المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العفة في ضوء القرآن الكريم دراسة موضوعية 11

رهام محمد شعبان عبد الله

صفحة ٣ من ٥

)802( فقد‌قيّد--‌ترؾ‌ولايتيـ‌بغاية‌وىي‌اليج رة‌وىي‌خروجيـ‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌تعالى‌مجاىديف‌مع‌ المؤمنيف‌ومناصريف‌ومؤيديف‌ليـ,‌فإف‌ىـ‌أعرضوا‌عف‌اليجرة‌وىي‌واجبة‌فلب‌تعترضوا‌إسلبميـ‌ لأنيـ‌لا‌يزالوف‌قوة‌عميكـ,‌فخذوىـ‌مف‌نواصييـ‌بالأسر‌والترصد‌لمتاجرىـ‌وأمواليـ,‌ حتّى‌لا‌يتخذوا‌ مف‌ذلؾ‌ذريعة‌لتقوية‌أقواميـ,‌واقت موىـ‌حيث‌وجدتموىـ‌لأنيـ‌أعداء‌بمعاونتيـ‌أعداء‌المؤمنيف,‌فلب‌ تتخذوا‌منيـ‌خميلبً‌‌يواليكـ‌عمى‌أموركـ‌ولا‌ناصرً‌ا‌ينصركـ‌عمى‌أعدائكـ (1).‌ يقوؿ‌أبو‌زىرة:‌"إف‌السياؽ‌يدؿ‌عمى‌أف‌المنافقيف الذّيف‌تتحدّث‌عنيـ‌الآية‌-وا ف‌كاف‌المفظ‌ عامً‌ا-‌ىـ‌الذّيف‌يظيروف‌الإسلبـ‌في‌قبائميـ‌ولا‌يخرجوف‌ إلى‌المسمميف‌ليكونوا‌معيـ‌فإف‌زماف‌إنشاء‌ الدولة‌الإسلبمية‌يحتاج‌إلى‌التجمع‌ليكوف‌المؤمنوف‌أمة‌واحدة........,‌والخلبصة‌أف‌أولئؾ‌المنافقيف‌ يعامموف‌معاممة‌ الذّيف‌ينتموف‌ إلى‌دولة‌أخرى,‌فإذا‌كانت‌دولتيـ‌تقاتؿ‌المؤمنيف‌قوتموا‌وقتموا,‌وا ف‌ كانت‌دو‌ لتيـ‌تسالـ‌المؤمنيف‌بميثاؽ‌فلب‌يقاتموا‌احترامً‌ا‌لمعيد‌والميثاؽ" (2).‌ ومف‌الآياتالتّي‌تحث‌عمى‌اليجرة‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌وتبيف‌أف‌الخير‌يكوف‌في‌الخروج‌واليجرة‌ في‌سبيؿ‌ا﵀‌قولو‌تعالى:‌ًََِٓ ُّيَبجِشْ فِِ عَجًِِْ اٌٍّوِ َّجِذْ فِِإسض ُِشَاغًَّب وَضِيرًا ًَعَؼَخً ًََِٓ َّخْشُطْ ِِٓ ثَْْزِوِ ُِيَبجِشًا بلى اٌٍّوِ ًَسَعٌٌُِوِ صَُُّ ُّذْسِوْوُ اٌٌَّْْدُ فَمَذْ ًَلَغَ ؤَجْشُهُ ػٍََ اٌٍّوِ ًَوَبَْ اٌٍّوُ غَفٌُسًا سَّدًِّْب ‌(النساء100.)‌ في‌ىذه‌الآية‌الكريمة‌يبيف --‌لممؤمنيف‌أف‌مف‌يياجر‌ويفارؽ‌أرض‌الشرؾ‌وأىميا‌ىربًا‌ بدينو‌منو‌ومنيـ‌ويترؾ‌دار‌إقامتو‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌تعالى‌وشرعو‌ودينو‌ إلى‌دار‌الإسلبـ‌وأىميا‌المؤمنيف‌ وطالبً‌ا‌ما‌عند‌ا﵀‌يجد‌ىذا‌المياجر‌طرائؽ‌كثيرة‌في‌الحياة,‌فيو‌يفارؽ‌قومو‌رغـ‌أنوفيـ‌وا ف‌كاف‌لا‌ يناليا‌إلا‌ببعض‌المشقة,‌وكذلؾ‌يناؿ‌سعة‌في‌رزقو‌وحياتو‌ودينو‌فلب ‌يضيؽ‌في‌دينو‌عميو‌ولا‌يعيش‌ في‌ذلة‌وىواف‌أو‌مُقَتّرٌ‌‌عميو‌في‌الرزؽ,‌فحرص‌النفس‌وشحيا‌يجعميا‌تتخيؿ‌أف‌وسائؿ‌الحياة‌والرزؽ‌ مرىونة‌بأرض‌ومقيدة‌بظروؼ‌‌ومرتبطة‌بملببسات‌لو‌فارقتيا‌لـ‌تجد‌لمحياة‌سبيلبً‌.‌ فمف‌يياجر‌ىذه‌اليجرة‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌يجد‌في‌ الأرض ‌فسحة‌ومنطمقً‌ا‌فلب‌تضيؽ‌بو‌الأرض ‌ولا‌ يعدـ‌الحيمة‌والوسيمة‌لمنجاة‌والرزؽ‌والحياة,‌فالآية‌تحث‌عمى‌اليجرة‌إذا‌توافرت‌أسبابيا‌وتشير‌ إلى‌أف‌ (1)انظر:‌"محاسف‌التأويؿ-‌لمقاسمي‌(3/252),‌"في‌ظلبؿ‌القرآف -‌لسيد‌قطب‌(2/732.) (2)"زىرة‌التفاسير -‌(4/1791.)

عدد الصفحات ٣٣

)803( المياجر‌إف‌ترؾ‌محؿ‌العيش‌الرتيب‌فإنو‌سيجد‌في‌النياية‌مذاىب‌مختمفة‌لمرزؽ‌وسعة‌في‌الحياة وعدـ‌ضيؽ‌فيو‌معوض‌بلب‌ريب (1).‌ فيذه‌اليجرة‌ىي‌ال يجرة‌المعتبرة‌في‌ الإسلبـ‌فميست‌ىجرة‌لمثراء‌أو‌ ىجرة‌لمنجاة‌مف‌المتاعب‌ أو‌ىجرة‌ لمذائذ‌والشيوات‌أو‌ىجرة‌لأي‌عرض‌مف‌أعراض‌الحياة,‌بؿ‌ىي‌ىجرة‌لمفرار‌مف‌فتنة‌في‌ الدّيف‌أو‌لدفع‌الذؿ‌وطمب‌العزة‌أو‌لمخروج‌مف‌أرض‌ليست‌تحت‌ولاية‌ الإسلبـ‌إلى‌أرض‌فييا‌ولاية‌ الإسلبـ,‌أو ‌مف‌أرض‌فييا‌ظمـ‌سائد‌واقع‌عمى‌ا لأبداف‌أو‌الماؿ‌ولو‌كانت‌مف‌ولاية‌ الإسلبـ,‌أو‌ كانت‌اليجرة‌لتكثير‌سواد‌المسمميف‌في‌إقميـ‌قؿ‌فيو‌عددىـ‌وىي‌الانتقاؿ‌مف‌أرض‌إسلبمية‌مزدحمة‌ بالسكاف‌قد‌اكتظت‌بأىميا‌إلى‌أرض‌إسلبمية‌خالية‌مف‌السكاف‌فإنيا‌تكوف‌مظنة‌أف‌يأخذىا‌أعداء‌ المسمميف‌فتكوف‌ليـ‌قوة‌عمى‌المسمميف,‌ففي‌كؿ‌ىذه‌الأحواؿ‌تكوف‌اليجرة‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌تعالى‌ويكوف‌ قد‌انتقؿ‌مف‌حمى‌الناس‌إلى‌حمى‌ا﵀‌تعالى,‌فيو‌مياجر‌منتقؿ‌إلى‌جانب‌ا﵀‌تعالى‌ورسولو‌ --‌, فإذا‌كاف‌يترؾ‌بيتو‌وأىمو‌وعشيرتو‌وجيرانو الذّيف‌عاش‌بينيـ‌وعاشرىـ‌فيو‌يتر‌ كيـ‌إلى‌جانب‌أعظـ‌ ورحاب‌أوسع‌وىو‌جانب‌ا﵀‌تعالى‌ورسولو‌ --‌ورحابيما,‌وىذا‌المياجر‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌ينالو‌إحدى الحسنييف:‌إما‌بالظفر‌بالسعة‌والعزة‌والماؿ ,وا ما‌الظفر‌بالأجر‌العظيـ‌وذلؾ‌إف‌أدركو‌الموت‌وىو‌في‌ الطّريؽ‌إلى‌ا﵀‌تعالى,‌فإف‌أدركو‌الموت‌فقد‌وقع‌وحؽ‌لو‌ الأجر‌العظيـ‌عند‌ا﵀‌تعالى,‌فكأنو‌صار‌ وثيقة‌عمى‌ا﵀‌تعالى,‌وذلؾ‌كمو‌تأكيد‌لتحقيؽ‌الأجر‌بيذه‌اليجرة,‌وىذا‌الأجر‌غفراف‌لما‌مضى‌مف‌ ذنبو‌ورحمة‌بو‌بالنعيـ‌المقيـ‌في‌الآخرة,‌فا﵀‌سبحانو‌غفور‌كثير‌المغفرة‌ومف‌شأنو‌الرحمة‌بعباده (2).‌ "فبمقتضى‌رحمتو‌فتح‌باب‌اليجر ة‌وحث‌عمييا,‌وبمقتضى‌رحمتو‌مكف‌لممياجر‌مف‌السعة‌ والعمؿ‌في‌ الأرض ,‌وبمقتضى‌رحمتو‌اعتبر‌نيّة‌اليجرة‌إذا‌صاحبيا‌العمؿ‌كافية‌لمثواب‌والأجر‌ العظيـ"(3).‌ ويعقب‌سيد‌قطب‌عمى‌ىذه‌الآية‌فيقوؿ:‌"إنيا‌صفقة‌رابحة‌دوف‌شؾ,‌يقبض‌فييا‌المياجر الثمف‌كمو‌منذ‌الخطوة‌الأولى‌وىي‌ خطوة‌الخروج‌ إلى‌البيت‌مياجرً‌ا‌إلى‌ا﵀‌تعالى‌ورسولو‌ --‌, (1)انظر:"الجامع‌لأحكاـ‌القرآف -‌لمقرطبي‌( 5/348.) (2)انظر:"فتح‌القدير-‌لمشوكاني‌(1/583.) (3)"زىرة‌التفاسير –‌لأبي‌زىرة‌( 4/1824‌.)

عدد الصفحات ٣٤

)804( والموت‌ىو‌الموت,‌في‌موعده‌الذي‌لا‌يتأخر‌والذي‌لا‌علبقة‌لو‌بيجرة‌أو‌إقامة,‌ولو‌أقاـ‌المياجر ولـ‌يخرج‌مف‌بيتو‌لجاءه‌الموت‌في‌موعده‌ولخسر‌الصفقة‌الرابحة,‌فلب‌أجر‌ولا‌مغفرة‌ولا‌رحمة‌بؿ‌ ىنالؾ‌الملبئكة‌تتو‌ فاه‌ظالمً‌ا‌لنفسو,‌وشتاف‌بيف‌صفقة‌وصفقة!‌وشتاف‌بيف‌مصير‌ومصير!"(1).‌ ومف‌الآياتالتّي‌تؤكد‌عمى‌صدؽ‌إيماف‌المياجريف‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌وتبيف‌ثوابيـ‌قولو‌تعالى : ًَاٌَّزَِّٓ آَِنٌُاْ ًَىَبجَشًُاْ ًَجَبىَذًُاْ فِِ عَجًِِْ اٌٍّوِ ًَاٌَّزَِّٓ آًًَاْ ًََّٔصَشًُاْ ؤًٌَُـئِهَ ىُُُ اٌُّْاِِْنٌَُْ دَمًّب ٌَّيُُ َِّغْفِشَحٌ ًَسِصْقٌ وَشٌُِّ ‌ (الأنفاؿ74.)‌ في‌ىذه‌الآية‌الكريمة‌جمع‌ا﵀‌تعالى‌بيف الذّيف‌كانوا‌دعامة‌ الإسلبـ‌وعمييـ‌ىدي‌ الرّسوؿ‌- -‌قاـ‌بنيانو‌وشيدت‌أركانو‌وىـ‌المياجروف‌والأنصار,‌فالمياجروف‌ابتدأ‌بيـ‌تكويف‌الجماعا ت‌ الأولى‌ التّي‌صبرت‌وصابرت‌وتمقت‌الصدمة‌الأولى‌مف‌المشركيف,‌فيـ‌ الذّيف‌تمقوىا‌مف‌عتاة‌ المشركيف‌ الذّيف‌قابموا‌أىؿ‌ الحؽّ‌‌بالأذى‌مف‌أمثاؿ‌أبي‌ليب‌وأبي‌جيؿ‌والوليد‌بف‌المغيرة‌وغيرىـ,‌وىـ‌ الذّيف‌ىاجروا‌ إلى‌الحبشة‌فرارً‌ا‌بإيمانيـ‌ومنيـ‌مف‌ىاجر‌مرتيف,‌وىـ‌ الذّيف‌لاقوا‌العنت‌فما‌وىنوا‌لما‌ أصابيـ‌في‌سبيؿ‌ا﵀,‌ومنيـ‌مف‌اضطروه‌تحت‌العذاب‌أف‌ينطؽ‌بكممة‌كفر‌وقمبو‌مطمئف‌بالإيماف,‌ ومنيـ‌بعض‌أسرتو‌تحت‌حر‌العذاب,‌ثـ‌في‌آخر‌الأمر‌ىاجروا‌ إلى‌المدينة,‌فاستقبميـ‌إخوانيـ‌ بالترحاب‌وآووا‌ونصروا,‌والأنصار‌ىـ‌ الذّيف‌آووا‌ونصروا,‌وأ عزوا‌كممة‌التوحيد‌وأغموىا‌وأعموىا,‌فإذا‌ كاف‌المياجروف‌ىـ‌ الذّيف‌أظموا‌شجرة‌ الإسلبـ‌ابتداءً‌فالأنصار‌ىـ‌ الذّيف‌حموا‌ثمرتيا‌وقامت‌دولة‌ الإسلبـ‌في‌أرضيـ‌وحراستيـ,‌وا ذا‌كاف‌المياجروف‌قد‌لاقوا‌العنت‌في‌مكة‌فقد‌لاقوا‌الإيواء‌في‌ المدينة,‌وا ذا‌كانوا‌ىـ‌دعامة‌ الإسلبـ‌فالأنصار‌دولتو‌وفي‌رحابو‌قامت‌المدينة‌الفاضمة‌ التّي‌أقاميا‌ نبينا‌وحبيبنا‌محمد‌ --‌في‌ديارىـ,‌وا ذا‌كاف‌المياجروف‌قد‌جاىدوا‌ابتداءً‌بالصبر‌والمصابرة‌فقد كاف‌جيادىـ‌في‌المدينة‌مع‌إخوانيـ‌الأنصار‌بذلؾ‌وفي‌القتاؿ‌في‌المدينة‌ (2).‌ فالفريقاف‌اختارىما‌ا﵀‌لتكوي ف‌أطير‌جماعة‌رأتيا‌ الإنسانية‌وأقواىا‌فاستحقوا‌بذلؾ‌وصؼ‌ا﵀‌ ليـ‌بأنيـ‌مؤمنوف‌حقً‌ا‌فيـ‌الذّيف‌ىاجروا‌بعد‌الإيماف‌وجاىدوا‌في‌سبيؿ‌ا﵀,‌والذيف‌آووا‌وناصروا‌ىـ‌ (1)"في‌ظلبؿ‌القرآف -‌(2/746‌.) (2)انظر:"لباب‌التأويؿ‌في‌معانب‌التنزيؿ -‌لمخازف‌( 2/330.)

عدد الصفحات ٣٥

)805( المؤمنوف‌حقً ا,‌فإيمانيـ‌ثابت‌صادؽ‌حيث‌تلبقت‌أقواليـ‌وقموبيـ‌وأعماليـ‌كميا‌في‌سبيؿ‌ديف‌ا﵀‌ وا علبء‌ك ممتو.‌ وبذلؾ‌قد‌استثنى‌سبحانو‌وتعالى‌المؤمنيف‌الذّيف‌لـ‌يياجروا‌دار‌الشرؾ‌وأقاموا‌بيف‌أظير‌أىؿ‌ الشرؾ‌ولـ‌يغزوا‌مع‌المسمميف‌عدوىـ (1).‌ "وليسالحؽّ‌‌ىنا‌بمعنى‌المقابؿ‌لمباطؿ‌حتّى‌يكوف‌إيماف‌غيرىـ‌ممف‌لـ‌يياجروا‌باطلبً‌,‌لأف‌ قرينو‌قولو‌تعالى:‌ ... ًَاٌَّزَِّٓ آَِنٌُاْ ًٌََُْ ُّيَبجِشًُاْ َِب ٌَىُُ ِِّٓ ًَََّٙزِيُِ ِِّٓ ؽَِْءٍ دزَّ ُّيَبجِشًُاْ ًَبِِْ اعْزَنصَشًُوُُْ فِِ اٌذّّٓ فَؼٍََْْىُُُ اٌنَّصْشُ بَِّٙ ػٍَََ لٌٍََْ ثَْْنَىُُْ ًَثَْْنَيُُ ِِّْضَبقٌ ًَاٌٍّوُ ثَِّب رَؼٌٍََُّْْ ثَصِيرٌ ‌(الأنفاؿ72)‌مانعة‌مف‌ذلؾ,‌إذ‌قد‌أثبت‌ ليـ‌الإيماف‌ونفى‌عنيـ‌استحقاؽ‌ولاية‌المؤمنيف" (2).‌ وبعد‌ىذا‌يذكر--‌جزاء‌ىؤلاء‌المؤمنيف‌الصادقيف‌وىو‌أف‌ليـ‌جزاءيف الأوّؿ:‌المغفرة‌وما‌ تؤدي‌إليو‌مف‌الرحمة‌والنعيـ‌المقيـ,‌والثاني:‌الرزؽ‌الكريـ‌الواسع‌في‌ الدّنيا‌بعد‌المشقة‌التّي‌تحمموىا. ‌ ومف‌خلبؿ‌ما‌سبؽ‌يتبيف‌لنا‌عظـ‌رحمة‌ا﵀‌تعالى‌بتشريعو‌لعباده‌سبؿ‌التيسير‌في‌كؿ‌وقت‌ عسير,‌وكانت‌اليجرة‌خير‌مثاؿ‌عمى‌ىذا‌التيسير‌ورفع‌الحرج‌والمشقة,‌وليس‌ذلؾ‌فحسب,‌بؿ‌وقد‌ جعؿ‌لذلؾ‌عظيـ‌الأجر‌ونعـ‌الثواب‌لمف‌قاـ‌بو,‌فما‌أعظمو‌مف‌إلو‌وما‌أعظمو‌مف‌ديف. ‌ انًطهةٌانخايش:ٌالإصاتحٌفٌٍصثُمٌالله.ٌ إفّ‌الدخوؿ‌في‌حربٍ‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌تؤدي‌بالمؤمف‌المجاىد‌ إلى‌العديد‌مف‌الإصابات‌والجروح,‌ والمؤمف‌الصابر‌عمى‌الشدائد‌والمصاعب‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌لا‌يجعؿ‌مف‌ىذه‌الإصابات‌والآلاـ‌حجرً‌ا‌يقؼ‌ في‌طريؽ‌دعوتو‌﵀‌وا كماؿ‌جياده‌لرفع‌راية‌التوحيد‌وا علبء‌ كممة‌ا﵀,‌وقد‌مدح‌ا﵀‌ --‌ىؤلاء المؤمنيف‌الصابريف‌في‌قولو‌تعالى:‌ ‌ًَوَإَِّّٓ ِِّٓ َّٔجٍِِّ لَبرًََ َِؼَوُ سِثٌَُِّّْْ وَضِيرٌ فََّب ًَىَنٌُاْ ٌَِّب ؤَصَبثَيُُْ فِِ عَجًِِْ اٌٍّوِ ًََِب ظَؼُفٌُاْ ًََِب اعْزَىَبٌُٔاْ ًَاٌٍّوُ ُّذِتُّ اٌصَّبثِشَِّٓ‌(آؿ‌عمراف: 146.)‌ (1)انظر:‌"التفسير‌الحديث-‌لدروزة‌محمد‌عزت‌( 7/96-97.) (2)"التحرير‌والتنوير –‌لابف‌عاشور‌(10/89.)

عدد الصفحات ٣٦

)806( ىذه‌الآية‌تسمية‌لممؤمنيف‌وحثّ‌عمى‌الاقتداء‌بمف‌قبميـ‌مف‌المؤمنيف‌مف اتّباع‌الأنبياء‌ السابقيف‌حيث‌كانوا‌عمى‌إيماف‌عميؽ‌وعزـ‌وثيؽ,‌ف بيّنت‌الآية‌الكريمة‌ما‌كانوا‌عميو‌ حتّى‌يتأسّى‌بيـ‌ كؿ‌ذي‌عقؿ‌سميـ‌فقاؿ‌ليـ:‌أفّ‌كثيرً‌ ا‌مف‌الأنبياء‌قاتؿ‌معيـ‌مؤمنوف‌صادقو‌الإيماف‌مف‌أجؿ‌إعلبء‌ كممة‌ا﵀‌وا عزاز‌دينو,‌وأصيبوا‌وىـ‌يقاتموف‌بما‌أصيبوا‌مف‌جراح‌وآلاـ,‌فالقتاؿ‌يتعاور‌فيو‌المقاتموف‌ الجروح‌والدماء,‌فميس‌القتاؿ‌ريحً‌ا‌رخاءً‌سيلبً‌,‌بؿ‌ىو‌عاصفة‌وممحمة‌بشرية‌يداؿ‌بيف‌المقاتميف‌في‌ الميداف,‌فكانوا‌بيذه‌الجراح‌راضيف‌صابر‌ يف‌فما‌وىنوا‌وما‌عجزوا‌أو‌جبنوا‌لسبب‌ما‌أصابيـ‌مف‌جراح‌ أو‌ما‌أصاب‌أنبياءىـ‌واخوانيـ‌مف‌قتؿ‌أو‌استشياد,‌لأف‌الذي‌أصابيـ‌ إنّما‌ىو‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌وطاعتو‌ وا قامة‌دينو‌ونصرة‌رسمو,‌وكذلؾ‌ما‌ضعفوا‌عف‌قتاؿ‌أعدائيـ‌وعف‌الدفاع‌عف‌الذي‌آمنوا‌بو‌وما‌ خضعوا‌وذلوا‌‌لأعدائيـ ‌(1).‌ ويقوؿ‌أبو‌زىرة:‌"فا﵀‌سحانو‌قد‌نفى‌عف‌ىؤلاء‌المؤمنيف‌الصادقيف‌ثلبثة‌أوصاؼ‌لا‌تتناسب مع‌إيمانيـ‌وىي: ‌ ‌أولاً :‌الوىف‌وىو‌اضطراب‌نفسي‌وىمع‌قمبي‌يستولي‌عمى‌ الإنساف‌فيفقده‌ثباتو‌وعزيمتو,‌فيو‌يبتديء‌ في‌الداخؿ‌وا ذا‌وصؿ‌ إلى‌الخارج‌كاف‌ضعفً‌ا‌وتخاذلاً‌,‌وا ذا‌أن تج‌لضعؼ‌نتائجو‌كانت‌الاستكانة‌والذؿ. ‌ ‌ثانيً ا:‌الضعؼ‌الذي‌ىو‌ضد‌القوة‌وىو‌ينتج‌عف‌الوىف.‌ ‌ ثالثً ا:‌الاستكانة‌وىي‌الرضا‌بالذؿ‌والخضوع‌للؤعداء‌ليفعموا‌بيـ‌ما‌يريدوف,‌وذلؾ‌ليس‌شأف‌المؤمف. ‌ وقد‌نفى‌سبحانو‌ىذه‌الأوصاؼ‌الثلبثة‌عف‌ىؤلاء‌المؤمنيف‌الصادقيف‌مع‌أف‌واحدً‌ا‌منيا‌يكفي‌ نفيو‌لنفييا‌لأنيا‌متلبزمة,‌وذلؾ‌لبياف‌قبح‌ما‌يقعوف‌فيو‌مف‌أضرار‌فيما‌لو‌تمكف‌واحد‌مف‌ىذه‌ الأضرار‌في‌نفوسيـ" ‌(2).‌ وجاء‌ترتيب‌ىذه‌الأوصاؼ‌في‌غاية‌الدّقة‌بحسب‌حصوليا‌في‌الخارج,‌فإف‌الوىف‌الذي‌ىو‌ خور‌في‌العزيمة‌إذا‌تمكف‌مف‌النفس‌أنتج‌الضعؼ‌الذي‌ىو‌ لوف‌مف‌الاستسلبـ‌والفشؿ,‌ثـ‌تكوف‌ (1)‌انظر:‌"الجواىر‌الحساف‌في‌تفسير‌القرآف -‌لمثعالبي‌(2/119),‌"الدر‌المنثور‌في‌التفسير‌بالمأثور-‌لمسيوطي‌ (2/341.‌)‌ (2)"زىرة‌التفاسير -‌(3/1440.‌)

عدد الصفحات ٣٧

)807( بعدىا‌الاستكانةالتّي‌يكوف‌معيا‌الخضوع‌لكؿ‌مطالب‌الأعداء,‌وا ذا‌ الإنساف‌وصؿ‌ىذه‌المرحمة‌في‌ حياتو‌كاف‌الموت‌أكرـ‌لو‌مف‌ىذه‌الحياة ‌(1).‌ ويختـ‌سبحانو‌ىذه‌الآية‌الكريمة أنّو‌يحب‌الصابريف, ‌وىو‌سبحانو‌يشير‌ إلى‌أف‌ الذّيف‌لا‌ يصيبيـ‌ وىف‌بسبب‌اشتداد‌المعركة‌ولا‌ضعؼ‌ولا‌ذؿ‌ولا‌استكانة‌ولا‌استسلبـ‌ىـ‌الصابروف‌حقً‌ ا‌ وصدقً‌ا‌وا﵀‌ --‌يحبيـ‌ فيذا‌التذييؿ‌قصد‌بو‌حض‌المؤمنيف‌عمى‌تحمؿ‌المكاره‌ومقاساة‌الشدائد‌ومعاناة‌المكاره‌مف‌ أجؿ‌إعلبء‌دينيـ‌ حتّى‌يفوزوا‌برضا‌ا﵀‌ورعايتو‌كما‌فاز‌أولئؾ‌الأنقياء ‌الأوفياء,‌فيو‌تعالى‌يحب‌ الصابريف‌عمى‌آلاـ‌القتاؿ‌ومصاعب‌الجياد‌ومشاؽ‌الطاعات‌وتبعات‌التكاليؼ‌ التّي‌كمؼ‌ا﵀‌تعالى‌ بيا‌عباده‌(2).‌ مف‌خلبؿ‌ما‌سبؽ‌يتبيّف‌لنا‌أفّ‌المؤمف الحقّ‌يقي‌يتميز‌عف‌غيره‌في‌أرض‌المعركة‌وذلؾ‌ببياف‌ صبره‌وثباتو‌عمى‌الشدائد,‌فقد‌مدح‌ --‌المؤمف‌المصاب‌الصابر‌الذي‌لـ‌تثنو‌الإصابات‌والجروح‌ عف‌إكماؿ‌مسيرتو‌في‌الجياد‌في‌سبيؿ‌ا﵀,‌ويبتغي‌مف‌جياده‌وصبره‌أف‌يرتقي‌ إلى‌جناف‌وقصور‌ وأنيار‌عند‌الممؾ‌الواحد‌القيّار.‌ انًطهةٌانضّادس:ٌانضشبٌفٌٍصثُمٌالله.ٌٌ ‌شرع‌ا﵀‌تعالى‌الضرب‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌لغرض‌نشر‌ الإسلبـ‌وىداية‌الناس,‌فمف‌اىتدى‌واتّبع‌ أمف‌عمى‌نفسو‌ومالو‌وحرـ‌دمو,‌وصار‌لو‌ما‌لممسمميف‌وعميو‌ما‌عمييـ,‌وىا‌ىو‌سبحانو‌يعمـ‌عباده‌ ويمحص‌غرضيـ‌ويسدد‌نيّتيـ‌في‌الجياد‌فيقوؿ‌تعالى:‌ َّبؤّّيب اٌزّّٓ آَِنٌُاْ بِرَا ظَشَثْزُُْ فِِ عَجًِِْ اٌٍّوِ فَزَجََّْنٌُاْ ًََٙ رَمٌٌٌُُاْ ٌَِّْٓ ؤٌَْمََ بٌَِْْىُُُ اٌغَّٚ ٌَغْذَ ُِاِِْنًب رَجْزَغٌَُْ ػَشَضَ اٌْذََْبحِ اٌذّْٔب فَؼِنذَ اٌٍّوِ َِغَبُُِٔ وَضِيرَحٌ وَزٌَِهَ وُنزُُ ِِّٓ لَجًُْ فَََّّٓ اٌٍّوُ ػٍََْْىُُْ فَزَجََّْنٌُاْ بَِّْ اٌٍّوَ وَبَْ ثَِّب رَؼٌٍََُّْْ خَجِيرًا(النساء94.)‌ ‌ (1)‌انظر:‌"التفسير‌الوسيط-‌لطنطاوي‌( 2/288.) (2)‌انظر:‌"الفواتح‌الإليية‌والمفاتح‌الغيبية-‌لمشيخ‌عمواف‌(1/128),‌"‌التفسير‌الواضح-‌لمحمد‌محمود‌حجازي‌ (1/292.)

عدد الصفحات ٣٨

)808( سبب النّزوؿ: ذكر‌المزيني‌سبب‌نزوؿ‌ىذه‌الآية‌فقاؿ:‌"عف‌ابف‌عباس‌ --‌قاؿ:‌كاف‌رجؿ‌في‌غنيمة‌لو فمحقو‌المسمموف‌فقاؿ:‌السّلبـ‌عميكـ,‌فقتموه‌وأخذوا‌غنيمتو‌فأنزؿ‌ا﵀‌الآية : َّبؤّّيب اٌزّّٓ آَِنٌُاْ بِرَا ظَشَثْزُُْ فِِ عَجًِِْ اٌٍّوِ فَزَجََّْنٌُاْ ًََٙ رَمٌٌٌُُاْ ٌَِّْٓ ؤٌَْمََ بٌَِْْىُُُ اٌغَّٚ ٌَغْذَ ُِاِِْنًب رَجْزَغٌَُْ ػَشَضَ اٌْذََْبحِ اٌذّْٔب....,‌تمؾ‌الغنيمة‌(1).‌ في‌ىذه‌الآية‌الكريمة‌يخاطب‌ا﵀‌عباده‌المؤمنيف‌ويقوؿ‌ليـ:‌يا أيّيا‌الذّيف‌أذعنوا‌لمحؽ‌ وصدّقوا‌بو‌وخرجوا‌مجاىديف‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌إذا‌ضر‌بتـ‌وسرتـ‌في‌جيادكـ‌فتعرّفوا‌مف‌يحاربكـ‌ومف‌ يعاديكـ‌ولا‌تضعوا‌السيؼ‌في‌موضع‌البرء‌والسقـ‌في‌المقاتؿ‌وغير‌المقاتؿ,‌في‌المحارب‌وغير‌ المحارب,‌ولا‌تتعجموا‌بالقتؿ‌عند‌الشؾ‌في‌أف‌مف‌تقتمونو‌عدوٌّ‌أو‌وليٌّ,‌فإف‌الأصؿ‌في‌الدماء‌التحريـ‌ ولا‌تباح‌إلا‌عند‌الاعتداء,‌ف قد‌حرـ‌ا﵀‌تعالى‌قتؿ‌النفس‌إلا‌ب الحؽّ‌.‌ وأمر‌ --‌المؤمنيف‌الضاربيف‌في‌سبيمو‌أف‌يتأكدوا‌ويتثبتوا‌في‌كؿ‌أحكاميـ‌وأفعاليـ‌وأ يقولوا‌لمف‌أظير‌الانقياد‌لدعوتيـ‌ودينيـ‌فنطؽ‌الشيادتيف‌أو‌حياىـ‌بتحية‌ الإسلبـ‌فلب‌يقولوا‌لو‌لست‌ مؤمنً‌ا‌حقً‌ا‌وا نّما‌قمت‌ما‌قمت‌بمسانؾ ‌فقط‌لتأمف‌القتؿ,‌بؿ‌الواجب‌عمى‌المؤمنيف‌أف‌يقبموا‌مف‌ىذا‌ الإنساف‌ما‌أظيره‌وأف‌يعامموه‌بموجبو,‌فإف‌عمـ‌السرائر‌والبواطف‌ إنّما‌ىو‌﵀‌تعالى‌وحده ‌(2).‌ فيأمر‌تعالى‌عباده‌المؤمنيف‌ألا‌يقتموا الإنساف‌مبتغيف‌مف‌وراء‌قتمو‌متاع‌ الدّنيا‌الزائؿ‌وعرضيا‌ الفاني,‌فيذا‌ا لمسمؾ‌يتنافى‌مع‌الإيماف‌الصادؽ‌والجياد‌الخالص,‌ومف‌كاف‌منكـ‌يريد‌متاع‌ الدّنيا‌ فميطمبو‌مف‌ا﵀‌وحده‌فإف‌خزائنو‌لا‌تنفد‌وعطاءه‌لا‌يحد. ‌ فيو‌--‌يوبخيـ‌عمى‌حرصيـ‌عمى‌متاع الدّنيا‌بطريقة‌لا‌تتناسب‌مع‌الإيماف‌الكامؿ‌ومع‌ اليدؼ‌الذي‌خرجوا‌مف‌أجمو‌وىو‌إعلبء‌كممة‌ا﵀ ‌تعالى‌وضـ‌أكبر‌عدد‌مف‌الناس‌إلى‌دعوة‌ الحؽّ‌‌ التّي‌جاء‌بيا‌النبي‌--,‌فلب‌تعودوا إلى‌ما‌فعمتموه‌مف‌قتؿ‌مف‌ألقى‌إليكـ‌ السّلبـ‌طمبً‌ا‌لمالو,‌فإف‌ (1)‌"‌المحرر‌في‌أسباب‌نزوؿ‌القرآف -‌(1/418.) (2)‌انظر:‌"ارشاد‌العقؿ‌السميـ‌إلى‌مزايا‌الكتاب‌الكريـ -‌لأبي‌السعود‌(2/218.‌)

عدد الصفحات ٣٩

)809( ا﵀‌تعالى‌عنده‌مغانـ‌كثيرة‌وفي‌مقدوره‌أف‌يغنيكـ‌مف‌فضمو,‌فالجؤوا إليو‌وحده‌وخصوه‌بالسؤاؿ‌ وأخمصوا‌لو‌العمؿ ‌(1).‌ فكذلؾ‌كنتـ‌أيّيا‌المؤمنوف‌مثؿ‌حاؿ‌المشركيف‌الآف‌مف‌جحود‌ب الحؽّ‌‌وكفر‌بو‌حتّى‌ىداكـ‌ا﵀‌ تعالى,‌وا ذا‌كنتـ‌كذلؾ‌فتبينوا‌حاؿ‌ الذّيف‌تقاتمونيـ‌‌عسى‌أف‌يكونوا‌قد‌ىدى‌ا﵀‌بعضيـ‌كما‌ىداكـ,‌ وأف‌يكوف‌قد‌مفّ‌عمييـ‌كما‌مفّ‌عميكـ‌فلب‌تستكثروا‌عمى‌مشرؾ‌أف‌يؤمف‌ولو‌كاف‌ذ لؾ‌في‌حومة‌ الوغى,‌فتنّور‌اليداية‌مفتوح‌في‌كؿ‌مكاف‌لا‌يغمؽ‌باب‌دونو‌وا﵀‌ييدي‌مف‌يشاء‌(2).‌ فالمؤمنوف‌كانوا‌عند‌دخوليـ الإسلبـ‌لا‌يظير‌منيـ‌لمناس‌إلا‌ما‌ينطقونو‌بالشيادتيف‌وتبادؿ‌ تحية‌الإسلبـ,‌فمفّ‌ا﵀‌عمى‌ىؤلاء‌المؤمنيف‌بأف‌قبؿ‌منيـ‌تمؾ‌المرتبة‌وعصـ‌بيا‌د ماءىـ‌وأمواليـ‌ولـ‌ يأمر‌بالتفحص‌عف‌سرائر‌ ىـ,‌فعميكـ‌يا‌عباد‌ا﵀‌الضاربيف‌في‌سبيمو‌أف‌تفعموا‌كذلؾ‌بالداخميف‌في‌ الإسلبـ‌كما‌فعؿ‌بكـ‌وأف‌تعتبروا‌ظاىر‌ الإسلبـ‌في‌المكانة‌ولا‌تقولوا‌إف‌تيميؿ‌ىذا‌لاتقاء‌القتؿ‌لا‌ بصدؽ‌النية‌فتجعموه‌سبيلبً‌‌إلى‌استباحة‌الدماء‌والأم واؿ‌وقد‌حرميما‌ا﵀. ‌ فتبيّنوا‌يا‌عباد‌ا﵀‌نعمو‌عميكـ‌وداوموا‌عمى‌شكرىا‌وقيسوا‌أحواؿ‌غيركـ‌بماسبؽ‌مف‌أحوالكـ‌ واقبموا‌ظواىر‌الناس‌بدوف‌فحص‌عف‌بواطنيـ‌ولا‌تصدروا‌أحكامكـ‌عمييـ‌إلا‌بعد‌التثبت‌والتأكد‌مف‌ صحتيا,‌ولا‌تشيروا‌سيوفكـ‌في‌وجوىيـ‌إلا‌بعد‌التأكد‌مف‌كفر‌ ىـ‌وعدوانيـ‌فإف‌ا﵀‌تعالى‌مطمع‌عمى‌ دقيؽ‌الأمور‌وجميميا,‌خبير‌بما‌تسره‌نفوسكـ‌وما‌تعمنو,‌لا‌يخفى‌عميو‌شيء‌مف‌ظواىركـ‌وبواطنكـ‌ وسيحاسبكـ‌عمى‌كؿ‌ذلؾ‌وسيجازيكـ‌بما‌تستحقونو‌مف‌خير‌أو‌شر ‌(3).‌ ىكذا‌يعمّـ‌ا﵀‌تعالى‌عباده,‌ويحثّيـ‌عمى‌التّأنّي‌وعدـ‌التسرّع,‌حفظً‌ا‌لأرواح‌بريئة‌ونفوس‌زكيّة‌ قد‌تكوف‌آمنت‌با﵀‌رب ‌ا‌وبالإسلبـ‌دينً‌ا.‌ (1)‌انظر:‌"نظـ‌الدرر‌في‌تناسب‌الآيات‌والسور-‌لمبقاعي‌(5/367.) (2)‌انظر:‌"الدر‌المنثور‌في‌التفسير‌المأثور-‌لمسيوطي‌(2/634.‌) (3)‌انظر:‌"الفواتح‌الإليية‌والمفاتح‌الغيبية-‌لمشيخ‌عمواف‌(1/164),‌"تيسير‌الكريـ‌الرّحمف-‌لمسعدي‌(1/195‌) .

عدد الصفحات ٤٠

)880( انًطهةٌانضّاتغ:ٌانذّػىجٌإنًٌصثُمٌالله.ٌ إفّ‌ا﵀‌ --‌أرسؿ‌رسمو‌باليدى‌وديف الحؽّ‌‌لغاية‌عظمى‌وىدؼ‌أجؿّ,‌وىو‌ىداية‌النّاس,‌ ولمّا‌كاف‌الإكراه‌والترىيب‌لا‌يصفّي‌القموب‌ولا‌ييذب‌النفوس,‌أمر‌ا﵀ ‌تعالى‌رسمو‌بالدعوة‌ إليو‌ بأحسف‌الطّرؽ‌وأرقى‌الوسائؿ‌ حتّى‌يدخؿ‌النّاس‌طواعية‌في‌أمر‌ا﵀‌وشريعتو,‌وكذا‌عمى‌عباده‌السير‌ عمى‌ذات‌ الطّريؽ‌مقتديف‌بالأنبياء‌السابقيف,‌قاؿ‌تعالى:‌ ادْعُبلى عَجًِِْ سَثِّهَ ثِبٌْذِىَّْخِ ًَاٌٌَّْْػِظَخِ اٌْذَغَنَخِ ًَجَبدٌِْيُُ ثِبٌَّزِِ ىَِِ ؤَدْغَُٓ بَِّْ سَثَّهَ ىٌَُ ؤَػٍَُُْ ثَِّٓ ظًََّ ػَٓ عَجٍِِْوِ ًَىٌَُ ؤَػٍَُُْ ثِبٌُّْيْزَذَِّٓ(النحؿ125.)‌ في‌ىذه‌الآية‌الكريمة‌يخاطب‌ا﵀ --‌نبيو‌الكريـ --‌ويقوؿ‌لو:‌ادع‌مبمّغًا‌رسالة‌ربؾ‌ ومتبعً‌ا‌سبمو‌وىدايتو‌ودينو‌وشريعتو‌ التّي‌ىي‌ىداية ‌الإسلبـ,‌وذلؾ‌بالأقواؿ‌المشتممة‌عمى‌العظات‌ والعبر‌ التّي‌ترقؽ‌القموب‌وتيذب‌النفوس‌وتقنعيـ‌بصحة‌ما‌تدعوىـ‌ إليو‌وترغبيـ‌في‌الطاعة‌﵀‌تعالى‌ وترىبيـ‌مف‌معصيتو‌ --,‌فيجب‌عندالدّعوة‌مراعاة‌مقتضى‌الحاؿ‌ومخاطبة‌كؿ‌قوـ‌بما‌يعرفوف‌ وأخذىـ‌بالرّفؽ‌والتمطؼ‌واختيار‌الوقت‌المناسب‌لمموعظة‌ التّي‌يراد‌وعظيـ‌بيا‌ حتّى‌تتقبميا‌النفوس‌ وتنتفع‌بما‌فييا‌مف‌خير.‌ وكذلؾ‌يأمر‌ا﵀‌تعالى‌حبيبو‌المصطفى‌بمجادلة‌المعاند‌منيـ‌بالطريقة‌ التّي‌ىي‌أحسف‌الطّرؽ‌ وأجمميا‌بأف ‌تكوف‌المجادلة‌مبنية‌عمى‌حسف‌الإقناع‌وعمى‌الرفؽ‌والميف‌وسعة‌الصدر,‌فإف‌ذل ؾ‌أبمغ‌ في‌إطفاء‌نار‌غضبيـ‌وفي‌التقميؿ‌مف‌عنادىـ‌وفي‌إصلبح‌شأف‌أنفسيـ‌وفي‌إيمانيـ,‌بأنؾ‌إنّما‌تريد‌ مف‌وراء‌مجادلتيـ‌الوصوؿ‌ إلى‌الحؽّ‌‌دوف‌أي‌شيء‌سواه ‌(1).‌ ويقوؿ‌طنطاوي:‌"وبذلؾ‌نرى ‌أفّ‌‌الآية‌الكريمة‌قد‌رسمت‌أقوـ‌طرؽ‌ الدّعوة‌إلى‌ا﵀‌وعيّنت‌ أحكـ‌وسائميا‌وأنجعي ا‌في‌ىداية‌النفوس,‌إنيا‌تأمر‌الدّعاة‌في‌كؿ‌زماف‌ومكاف‌أف‌تكوف‌دعوتيـ‌ إلى‌ سبيؿ‌ا﵀‌لا‌ إلى‌سبيؿ‌غيره,‌ إلى‌طريؽ‌ الحؽّ‌‌لا‌طريؽ‌الباطؿ,‌وا نيا‌تأمرىـ‌أيضً‌ ا‌أف‌يراعوا‌في‌ دعوتيـ‌أحواؿ‌الناس‌وطباعيـ‌وسعة‌مداركيـ‌وظروؼ‌حياتيـ‌وتفاوت‌ثقافاتيـ,‌وأف‌يخاطبوا‌كؿ‌ طائفة‌ب القدر‌الذي‌تسعو‌عقوليـ‌وبالأسموب‌الذي‌يؤثر‌في‌نفوسيـ,‌وبالطريقة‌ التّي‌ترضي‌قموبيـ‌ (1)‌انظر:‌"المباب‌في‌عموـ‌الكتاب-‌لأبي‌حفص‌النّعماني‌(12/188,187.‌)

عدد الصفحات ٤١

)888( وعواطفيـ,‌فمف‌لـ‌يقنعو‌القوؿ‌المحكـ‌قد‌تقنعو‌الموعظة‌الحسنة,‌ومف‌لـ‌تقنعو‌الموعظة‌الحسنة‌قد يقنعو‌الجداؿ‌بالتي‌ىي‌أحسف"‌(1).‌ وا نما‌تفاوتت‌طرؽ‌دعوتو --‌لتفاوت‌مراتب‌الناس‌فمن يـ‌خواص‌ىـ‌أصحاب‌نفوس‌ مشرقة‌قوية‌الاستعداد‌لإدراؾ‌المعاني,‌قوية‌الانجذاب‌ إلى‌المباديء‌العالية‌لا‌ إلى‌تحصيؿ‌اليقيف‌ عمى‌اختلبؼ‌مراتبو,‌وىؤلاء‌يدعوف‌بالحكمة‌في‌المعنى‌السابؽ,‌ومنيـ‌عواـ‌أصحاب‌نفوس‌كدرة‌ ضعيفة‌الاستعداد‌شديدة‌الألؼ‌بالمحسوسات,‌قوية‌التعمؽ‌بالرس وـ‌والعادات,‌قاصرة‌عف‌درجة‌ البرىاف,‌لكف‌لا‌عناد‌عندىـ,‌وىؤلاء‌يدعوف‌بالموعظة‌الحسنة‌بالمعنى‌المتقدـ,‌ومنيـ‌مف‌يعاند‌ ويجادؿ‌بالباطؿ‌ليدحض‌بو‌الحؽّ‌‌لما‌غمب‌عميو‌مف‌تقميد‌الأسلبؼ‌ورسخ‌فيو‌مف‌العقائد‌الباطمة,‌ فصار‌بحيث‌لا‌تنفعو‌المواعظ‌والعبر‌بؿ‌لا‌ بدّ‌‌مف‌إلقامو‌الحجر‌بأحسف‌طرؽ‌الجداؿ‌لتميف‌ع ر‌يكتو‌ وتزوؿ‌شكيمتو,‌وىؤلاء‌ الذّيف‌أُمر‌ --‌بجداليـ‌بالتي‌ىي‌أحسف‌(2).‌ فالدعوة إلى‌ا﵀‌تعالى‌لا‌تحتاج‌إلى‌قوّة‌قاىرة‌توجو‌إلييا‌الأبصار‌وتفتح‌ليا‌العقوؿ‌والقموب,‌ فإف‌القوة‌ىنا‌تضرّ‌ولا‌تنفع,‌حيث‌إفّ‌العقؿ‌ىو‌المدعو‌ إلى‌التعرؼ‌عمى‌ا﵀‌والإيماف‌بو,‌وليس‌سبيؿ‌ العقؿ‌إلى‌العمـ‌والمعرفة‌ىو‌القير‌والقسر,‌وا نما‌سبيمو‌النظر‌والاقتناع‌في‌جو‌مف‌الحرية‌المطمقة‌ البعيدة‌عف‌الضغوط‌المادّية‌والمعنوية,‌فالايماف‌الذي‌يكوف‌تحت‌أي‌مؤثّر‌خارجي‌يحتؿ‌العقؿ‌أو‌ يقيره‌ىو‌إيماف‌مقيور‌لا‌يطمئفّ‌ إليو‌القمب‌ولا‌تتأثر‌بو‌المشاعر,‌ولا‌يجني‌منو‌صاحبو‌ما‌يجني‌ المؤمنوف‌مف‌إيمانيـ‌مف‌ثمرات‌طيبة‌مباركة,‌وليذا‌كاف‌أمر‌ا﵀‌ --‌إلى‌نبيو‌الكريـ‌أف‌تكوف‌ دعوتو‌قائمة‌عمى‌ىذا‌المنيج‌الذي‌يمثّؿ‌الكماؿ‌كمو‌في‌غرس‌المعارؼ‌وتر‌بية‌النفوس‌(3).‌ وا﵀‌سبحانو‌ىو‌وحده‌العميـ‌بم ف‌ضؿّ‌مف‌خمقو‌عف‌صراطو‌المستقيـ,‌وىو‌وحده‌العميـ‌ بالميتديف‌منيـ‌إلى‌السّبيؿ‌الحؽّ‌,‌وسيجازي‌كؿّ‌فريؽ‌منيـ‌بما‌يستحقو‌مف‌ثواب‌أو‌عقاب,‌وما‌داـ‌ الأمر‌كذلؾ‌فعميؾ‌-أيّيا‌الرّسوؿ‌الكريـ -‌أف‌تسمؾ‌في‌دعوتؾ‌إلى‌سبيؿ‌ربؾ‌ الطّرؽ‌التّي‌أرشدؾ‌إلييا‌ مف‌الحكمة‌والموعظة‌ا لحسنة‌والمجادلة‌بالتي‌ىي‌أحسف,‌وا﵀‌سبحانو‌ىو‌أعمـ‌بيـ,‌"فمف‌كاف‌فيو‌ (1)‌"التفسير‌الوسيط-‌(8/263.) (2)‌انظر:‌"روح‌المعاني -‌للؤلوسي‌(7/487.) (3)‌انظر:‌"نظـ‌الدرر‌في‌تناسب‌الآيات‌والسور-‌لمبقاعي‌(11/280,281.‌)

عدد الصفحات ٤٢

)882( الخير‌كفاه‌الوعظ‌القميؿ‌والنصيحة‌اليسيرة,‌ومف‌لا‌خير‌فيو‌عجزت‌عف‌الحيؿ‌وكأنؾ‌تضرب‌منو‌في حديد‌بارد" ‌(1).‌ ففي‌ىذا‌التذييؿ‌تيديد‌لأولئؾالذّيف‌يجادلوف‌بغير‌عمـ‌وبغير‌غاية‌إلا‌المراء‌والإعن ات,‌فا﵀‌ أعمـ‌بيؤلاء‌الضاليف‌عف‌سبيمو,‌لا‌يجتمعوف‌مع‌الميتديف‌ولا‌ينزلوف‌منازليـ,‌بؿ‌يعزلوف‌عنيـ‌ويمقى‌ بيـ‌في‌عذاب‌السعير‌(2).‌ وىكذا‌يتجمّى‌لناالطّريؽ‌الأمثؿ‌لمدعوة‌ إلى‌ا﵀,‌حيث‌بيّنت‌ىذه‌الآيات‌وفصّمت,‌ويسّرت‌عمى‌ الداعية‌المسمـ‌طريؽ‌دعوتو,‌فعميو‌أف‌يست بصر‌الناس‌ويتعرّؼ‌أحواليـ‌ثـ‌يخاطبيـ‌بما‌يناسبيـ‌ ويدعوىـ‌ إلى‌طريؽ‌ الحؽّ‌‌والرشاد‌متوكلبً‌‌عمى‌خالقو‌وىاديو. ‌ انًطهةٌانثّايٍ:ٌالإَزاءٌفٌٍصثُمٌالله.ٌٌ إفّ‌إعلبء‌كممة‌ا﵀‌ورفع‌رايتو‌ونشر‌دعوتو‌لا‌يكوف‌عمى‌طريؽ‌مميء‌بالورود‌والترحيبات,‌بؿ‌ يكوف‌في‌طريؽ‌مميء‌بالشوؾ ‌والعثرات‌والاضطيادات,‌ف الإنساف‌المؤمف‌يتأذى‌في‌سبيؿ‌نشر‌ىذه‌ الدّعوة‌المباركة‌بكؿ‌أنواع‌الأذى‌والتي‌مف‌المحتمؿ‌أف‌تؤدي‌بحياتو‌أو‌تجعمو‌يفقد‌مالاً‌‌أو‌أىلبً‌‌أو‌ حتّى‌عضوً‌ا‌مف‌أعضائو,‌ولكنو‌صابر‌محتسب‌لكونو‌يعمـ‌عف‌يقيف‌ما‌ينتظره‌مف‌أجر‌عظيـ‌ورضى‌ الكريـ‌الذي‌لا ‌يضيع‌عنده‌مثقاؿ‌ذرة. ‌ وقد‌مدح‌سبحانو‌ىؤلاء‌الصابريف‌وأعدّ‌ليـ‌مف‌النعيـ‌المقيـ‌ما‌يكافئ‌صبرىـ‌وأكثر,‌قاؿ‌ تعالى:‌فَبعْزَجَبةَ ٌَيُُْسثّيُ ؤَِِّٔ َٙ ؤُظِْغُ ػًَََّ ػَبًٍِِ ِِّنىُُ ِِّٓ رَوَشٍ ؤًَْ ؤُٔضََ ثَؼْعُىُُ ِِّٓ ثَؼْطٍ فَبٌَّزَِّٓ ىَبجَشًُاْ ًَؤُخْشِجٌُاْ ِِٓ دَِّبسِىُِْ ًَؤًُرًُاْ فِِ عَجٍِِِْ ًَلَبرٌٍَُاْ ًَلُزٌٍُِاْ ُٕوَفِّشََّْ ػَنْيُُْ عَِّْئَبرِيُِْ ًَُٕدْخٍَِنَّيُُْ جَنَّبدٍ رَجْشُِ ِِٓ رَذْزِيَب إَْٔيَبسُ صٌََاثًب ِِّٓ ػِنذِ اٌٍّوِ ًَاٌٍّوُ ػِنذَهُ دُغُْٓ اٌضٌََّاةِ‌(آؿ‌عمراف 195.)‌ فيىذه‌الآية‌الكريمة‌جواب‌مف‌ا﵀‌تعالى‌لممؤمنيف‌عمى‌سؤاليـ‌في‌سياؽ‌دعائيـ‌لربيـ‌وىي‌ قولو‌تعالى:‌ بَِّْ فِِ خٍَْكِ اٌغََّّبًَادِ ًَإسض ًَاخْزَِٚفِ اًٌٍَِّْْ ًَاٌنَّيَبسِ َّٓبدٍ ٌِّإًٌُِِْ إٌْجَبةِ091 }اٌزّّٓ َّزْوُشًَُْ اٌٍّوَ (1)‌"الكشاؼ-‌لمزمخشري‌( 2/644.‌‌) (2)‌انظر:‌"الوسيط-‌‌لمزحيمي‌( 2/1313‌.)

عدد الصفحات ٤٣

)883( لَِْبًِب ًَلُؼٌُدًا ًَػٍََََ جُنٌُثِيُِْ ًََّزَفَىَّشًَُْ فِِ خٍَْكِ اٌغََّّبًَادِ ًَ إسض سَثَّنَب َِب خٍََمْذَ ىَزا ثَبؼًٍِ ب عُجْذَبَٔهَ فَمِنَب ػَزَاةَ اٌنَّبسِ090}092}ب بَِّٔنَب عَِّؼْنَب ُِنَبدًِّب ُّنَبدُِ ٌِِ٘يمَبِْ ؤَْْ آِِنٌُاْ ثِشَثِّىُُْ فَأَِنَّب سَثَّنَب فَبغْفِشْ ٌَنَب رٌُُٔثَنَب ًَوَفِّشْ ػَنَّب عَِّْئَبرِنَب ًَرٌََفَّنَب َِغَ إثْشَاسِ091} سُعٍُِهَ ًََٙ رُخْضَِٔبٌَََّْ اٌْمَِْبَِخِ بَِّٔهَ َٙ رُخٍِْفُ اٌِّْْؼَبدَ095}‌(آؿ‌عمراف 190-194),‌فيبشر‌سبحانو‌ىؤلاء الداعيف‌ أنّو‌قد‌أجابيـ‌بما‌دعوا‌بو‌ ربّيـ,‌وا جابة‌ا﵀‌ليـ‌دليؿ‌عمى‌استحقاقيـ‌لرحمتو,‌وقد‌أجابيـ‌ سبحانو‌إجابة‌تدؿّ‌عمى‌كماؿ‌عدلو,‌وأنو‌سبحانو‌لا‌يضيّع‌عمؿ‌عامؿ ‌منيـ,‌بؿ‌سيجازييـ‌بالجزاء‌ الأوفى‌وسيمنحيـ‌الثواب‌فوؽ‌ما‌عمموا,‌لأنو‌ىو‌الكريـ‌الوىّاب‌ولف‌يفرّؽ‌في‌عطائو‌بيف‌ذكر‌وأنثى,‌ لأفّ‌الذّكر‌مف‌الأنثى‌والأنثى‌مف‌الذّكر,‌وقد‌خمقيـ‌ا﵀‌جميعاّ‌مف‌نفس‌واحدة ‌(1).‌ "وبعد‌ذلؾ‌يبيّف‌سبحانو‌الأعماؿ‌الصالحةالتّي‌استحؽّ‌بي ا‌ىؤلاء‌الأبرار‌حسف‌الثّواب‌منو‌ واستحقوا‌بيا‌نعيـ‌ الجنّة‌وتوقّوا‌بيا‌عذاب‌النار,‌وىي‌أمور‌ثلبثة‌آخذ‌بعضيا‌بحجز‌بعض‌ومتلبقية‌ في‌معناىا‌ومغزاىا:‌ ‌ الأوّؿ :‌أنيـ‌ىاجروا‌وأخرجوا‌مف‌ديارىـ,‌فيـ‌ىجروا‌مغانييـ‌ التّي‌تربّوا‌فييا‌غير‌راغبيف‌ولا‌محبّيف‌ لمخروج‌بؿ‌مُمجئيف‌مُضطرّيف.....‌فمف‌الناس‌مف‌يخرج‌مف‌ديار‌الشرؾ‌أو‌الكفر‌مختارً‌ا‌ليكوف‌قوة‌ لأىؿ‌الإسلبـ,‌ومنيـ‌مف‌يخرج‌اضطيادً‌ا‌وا يذاءً‌كما‌فعؿ‌كفّار‌اليوـ‌باللبجئيف. ‌ والثّاني: ىو‌أنيـ‌تحمموا‌الأذى‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌تعالى,‌فيـ‌أوذوا‌في‌مكة‌قبؿ‌اليجرة,‌واستمرّ‌الإيذاء‌ بعدىا,‌و‌ كؿ‌ذلؾ‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌وفي‌سبيؿ‌ الحؽّ‌‌وا علبئو‌وجعؿ‌كممتو‌ىي‌العميا‌وكممة‌الباطؿ‌ىي‌ السفمى,‌وأف‌يزكّي‌الخير‌فييـ,‌فإنيـ‌ما‌أخرجوا‌مف‌ديارىـ‌وىجروا‌أحبّاءىـ‌وذوييـ‌إلا‌في‌سبيؿ‌ا﵀.‌ والثّالث:‌أنيـ‌قاتموا‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌تعالى‌فجاىدوا‌الأعداء‌واستشيدوا‌في‌ىذا‌القتا ؿ,‌فميـ‌فضلبف:‌ فضؿ‌القتاؿ‌والتقدـ‌وفضؿ‌الاستمرار‌فيو‌والشيادة‌في‌سبيؿ‌ الحؽّ‌"‌(2).‌ (1)‌انظر:‌"بياف‌المعاني-‌لعبد‌القادر‌العاني‌(5/448.) (2)‌"زىرة‌التفاسير -‌لأبي‌زىرة‌( 3/1556.‌)

عدد الصفحات ٤٤

)884( وقد‌بيّف‌سبحانو‌جزاء‌ىؤلاء‌المياجريف‌والذيف‌أوذوا‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌والذيف‌قاتموا‌وقتموا,‌فقد وعدىـ‌ا﵀‌تعالى‌بالأجر‌العظيـ‌وذلؾ‌بأف‌يمحو‌عنيـ‌ما‌ارتكبوه‌مف‌سيّئات‌وأف‌يستر‌عمييـ‌حتّى‌ تعتبر‌ىذه‌الذنوب‌نسيً‌ا‌منسيً‌ا,‌وكذلؾ‌سوؼ‌يدخميـ‌جنّات‌تجري‌مف‌تحت‌قصورىا‌الأنيار‌التّي‌فييا‌ العسؿ‌مصفّى‌وفييا‌ما‌تشتييو‌الأنفس‌وتمذ‌الأعيف.‌ وسوؼ‌يثيبيـ‌ثوابً‌ا‌عظيمً‌ا‌مف‌عنده,‌فيو‌--‌عنده‌حسف‌الجزاء‌لمف‌آمف‌وعمؿ‌صالحًا,‌ فا﵀‌سبحانو‌قد‌منح‌ىؤلاء‌الأخ يار‌الأجر‌الجزيؿ‌لأنيـ‌قد‌ىاجروا‌مف‌ الأرض ‌التّي‌أحبوىا‌ إلى‌غيرىا‌ مف‌أجؿ‌إعلبء‌كممة‌ا﵀‌وأخرجوا‌منيا‌مضطريف‌لا‌مختاريف‌فرارً‌ا‌بدينيـ‌ولأنّيـ‌قد‌تحمّموا‌الأذى‌في‌ سبيؿ‌ا﵀,‌ولأنيـ‌قد‌جاىدوا‌أعداء‌ا﵀‌ حتّى‌استشيدوا‌وىـ‌يقاتموف‌مف‌أجؿ‌إعلبء‌كممتو ‌(1).‌ حقًا‌إفّ‌نشر‌ الدّعوة‌يحتاج‌إلى‌رجاؿ‌يتحمموف‌أي‌أذى‌يصبّ‌عمييـ‌مف‌كؿ‌مف‌يخالفيـ,‌ ويحتاج‌قموبً‌ا‌واثقة‌بنصر‌ا﵀‌وجنتو,‌فلب‌تميف‌عزائميـ‌لأذىً‌أو‌كلبـٍ‌سمعوه,‌لأنيـ‌سمعوا‌كلبـ‌ ربّيـ‌ فاطمأنّت‌قموبيـ,‌وتذكروا‌عذاب‌ا﵀‌فصبروا‌عمى‌عذاب‌قوميـ.‌ انًطهةٌانتّاصغٌ:ٌالإحصاسٌفٌٍصثُمٌالله.ٌ إفّ‌المحصريف‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌ليـ‌الجزاء‌العظيـ‌والأجر‌والثّواب‌مف‌ا﵀‌تعالى‌فيـ‌حصروا‌ أنفسيـ‌﵀‌وبا﵀‌فجازاىـ‌ا﵀‌أحسف‌الجزاء‌ودعا‌كؿّ‌عباده‌المؤمنيف‌إلى‌مساعدتيـ‌ونصرتيـ‌وذلؾ‌في‌ قولو‌تعالى:‌‌ٌٍِْفُمَشَاءاٌزّّٓ ؤُدصِشًُاْ فِِ عَجًِِْ اٌٍّوِ َٙ َّغْزَؽِْؼٌَُْ ظَشْثًب فِِ إسض َّذْغَجُيُُُ اٌْجَبىًُِ ؤَغْنَِْبء َِِٓ اٌزَّؼَفُّفِ رَؼْشِفُيُُ ثِغَِّْبىُُْ َٙ َّغْإٌٌََُْ اٌنَّبطَ بٌِْذَبفًب ًََِب رُنفِمٌُاْ ِِْٓ خَْْشٍ فَةَِّْ اٌٍّوَ ثِوِ ػٌٍَُِْ ‌(البقرة 273.)‌ في‌ىذه‌الآية‌يخصّ‌--‌طائفة‌مف‌المؤمنيف‌ىي‌أولى‌الناس‌بالعوف‌والمساعدة,‌ووصؼ‌ ىذه‌الطائفة‌بعدة‌صفات‌مف‌شأنيا‌أف‌تحمؿ‌العقلبء‌عمى‌المسارعة‌في‌إكراـ‌أفرادىا‌وسدّ‌حاجتيـ,‌ فقد‌وصفيـ‌ا﵀‌تعالى‌بالفقراء‌ووجّو‌المؤمنيف‌إلى‌أف‌يجعموا‌نفقتيـ‌وصدقتيـ‌ليؤلاء‌الفقراء‌ووصفيـ‌ كذلؾ‌بأنيـ‌محصوروف‌في‌س بيؿ‌ا﵀,‌فيـ‌ الذّيف‌حبسوا‌أنفسيـ‌لمجياد‌أو‌العمؿ‌في‌مرضات‌ا﵀‌ كطمب‌العمـ,‌إذ‌لو‌اشتغموا‌بالكسب‌مثؿ‌غيرىـ‌لتعطمت‌المصمحة‌العامة,‌فيـ‌فداء‌الأمة‌وحماتيا,‌ قادتيا‌الموجيوف‌ليا‌في‌وقت‌السمـ‌والحرب,‌وفي‌الشدة‌والأزمة‌أو‌المحنو,‌والرفاه‌والسعادة,‌فقد‌نزلت‌ (1)‌انظرالكشؼ‌والبياف‌عف‌تفسير‌القرآف"‌ -‌لمثعمبي‌(3/235),‌"أوضح‌التفاسير-‌لمحمد‌الخطيب‌(1/88.)

عدد الصفحات ٤٥

)885( ىذه‌الآية‌في‌أىؿ‌الصفة:‌وىـ‌فقراء‌المياجريف‌ الذّيف‌كانوا‌حوالي‌أربعمائة‌رجؿ,‌وكانوا‌مرابطيف‌في‌ سقيفة‌المسجد‌يتعمّموف‌القرآف ‌في‌الميؿ‌ويجاىدوف‌في‌النيار‌(1).‌ وقولو‌سبحانوفِِ عَجًِِْ اٌٍّوِ‌تكريـ‌وتشريؼ‌ليـ,‌أي‌أفّ‌ما‌نزؿ‌بيـ‌مف‌فقر‌واحتياج‌كاف بسبب‌ايثارىـ‌إع لبء‌كممة‌ا﵀‌عمى‌أي‌شيء‌آخر,‌ففي‌سبيؿ‌ا﵀‌ىاجروا,‌وفي‌سبيؿ‌ا﵀‌تركوا‌أمواليـ‌ فصاروا‌فقراء,‌وفي‌سبيؿ‌ا﵀‌وقفوا‌أنفسيـ‌عمى‌الجياد,‌وفي‌سبيؿ‌ا﵀‌أصابيـ‌ما‌أصابيـ‌وىـ‌ يطمبوف‌أداء‌ما‌كمفيـ‌سبحانو‌بأدائو‌(2).‌ ومف‌صفاتيـ‌كذلؾ‌أنيـ‌عاجزوف‌عف‌الكسب‌لا‌يستطيعوف ‌ضربً‌ا‌في‌ الأرض ,‌أي‌لا‌ يتمكنوف‌مف‌القياـ‌بالسّفر‌أو‌السير‌في‌البلبد‌لمتجارة‌والكسب‌وعجزىـ‌لأسباب‌عديدة‌منيا:‌الكبر‌ والشيخوخة‌ومنيا‌المرض‌والخوؼ‌مف‌العدو‌ونحو‌ذلؾ‌مف‌الضرورات. ‌ بعد‌ذلؾ‌يصفيـ‌سبحانو‌بإظيار‌العفة‌والترفع‌عف‌الطمع‌مما‌في‌أيدي‌الناس‌ حتّى‌إف‌ الجاىؿ‌لحقيقة‌حاليـ‌يظنيـ‌أغنياء‌لعفّتيـ‌وصبرىـ‌وقناعتيـ‌وتعفّفيـ‌في‌لباسيـ‌وحاليـ‌ومقاليـ,‌وليـ‌ صفات‌تلبزميـ‌وقرائف‌مميزة‌ليـ‌فيعرفوف‌بسيماىـ‌وعلبماتيـ,‌والتعرؼ‌عمييـ‌يحتاج‌ إلى‌فراسة‌ المؤمف‌وخبرة‌المجرب‌وحنكة‌ذوي‌البصيرة‌والتحري‌عنيـ‌بالسؤاؿ‌لمف‌يعرفيـ‌مف‌جير‌ اف‌وأقارب‌لربما‌ يُستأنس‌بمظاىر‌الضمور‌والنحوؿ‌والضعؼ‌ورثاثة‌الثياب,‌وربما‌لا‌يكوف‌ذلؾ‌دليلبً‌‌مقنعً‌ا‌فقد‌يتظاىر‌ بعضيـ‌بالفقر,‌وقد‌يكتسي‌بعضيـ‌المباس‌المعقوؿ‌لعزة‌نفسيـ‌ويكوف‌ىو‌المحتاج‌وغيره‌ىو‌الكاذب,‌ وقد‌ذكر‌القرآف ‌الكريـ‌أف‌مف‌شدّة‌تعففيـ‌أصبح‌التّعفّؼُ‌ صفة‌ثابتة‌ليـ,‌فيـ‌لا‌يسألوف‌الناس‌إلحافً‌ا‌ ولا‌غير‌إلحاؼ,‌فيـ‌متعففوف‌عف‌المسألة‌عفة‌تامة ‌(3).‌ ويقوؿ‌الأستاذ‌سيد‌قطب:‌"والنّص‌عاـ,‌ينطبؽ‌عمى‌سواىـ‌في‌جميع‌الأزماف,‌ينطبؽ‌عمى الكراـ‌المعوزيف,‌ الذّيف‌تكتنفيـ‌ظروؼ‌تمنعيـ‌مف‌الكسب‌قيرً‌ا,‌وتمسؾ‌بيـ‌كرامتيـ‌أف‌ي سألوا‌العوف,‌ إنيـ‌يتجمموف‌كي‌لا‌تظير‌حاجتيـ‌يحسبيـ‌الجاىؿ‌بما‌وراء‌الظواىر‌أغنياء‌في‌تعففيـ,‌ولكف‌ذا‌ (1)انظر‌:‌"النّكت‌والعيوف-‌لمماوردي‌( 1/347),‌"فتح‌البياف‌في‌مقاصد‌القرآف -لأبي‌الطيب‌القنوجي‌(2/135.) (2)انظر‌:‌"التفسير‌الوسيط-‌لطنطاوي‌( 1/627.) (3)انظر‌:‌"البحر‌المديد‌في‌تفسير‌القرآف‌المجيد"‌ -‌لابف‌عجيبة‌(1/306)‌,‌"لطائؼ‌الإشارات -لمقشيري‌( 1/210‌) .

عدد الصفحات ٤٦

)886( الحس‌المرىؼ‌والبصيرة‌المفتوحة‌يدرؾ‌ما‌وراء‌التّجمؿ,‌فالمشاعر‌النفسية‌تبدو‌عمى‌سيماىـ‌وىـ يدارونيا‌في‌حياء,‌إنيا‌صورة‌عميقة‌الإيحاء‌تمؾ‌ التّي‌يرسميا‌النص‌ال قصير‌لذلؾ‌النموذج‌الكريـ,‌ وىي‌صورة‌كاممة‌ترتسـ‌عمى‌استحياء,‌وكؿ‌جممة‌تكاد‌تكوف‌لمسة‌ريشة,‌ترسـ‌الملبمح‌والسمات,‌ وتشخص‌المشاعر‌والانفعالات" ‌(1).‌ ويختـ‌سبحانو‌الآية‌بتحريض‌المؤمنيف‌عمى‌البذؿ‌والسّخاء‌وترقية‌النفس‌عمى‌الشعور‌بمراقبة ا﵀,‌وعمى‌محبة‌فعؿ‌الخير, ‌فما‌ينفقو‌ىؤلاء‌المؤمنوف‌عمى‌المحصريف‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌سواءً‌كاف‌ المنفَؽ‌قميلبً‌‌أـ‌كثيرً‌ا,‌سر ‌ا‌أـ‌عمنً‌ا‌فإفّ‌ا﵀‌يعممو‌وسيجازيكـ‌عميو‌بأجزؿ‌الثّواب‌وأعظـ‌العطاء ‌(2).‌ بعد‌ىذا‌نجد‌أفّ‌العبد‌الصّادؽ‌في‌إيمانو‌ينصر‌ا﵀ --‌وينصر‌عباده‌المخمصيف المتفرغيف‌لجياد ه,‌فنصرة‌ىؤلاء‌ولو‌بالقميؿ‌ىي‌نصرة‌﵀‌ --‌وليا‌أجرىا‌العظيـ‌وثوابيا‌الجزيؿ ‌ انًطهةٌانؼاشش:ٌاتّثاعٌصثُمٌالله.ٌ إفّ‌سبيؿ‌ا﵀‌تعالى‌ىو‌ السّبيؿ‌الحؽّ‌,‌ويمزـ‌كؿ‌إنساف‌أف‌يتّبعو,‌فالإنساف‌المؤمف‌لا‌يتوانى‌ عف‌المحاؽ‌بركب‌الصالحيف‌و‌ اتّباع‌سبيؿ‌ا﵀,‌لأنو‌موقف‌أنّو‌الطّريؽ‌الصّحيح‌الموصؿ‌لمجناف‌المبعد‌ عف‌النّيراف,‌وقد‌دعا‌سبحانو‌إلى‌اتّباع‌سبيمو‌في‌قولو‌تعالى:  لًُْ َِب ؤَعْإٌَُىُُْ ػٍََْْوِ ِِْٓ ؤَجْشٍ بٌَِّب َِٓ ؽَبء ؤَْ َّزَّخِزَ بلى سثّو عَجًٍِْب (الفرقاف 57.)‌ في‌ىذه‌الآية‌الكريمة‌يأمر‌ا﵀‌سبحانو‌نبيّو‌محمدً‌ا‌--‌ويقوؿ‌لو:‌قؿ‌ليـ‌يا‌أكرـ‌الخمؽ حقيقةً‌وأعدليـ‌طريقة‌محتج ‌ا‌عمييـ‌لإزالة‌ما‌يكوف‌موضعً‌ا‌لمتيمة:‌‌فقد‌قالوا‌وأشاروا‌وصرّحوا‌أنّو‌يريد‌ سيادة‌دنيويّة‌في‌جاهٍ‌يبتغيو‌أو‌ماؿٍ‌يتموّلو,‌فالنبيّ‌ --‌ىو‌الذي‌يتولى‌الردّ‌وىوأنّو‌لا‌يسأليـ‌عمى‌ ىذا‌الإرشاد‌ والتوجيو‌الذي‌يدعوىـ‌بو‌ إلى‌ترؾ‌الأوثاف‌وعبادة‌ا﵀‌تعالى‌وحده‌أي‌أجر‌وا ف‌فائدة‌ىذه‌ الدّعوة‌لكـ‌إذا‌اىتديتـ‌وتعود‌عميكـ‌بالعقاب‌إف‌كفرتـ. ‌ ولكنو‌استثنى‌مف‌الأجر‌واحدً‌ا‌فيو‌لا‌يسأليـ‌أجرً‌ا‌يدفعونو‌أو‌يؤدونو‌إلا‌ابتغاء‌مف‌شاء‌أف‌ يتخذ‌إلى‌ربّو‌منياجً‌ا‌مستقيمً‌ا‌وطريقً‌ا‌موصلبً‌‌إلى‌ربّو,‌فإف‌ذلؾ‌ىو‌الأجر‌الذي‌يبتغيو‌وىو‌نعـ‌الأجر‌ (1)"في‌ظلبؿ‌القرآف -‌(1/316.‌) (2)انظر‌:‌"البحر‌المحيط‌في‌التفسير-‌لأبي‌حيّاف‌الأندلسي‌(2/700.)

عدد الصفحات ٤٧

)887( ونعـ‌الجزاء,‌فيكوف‌الكلبـ‌دالاً‌عمى‌مطمبو‌--‌ودالاً‌عمى‌شرؼ‌الغاية‌ التّي‌يبتغييا,‌فميس‌يطمب‌ مالاً‌‌ولا‌جاىً‌ا‌ولكف‌يطمب‌ىداية‌وتوفيقً‌ا‌وا رشادً‌ ا,‌فاتخاذ‌سبيؿ‌ا﵀‌ىو‌المطمب‌والغاية‌وموضع‌ال دعاية‌ والدعوة ‌(1).‌ ويقوؿ‌أبو‌زىرة:‌"وفى‌قولو‌تعالى بٌَِّب َِْٓ ؽَبءَ ؤَْْ َّزَّخِزَبلى سثّو عَجًٍِْب‌إشارات‌بيانية‌ثلبث ‌ الأولى:‌التعبير‌بقولو:‌ َِٓ ؽَبءَ ‌إشارة إلى‌أف‌الثّواب‌لاَ‌يكوف‌إلا‌بالإرادة‌الحرة‌المختارة,‌إذ‌ىي‌ أساس‌التّكميؼ.‌ الثانية:‌التعبير ‌بقولو:‌ َّزَّخِزَبلى سثّو عَجًٍِْبالتعبير‌بالرب‌توجيو إلى‌أنّو‌الخالؽ‌المربي‌القائـ‌عمى‌ الخمؽ,‌ففي‌ذلؾ‌دعوة‌للب تّباع‌المدرؾ,‌شكرا‌لنعمة‌المَّو‌تعالى‌عميو.‌ الثالثة:‌وصؼ‌اليداية‌بأنيا‌اتخاذ‌السّبيؿ؛‌لأنو‌المنياج,‌وىو‌ عَجًٍِْب,‌وكاف‌التنكير‌لبياف‌أفالسّ‌بيؿ‌ المطموب‌ىو‌ما‌كاف‌إلى‌المَّو‌تعالى"‌(2).‌ فيوجّو‌ا﵀‌تعالى‌عبادهإلى‌اتخاذ‌سبيمو‌فيقوؿ‌ليـ‌انظروا‌ إلى‌المنيج‌الذي‌جاءكـ‌بو‌نبيكـ‌ الكريـ‌ --وكيؼأنّو‌يريحكـ‌مع‌أنفسكـ,‌ويريحكـ‌مع‌المجتمع,‌ويريحكـ‌مع‌ربكـ‌ --,‌ويريحكـ مف‌شرور‌أنفسكـ‌ومف‌شرور‌النّاس‌جميعً‌ ا,‌فمنيج‌ا﵀‌وسبيمو‌الذّي‌جاء‌بو‌النبيّ‌ --‌يحرس الإنساف‌ويحميو‌في‌نفسو‌ومالو‌وفي‌عرضو‌وفي‌كؿّ‌ما‌يممؾ,‌ولا‌يحميو‌مف‌فئة‌معينة‌ إنّما‌يحميو‌ مف‌النّاس‌أجمعيف,‌بؿ‌إفّ‌ىذه‌حماية‌منيج‌ا﵀‌وسبيمو‌لؾ‌لا‌تقتصر‌عمى‌ الدّنيا‌وا نّما‌تتعدى‌ إلى‌ الآخرة‌فتحميو‌فييا‌حماي ة‌ممتدّة‌لا‌نياية‌ليا‌(3).‌ فالواضح‌مف‌كؿّ‌ىذا‌أفّ الرّسوؿ‌--‌لا‌يطمب‌عمى‌تبميغ‌الرسالة‌مف‌الأمواؿ‌أجرًا‌إلا‌أنّو‌ يطمب‌المنزلة‌عند‌ا﵀‌تعالى‌بالإيماف‌والطاعة‌كما‌يدعو‌إلييما,‌وكذلؾ‌مف‌شاء‌أف‌ينفؽ‌أموالو‌ ليتقرّب‌إلى‌ربّو‌بالصدقة‌والإنفاؽ‌في‌الجياد‌والتطوعا ت‌وغيرىا‌ويتّخذ‌إلى‌ربّو‌طريقً‌ا‌يؤدّي‌بو‌إلى‌ (1)انظر‌:‌"مراح‌لبيد‌لكشؼ‌معنى‌القرآف‌المجيد -‌لمحمد‌بف‌عمر‌نووي‌ الجاوي‌( 2/137.) (2)زىرة‌التفاسير -‌(1/5304.‌) (3)انظر‌:‌"تفسير‌الشعراوي -‌لمشعراوي‌( 17/10479.)

عدد الصفحات ٤٨