051 |محمد رسول اﷺ ولفظُ الترمذيِّ: «من ابتُلَ بشيءٍ من البناتِ فصبرَ عليهنَّ، كنَّ له حجابًا من النارِ »(1). وقالَﷺ: «من عالَ جاريتينِ حتى تبلغا، جاء يومَ القيامةِ أنا وهو » وضم أصابِعَهُ (2). وقالَﷺ: «منْ كانَ له ثلاثُ بناتٍ، أو ثلاثُ أخواتٍ، أو بنتان، أو أ ختان فأدبهنَّ، وأحسنَ إليهنَّ، وزوجهنَّ فله الجنةُ »(3). بل كانَ ﷺ إذا دخلتْ عليه ابنتهُ فاطمةُ قامَ إليها فقبّلها وأجلسَها في مجلسِهِ (4). ومنَ الحقوقِ التي قرَّرها النبي ﷺ للأبناءِ حقُّهم في مالِ أبيهم فقد أرادَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ أنْ يتصدقَ بثلثيْ مالِ هِ، فقالَ له النبيُّ ﷺ: «لا»، قالَ: فالثلثُ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «الثلثُ، والثلثُ كثيٌِّ إنك إنْ تذرَ ورثَتَكَ أغنياءَ خيٌِّ من أنْ تذرَهم عالةً (5) يتكفَّفون الناسَ(6)»(7). (1) رواه الترمذي5236)، وأبو داود0025.) (2) رواه مسلم0761.) (3) رواه الترمذي5232.) (4) رواه الترمذي3247.) (5) عالة: فقراء (6) يتكففون الناس: يسألونهم ما يكفيهم (7) رواه البخاري5553)، ومسلم3476.)
عدد الصفحات ١٥١محمد رسول اﷺ|050 5-من حقوق الأطفال الطفولةُ هي سرُّ الحياةِ ومتعةُ الزمانِ، وهبةُ ا لخالقِ التي لا يعرفُ قدرَها إلا مّن حُرِمَها، وبذلَ في تحصيلِها كلَّ نفيسٍ، وإنَّ رعايةَ الأطفالِ ورحمتَهم والعنايةَ والرفقَ بهم مما حثَّ عليه النبيُّ ﷺ وقرّره ومدحَ متعاطيَهُ، فقد وَفَدَ ناسٌ من الأعرابِ على رسولِ اللهِ ﷺ، فقالوا: أتقبّلونَ صبيانَكُم، قال وا: نعم، فقالوا: لكنا واللهِ ما نقبّلُ صبيانَنا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «أوَ أملِكُ إنْ كانَ اللهُ قد نَزَعَ الرحمةَ منكم؟»(1). وكانَﷺ يذهبُ إلى أعالي قرى المدينةِ، حيثُ كانَ ابنهُ إبراهيمُ يستكملُ رَضَاعَهُ هناك، فكانَ يذهبُ إليه من أجلِ أنْ يقبّلهُ، ثم ير جعُ (2) . ولما ماتَ ابنُ ابنةِ النبي ﷺ فاضتْ عيناه، فقالَ له سعدُ بنُ عبادةَ: ما هذا يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «إنها رحمةٌ جعلها اللهُ في قلوبِ عبادِهِ، وإنما يرحمُ اللهُ من عبادِهِ الرحماءَ »(3). وعن أنسٍ أنَّ النبي ﷺ كان يزورُ الأنصارَ، ويسلّمُ على صبيانهِ م ويمسحُ رؤوسَهم (4) . (1) رواه البخاري1132)، ومسلم0525.) (2) رواه مسلم0524.) (3) رواه البخاري1553)، ومسلم5135.) (4) رواه ابن حبان012.)
عدد الصفحات ١٥٢052 |محمد رسول اﷺ وكانَ ﷺ يصلي وهو حاملٌ أمامةَ بنتَ ابنتهِ زينبَ، فإذا قامَ حمَلَهَا، وإذا سَجَدَ وضَعَها (1). وقالَﷺ: «من فرَّق بين والدةٍ وولدِها، فرَّق اللهُ بينه وبين أحبتهِ يومَ القيامةِ »(2) . وسمحَ النبي ﷺ للأطفالِ بالجلوسِ في مجالسِ الكبارِ وجعلَ لهم من الحقِّ مثلَ ما لغيرِهم من الجلوسِ، فعن سهلِ بن سعدٍ الساعديِّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أُتي بشرابٍ فشربَ منه، وعن يسارِهِ أشياخٌ وعن يمينه غلامٌ، فقالَ للغلامِ: «أتأذنُ ل أنْ أعطيَ هؤلاءِ؟ » لأنَّ السنةَ أنْ يبدأَ من اليمينِ، فقالَ الغلامُ وكانَ ذ كيًّا: لا واللهِ، لا أوثرُ بنصيبي منك أحدًا، فوضعَ رسولُ اللهِ ﷺ الإناءَ في يدِهِ (3). وأثبتَ النبي ﷺ للطفلِ حقَّهُ في الميراثِ بمجردِ اكتمالِ ولادتِهِ، وانفصالِهِ عن أمِّهِ حيًّا. وقدّر ﷺ مشاعرَ الأطفالِ فزارهم في بيوتهم وواساهم وتلطفَ معهم ومسحَ رؤوسَهم ، وعقدَ بينهم المسابقاتِ وأتحفهم بالطُّرفِ والهدايا. (1) رواه البخاري026)، ومسلم200.) (2) رواه الترمذي5025)، وأحمد55045.) (3) رواه البخاري5575)، ومسلم3726.)
عدد الصفحات ١٥٣محمد رسول اﷺ|053 6-من حقوق الخدم إنَّ مقياسَ الحضارةِ الحقيقيَّ لأيِّ أمةٍ هو تعاملُها مع الفقراءِ والضعفاءِ ومَنْ لا حيلةَ له في الوصولِ إلى المسؤولين وأصحابِ القرارِ. ومن هؤلاءِ الخدمُ الذي يعملونَ في البيوتِ عند الأ غنياءِ والكبراءِ، فقد أعطاهم الرسولُ ﷺ حقوقَهم كاملةً، واستمعَ إلى شكاتهِم وآرائِهم، وقدّرهم غايةَ التقديرِ، والدليلُ على ذلك ما رواه أنسُ بنُ مالكٍ قالَ: خدمتُ رسولَ اللهِ ﷺ عشرَ سنين، فما قالَ لي: أفٍّ، قطُّ، وما قالَ لشيءٍ فعلتُه: لم فعلتَه. ولا لشيءٍ لم أفعلْه: ألا فعلتَ كذا (1) . وكانت الأَمةُ من إماءِ المدينةِ تأخذُ بيدِهِ ﷺ فتنطلقُ به حيثُ أرادتْ في حاجتِها(2) . وحذَّر النبي ﷺ من إيذاءِ الخادمِ وإنْ كانَ عبدًا مملوكًا، بل إنه جعلَ إيذاءَهُ سببًا في حريتِهِ، فقالَ ﷺ: «من لَطَم مملوكًا له، أو ضَبَهُ، فكفارتُهُ أن يعتقَهُ »(3) . وعنْ أبي مسعودٍ الأنصاريِّ قالَ: كنتُ أضربُ غلامًا لي بالسوطِ، فسمعتُ من خَلْفِي صوتًا: «اعلمْ أبا مسعودٍ » فلمْ أفهمْ الصوتَ من الغضبِ. فلما دنا مني إذا هو رسولُ اللهِ ﷺ فقال: «اعلمْ أبا مسعودٍ، اعلمْ أبا مسعودٍ »، قال: فألقيتُ السوطَ من يدي، فقالَ: «اعلمْ أبا مسعودٍ أنَّ الله تباركَ وتعالى أقدرُ عليك منك (1) رواه البخاري1172)، ومسلم0562.) (2) رواه البخاري (1654.) (3) رواه مسلم3534.)
عدد الصفحات ١٥٤054 |محمد رسول اﷺ على هذا الغلام»، قلتُ: لا أضربُ مملوكًا بعده أبدًا. وفي روايةٍ قالَ: يا رسولَ اللهِ هو حُرٌّ لوجهِ اللهِ. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «أما لو لم تفعلْ للفَحَتْك النارُ - أو لمسَّتْك النارُ -»(1). أي أنَّ تحريرَك له واجبٌ عليك وليسَ تفضلاً منك؛ لأنك ضربتَهُ بالسوطِ، وبهذا الأسلوبِ حاربَ النبيُّ ﷺ الرقَّ وحرّر كثيرًا من العبيدِ. وحرَّم تكليفَهم من العملِ ما لا يُطيقون، فقالَ ﷺ: «للمملوكِ طعامُهُ وكسوتُهُ ولا يكلَّفُ من العملِ إلا ما يُطيقُ »(2). وجاءَ رجلٌ إلى النبي ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ! كم أعفو عن الخادمِ؟ قال: «كلَّ يومٍ سبعينَ مرةً »(3). (1) رواه مسلم3531.) (2) رواه مسلم3505.) (3) رواه أبو داود0026)، والترمذي5275.)
عدد الصفحات ١٥٥محمد رسول اﷺ|055 7-من حقوق الجار كثيرٌ من الناسِ لا يزورن جيرانهَم ولا يسألونَ عنهم، ومن الناسِ من يؤذي جيرانَهُ وهو لاَ يدري، وقد يَمْرَضُ الإنسانُ ويحتاجُ إلى مس اعدةِ جارِهِ فلا يجدُه في وقتِ الشدةِ، وهذه العزلةُ من نَتاج الحياةِ المعاصرةِ التي أنستِ الناسَ كثيرًا من الواجباتِ الاجتماعيةِ. ولعظمِ حقِّ الجارِ قالَ النبيُّ ﷺ: «ما زالَ جبريلُ يوصيني بالجارِ حتى ظننتُ أنه سيور ثه »(1). أي: حتى ظننتُ من كثرةِ الوصاةِ ب ه أنه سيجعلُ له نصيبًا من الميراثِ. وقالَ ﷺ: «خيُِّ الأصحابِ عندَ اللهِ خيُِّهم لصاحبِهِ، وخيُِّ الجيِّانِ عند ا خيُِّهم لجارِهِ »(2) . وقالَﷺ: «لأنْ يزنيَ الرجلُ بعشرِ نسوةٍ، خيٌِّ له منْ أنْ يزنيَ بامرأةِ جارِهِ، ولأنْ يسرقَ الرجلُ من عشرةِ أبياتٍ، أيسرُ له من أنْ يسرقَ من بيتِ جارِهِ »(3) . وقالَﷺ: «من كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا يؤذِ جارَهُ »(4)، وفي روايةٍ لمسلمٍ: «من كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليحسنْ إلى جارهِ »(5). وقالَﷺ: «ليسَ المؤمنُ بالذي يشبعُ وجارهُ جائعٌ إلى جنبهِ »(6) . (1) رواه البخاري1111)، ومسلم0717.) (2) رواه الترمذي5267)، وأحمد6572.) (3) رواه أحمد55730.) (4) رواه البخاري1112)، ومسلم62.) (5) رواه مسلم62.) (6) رواه الحاكم567.)
عدد الصفحات ١٥٦056 |محمد رسول اﷺ وقالَ ﷺ: «يا أبا ذرٍ! إذا طبختَ مرقةً، فأكثرْ ماءهَا، وتعاهدْ جيِّانَكَ »(1) . وقالَﷺ: «كمْ من جارٍ متعلقٍ بجارِهِ يقولُ: يا رب ! سلْ هذا لِـمَ أغلقَ عني بابَهُ، ومنعني فَضْلَهُ »(2). (1) رواه مسلم0712.) (2) رواه البخاري في الأدب المفرد65.)
عدد الصفحات ١٥٧محمد رسول اﷺ|057 8-من حقوق الضيف من مكارمِ الأخلاقِ التي اتفقَ الناسُ عليها: إكرامُ الضيفِ، ولقاؤه ب البشرِ والترحابِ، ولذلك نجدُ رسولَ اللهِ ﷺ ربطَ بين الإيمانِ باللهِ وبين إكرامِ الضيفِ. فقد قالَ ﷺ: «من كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليكرمْ ضيفَهُ »(1) . أما المسافرُ الذي ينزلُ على قومٍ أثناءَ سفرِهِ وقد تقطعتْ به السبلُ، فقد أوجبَ رسولُ اللهِ ﷺ على من نزلَ عليهم ضيافتَهُ حتى ثلاثةِ أيامٍ، فقد قالَ ﷺ: «الضيافةُ ثلاثةُ أيامٍ، فما كان بعد ذلك فصدقةٌ »(2) . وينبغي للضيفِ ألا يُثقِل على صاحبِ البيتِ بالإطالةِ، حتى لا يحُرجَ صاحبَ البيتِ ويضيقَ عليه، فقد قالَ ﷺ: «لا يحلُّ له أنْ يثويَ عندَهُ حتى يحُرِجَه »(3). (1) رواه البخاري1164)، ومسلم3511.) (2) رواه البخاري1221)، ومسلم3516.) (3) رواه البخاري1674)، والترمذي5225.)
عدد الصفحات ١٥٨058 |محمد رسول اﷺ 2-من حقوق اليتيم احتفى الإسلامُ باليتيمِ وأمرَ برعايتِهِ والإحسانِ إليه ومدِّ يدِ العونِ له، قال تعالى: ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ﴾ [2]. وقالَ النبي ﷺ: «أنا وكافلُ اليتيمِ في الجنةِ كهاتينِ » وأشارَ بالسبابةِ والوسطى(1) . وحذَّرَ النبي ﷺ من أكلِ مالِ اليتيمِ وج علَهُ من أكبرِ الكبائرِ فقالَ ﷺ: «اجتنبوا السبعَ الموبقاتِ »، قالوا: وما هنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ «الشركُ باللهِ، والسحرُ، وقتلُ النفسِ التي حرمَ اللهُ إلا بالحق ، وأكلُ الربا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، والتولّ يومَ الزحفِ، وقذفُ المحصناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ »(2) . وقالﷺ: «من ضمَّ يتيماً بين مسلمين في طعامِهِ وشرابِهِ حتى يستغنيَ عنه وجبتْ له الجنةُ »(3) . وأتى النبي ﷺ رجلٌ يشكو قسوةَ قلبِهِ، فقالَ لهُ: «أتحبُّ أنْ يلينَ قلبُكَ وتدركَ حاجتَكَ؟ ارحمِ اليتيمَ، وامسحْ رأسَهُ، وأطعمْهُ من طعامِكَ، يلينُ قلبُك، وتدرِكُ حاجتَكَ »(4). (1) رواه البخاري0225)، والترمذي (5205.) (2) رواه البخاري5164)، ومسلم552.) (3) رواه أحمد52515.) (4) رواه الطبرا54570.)
عدد الصفحات ١٥٩محمد رسول اﷺ|059 30-من حقوق الضعفاء والفقراء والمساك اهتمَّ النبيُّ ﷺ بالضعفاءِ الذين لا مالَ لهم ولا عشيرةَ، فكان يقبلُ من محسنِهم ويتجاوزُ عن م سيئِهم، ويسعى في حوائِجهم، ويرفعُ عنهم الضَِّ والأذى ولو بكلمةٍ تُغضِبُهم، فعن عائذِ بنِ عمروٍ أنَّ أبا سفيان - من عظماءِ قريشٍ - مرَّ على سلمانَ الفارسِِّّ، وصهيبٍ الروميِّ وبلالٍ الحبشيِّ - وكانوا من العبيدِ والفقراءِ - فقالوا: واللهِ ما أخذتْ سيوفُ اللهِ من عنقِ عدوِّ اللهِ مأخذَها. فقال لهم أبو بكرٍ الصديقَ : أتقولون هذا لشيخِ قريشٍ وسيدِهم؟ فأتى النبى ﷺ فأخبرَهُ بما قالوا، فقالَ له رسولُ اللهِ ﷺ: «يا أبا بكرٍ! لعلّك أغضبتَهم، لئنْ كنتَ أغضبتَهم لقد أغضبتَ ربّك » فأتاهم أبو بكرٍ فقال: يا إخوتاه! أغضبتُ كم؟ قالوا: لا، يغفرُ اللهُ لك يا أخي!! (1). وقالَﷺ: «ربَّ أشعثَ أغبرَ مدفوعٍ بالأبوابِ، لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّهُ »(2). وكانَ النبي ﷺ يُعلِّمُ أصحابَهُ أنَّ المالَ والوجاهةَ الاجتماعيةَ والمناصبَ المرموقةَ لا تُضفي على الإنسانِ فضلاً لا يستحقُّه، وأنْ ا لفقرَ وقلةَ المالِ والجاهِ لا يسلبُ الإنسانَ شرفًا يستحقُّه، فقد مرَّ رجلٌ على رسولِ اللهِ ﷺ ومعه أصحابُهُ، فقالَ لهم: «ما تقولونَ في هذا؟ » فقالوا: هذا رجلٌ من أشرافِ الناسِ، هذا واللهِ حريٌّ إنْ خطبَ أن يُنكحَ، وإن شَفَعْ أن يُشفَّع، وإنْ قالَ أن يُسْتَمعَ . فسكتَ النبيُّ ﷺ، ثم مرَّ رجلٌ من فقراءِ المسلمينَ، فقالَ: «ما تقولونَ في هذا؟ » قالوا: هذا حري (1) رواه مسلم0112.) (2) رواه مسلم0710.)
عدد الصفحات ١٦٠061 |محمد رسول اﷺ إن خَطَبَ ألاَّ يُنكحَ، وإن شَفَعَ ألاّ يُشَفَّعَ، وإنْ قالَ ألا يُسمعَ. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ عن الفقيرِ: «هذا خيٌِّ من ملءِ الأرضِ مثلَ هذا »(1) . وقالَ النبي ﷺ: «ألا أخبرُكم بأهلِ الجنةِ؟ كلُّ ضعيفٍ متضع فٍ، لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّهُ. ألا أخبرُكم بأهلِ النارِ؟ كلُّ عُتُلٍ (2) جواظٍ(3) مستكبرٍ»(4) . ومن اهتمامِ النبي ﷺ بشأنِ الضعفاءِ أنَّ امرأةً سوداءَ كانتْ تقُمُّ المسجدَ، ففقدها رسولُ اللهِ ﷺ، فسألَ عنها ، فقالوا: ماتتْ. فقالَ ﷺ: «أفلا كنتم آذنتموني»، فكأنهم صغَّروا أمرَها. فقال النبي ﷺ: «دلوني على قبرِها » فدلّوه فص عليها(5). إنَّ المجتمعَ الذي يشعرُ فيه الفقيرُ والمسكينُ والضعيفُ بأهميتِهِ واهتمامِ المسؤولينَ والقادةِ والقوانينِ به لهو مجتمعُ التكاف لِ والرحمةِ والإنسانيةِ الذي ينعمُ به الجميعُ ويسعدون بظلالِهِ. ولذلك قالَ ﷺ: «من ولاّه اللهُ شيئًا من أمورِ المسلمينَ، فاحتجبَ دون حاجتِهم وخَلَّتهم وفقرِهم، احتجبَ اللهُ دون حاجتِهِ وخَلَّتِهِ وفقرِهِ يومَ القيامةِ »(6) . (1) رواه البخاري0745)، وابن ماجه0554.) (2) العتل: الغليظ الجا (3) الجواظ: الفاجر (4) رواه البخاري0137)، ومسلم1423.) (5) رواه مسلم5122)، وابن ماجه5155.) (6) رواه أبو داود5112.)
عدد الصفحات ١٦١محمد رسول اﷺ|060 ورواه الترمذي بلفظ «ما من إمامٍ يُغْلِقُ بابهُ دونَ ذوي الحاجةِ والخَلَّةِ والمسكنةِ إلا أغلقَ اللهُ أبوابَ السماءِ دونَ خَلّتهِ وحاجتهِ ومسكنتهِ »(1). وقالَﷺ: «من وَل أمرَ الناسِ، ثم أغلقَ بابهُ دون المسكينِ والمظلومِ وذوي الحاجةِ، أغلقَ اللهُ تباركَ وتعالى أبوابَ رحمتهِ دونَ حاجتهِ و فقرهِ أفقرَ ما يكونُ إليها»(2). وفي الجملةِ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ نّيبُ بالأمةِ كلِّها أنْ تقفَ لنصرةِ المظلومِ أيًّا كان مستواه ومكانتهِ؛ حيثُ ربطَ بين هذه القضيةِ وقضيةِ كرامةِ الأمةِ نفسِها، فقال: «كيفَ يقدسُ اللهُ أمةً لا يؤخذُ لضعيفِها من شديدِها حقَّه و هو غيِّ متعتعٍ »(3). (1) رواه الترمذي5513.) (2) رواه أحمد51427.) (3) رواه ابن ماجه5057)
عدد الصفحات ١٦٢062 |محمد رسول اﷺ 33-من حقوق الرقيق بُعِث النبيُّ ﷺ في مجتمعٍ يتشكَّلُ من السادةِ والعبيدِ، ولم يكنْ للعبيدِ أيةُ حقوقٍ ماليةٍ أو اجتماعيةٍ أو سياسيةٍ، فرفعَ النبيُّ ﷺ من شأنِ هؤلاءِ، وحثَّ على تحريرِهم، وجعل تحرير العبيد كفارة للعديد من الخطايا، ورتَّبَ على ذلك الثوابَ الجزيلَ، فمن وصايا النبيِّ ﷺ بالرقيقِ: قولُه ﷺ: «اتقوا اللهَ فيما ملكتْ أيمانُكم »(1) . وقولُهُﷺ: «أرقّاءَكم، أرقّاءَكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، وإنْ جاؤوا بذنبٍ لا تريدون أنْ تغفروهُ، فبيعوا عباد اللهِ ولا تعذ بوهم »(2). وقالَﷺ: «إخوانُكم خولُكم (3)، جعلهم اللهُ قُنيةً (4) تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحتَ يدِهِ، فليطْعِمْهُ من طعامهِ، وليلبسْهُ من لباسِهِ، ولا يكل فْهُ ما يغلبُهُ، فذنْ كلَّفه ما يغلبُهُ فليُعنْهُ »(5) . وقالَﷺ: «من ضَََبَ مملوكَهُ ظالمًا، أُقيدَ منه يومَ ال قيامةِ »(6) . (1) رواه أبو داود0022)، وأحمد115.) (2) رواه أحمد51253.) (3) خولكم: خدمكم (4) قنية: مملوك (5) رواه البخاري5312)، والترمذي5262.) (6) صحيح الأدب المفرد530.)
عدد الصفحات ١٦٣محمد رسول اﷺ|063 وقالَﷺ: «من لطمَ مملوكهُ أو ضَبهُ، فكفّارتهُ أن يعتقَهُ »(1) . وحثَّ النبي ﷺ على عتقِ العبيدِ، فقالَ: «أيُّما امرئٍ مسلمٍ أعتقَ امرأً مسلماً فهو فِكَاكُه من النارِ، يجُزَى بكل عظمٍ منه عظماً منه، وأيما امرأةٍ مسلمةٍ أعتقتِ امرأةً مسلمةً فه ي فكاكُها من النارِ، تجُزَى بكل عظمٍ منها عظماً منها، وأيما امرئٍ مسلمٍ أعتقَ امرأتينِ مسلمتينِ فهما فكاكُه من النارِ، يجُزى بكل عظمينِ منهما عظماً منه»(2) . وعن عبدِ اللهِ بن عمروٍ وجاءه قَهْرمانٌ (3) له فقالَ له: أعطيتَ الرقيقَ قُوتهَم؟ قالَ: لا، قا ل: فانطلقْ فأعطِهم، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «كفى إثماً أنْ تحبسَ عمن تملكُ قوتَُم »(4) . وقالَﷺ: «إنَّ اللهَ يعذّبُ الذين يعذّبونَ الناسَ في الدنيا »(5). (1) رواه مسلم3534)، وأبو داود0144.) (2) رواه الترمذي5067)، وأبو داود3013.) (3) القهرمان: القائم بأمور الرجل-مدير الأعمال-. (4) رواه مسلم5665.) (5) رواه مسلم0730)، وأبو داود (5602.)
عدد الصفحات ١٦٤064 |محمد رسول اﷺ 39-من حقوق المسن كبارُ السنِّ قد بلغوا من العمر ما يشعرون معه بالوحدة وتتوالى عليهم فيه آثاره من ضعف ومرض وغيرهما، وهم أيضًا أهلُ الخبرةِ والتجاربِ والحكمةِ، وينبغي على المجتمعِ ألا نّملَ هؤلاءِ، وإنما يقدِّرُهم ويحترمُهم ويستفيدُ من تجارِبهم وخبراتهِم. ولقد احتفى النبيُّ ﷺ بكبارِ السنِّ، وبينََّ فضْلَهم وسابقتَهم وعظيمَ حقِّهم على الجميعِ فهو ﷺ يقولُ: «منشابَ شيبةً في الإسلامِ كانتْ له نورًا يومَ القيامةِ »(1) . وحثﷺ على إكرامِ أصحابِ السنِّ، فقال ﷺ: «إنَّ من إجلالِ اللهِ تعا إكرامَ ذي الشيبةِ المسلمِ »(2) . وكانَﷺ يُؤثرُ الأشياخَ بالشرابِ، وانظرْ إلى هذا الحديثِ العجيبِ الذي يتجلى فيه احترامُ النبيِّ ﷺ للأشياخِ والأطفالِ على حدٍّ سواءٍ، فعنْ سهلِ بن سعدٍ الساعديِّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أُتي بشرابٍ، فشربَ منه، وعن يمينه غلامٌ، وعن يسارِهِ أشياخٌ، فقال للغلامِ: «أتأذنُ ل أنْ أعطيَ هؤلاءِ؟ »، فقالَ الغلامُ واللهِ، لا أوثرُ بنصيبي منكَ أحدًا، فتلَّه (3) رسولُ اللهِ ﷺ في يدِهِ (4) . ويا للعجب! رسولُ اللهِ ﷺ خاتمُ الأنبياءِ والمرسلينَ، يستأذنُ غلامًا، ليبدأ بالأشياخِ الذين على يسارِهِ احترامًا لهم ولسنِّهم والغلامُ يرفضُ لأنه يريدُ أنْ (1) رواه الترمذي5112)، والنسائي3425.) (2) رواه أبو داود0543.) (3) فتله: فوضعه (4) رواه البخاري5575)، ومسلم3726.)
عدد الصفحات ١٦٥محمد رسول اﷺ|065 يشربَ بعد رسولِ اللهِ ﷺ فتمسَّ شفتاه موضعَ شفتي النبيِّ ﷺ، فأبى أنْ يؤثرَ بذلك أحدًا، وإنما استأذنَهُ النبيُّ ﷺ لأنَّ السُّنَّة هي أنْ يبدأَ الإنسانُ بمن على يمينهِ في الشرابِ ونحوِهِ.
عدد الصفحات ١٦٦