : .)2(مطالب أولي النهى فقال ومما تقدم يتبين أنه لا يجوز عند أحد من الفقهاء سَماعُ الدَّعوى ضِدَّ الغائب إلا بوجود بيِّنةٍ. ).598/2 غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى ط غراس) (( ).527/6 مطالب أولي النهى ط المكتب الإسلامي) 2(

عدد الصفحات ٢٤

25 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة المسألة الرابعة: علامَ يمل غياب المدَّعى عليه؟ استبانَ فيما سبق: أن القائلين بجواز القضاء على الغائب يشترطون البيِّنةَ لسماع الدَّعوى، ولعلَّ سؤالاً يتبادر إلى ذِهْنِ القارئ الكريم: وهو أنه إذا قرَّرْنَا بأن البيِّنَةَ لا تُسْمَعُ إلا بعدَ إنكارِ المدَّعى عليه، والمدَّعى عليه في هذه الصورِ غائبٌ، فعلامَ حمل الفقهاء غياب المدَّعى عليه؟ والجواب أن يقال: ، وقرَّر )((إن الغائب عِنْدَهُم في حُكْمِ المُنكر، نصَّ على ذلك المالكية الشافعية والحنابلة أن غياب المدَّعى عليه كسُكُوتِه، كما قرَّروا بأن البَيِّنةَ تُسمَعُ في مواجَهَةِ المدَّعى عليه الحاضرِِ إن سكت عن الجواب، « :، يقول الجويني )2(فلتُسْمَع البيِّنةُ في حالِ الغياب سَكَتَ بعدَ الدَّعوى، أو قال: لا أُقِرُّ، ولا أُنْكِرُ، كان ذلك كالتَّصِْيحِ « :، ويقول المرداوي )3(بالإنكار )، وينظر: حاشية الصاوي على 255/7 ينظر: الذخيرة للقرافي ط دار الغرب) (( ).530/3الشرح الصغير ط دار المعارف )، ومغني المحتاج ط 3(5/4 ينظر: أسنى المطالب ط دار الكتاب الإسلامي) 2( )، وشرح المحلي على المنهاج مع حاشيتي قليو309/6دار الكتب العلمية )، وروضة الطالبين وعمدة المفتين ط المكتب الإسلامي 309/4وعميرة -446/28)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركي44/(2( )، وكشاف القناع203/(()، والفروع مع تصحيح الفروع ط الرسالة447 .)354/6ط دار الكتب العلمية ).87/7 ينظر: نهاية المطلب في دراية المذهب ط دار المنهاج) 3(

عدد الصفحات ٢٥

26 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة ، وقد قرَّروا كذلك: أن السكوتَ إنكارٌ، عليه )((تُسْمَعُ على ساكتٍ فيُحْمَلُ غيابُ المدَّعى عليه على السكوتِ والساكتُ عندهم مُنْكِرٌ، .)2(وبهذا يَظهَرُ وجهُ سماع البيِّنة وعلى هذا: فلا يجوزُ نسبةُ الإقرارِ إلى المدَّعى عليه الغائب؛ إذ لا يُنْسَبُ لساكتٍ قولٌ، بل يُعامَلُ معامَلَةَ المُنْكِرٌ عند جميع القائلين بجواز الحكم على الغائب، ولأجْلِ ذلك سوَّغوا سماع البيِّنة مع غَيْبَتِهِ. ).5(5/28 الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركي) (( المراجع السابقة.) 2(

عدد الصفحات ٢٦

27 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة المسألة الخامسة: هل يلزم عند الحكم على الغائب وسماع البينة أن يلف المدَّعي اليمين؟ إذا تبينَّ أن القائلين بجواز القضاء على الغائب يشَترُِطونَ البيِّنَةِ لسماع الدَّعوى، وتبينَّ أن وَجْهَ سماعِهِم للبيِّنة أن الغياب في حُكمِ فإذا السُّكوتِ، وأن السُّكوتَ إنكارٌ كما تقدَّم في المسألة السابقة، أَحْضََ المدَّعي شاهدَيْنِ وثَبَتَتْ عَدَالَتُهُماَ عند القاضي الشرعيِّ: فهل يلزَمُ تحليفُ المدَّعي مع هذه البيِّنة؟ اختلف القائلون بجواز الحُكْمِ على الغائب في هذه المسألة على :)((قولين أنه لا يَلْزَمُ تحليفُ المدَّعي على القول الأول: ،)2(الغائب مع بيِّنَتِهِ، وبهذا قال الحنابلة في الأشهر عندهم ، ولم أجِدْ )3(ويجوِّزون التحليفَ إن رأى القاضي ذلك احتياطاً وسياق الخلاف هنا حيث قيل بجواز القضاء على الغائب عند المالكية، وذلك )(( في حق الغائب غيبة متوسطة أو بعيدة، أما ما دون ذلك فيعدونه حاضراً وقد ذكرته سابقاً. )، 520/28 ينظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركي )2( .)354/6وكشاف القناع ط دار الكتب العلمية )، وغاية المنتهى في جمع 354/6 ينظر: كشاف القناع ط دار الكتب العلمية) 3( )، وقال المرداوي في فوائد هذه المسألة598/2الإقناع والمنتهى ط غراس « . وعنه-، يلف مع ريبة في البينة. وتقدم في باب الحجر أنه إذاطالب، شهدت بينة بنفاد ماله، أنه يلف معها. على الصحيح من المذهب. وإذا شهدت بإعساره، أنه لا يلف معها. على الصحيح من المذهب. ولنا وجه، أنه يلف ).52(/28معها أيضاً

عدد الصفحات ٢٧

28 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة أنهمللظاهرية كلاماً في المسألة إلا أن ظاهر كلام ابن حزم .)((لا يُلْزِمُون باليمين وعلَّلُوا ذلك: جَعَلَ البيِّنةَ في جانب المدَّعي، واليمينَ بأنَّ النبي على المدَّعى عليه، وقد أتى المدَّعي ببيِّنةٍ عادلةٍ فلَمْ تَِبْ اليمينُ معها .)2(كما لو كان المدَّعى عليه حاضرَِاً القول الثاني: يَلْزَمُ تحليفُ المدَّعي مع بيِّنَتِهِ - وإن كانت كاملةً - ، وهي الرواية الثانية عند )4(، والشافعية)3(وجوباً، وبهذا قال المالكية الحنابلة، ومالَ إليها الموفَّقُ ابنُ قدامة، وهو الذي عليه العَمَلُ بين .)6(، وبهذا قال أكثرُ أهلِ العلم )5(قضاةِ الحنابلة كما نَقَلَهُ المرداوي ).434/8 ينظر: المحلى لابن حزم ط دار الفكر) (( )، والشرح 24(/4 ينظر: الكافي في فقه الإمام أحمد ط دار الكتب العلمية )2( )، والممتع شرح المقنع ت ابن دهيش520/28الكبير على المقنع ت التركي ).56(/4( )، وشرح الخرشي على مختص خليل3/(0 ينظر: الذخيرة ط دار الغرب) 3( .)(72/7ط دار الفكر )، وأسنى 503/(8 ينظر: نهاية المطلب في دراية المذهب ط دار المنهاج )4( .)3(5/4المطالب ط دار الكتاب الإسلامي )، 52(/28 ينظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركي )5( .)484والتنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع ط دار أطلس الخضراء ص ).206/8 عزاه لأكثر العلماء ابن مفلح في المبدع ط دار الكتب العلمية) 6(

عدد الصفحات ٢٨

29 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة وعلَّلوا ذلك بوجودِ احتمالِ المُسْقِطِ، فتكون اليمين لنفي المُسْقِطِ، كما أن القاضي مأمورٌ بالاحتياطِ لحقِّ الغائب، ويكون ذلك منه باليمين مع .)((البيِّنة وعلى هذا القول فاليمين واجبةٌ على المدَّعي، ولا يُقْضَ له حتى .)2(يلِفَهَا، وليست استظهاراً وها هنا مسألة مهمة: وهي أن اليمينَ ها هنا إذا كانت بيِّنة المدَّعي شاهدينِ وهي أقوى فإن لم يُْضرِ المدَّعي إلا شاهداً واحداً ويميناً - وقد البيِّنات المتعدِّيَة، سبق بيان جوازه عندهم - فهل يَلْزَمُ شيءٌ إضافيٌّ على المدَّعي على الغائب؟ )، وشرح الخرشي على 3/(0 ينظر: الذخيرة للقرافي ط دار الغرب )(( )، ونهاية المطلب في دراية المذهب ط دار 72/7مختص خليل ط دار الفكر ) 3(7/4)، وأسنى المطالب ط دار الكتاب الإسلامي 503/(8المنهاج )، وشرح المنتهى ط عالم الكتب 56(/4والممتع شرح المقنع ت ابن دهيش ).520/28)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركي53(/3( )، ومنح الجليل 72/7 ينظر: شرح مختص خليل للخرشي ط دار الفكر )2( )، وتبصة الحكام في أصول الأقضية372/8شرح مختص خليل ط دار الفكر ) وذكر 33(/(ومناهج الأحكام لابن فرحون ط مكتبة الكليات الأزهرية بأنه الذي عليه الفتوى والقضاء، ونص على وجوبها عند الشافعية الشيخ زكريا الأنصاري في أسنى المطالب في شرح روض الطالب ط دار الكتاب الإسلامي )، وظاهر صنيع المرداوي وغيره عند حكايتهم للخلاف في المسألة 3(7/4( أن ذلك على سبيل الوجوب، لما سبق من تويزهم تحليف المدَّعي مع بينته حتى على القول الأول، ثم حكوا الرواية الثانية في المذهب وهي الدالة على الوجوب ).520/28ينظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركي

عدد الصفحات ٢٩

30 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة فيوجِبُونَ على المدَّعي يميناً أخرى بعد اليمينِ أما عند الشافعية: التي تكون مع الشاهد، وتكون لنَفْيِ المُسْقِطِ: « :يقول الشيخ زكريا الأنصاري بشاهدٍ ويمينَينِْ أحدُهمَُا لتَكميلِ الحُجَّةِ والأخرى) بَعْدَهَا (لنفي .)((المُسْقِطِ) من إبراءٍ أو غيره ويسمَّى يمين الاستظهار .)2(وبنحو هذا قال المالكية وأما عند الحنابلة فعلى القول بلزوم اليمين فإنه يلزم أن يضاف إلى اليمين التي تكون مع الشاهد أن البيِّنَةَ صادِقَةٌ، يقول بُرْهَان الدين « :ابنُ مفلح .)3(بخلاف ما إذا أقام شاهداً، فإنه يلِفُ معه )، 3(7/4 أسنى المطالب في شرح روض الطالب ط دار الكتاب الإسلامي) (( ).268/8وينظر: حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ط دار الفكر ) وينظر إلى ما قرره 99/4 ينظر: شرح مختص خليل للخرشي ط دار الفكر) 2( العدوي في حاشيته عليه حيث قرر أنه قد يصحبه ثلاثة أيمان يمينان للاستظهار ويمين لتكملة النصاب... فليراجع. )، والإنصاف في معرفة 207/8 المبدع في شرح المقنع ط دار الكتب العلمية) 3( )، وحكى بعض الحنابلة وجهاً آخر52(/28الراجح من الخلاف ت التركي وهو أنه لا يقبل على الغائب إلا شاهدان فقط: يقول الشيخ مرعي الكرمي « :) 598/2في غاية المنتهى ط مؤسسة غراس قص بعمله أو لا أو مستتر بالبلد أو دون مسافة قص أو ميت أو غير مكلف، وله بينة، ويتجه: لا شاهد ويم مسألة الوارث ينكر التدبير فيقيم العبد الشاهد الواحد ويلف معه اليمين على أن المورِّث دبَّره، فقد حكوا في هذه المسألة روايتين: الأولى: أنه لا يكم=

عدد الصفحات ٣٠

31 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة ولك أن ترى أن الفقهاء شدَّدُوا في ذلك لأجلِ حَقِّ الغائب مع وجودِ بَيِّنة قويَّةٍ وهي الشاهدُ الواحد، فكيفَ الحالُ إذا كانت البيِّنة ضعيفةً لا ترتَقِي ولا تُقَارِبُ الشاهدَ الواحد؟ كورقَةٍ تتضمن إقراراً منسوباً للمدعى عليه وعليها توقيعٌ منسوبٌ - كذلك - للمدعى عليه ولا يعرِفُ القاضي صحة نسبتها إليه؟! فإن هذه البيِّنات لقصورها عن مرتبة الشاهد الواحد العَدْلِ أوْلىَ بأن يُْلَفَ معها. = بها، والثانية: أنه يكم بها، وجوَّدها ابن قدامة في المغني ط مكتبة القاهرة )، ووجه اتفاق المسألتين: أن المدبِّر ميت، وقد حكوا أنه أبلغ من 356/(0( الغائب كما تقدم حكاية ذلك عنهم

عدد الصفحات ٣١

32 الحُكم على المُدَّعى عليه لتغيُّبه دون بيِّنة المسألة السادسة: الحكم على المدَّعى عليه لتغيبه دون بينة صورة المسألة: أن يدَّعِيَ عبدُ الله بأنه أقرضَ أحمدَ الغائبَ عن مجلس الحكم مبلغاً قدرُهُ مئة ألفِ ريالٍ، وأنَّ المدَّعى عليه لم يُرْجِع له منها شيئاً، ويطلُبُ إلزامَهُ بدفعها، ويقرِّرُ المدَّعي بأنَّه ليس لديه على دعواه بيِّنةٌ، فهل ويجِدُ القاضي أنَّ المدَّعى عليه قد تبلَّغ بموعِدِ الجلسة ولم يَْضرُ، للقاضي أن يكُمَ على المدَّعى عليه لأجل أنه تغيَّب عن الجلسة بعد )1(تبلُّغه بها دون الحاجة إلى بيِّنة؟ قدَّمتُ قبل الكلام على هذه المسألة جملةً من المسائل التي هي مقدمات للكلام على هذه المسألة، فتبَينََّ مما سبق أنَّ المدَّعى عليه في هذه الصورة في حُكْمِ الغائب على مذهب الشافعية والحنابلة، وهي كذلك في حكم الغائب عند المالكية لأنه لا يعرف أنه في البلد أو خارجه. وتبينَّ أيضاً أن المذاهبَ الثلاثةَ - خلافاً للحنفية - يجوِّزُونَ القضاءَ على الغائب. وتبينَّ أن شرَْطَ سماع الدعوى عند القائلينَ بجواز القضاء على وأنهم يجوِّزون كونَ وسيلةِ الإثباتِ الغائب: أن يكون للمدعي بيِّنةٌ، في القضاء عليه: الشاهد واليمين، وتبينَّ أيضاً أنهم يزيدون في الاحتياط عند كونها كذلك - أعني عند كونها شاهداً ويميناً - وقد سبق التنبيه على أنه لا يدخل في الكلام على هذه المسألة تغيب المدعى )(( عليه بعد توجيه اليمين عليه؛ إذ أن تلك مسألة أخرى خارجة عن حدود هذا البحث.

عدد الصفحات ٣٢