008 |محمد رسول اﷺ وقد بدأت الكتابة بالتأكيد على أن الإيمان بجميع الأنبياء وتعظيمهم وتوقيرهم -عليهم الصلاة والسلام- جزء من عقيدة المسلم، إذ لا يعد المرء مسلماً إلا بالإيمان بجميع أنبياء الله تعالى ورسله، ورسول الله محمد ﷺ قد بين أن الأنبياء إخوة، عقيدتهم واحدة وهي عقيدة التوحيد، وشرائعهم متنوعة. وعليه فقد قسمتُ الكتاب إلى تمهيد وأربعة أقسام: القسم الأول: وأشرت فيه إلى جملة من الحقوق التي ذكرها رسول الله محمد ﷺ، كحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والطفل، والآباء، والأبناء، وذوي الاحتياجات الخاصة، والمسنين، والخدم والرقيق، والضيف، واليتيم، والجار، وغير ذلك. القسم الثاني : ذكرت فيه بعض أقواله ﷺ في القيم والأخلاق والفضائل: كالعدل، والرحمة، والح لم، والأمانة، والشجاعة، والتواضع، والوفاء، والأمن، والوسطية والتوازن، وتحمل المسؤولية، والرقابة الذاتية، واحترام النفس الإنسانية، وحسن الخلق، والصداقة والحب، والعمل التطوعي، ودفع الظلم ومقاومته، وروح الدعابة، وغير ذلك. القسم الثالث : ذكرت فيه بعضًا من أقوال ه ﷺ في التحذير من مساوئ الأخلاق والأفعال: كالقتل، والغدر، والغضب، وترويع الناس، والخيانة، والإفساد بين الناس، والتجسس، وسوء الظن، والرشوة، والمظهرية الجوفاء، والكسل، والانتحار، والظلم والاعتداء، وغير ذلك.
عدد الصفحات ١١٩محمد رسول اﷺ|009 القسم الرابع : ذكرت فيه العديد من أقواله ﷺ في علاج المشكلات المعاصرة: كمشكلة الإرهاب، والعنف الأسري، والفراغ الروحي، والقلق والاكتئاب، والمسكرات، والجنس، والمخدرات، والفقر، ومشكلة البيئة، وغير ذلك. وقد اشتمل الكتاب على أكثر من (75) موضوعًا، و 044) قول لرسول الله محمد ﷺ. وكان منهجي في هذا الكتاب: 1- اخترتأهم الموضوعات التي يحتاجها عالمنا المعاصر وقسمتها إلى الأقسام الأربعة السابقة. 2- ذكرت الصحيح من أقوال رسول الله محمد ﷺ في كل موضوع، مع تعليق مختصر عليها. ولنْ يتحققَ المقصودُ من الكتابِ إلا أنْ نشتركَ جميعًا في التعرُّفِ على سيرةِ رسولِنا محمدٍ ﷺ، وعلى سن تهِ المباركةِ، فنعملَ بها، وندعوَ البشريةَ إليها بأفعالِنا قبلَ أقوالِنا، فهذه أعظمُ وسيلةٍ للتعريفِ برسولِ اللهِ محمدٍ ﷺ، ونصرتهِ النصرةَ الحقَّةَ الواجبةَ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ. هذا، ويحدوني الأمل -قارئي الكريم - أن تقرأ كتابي هذا وتطلع عليه كما اطلع كثير من علماء الغرب -غير المسلمين - على سيرة النبي ﷺ وأقواله ومواقفه، فكانت لهم أقوال تدلُّ على تعظيم النبي ﷺ والإعجاب بشخصيته والانبهار بأخلاقه وسيرته في الناس.
عدد الصفحات ١٢٠021 |محمد رسول اﷺ ومن هؤلاء الأديب الإنجليزي (جورج برنارد شو) حيث قال: «إن محمدًا يجب أن يُدعى منقذ الإنسانية، إنني أعتقد أنه لو تولى مثله زعامة العالم الحديث لنجح في حلِّ مشكلاته بطريقة تجلب إلى البشرية السعادة »[ الأول، لجورج برنارد شو. ويقول الأديب الألماني (جوته): «بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان فوجدته في النبي محمد»[شرقي للشاعر الغربي لجوته. ويقول المؤرخ الأمريكي ول ديورانت: «إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا إن محمدًا كان من أعظم عظماء التاريخ »[ (53/12) ول ديورانت. ويقول العالم الأمريكي المعاصر مايكل هارت: «إن اختياري محمدًا لي كون الأول في قائمة أهم رجال التاريخ ربما أدهش كثيرًا من القراء إلى حد قد يثير بعض التساؤلات... لكن في اعتقادي أن محمدًا ﷺ كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي»[ الأوائل: لمايكل هارت. وختامًا : أسأل الله تعالى أن يحقق هذا الكتاب الغاية منه، وأن يسعد الجميع دنيا وآخرة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عدد الصفحات ١٢١محمد رسول اﷺ|020 التمهيد 3-حياةُ رسولِ اللهِ محمدٍ ﷺ في سطور نسبهﷺ: هو أبو القاسمِ محمدُ بن عبدِ الله، بنُ عبدِ المطلب، بنُ ها شمٍ بن عبد مناف، بنُ قصي، بن كُلاب، بن مُرَّة، بن كعب بن لؤي بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضِ، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضِ، بن نزار، بن معدّ، بن عدنان، وعدنان من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. أمُّه ﷺ: وأمُّ رسولِ اللهِ ﷺهي آمنةُ بنتُ وهبٍ بن عبدِ منافِ بن زهرة بن كُلاب. ولادتهﷺ: وُلِدَ رسولُ اللهِ ﷺ بمكةَ في العامِ الذي غزا فيه أبْرهةُ الأشرمُ مكةَ لهدمِ الكعبةِ، وهذا العامُ يوافقُ سنةَ ( 174-175م وقد وُلدَ يوم الاثنينِ من شهرِ ربيعٍ الأولِ من هذا العامِ. وفاة والديه وجدهﷺ: ومات أبوه عبدُ اللهِ وهو حمَْلٌ في بطنِ أمهِ، ثم ماتتْ أمهُ وهو في السادسةِ من العمرِ، فكفلهُ جدُّه عبدُ المطلبِ الذي ماتَ هو الآخرُ ورسولُ اللهِ ﷺ ابنُ ثمانِ سنين.
عدد الصفحات ١٢٢022 |محمد رسول اﷺ رَضَاعهُ ﷺ: أرضعته ثويبةُ جاريةُ أبي لهبٍ، وأرضعته حليمةُ السعديةُ. نشأتهﷺ: ونشأَ ﷺ يتيماً يكفلهُ جدُّهُ عبدُ المطلبِ، فلما ماتَ كفلهُ عمُّه أبو طالبٍ، واعتنى به وشمله بالعطفِ والرعايةِ. وطهّره اللهُ من دنسِ ِ الجاهليةِ ومن كلِّ عيبٍ، ومنحه كلَّ خلقٍ جميلٍ، حتى لم يكنْ يُعرفُ بين قومِه إلا بالأمينِ، لما شاهدوا من أمانتهِ وصدقِ حديثهِ وطهارتهِ . وسافرَ ﷺ إلى الشامِ مع عمهِ أبي طالبٍ في تجارةٍ له. ثم خرجَ ثانيًا إلى الشامِ مع ميْسرةَ - غلامِ خديجةَ رضي الله عنها - في تجارةٍ لها وذلك قبلَ أن يتزوجها، فلما حدَّثَها ميسرةُ عن صدقهِ وأمانتهِ وما بهََرهُ من شأنهِ وخلقهِ رَغِبتْ في التزوجِ به. فلما بلغ خمسًا وعشرين سنةً تزوجَ ﷺ خديجةَ بنتَ خويلدٍ، وكانت في الأربعين من عمرها. ابتداء الوحي: فلما بلغَ أربعين سنةً عام 654م اختصَّه اللهُ بكرامتهِ، وابتعثه برسالتهِ أتاه جبريلُ عليه السلام وهو بغار حِراء - جبلٍ بمكة - وكان اللهُ قد حببَ إليه الاختلاءَ بنفسهِ للتأملِ في هذا الغارِ.
عدد الصفحات ١٢٣محمد رسول اﷺ|023 نزلَ عليه جبريلُ بغارِ حراءِ فقالَ له: اقرأْ. قالَ: لستُ بقارئٍ. فغطّه الملَكُ حتى بلغَ منه الجهدُ. ثم قالَ له: اقرأْ. فقالَ: لستُ بقارئٍ. فعلَ ذلك ثلاثًا. ثم قال له: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ﴾ [5-1]. فرجعَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى خديجةَ يرتجفُ، فأخبرها بما حدثَ له، فثبَّتته وطمأَنته وقالتْ له: كلا، واللهِ لا يخزيكَ اللهُ أبدًا، إنك لتصلُ الرحمَ، وتَصْدُقُ الحديثَ، وتقري الضيفَ، وتُكسبُ المعدومَ، وتُعينُ على نوائبِ الدهرِ. ثم فتر الوحيُ لحكمةٍ يعلمها اللهُ ثم نزلَ على النبيِّ مرةً أخرى ومعه التكليفُ الأكيدُ والأمرُ الجازمُ بالدعوةِ والبلاغِ وتحملِ المسؤوليةِ، فأنزل عليه قولَه: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﴾ [5-1]. فأمره اللهُ تعالى في هذه الآياتِ أن يُنذرَ قومَه ويدعوَهم إلى عبادة اللهِ وحده، فدعا رسولُ اللهِ ﷺ الكبيرَ والصغيرَ والحرَّ والعبدَ، والرجالَ والنساءَ، والأبيضَ والأسودَ، فاستجابَ له البعضُ، وكَفَرَ به الأكثرون. مراحل دعوتهﷺ: ابتدأَ ﷺ الدعوةَ سرًّا، واستمرَّ على ذلك ثلاثَ سنين يدعو ال رجلَ تلو الرجلِ، فلما نَزَلَ عليه قولُه تعالى: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﴾ [20]، جَهَرَ بدعوتِه، فكان يذهبُ إلى الناسِ في أسواقِهم وأنديتِهم وأماكنِ تجمعِهم يدعوهم إلى اللهِ تعالى.
عدد الصفحات ١٢٤024 |محمد رسول اﷺ صبرهﷺ على الأذى: لَقِيَ ﷺ صنوفَ الأذى والشدائدِ من قومهِ وهو صابرٌ محتسبٌ، فلما أكثرو ا من إيذاءِ أصحابِه، أمرهم أنْ يخرجوا إلى أرضِ الحبشة عام 651م، فرارًا من الظلمِ والطغيانِ فهاجروا لأن بالحبشة ملكًا نصرانيًا عادلاً. هجرته إلى المدينة: ثم خرجَ رسولُ اللهِ ﷺ مع صاحبهِ أبي بكرٍ فتوجَّهَ إلى المدينةِ مهاجرًا عام 655م، تاركًا بلدَه الذي وُلِ دَ وترعرعَ فيه بعد ثلاثَ عشرةَ سنةً من التكذيبِ والاضطهادِ والمعاناةِ، إلى دارٍ أخرى تلقَّاه أهلُها بالرَّحبِ والسَّعةِ، فآمنوا به وصدقوه، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في حمايته ونصرة دينه. وفي المدينةِ أقامَ النبيُّ ﷺ دولةَ الإسلامِ ووضعَ أولَ دستورٍ مَدَنيٍّ عَ رَفه التاريخُ وهو ما يُعرفُ بدستورِ المدينةِ، وقد أقرَّ النبيُّ ﷺ فيه مبدأَ التعايشِ السِّلمِّي بين الأفرادِ والجماعاتِ والأديانِ وحَفِظَ فيه للأقلياتِ حقوقَها في سابقةٍ لم يَعْرفْ التاريخُ مثلَها في هذا الوقتِ. ومن نصوص هذا الدستور المدني : هذا كتابٌ من محمدٍ النبيّ ﷺ رسولِ اللهِ بين المؤمنينَ والمسلمينَ من قريشٍ وأهلِ يثرب ومن تبعهم فلحقَ بهم وجاهدَ معهم. إنهم أمةٌ واحدةٌ من دونِ الناسِ
عدد الصفحات ١٢٥محمد رسول اﷺ|025 وإن المؤمنين لا يتركون مُفرحًا (1) بينهم أن يعطوه بالمعروفِ وإنَّ المؤمنين المتقين أيدنّم على كلِّ من بَغَى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلمٍ (2)، أو إثماً أو عدوانًا أو فسادًا بين المؤمنين، وإنَّ أيدنَّم عليه جميعًا ولو كان وَلَدَ أحدِهم. ولا يَقتُل مؤمنٌ مؤمنًا في كافرٍ، ولا يَنصرُْ كافرًا على مؤمنٍ وإنَّ المؤمنين بعضُهم مَوالي بعضٍ دونَ الناسِ وإن من تبعنا من نّودَ، فإ نَّ له النصرةَ والأسِوةَ، غير مظلومين ولا متناصرٍ عليهم. وإن المؤمنين المتقين على أحسنِ هديٍ وأقومِهِ وإنَّ اليهودَ ينفقون مع المؤمنين ما داموا محارب وإنَّ نّود بني عوفٍ أمةٌ مع المؤمنين، لليهود دينُهم وللمسلمين دينُهم، مواليِهم وأنفسِهم، إلا من ظَلَ مَ نفسَه وأثمَ فإنه لا يوتِغُ (3) إلا نفسَه وأهلَ بيتِهِ وإنَّ على اليهودِ نفقتَهم، وعلى المسلمين نفقتَهم وإن بينهم النصرَ على من حاربَ أهلَ هذه الصحيفةِ، وإن بينهم النصحَ والنصيحةَ والبرَ دون الإثمِ. (1) المفرح: المثقل بالدين والكثير العيال (2) ابتغى دسيعة ظلم: أي طلب شيئًا على سبيل ا لظلم (3) لا يوتغ: لا نّلك
عدد الصفحات ١٢٦026 |محمد رسول اﷺ وإنه ما كان بين أهلِ هذه الصحيفةِ من حَدَثٍ أو اشت جارٍ يخُاف فسادُه فإنَّ مردَّه إلى اللهِ، وإلى محمدٍ رسولِ اللهِ ﷺ. وإنَّ بينهم النصرَ من دَهَم يثربَ وإنه لا يحول هذا الكتابُ دون ظالمٍ أو آثمٍ، وإنه من خرجَ آمنٌ، ومن قعد آمنٌ بالمدينة، إلا من ظَلَمَ وأثم، وإنَّ اللهَ جارٌ لمن برَّ واتقى، ومحمدٌ رسولُ اللهِ ﷺ. أبرز ما كان يدعو إليه محمد رسول الله ﷺ: إنَّ أهمَّ ما بدأَ به النبيُّ محمدٌ دعوتَه هو إفرادُ اللهِ تعالى بالعبادةِ، وتركُ عبادةِ مَنْ سواه، ودعا كذلك إلى تعزيزِ القيمِ الخُلقية مثل: الصدقِ والعدلِ والمساواةِ والرحمة والوسطيةِ. كما أعلى من شأنِ الأ خلاقِ الحسنةِ وجعلها من أهمِّ ما يَتقربُ به الإنسانُ إلى ربه، وأكَّد على كونِ الدنيا مزرعةً للآخرةِ، وأنَّ الإنسانَ مستخلفٌ فيها ليعمرَها بكلِّ مفيدٍ ونافعٍ. وأمرَ النبيُّ بأداءِ الحقوقِ لأصحابها أيًّا كان هذا الصاحبُ مؤمنًا أو غيرَ مؤمنٍ إنسانًا أو حيوانً ا. ومن أهمِّ ما أولاه العنايةَ في حقوقِ الإنسانِ حريةُ المعتقد وعدمِ إكراهِ أحدٍ على دخولِ الإسلامِ تنفيذًا للأمرِ الإلهيِّ القاضي بأنه ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾.
عدد الصفحات ١٢٧محمد رسول اﷺ|027 أولادُه ﷺ وبناتُه: كلُّ أولادهِ ﷺ من ذكرٍ وأنثى فمن خديجةَ بنتِ خويلد، حاشا إبراهيمَ فإنه من ماريةِ القبطية التي أهداها إليه المقوقسُ مَلِكُ مصرَ. فالذكورُ من ولده: القاسمُ وبه كان يُكَنَّى، وعاش أيامًا يسيرة، وإبراهيمُ ولد بالمدينةِ وعاش عامين إلا شهرين ومات قبله ﷺ بثلاثةِ أشهرٍ. وعبدُ الله وهو الملقب بالطاهرِ والطيِّبِ، وقد مات في حياتِه ﷺ أيضًا. وأما بناتُه ﷺ فهن: زينبُ، ورقيةُ، وفاطمةُ، وأمُّ كلثومِ. أزواجُه ﷺ: ولما بلغَ رسولُ اللهِ ﷺ سنَّ الخامسةِ والعشرين تزوجَ من السيدةِ خديجةَ بنتِ خويلدٍ ، وكانَ لها حينئذٍ من العمرِ أربعونَ عامًا، وظلَّ معها طيلةَ خمسٍ وعشرينَ سنةً، لم يتزوجْ عليها غيرَها حتى توف يتْ وقد ناهزتِ الخامسة والستين عامًا، وكانَ عمرُه خمسينَ سنةً، وتزوجَ بعد ذلك بالعديدِ من النسوةِ لم يكنْ منهنَّ بكرًا إلا عائشةَ . وقد كانَ زواجُهُ منهنَّ بعدَ هذا العمرِ له حكمٌ عديدةٌ منها: 5- غاية تعليمية لتخريج بضع معلمات للنساء يعلمهنَّ الأحكام الشرعية، وخاصة التي تتعلق بهنَّ. 5- غايةٌ تشريعيةٌ لإبطالِ بعضِ العاداتِ الجاهليةِ المستنْكرةِ كعادةِ التبني كزواجِهِ من السيدةِ (زينبَ بنتِ جحشٍ).
عدد الصفحات ١٢٨028 |محمد رسول اﷺ 3- غايةٌ اجتماعيةٌ وهذه واضحةٌ تمامًا في تزوجِهِ من السيدةِ عائشةَ ابنةَ وزيرِهِ الأولَ أبي بكرٍ الصديقِ، ثم زواجِهِ م ن السيدةِ حفصةَ ابنةَ وزيرِهِ الثاني عمرَ بنِ الخطابِ. 0- غايةٌ سياسيةٌ فقد كانَ زواجُهُ من السيدةِ (جويريةَ بنتِ الحارثِ) سيدةَ بنيِ المصطلقِ، وكذا زواجهُ من السيدةِ (صفيةَ بنتِ حييِّ بنِ أخطبَ) سيدةَ بني قريظةَ. وبذلك يظهرُ نبلُ رسولِ اللهِ، وسموُّ غرضِهِ، وجميلُ قَصْدِهِ في زيجاتِهِ كلِّها، إذ لم يكنْ للهوى سلطانٌ على قلبِهِ ولم يكن زواجه عليه الصلاة والسلام بهذا العدد من النساء مستغربًا في مجتمعه، فقد كانت هذه عادة اجتماعية مألوفة. وفاتُه ﷺ: مكثَ ﷺ بالمدينةِ عشرَ سنينَ، وتُوفيَ وهو ابنُ ثلاثٍ وستينَ سنةً، وغسَّله عليُّ بنُ أبي طالبٍ وعمّهُ العباسُ بنُ عبدِ المطلبِ وآخرون، وكُفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ بيض. وصلىَّ عليه المسلمون أفذاذًا، لم يؤمَّهم عليه أحدٌ لعظمِ قَدْرِهِ، ولأنَّه هو الإمامُ حيًّا وميتًّا ﷺ. ودُفنَ ﷺ في الموضعِ الذي توفَّاه اللهُ فيه، فلما دُفِ نَ قالتِ ابنتُهُ فاطمةُ لأنسٍ: كيفَ طابتْ أنفسُكم أَنْ تحثوا الترابَ على رسولِ اللهِ ﷺ. وقالَ أنسٌ: لما كانَ اليومُ الذي قَدِمَ فيه رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ أضاءَ منها كلُّ شيءٍ، فلما كانَ اليومَ الذي ماتَ فيه أظلمَ منها كلُّ شيءٍ.
عدد الصفحات ١٢٩محمد رسول اﷺ|029 9-الأنبياءُ إخوةٌ إنَّ الأ نبياءَ إخوةٌ جميعًا أرسلَهم اللهُ لهدايةِ البشريةِ، وإخراجِها من الظلماتِ إلى النورِ، ولذلكَ جَعَلَ اللهُ تعالى الإيمانَ بالأنبياءِ والرسلِ ركنًا من أركانِ الإيمانِ، قالَ تعالى: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ﴾ [536]. فَمَنْ جَحَدَ نبوةَ نبيٍّ واحدٍ فقد كَفَرَ باللهِ وكذَّبَ رُسُلَهُ، ولذلك فلا يكونُ المسلمُ مسلماً إذا آمنَ بجميعِ رسلِ اللهِ وأنبيائِهِ. قالَ النبيُّ ﷺ: «أنا أولى الناسِ بعيسى ابنِ مريمَ في الدنيا والآخرةِ، والأنبيا ءُ إخوةٌ لِعَلاَّت (1)، أمهاتُُم شتَّى، ودينُهم واحدٌ »(2). أولادُ العَلاَّتِ هم الإخوةُ لأبٍ منْ أمهاتٍ شتَّى. ومعنى الحديثِ: أصلُ عقيدتهِم وإيمانهِم واحدٌ وهي عقيدةُ التوحيدِ، وشرائعُهم متنوعةٌ، فإنهَّم متفقونَ في أصولِ التوحيدِ، وأما فروعُ الشرائعِ فقد وَ قَ َ فيها التنوع (3). ومن تعظيمِ النبيﷺ للَنبياءِ نهيُهُ عن التفضيلِ بينهم: (1) إخوة لِعلاَّت: أبوهم واحد، والأمهات متعددة (2) رواه البخاري3527)، ومسلم0365.) (3) شرح صحيح مسلم للنووي51/552.)
عدد الصفحات ١٣٠031 |محمد رسول اﷺ فعن أبي هريرةَ قالَ: بينما نّوديٌّ يعرضُ سلعتَهُ، أُعطيَ بها شيئًا كرههُ، فقالَ: لا والذي اصطفى موسى على البشرِ، فسمِعَهُ رجلٌ من الأنصارِ، فقامَ فلطمَ وجههُ وقالَ: تقولُ: والذ ي اصطفى موسى على البشرِ والنبيُّ ﷺ بين أظهرِنا. فذهبَ اليهوديُّ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: أبا القاسمِ! إنَّ لي ذمةً وعهدًا، فما بالُ فلانٍ لطمَ وجهي؟ فقالَ ﷺ: «لم لطمتَ وجهَهُ؟ » فذكرَهُ، فغضبَ النبي ﷺ حتى رُئي في وجههِ، ثم قالَ: «لا تُفض لوا بين أنبياءِ اللهِ »(1). وعن أنسِ بن مالكٍ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا خيرَ البريةِ. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «ذاكَ إبراهيمُ عليه السلامُ »(2). وقالَﷺ: «لا ينبغي لعبدٍ أنْ يقولَ: أنا خيٌِّ من يونسَ بن متَّى »(3). وقيلَ: يا رسولَ اللهِ من أكرمُ الناسِ؟ قالَ «أتقاهم»، قالوا: ليسَ عن هذا نسألُكَ. قال: «فيوسفُ نبيُّ اللهِ ابنِ نبي اللهِ ابنِ نبي اللهِ ابنِ خليلِ اللهِ ». قالوا: ليسَ عن هذا نسألُكَ. قالَ: «فعن معادنِ العربِ تسألوني، خيارُهم في الجاهليةِ خيارُهم في الإسلامِ، إذا فقِهوا»(4). (1) رواه البخاري (3565.) (2) رواه مسلم0367.) (3) رواه البخاري3500)، ومسلم0325.) (4) رواه البخاري3500)، ومسلم0323.)
عدد الصفحات ١٣١محمد رسول اﷺ|030 1-نموذج لتعرف ملك من ملوك الروم على محمد رسول الله ﷺ كانَ النبيُّ ﷺ يبعثُ بالرسائلِ إلى ملوكِ وحكامِ الأرضِ يدعوهم فيها إلى الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخرِ وأنهُ خاتمُ الرسلِ الذين أرسلهم اللهُ ، وذلك عام 652م، ومن هؤلاءِ القادةِ الذينَ أرسلَ النبي ﷺ إليهم رسائلَهُ هرقلُ ع ظيمُ الرومِ، فلما جاءهُ كتابُ النبيِّ ﷺ أرادَ أنْ يعرفَ هل النبيُّ ﷺ صادقٌ أم كاذبٌ فاستخدمَ في ذلك أسلوبَ طرحِ الأسئلةِ المحددةِ التي تكشفُ عن حقيقةِ الشخصيةِ، واستوثقَ من المسؤولِ حتى لا يكونَ جوابُهُ مخالفًا للواقعِ، فاختارَ أقربَ الناسِ إلى النبيِّ ﷺ، وجعلَ عليه رقباءَ يستمعونَ إليه، حتى إذا ما كذبَ أو حادَ عن الصوابِ نبَّهُوهُ إلى ذلك. ونظرًا لعظَمِ هذا الحديثِ في بيانِ صدقِ النبيِّ ﷺ، واعترافِ أحدِ ملوكِ النصارى بذلك، آثرنا إيرادَهُ بتمامِهِ لكثرةِ فوائدِهِ ودلالاتِهِ. عن ابنِ عباس أنَّ أبا سفيانَ أخبر هُ مِنْ فِيهِ إلى فِيهِ قالَ: انطلقتُ في المدةِ التي كانت بيني وبينَ رسولِ اللهِ (1) ﷺ قالَ: فبينا أنا بالشامِ إذ جيءَ بكتابٍ من رسولِ اللهِ ﷺ إلى هرقلَ - يعني عظيمَ الرومِ - قالَ: وكان دِحْيةُ الكلبيُّ جاءَ به فدفعهُ إلى عظيمِ بُصرى، فدفعه عظيمُ بُصرى (2) إلى هرقلَ، فقالَ هرقلُ: هل ها هنا أحدٌ من قومِ هذا الرجلِ الذي يزعمُ أنه نبيٌّ؟ قالوا: نعمِ، قالَ: فدُعيتُ في نفرٍ من قريشٍ، فدخلنا على هرقلَ، فأجلسَنَا بين يديهِ فقال: أيكُّم أقربُ نسبًا من هذا الرجلِ الذي (1) أي فترة الصلح بين النبي ﷺ وبين قريش، وكانت عام (652م (2) بُصرى: في سوريا وتقع على بعد04 كم شرق مدينة درعة الآن
عدد الصفحات ١٣٢032 |محمد رسول اﷺ يزعمُ أنه نبيٌّ؟ فقال أبو سفيان: فقلتُ أنا، فأجلس وني بين يديهِ، وأجلسوا أصحابي خلفي، ثم دعا بترجمُانِهِ فقالَ له: قلْ لهم: إني سائلٌ هذا عن هذا الرجلِ الذي يزعمُ أنه نبيُّ، فإنْ كذبَني فكذِّبوه. قالَ فقالَ أبو سفيانَ: وايم اللهِ لولا مخافةُ أنْ يؤثرَ (1) عليَّ الكذبُ لكذبتُ. ثم قالَ لترجمانِهِ: سَلْهُ كيف حَسَبُه فيكم؟ قالَ: قلتُ: هو فينا ذُو حسبٍ، قالَ: فهلْ كانَ من آبائِهِ ملكٌ؟ قلت: لا. قالَ: فهل كنتم تتهمونهُ بالكذبِ قبلَ أنْ يقولَ ما قالَ؟ قلتُ: لا. قالَ: ومن يتبعهُ أشرافُ الناس أم ضعفاؤهم؟ قالَ: قلتُ: بل ضعفاؤهم. قالَ: أيزيدون أم ينقصون؟ قالَ: قلتُ: لا بل يزيدون. قالَ: هل يرتدُّ أحدٌ منهم عن دينِهِ بعدَ أن يدخلَ فيه سخْطَةً له؟ قالَ: قلتُ: لا. قالَ: فهل قاتلتموه؟ قلتُ: نعم. قالَ: فكيف كانَ قتالُكم إيَّاه؟ قالَ: قُلتُ: تكونُ الحربُ بيننا وبينه سجالاً يُصيبُ منا ونُصيبُ منه. قالَ: فهل يغدرُ؟ قلتُ: لا. و نحنُ منه في مُدةٍ لا ندري ما هو صانعٌ فيها. قالَ: فواللهِ ما أمكنني من كلمةٍ أُدخلُ فيه شيئًا غيرَ هذه. قالَ: فهل قالَ هذا القولَ أحدٌ قبلَهُ؟ قالَ: قلتُ: لا. قالَ لترجمانِهِ قلْ له: 1- إنيِّ سألتُكَ عن حسبِهِ فزعمتَ أنه فيكم ذو حسبٍ، وكذلك الرسلُ تُبعثُ في أحسابِ قومِها. 2- وسألتُك هل كانَآبائِهِ ملكٌ فزعمتَ أنْ لا. فقلتُ: لو كانَ من آبائِهِ ملكٌ قلتُ: رجلٌ يطلبُ ملكَ آبائِهِ. (1) يؤثر: ينقل
عدد الصفحات ١٣٣محمد رسول اﷺ|033 3- وسألتُكَ عن أتباعِهِ أضعفاؤهم أمْ أشرافُهم فقلتَ: بل ضعفاؤهم وهم أتباعُ الرسل. 4- وسألتُكَ هل كنتم تتهمونهُ بالكذبِ قبلَ أنْ يقولَ ما قالَ فزعمتَ أنْ لا. فقد عرفتُ أنه لم يكنْ ليدعَ الكذبَ على الناسِ ثم يذهبُ فيكذبُ على اللهِ. 5- وسألتُكَهل يرتدُّ أحدٌ منهم عن دينِهِ بعدَ أنْ يدخلَهُ سخطةً له فزعمتَ أنْ لا. وكذلك الإيمانُ إذا خالطَ بشاشةَ القلوبِ (1). 6- وسألتُ هل يزيدونَ أو ين قصونَ فزعمتَ أنهم يزيدون وكذلك الإيمانُ حتى يتمَّ. 7- وسألتكَهل قاتلتموه فزعمتَ أنَّكم قد قاتلتموه فتكونُ الحربُ بينكم وبينه سِجالاً ينالُ منكم وتنالونَ منه. وكذلك الرسلُ تُبتلى ثم تكونُ لهم العاقبةُ. 8- وسألتكهل يغدِرُ فزعمتَ أنه لا يغدرُ. وكذلك الرسلُ لا تغدرُ. 9- وسألتُكَهل قالَ هذا القولَ أحدٌ قبلَهُ فزعمتَ أنْ لا. فقلتُ: لو قالَ هذا القولَ أحدٌ قبلَهُ قلتُ: رجلٌ ائتمَّ بقولٍ قيل قبلَهُ. 11- قالَ ثمَّ قالَ: بمَ يأمرُكم قلتُ: يأمرُنا بالصلاةِ والزكاةِ والصلةِ والعفافِ قالَ: إنْ يكنْ ما تقولُ فيه حقًّ ا فذنه نبيٌّ، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارجٌ، ولم أكنْ أظنهُ منكم، ولو أني أعلمُ أني أخلصُ إليه لأحببتُ لقاءَهُ، ولو كنتُ عندَهُ لغسلتُ عن قدميهِ، وليبلغنَّ مُلكُه ما تحتَ قدميَّ . (1) بشاشة القلوب: انشراحها
عدد الصفحات ١٣٤