034 |محمد رسول اﷺ قالَ: ثم دعا بكتابِ رسولِ اللهِ ﷺ فقرأهُ فيهِ: «بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ من محمدٍ رسولِ اللهِ إلى هرقل عظيمِ الرومِ سلامٌ على منِ اتبعَ الهدى أما بعدُ فذني أدعوكَ بدعايةِ الإسلامِ، أسلمْ تسلَمْ، وأسلِمْ يؤتِكَ اللهُ أجركَ مرتين، وإنْ توليتَ فذنَّ عليكَ إثمَ الأريسيين (1)، و﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﴾»(2)، فلما فرغَ من قراءةِ الكتابِ ارتفعتِ الأصواتُ عندَهُ وكثرَ اللغطُ وأُمرَ بنا فأُخْرِجْنَا. قالَ: فقلتُ لأصحابي حين خرجنا لقد أَمِر (3) أمرُ ابنِ أبي كبشةَ (4)، إنه ليخافهُ مَلِكُ بني الأصفر، قالَ: فما زلتُ موقنًا بأمرِ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ سيظهرُ حتى أدخلَ اللهُ عليَّ الإسلامَ. (1) الأريسيون: الفلاحون (2) رواه البخاري0522)، ومسلم3355.) (3) أمِرَ: عظم (4) ابن أبي كبشة: وهذه كنية جده لأمه (وهب). قالوا ذلك: عداوة له؛ فنسبوه إلى نسب غير نسبه المشهور
عدد الصفحات ١٣٥محمد رسول اﷺ|035 4-نموذج لتعرف ملك من ملوك الحبشة على محمد رسول اﷺ وفي حديثِ هجرةِ صحابةِ رسولِ اللهِ محمدٍ إلى الحبشةِ بعدَ ما تعرضوا له من الأذى والتضييقِ ذكرٌ لما تنطوي عليه دعوةُ نبيِّ اللهِ محمدٍ ﷺ من محاسنِ الأخلاقِ، ومراعاةِ الحقوقِ الإنسانيةِ، والبرِّ بالآخرينَ وذلك ما لخصهُ الصحابيُّ جعفرُ بنُ أبي طالبٍ لملكِ الحبشةِ وقتئذٍ (النجاشيِّ) حينَ سألَهُ عن دينهِ وما يدعو إليه. فقالَ: ما هذا الدِّينُ الذي فارقتُم فيه قومكم ولم تدخلُوا في ديني ولا في دينِ أحدٍ من هذه الأُممِ؟ فكانَ الذي كلمهُ جعفرُ بن أبي طالب فقالَ لهُ: أنُّّا الملكُ كنا قومًا أهلَ جاهليةٍ نعبدُ الأصنامَ، ونأكلُ الميتةَ ونأتي الفواحشَ، ونقطعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجوارَ، يأكلُ القويُّ منا الضعيفَ، فكنَّا على ذلك حتى بعثَ اللهُ إلينا رس ولاً منا نعرفُ نسبهُ وصدقهُ وأمانتهُ وعفافهُ فدعانا إلى اللهِ لنوحدَهُ، ونعبدَهُ، ونخلعَ ما كنا نعبدُ نحن وآباؤنا من دونهِ من الحجارةِ والأوثانِ، وأمرَنا بصدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصلةِ الرحمِ، وحُسنِ الجوارِ، والكفِّ عن المحارمِ والدماءِ، ونهانا عن الفواحشِ، وقولِ الزورِ، وأكلِ مالِ اليتيمِ، وقذفِ المُحصنةِ، وأمرنا أن نعبدَ اللهَ وحدَهُ لا نُشركُ به شيئًا، وأمرنا بالصلاةِ والزكاةِ، والصيامِ. فعدَّد عليه أمورَ الإسلام، ثمَّ قال: فصدقْناه وآمنَّا به واتبعنَاه على ما جاءَ به فعبَدنا اللهَ وحدَه فلم نُشر كْ به شيئًا وحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأحللْنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومُنا فعذَّبونا، وفتنونا عن ديننا ليرُدونا إلى عبادةِ الأوثانِ من عبادةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وأنْ نستحِلَّ ما كنا نستحِلُّ من الخبائثِ، فلما قهرونا وظلمونا، وشقُّوا
عدد الصفحات ١٣٦036 |محمد رسول اﷺ علينا، وحالوا بيننا وبينَ ديننا، خرجنا إلى بلدِكَ واخترناكَ على من سواكَ ورغبنا في جوارِكَ، ورجونا أنْ لا نُظلمْ عندكَ أنُّّا الملكُ. فقالَ له النجاشيُّ: هل معك مما جاءَ به عن اللهِ من شيءٍ؟ فقالَ له جعفرُ: نعم. فقالَ له النجاشيُّ: فاقرأهُ عليَّ فقرأَ عليه صدرًا من ﴿ﭑ﴾ [، فبكى واللهِ النجاشيُّ حتى أخضلَ لحيتهُ، وبكتْ أساقفتهُ حتى أخضلوا مصاحفَهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قالَ النجاشيُّ: إنَّ هذا واللهِ والذي جاءَ به موسى ليخرجُ من مشكاةٍ واحدةٍ، انطلقا فواللهِ لا أسلمُهم إليكم أبدًا ولا أكادُ (1). (1) رواه أحمد في المسند5602.)
عدد الصفحات ١٣٧محمد رسول اﷺ|037 5-نموذج لتعرف أحد كبار أحبار اليهود على محمد رسول الله ﷺ وهذا أيضًا زيدُ بن سَعْنَةَ أحدُ كبارِ أحبارِ اليهودِ أرادَ أنْ يعرفَ صدقَ النبيِّ ﷺ فاختبرَهُ في أخلاقِهِ مع الناسِ بل مع المخالفينَ له في عقيدتِهِ، فلم يملكُ إلا أنْ يعترفَ بنبوتِهِ ويكونَ أحدَ أتباعِهِ المؤمنينَ به. عن عبدِ الله بن سلاَمٍ قالَ: إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لما أرادَ هُدى زيدِ ابنِ سَعنةَ قالَ زيدُ بنُ سعنةَ: إنه لم يبقَ من علاماتِ النبوةِ شيءٌ إلا وقد عرفتُها في وجهِ محمدٍ ﷺ حينَ نظرتُ إليه إلا اثنتينِ لم أَخبرُهما منه: يسبقُ حلمُه جَهلَهُ، ولا يزيدُه شدَّ ةُ الجهلِ عليه إلا حِلماً، فكنتُ أتلَطَّفُ لأنْ أخالِطَهُ فأعرفَ حلمَهُ وجهلَهُ. قالَ: فخرجَ رسولُ اللهِ ﷺ يومًا من الحجُراتِ، ومعه عليُّ بنُ أبي طالبٍ، فأتاه رجلٌ على راحلتِهِ كالبدويِّ. فقالَ: يا رسولَ اللهِ، قريةُ بني فلانٍ قد أسلموا، ودخلوا في الإسلامِ ، وكنتُ أخبرتهُم أنهْم إنْ أسلموا أتاهم الرزقُ رَغَدًا، وقد أصابهم شدَّةٌ وقحطٌ من الغيثِ، وأنا أخشى يا رسولَ اللهِ أنْ يخرجوا من الإسلامِ طمعًا كما دخلوا فيه طمعًا، فإنْ رأيتَ أن تُرسلَ إليهم من يُغيثهم به فعلتَ. قالَ: فنظرَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى رجلٍ جانبه - أُراه عمرَ -. فقالَ: ما بقي منه شيءٌ يا رسول َ اللهِ. قالَ زيدُ بن سعنةَ: فدنوتُ إليه، فقلتُ له: يا محمدُ، هل لك أنْ تبيعني تمرًا معلومًا من حائطِ بني فلانٍ إلى أجلِ كذا وكذا؟
عدد الصفحات ١٣٨038 |محمد رسول اﷺ فقالَ: «لا يا يهوديُّ، ولكنْ أبيعُكَ تمرًا معلومًا إلى أجلِ كذا وكذا، و أُسمي حائطَ بني فلانٍ ». قلتُ: نعم، فبايعنَي، فأطلقتُ همِْيا (1)، فأعطيتُهُ ثمانينَ مِثقالاً من ذهبٍ تمرٍ معلومٍ إلى أجلِ كذا وكذا. قالَ: فأعطاها الرجلَ، وقالَ: «اعْجَلْ عليهم، وأغثهم بها ». قالَ زيدُ بن سَعْنةَ: فلما كانَ قبلَ محلِّ الأجلِ بيومين أوثلاثةٍ خ رجَ رسولُ الله ﷺ في جنازةِ رجلٍ من الأنصارِ، ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ ونفرٍ من أصحابِهِ، فلما صلىَّ على الجنازةِ دنا من جِدارٍ، فجلسَ إليه، فأخذتُ بمجامعِ قميصِهِ، ونظرتُ إليه بوجهٍ غليظٍ. ثم قلتُ: ألاَ تقضيني يا محمدُ حقِّي؟ فواللهِ ما علمتُكم بني عبد المطلبِ لمُطْلٌ ٍ، ولقد كانَ لي بمخالطَتِكم عِلمٌ. قالَ: ونظرتُ إلى عمرَ بنِ الخطابِ، وعيناه تدورانِ في وجههِ كالفلكِ المستديرِ، ثم رماني ببصرهِ. وقالَ: أيْ عدوَّ اللهِ، أتقولُ لرسولِ اللهِ ﷺ ما أسمعُ، وتفعلُ به ما أرى؟ فوالذي بعثه بالحقِّ، لولا ما أحاذرُ ف وتَهُ لضِبتُ بسيفي هذا عنقَكَ. ورسولُ الله ﷺ ينظرُ إلى عمرَ في سكونٍ وتُؤَدةٍ. ثمَّ قالَ: «إنَّا كنا أحوجَ إلى غيِِّ هذا منك يا عمرُ، أنْ تأمرني بحسنِ الأداءِ، وتأمرَه بحسنِ الت باعةِ (2)، اذهبْ يا عمرُ فاقضِهِ حقَّه، وزدْهُ عشرينَ صاعًا من غيِِّهِ مكانَ ما رُعته ». (1) همياني: أي كيس النقود يشد به الوسط. (2) التِّباعةِ: أي الطلب
عدد الصفحات ١٣٩محمد رسول اﷺ|039 قالَ زيدٌ: فذهبَ بي عمرُ، فقضاني حقِّي، وزادني عشرينَ صاعًا من تمرٍ، فقلتُ: ما هذه الزيادةُ؟ قالَ: أمرني رسولُ اللهِ ﷺ أن أزيدَكَ مكانَ ما رُعتُكَ. قلتُ: أتعرفُني يا عمرُ؟ قالَ: لا، منْ أنت؟ قلتُ: زيدُ بنُ سَعْنةَ. قالَ: الحَبرُ؟ قلتُ: نعم الحَبرُ. قال: فما دَعَاك أنْ تقولَ لرسولِ اللهِ ﷺ ما قلتَ، وتفعلَ به ما فعلتَ؟ فقلتُ: يا عمرُ، كلُّ علاماتِ النبوةِ قد عرفْتُها في وجهِ رسولِ اللهِ ﷺ حين نظرتُ إليه إلا اثنتينِ، لم أختبرهما منه: يسبق حلمُهُ جهلَهُ، ولا يزيدُه شدَّة الجهل عليه إلاحلماً، فقد اختبر تهُما، فأُشهدُك يا عمرُ أني قد رضيتُ باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ ﷺ نبيًّا، وأُشهدُكَ أنَّ شطرَ مالي - فإني أكثرها مالاً - صدقةٌ على أمةِ محمدٍ ﷺ. فقالَ عمرُ: أو على بعضِهم؛ فإنَّك لا تسعُهم كلَّهم. قلتُ: أو على بعضِهم. فرجَعَ عمرُ وزيدٌ إلى رسو لِ اللهِ ﷺ. فقالَ زيدٌ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولهُ ﷺ. فآمنَ به وصدَّقهُ، وشهِدَ مع رسولِ اللهِ ﷺ مشاهدَ كثيرةً، ثم تُوفيِّ في غزوةِ تبوكِ، مقبلاً غيرَ مُدبرٍ (1). (1) رواه ابن حبان522.)
عدد الصفحات ١٤٠041 |محمد رسول اﷺ القسم الأول: محمد رسول الله ﷺ والحقوق كانَ العربُ قبلَ بعثةِ ا لرسولِ ﷺ قبائلَ متفرقةً، يقتلُ بعضُهم بعضًا ويَسْبي بعضُهم بعضًا، وكانَ الاستبدادُ هو القانونَ المسيطرَ على تلك القبائلِ، ولم يكنِ الناسُ سواءً في تلك الحِقبةِ، بل كانَ السادةُ يتمتعون بكافةِ الحقوقِ، أما العبيدُ فلم تكنْ لهم أدنى حقوقٍ، لأنهم ملكٌ لأسيادِ هم. أما المرأةُ فقد كانتْ مسلوبةَ الحقوقِ، فهي مِلكٌ لأبيها وإخوتها الذكورِ، ثم تكونُ ملكًا لزوجها، ثم لورثتِهِ من بعدِهِ. هذا مع انتشارِ العاداتِ الجاهليةِ كالسلبِ والنهبِ وشيوعِ تجارةِ الرقيقِ والبغاءِ، ووأدِ البناتِ، وعبادةِ الأصنامِ وغيرِ ذلك. واجهَ رس ولُ اللهِ ﷺ كلَّ هذا الواقعِ المؤلمِ وجاءَ بمنهجٍ شاملٍ للحقوقِ لم تعرفْ البشريةُ له مثيلاً. فبعدَ أنْ دعا إلى عبادةِ اللهِ وحدَهُ قرَّرَ مبدأَ العدلِ بين الناسِ ، وأداء حقوقِ الإنسانِ ، وغيرِ الإنسانِ في كافةِ مجالاتِ الحياةِ. وتمتازُ حقوقُ الإنسانِ وغيرُها من الحقوقِ في الإسلامِ بأنها حقوقٌ ربَّانيةٌ لا يملكُ أحدٌ من البشرِ إلغاءَها أو التصرُّفَ فيها. كما أنها حقوقٌ متوازنةٌ بحيثُ لا يطغى فيها جانبٌ على جانبٍ آخر. وكذلك فإنها حقوقٌ شاملةٌ لكافةِ مراحلِ عمرِ الإنسانِ جنينًا وطفلاً وشابًا وكهلاً ومسنًّا، صحيحً ا ومريضًا.
عدد الصفحات ١٤١محمد رسول اﷺ|040 3-من حقوق الإنسان حقوق الإنسان كثيرة ومتنوعة، وقد أكدّ نبي الله محمد ﷺ على هذه الحقوق بقوله وفعله وتوجيهه بما أوحى الله تعالى إليه، وسوف نذكر بعضًا من هذه الحقوق، وهي: 1-حق الحياة وهي مكفولة للإنسان بدعوة النبي ﷺ والتأكيد عليها من خلال مناحٍ أبرزها: تحريمه القتل بغير حق، قال الله تعالى: ﴿ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﴾ [515]، وقد أكدّ النبي ﷺ على هذا الحق في خطبة الوداع قبل وفاته بأشهر بقوله: «إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا »(1)، وكذلك ريمه للانتحار، فقال: «من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذ ب به يوم القيامة »(2). 2-حق العدل: وقد أكد عليها رسول الله أيضًا في خطبة الوداع حين قال: «يا أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى »، والعدل صنو المساواة، ولهذا جاء خطابه للأمة: «إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي، وهو غيِّ متعتع»(3)، أي: لا يناله مكروه. 3-لا إكراه في الدين: فأكد على عدم إكراه أحد على الدخول في الإسلام، من خلال قول الله تعالى: ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾ [516]،كما أكد محمدﷺ على (1) رواه أحمد55325.) (2) رواه البخاري6407.) (3) رواه أحمد2121.)
عدد الصفحات ١٤٢042 |محمد رسول اﷺ حرية الاجتهاد في الشأن الدنيوي بما فيه المصلحة، فقال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» [. 4-حق الأمن وهذا يتضح من حرصه على عدم ترويع الناس وإخافتهم، فقال: «لا يحل لمسلم أن يروع مسل»(1)، وأمّن الناس على خصوصياتهم بقوله: «إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». 5-حق التعليم فقال ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم »، ولفظة «مسلم» تشمل الرجل والمرأة، وامتدح نساء الأنصار لكونهنَّ حريصاتٍ ع العلم فقال: «نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين » [. 6-حق العمل فللعامل الحق في اختيار مهنته، ومطالبته بالأجر المتفق عليه، والإبداع في العمل وإتقانه، فقال نبي الله محمد ﷺ: «خيِّ الكسب، كسب يد العامل إذا نصح »(2)، وقال «أعطوا الأجيِّ أجره قبل أن ف عرقه »(3)، وقال «إن ا يحب من العبد إذا عمل عملا أن يتقنه» [. 7-حق التملك وأخص ممتلكات الإنسان ماله، فقال ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» [، وامتدادا لحرصه على مصلحة الجميع يغفل النبي ﷺ حق المجتمع في تملك الأش ياء المشتركة بينهم فلا يستأثر بها أحد، فقال ﷺ: «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلَ، والنار» [. (1) رواه أبو داود0315)، وأحمد55226.) (2) رواه أحمد2464.) (3) رواه ابن ماجه5030.)
عدد الصفحات ١٤٣محمد رسول اﷺ|043 9-من حقوق المرأة لا شكَّ أنَّ المرأةَ هي نصفُ المجتمعِ كما أنها تلدُ النصفَ الآخرَ فهي إذنْ كلُّ المجتمعِ، وإذا كانتِ المرأةُ قد ظُلمتْ وأُهدرتْ ح قوقُها وامتُهنتْ كرامتُها في عصورٍ سبقتْ، فقد دافعَ النبيُّ ﷺ عن المرأةِ، ونصرَها، وأعطاها من الحقوقِ ما لم تكنْ تحلُمُ به، وحثَّ عليه الصلاةُ والسلامُ على الحبِّ والوفاءِ والتراحمِ والتغافرِ والتغاضي عن الهفواتِ بين الأزواجِ، حتى تقومَ بيوتُ الناسِ على أس سٍ قويةٍ، لا تستطيعُ عواصفُ المشكلاتِ أنْ تهدمَها أو تهزَّ أركانهَا، قال تعالى: ﴿ﯢ ﯣ﴾ [52]. والمعروفُ كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ خيرٍ وبرٍّ وإحسانٍ ولطفٍ ورفقٍ ورحمةٍ. وقالَ ﷺ: «اتقوا اللهَ في النساءِ، فذنكم أخذتموهن بأمانِ اللهِ، واستحللتم فروجهنَّ بكلمةِ اللهِ»(1). وعرَّفَ النبي ﷺ طبيعةَ المرأةِ، فأرشدَ إلى احتمالِ أخطائِها، فقال ﷺ: «استوصوا بالنساء خيًِّا »(2). وقالﷺ: «خيُِّكم خيُِّكم لأهلِهِ، - أي لزوجته - وأنا خيُِّكم لأهلَ »(3). (1) رواه مسلم5537.) (2) رواه البخاري (0727)، ومسلم5675.) (3) رواه الترمذي3234)، وابن ماجه5267.)
عدد الصفحات ١٤٤044 |محمد رسول اﷺ وقال ﷺ: «لا يفرُكْ مؤمنٌ مؤمنة - أي لا يبغضها - إنْ كَرِهَ منها خُلُقًا، رضَ منها آخرَ »(1). وبﷺ: إثمَ ظلمِ المرأةِ فقالَ: «إنَّ أعظمَ الذنوبِ ِ عند اللهِ رجلٌ تزوجَ امرأةً، فلما قضى حاجتَهُ منها طلقَها وذهبَ بمهرِهَا »(2). وكانَ النبي ﷺ مثالاً في الرقةِ وحسنِ العشرةِ مع زوجاتِهِ، قال مرةً لعائشةَ :«إني لأعرفُ غضبَكِ ورضاكِ »، قالتْ: كيفَ تعرفُ ذلك يا رسولَ اللهِ؟ قال: «إنك إذا كنتِ راضيةً قلتِ: بلى ورب محمدٍ، وإنْ كنتِ ساخطةً قلتِ: بلى ورب إبراهيمَ » فقالتْ: أجل، واللهِ إني لا أهجرُ إلا اسمَكَ (3). بهذه المشاعرِ الفياضةِ، والكلماتِ الرقراقةِ كانَ محمدٌ ﷺ يتعاملُ مع نسائِهِ ، وكنَّ رضيَ اللهُ عنهنَّ يبادلنه نفسَ الشعورِ. وفي إحدى السفرات تَسابقَ النبيُّ ﷺ مع عائشةَ ، قالتْ: سابقني رسولُ اللهِ ﷺ فسبقتهُ، وذلك قبلَ أنْ أحملَ اللحمَ، ثم سابقْتُهُ بعدما حملتُ اللحمَ فسبقني، فقال: «هذه بتلك»(4). (1) رواه مسلم5675.) (2) رواه الحاكم5703.) (3) رواه البخاري1650)، ومسلم0062.) (4) رواه أبو داود5550)، وأحمد51471.)
عدد الصفحات ١٤٥محمد رسول اﷺ|045 وأثَّمَ من اعتدى على حقِّ المرأةِ فقالَ ﷺ: «اللهمَّ إني أُحر جُ حقَّ الضعيف اليتيمِ، والمرأةِ »(1). وحثﷺ النساءَ على إرضاءِ أزواجهنَّ، فقالَ ﷺ: «ألا أخبرُكم بنسائِكم في الجنةِ؟» قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال «كلُّ ودودٌ، ولودٌ، إذا غضبتْ أو أُسيءَ إليها، أو غَضِبَ زوجُها قالتْ: ه ذه يدي في يدِكَ، لا أكتحلُ بغمضٍ حتى ترضى»(2). وحثَّ النبي ﷺ على إشباعِ الزوجةِ عاطفيًا فقال: «وفي بُضْعِ أحدكمْ صدقةٌ » - أي وفي إتيانِ الرجلِ زوجتَهُ صدقةٌ - قالوا: يا رسولَ اللهِ! أيأتي أحدُنا شهوتَه، ويكونُ له فيها أجرٌ؟ قال: «أرأيتم لو وضعَها في حرامٍ، أكانَ عليه وزرٌ؟ كذلك إذا وضعَها في حلالٍ كان له بها أجرٌ »(3). وأوجبَﷺ على الرجلِ أنْ ينفقَ على زوجتِهِ وأطفالِهِ، وجعلَهُ من أفضلِ ما أنفقَ، فقد قالَ النبيُّ ﷺ: «دينارٌ أنفقتَهُ في سبيلِ اللهِ، ودينارٌ أنفقتَه في رقبةٍ (4)، ودينارٌ تصدّقتَ به على مسكينٍ ، ودينارٌ أنفقتَهُ على أهلِكَ، أعظمُها أجرًا الذي أنفقتَهُ على أهلِكَ »(5). (1) رواه ابن ماجه3662)، وأحمد2522.) (2) رواه الطاني (5703.) (3) رواه مسلم5670.) (4) رقبة: أي تحرير رقبة (5) رواه مسلم5665.)
عدد الصفحات ١٤٦046 |محمد رسول اﷺ وقالَ ﷺ: «إنَّك لن تنفقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللهِ إِلا أُجرْتَ عليها، حتى ما تجعلُ في فمِ امرأتِكَ »(1). وقالَﷺ: «ما أطعمتَ نفسَكَ فهو لك صدقةٌ، وما أطعمتَ ولدَكَ فهو لك صدقةٌ، و ما أطعمتَ زَوْجَك فهو لك صدقةٌ، وما أطعمتَ خادمَكَ فهو لك صدقةٌ »(2). وقالَﷺ: «إنَّ الرجلَ إذا سقى امرأتَهُ من الماءِ أُجرَ ». قال العرباضُ: فأتيتُ امرأتي فسقيتُها، وحدَّثْتُها بما سمعتُ من رسولِ اللهِ ﷺ (3). (1) رواه البخاري6373)، ومسلم5652.) (2) رواه أحمد56114.) (3) رواه أحمد56152.)
عدد الصفحات ١٤٧محمد رسول اﷺ|047 1-من حقوق الوالدين والأقارب أمرَ النبيُّ ﷺ بالحفاظِ على العلاقاتِ الأسريةِ، وحذَّرَ من قطعِ حبالِ المودةِ بين الأرحامِ، أما الوالدانِ، فقد عظَّمَ الإسلامُ حقَّهما، وقرنَ حقَّهما بحقِّ اللهِ تعالى، فقالَ تعالى: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞ ﮟ﴾ [36]. وسُئل رسولُ اللهِ ﷺ: أيُّ العملِ أفضلُ؟ قالَ: «الصلاةُ على وقتِها» قيلَ: ثم أيُّ؟ قال: «برُّ الوالدين »(1). وجاء رجلٌ إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهادِ فقالَ له: «أحيٌّ والداك؟ » قالَ نعم، قالَ: «ففيهما فجاهدْ»(2). وجاءه رجلٌ فقالَ: جئتُ أبايعُك على الهجرةِ وتركتُ أبويَّ يبكيانِ، فقالَ «ارجعْ إليهما فأضحكْهما كما أب كيتَهما»(3). وأمرَ النبي ﷺ بصلةِ الآباءِ وإنْ كانوا على غيرِ دينِ الإسلامِ، فعن أسماءَ بنتِ أبي بكر قالتْ: قدمتْ عليَّ أمي وهي مشركةٌ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فاستفتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ قلتُ: قدمتْ عليّ أمي وهي راغبةٌ أفأصلُ أمي؟ قالَ: «نعم صِلَ أمكِ »(4). (1) رواه البخاري026)، ومسلم555.) (2) رواه البخاري5725)، ومسلم0653.) (3) رواه أحمد (6545)، وأبو داود5566)، والنسائي0423)، وابن ماجه5775.) (4) رواه البخاري5057)، ومسلم5675.)
عدد الصفحات ١٤٨048 |محمد رسول اﷺ أما عقوقُ الوالدينِ فهو من كبائرِ الذنوبِ، لقولِ النبيِّ ﷺ: «الكبائرُ: الإشراكُ باللهِ، وعقوقُ الوالدينِ، وقتلُ النفسِ، واليمينُ الغموسُ »(1). وقالَﷺ: «لعنَ اللهُ من سبَّ والديهِ »(2). أما صلةُ الأرحامِ فقد قالَ ﷺ: «منْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليصلْ رحمَهُ »(3). وقالﷺ: «أفضلُ الصدقةِ الصدقةُ على ذي الرَّحمِ الكاشحِ (4)»(5). وقالَﷺ لعقبةَ بنِ عامرٍ: «يا عقبةُ! صِلْ مَنْ قطعكَ، وأعطِ من حرمَكَ، وأعرِضْ - وفي رواية: واعفُ - عمنْ ظَلَمَكَ »(6). (1) رواه البخاري6525.) (2) رواه أحمد256.) (3) رواه البخاري1673.) (4) الكاشح: الذي يضمر العداوة في نفسه (5) رواه أحمد50725)، والدارمي5657.) (6) رواه أحمد (56626.)
عدد الصفحات ١٤٩محمد رسول اﷺ|049 4-من حقوق الأبناء دعا النبيُّ ﷺ إلى حسنِ التربيةِ والتنشئةِ للأبناءِ، حتى يكونوا شبابًا صالحين، ورجالاً مخلصين لدينهم ووطنِهم وأمتِهم. قالَ ﷺ: «ليسَ منا من لم يرحمْ صغيَِّنا، ويعرفْ شرفَ كبيِِّنا »(1). وقالَﷺ: «مُروا أبناءكم بالصلاةِ لسبعٍ، واضَبوهم (2) عليها لعشرٍ، وفر قوا بينهم في المضاجعِ »(3). وعن النبي ﷺ قالَ: «مَا نَحَلَ والدٌ ولدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حسنٍ »(4). وكانَﷺ يعلمُ الأطفالَ آدابَ الطعامِ والشرابِ فقالَ مرةً لأحدِهم: «يا غلام! سم اللهَ، وكُل بيمينكَ، وكلْ مما يليكَ »(5). وخصَّ النبي ﷺ تربيةَ البناتِ بفضائلَ منها ما روتْهُ عائشةُ قالتْ: دخلتْ عليَّ امرأةٌ ومعها ابنتانِ تسألُ، فلمْ تجدْ عندي شيئًا غيرَ تمرةٍ واحدةٍ، فأعطيتُها، فَقَسَمتْها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئًا، ثم قامتْ فخرجتْ، فدخلَ علينا النبيُّ ﷺ فأخبرتُهُ فقالَ: «من ابتُلَ من هذه البناتِ بشيءٍ فأحسنَ إليهنَّ كن له سترًا من النارِ »(6). (1) رواه الترمذي5203)، وأحمد6001.) (2) واضربوهم: أي ضربًا خفيفًا بالقلم والسواك ونحوه (3) رواه أبو داود052)، وأحمد6067.) (4) رواه الترمذي5271)، وأحمد56552.) (5) رواه البخاري0217)، ومسلم3767.) (6) رواه البخاري5352)، ومسلم (0763.)
عدد الصفحات ١٥٠