22 |مختصرغاية السول النوعُ الثاني: ما اختُ صَّ به ﷺ من المحرماتِ وذلك تكرمةً له، فإن أجرَ تركِ المحرَّ مِ أكثرُ من أجرِ ترك المكروهِ وفعلِ المندوبِ؛ إذ المحرَّمُ في المنهياتِ كالواجب في المأموراتِ، وهي أيضًا قسمان:
عدد الصفحات ٢٣مختصرغاية السول|23 الأول: المحرماتُ في غيرِ النكاحِ 6- الزكاةُ فإنها حرامٌ عليه، وشاركهُ في ذلك ذوو القُربى بسببِه أيضًا، فالخاصيةُ عائدةٌ إليه؛ «فذنها أوساخُ النا سِ » كما أخرجه مسلم(1)، ومنصبُه منزَّهٌ عن ذلك، وهي أيضًا تُعطَى على سبيل الترحُّم المنبئ عن ذلِّ الآخذِ، فأُبدِلوا عنها بالغنيمةِ المأخوذةِ بطريقِ العزِّ والشرف المنبئ عن عزِّ الآخذِ وذلِّ المأخوذِ منه. وأمَّا صدَقةُ التطوعِ ففي تحريمِها عليه وعلى آلِه أرب عةُ أقوالٍ، أصحُّها: تحرمُ عليه دونهَم. وحكى ابنُ الصلاحِ عن أمالي أبي الفرجِ السرخسيِّ أن في صرفِ الكفارةِ والنذرِ إلى الهاشمي قولَينِ، والظاهرُ جريانهُما في المطلبي أيضًا؛ لأنه في معناه. 7- كانﷺ لا يأكُلُ البصلَ والثومَ والكراثَ، وما له رائحةٌ كريهة من البقول: في الصحيحين من حديثِ جابرٍ أنه ﷺ أُتيَِ بقِدرٍ فيه خَضِِاتٍ من البقولِ، فوجد لها ريحًا، فسأل فأُخبرَِ بما فيها من البقولِ، فقال: «قر بوها »، إلى بعضِ أصحابِه، فلما رآه كرِهَ أكلَها فقال: «كُلْ؛ فذني أناجي من لا تُناجي »(2). وهل كان ذلك حرامًا عليه؟ فيه وجهان، أحدهما: نعم؛ كيلا يتأذَّى المَلَكُ، وأشبههما: لا؛ وإنما كان ﷺ يمتَنِعُ منه ترفُّعًا. وفي صحيح مسلمٍ من حديثِ أبي أيوبَ: أحرامٌ هو؟ قال : «لا، ولكن ي أكرَهُه من أجلِ ريحِه »، قال: فإني أكرَهُ ما كرِهتَ، قال: وكان النبي ﷺ يُؤتى. (1) صحيح مسلم5475.) (2) أخرجه البخاري211)، ومسلم160.)
عدد الصفحات ٢٤24 |مختصرغاية السول يعني: يأتيه جبريلُ بال وحي(1). وهذا صريحٌ في نفي التحريم وإثباتِ الكراهةِ. 8- أنهﷺ كان لا يأكُلُ متَّكئًا: ففي صحيحِ البخاريِّ من حديث أبي جُحَيفةَ قال: كنت عند رسولِ ا ﷺ فقال لرجلٍ عنده: «أنا لا آكُلُ وأنا متَّكئٌ »(2). وهل كان ذلك حرامًا عليه أو مكروهًا كما في حقِّ الأمة، في ه وجهان، أشبههما الثاني، وجزَمَ بالأولِ صاحبُ التلخيص؛ لما فيه من الكبرِ والعجبِ، وعلَّلَ الأولُ بأنه لم يثبتْ فيه ما يقتضَ التحريمَ، واجتنابُ رسولِ الله ﷺ الشيءَ واختيارُه غيره لا يدلُّ على كونه محرَّمًا عنده. إذا تقرَّر ذلك فما المرادُ بالمتكئ؟ فيه خلافٌ : قال الخطابي: المرادُ به هنا الجالسُ المعتمدُ على وطاءٍ تحتَه (3)، وأقرَّه عليه البيهقيُّ في سننِه (4)، وأنكرَه عليه ابنُ الجوزيِّ وقال: المرادُ به المائلُ على جنب، وأما صاحب الشفاء ففسرََّه بما قاله الخطابيُّ ثم قال: وليس هو الميلَ على شقٍّ عندَ المحققين (5)، وكذا قال ابنُ دحيةَ كتابِه «المستوفَّ في أسماء المصطفى» أن الاتكاءَ في اللغةِ هو التمكنُ في الأكلِ (1) صحيح مسلم5413.) (2) صحيح البخاري1322.) (3) أعلام الحديث للخطابي 3/5402، معالم السننللخطابي 5/501 . (4) السنن الكبرىللبيهقي 7/065. (5) الشفاللقاضي عياض(ص534.)
عدد الصفحات ٢٥مختصرغاية السول|25 9- الخَطُّ والش عرُ قال تعالى: (ﮋ ﮌ ﮍ ) [02] الآية، وقال تعا(ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ) [62] الآية، وهما حرامانِ عليه. ولا يمتنِعُ تحريمُهما وإن لم يحسنْهُما، ويكون المرادُ: تحريمُ التوصُّلِ إليهما. وما روي عنه ﷺ من الرجزِ كقولِه: هل أنت إلا أصبعٌ دَمِيتِ ... (1)، قال الأخفشُ: إنه ليس بشعرٍ. وقيل: إنه ﷺ لم يقصِدهُ، وإنما وقعَ مرجَّزًا ولا يُسمَّى شعرًا ولا قائلُه شاعرًا. قال الحربيٌّ: ولم يبلُغني أنه ﷺ أنشدَ بيتًا كاملاً على روِيِّهِ (2). 11- كان يحَرُمُ عليه إذا لبسَ لأَْمَتَهُ أن ينزِعَها حتى يلقى العدوَّ ويقاتلَ : ففي سننِ البيهقيِّ: «لا ينبغي لنبيٍّ إذا أخذَ لأمة الحربِ وأذَّنَ في الناس بالخروج إلى العدو أن يرجعَ حتى يقاتلَ »(3)، وذكرهُ البخاريُّ في صحي حِهِ في باب المشاورةِ، بغير إسنادٍ (4). قال ابنُ فارس: اللأمة –مهموز-: الدرع. وجمعها: لأَْم (5)، كتمرة وتمر 11- كان يحَرُم عليه مدُّ العينِ إلى ما مُت عَ به الناسُ ؛ لقوله تعالى: (ﮜ ﮝ ﮞ) [535] الآية (1) أخرجه البخاري5245)، ومسلم5726.) (2) انظر: المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث لأبي موسى المديني 5/737، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 5/522 . (3) السنن الكبرىللبيهقي 7/61. (4) علقه البخاري قبل حديث7362.) (5) مجمل اللغة لابن فارس 3/244.
عدد الصفحات ٢٦26 |مختصرغاية السول 12- كان يحَرُمُ عليه خائنةُ الأعينِ ؛ لأنه ﷺ لما كان يومُ فتحِ مكةَ آمن الناسُ إلا ستةً، منهم: عبد الله بن أبي سرَحٍ، فاختبَأَ عند عثمانَ فلما دعا رسولُ الله ﷺ الناسَ إلى البيعةِ جاء به حتى أوقفَهُ على النبي ﷺ فقال: يا نبيَّ الله، بايِع عبدَ الله، فرفَعَ رأسهُ فنظرَ إليه ثلاثًا، كل ذلك يَأبى، فبايعه بعد ذلك، ثم أقبَ لَ إلى أصحابِه فقال: «أما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ يقومُ إلى هذا حين رآني كَفَفتُ عن مبايعتِه فيقتله؟! » فقالوا: يا رسول الله، ما ندري ما في نفسِك؟ أَلاَ أومَأتَ إلينا بعينِك. قال: «إنه لا يَنبغي لنبيٍّ أن يكون له خائنةُ الأعينِ »(1). واختلف في المرادِ بخائنةِ ا لأعينِ، كما قال ابنُ الصلاحِ في مشكله، فقيل: هي الإيماءُ بالعين، وقيل: مسارقةُ النظرِ (2). وعبارةُ الرافعي هي: الإيماءُ إلى مباحٍ من ضربٍ أو قتلٍ على خلافِ ما يَظهرُ ويُشعِرُ به الحالُ. وإنما قيل لها: خائنةُ الأعين؛ تشبيهًا بالخيانة من حيث إنه يخُفِي خلافَ ما يُظهِر. ولا يحَرُم ذلك على غيرِه إلا في محظورٍ (3). 13- اختلَفَ أصحابُنا: هل كان يحرمُ عليه أن يصليَِّ على مَن عليه دَينٌ؟ على وجهينِ، والصوابُ: الجزمُ بجوازِه مع الضامنِ ثم نُسِخ التحريمُ، فكان النبيُّ ﷺ يصليِّ على مَن عليه دَينٌ ولا ضامنَ له ويوفِّيه من عن ده، والأحاديثُ الصحيحةُ مصرِّحةٌ بذلك. 14- كان يحَرُم عليه ﷺ أن يَمنَّ ليستكثِرَ، ومعناه: أن يُعطي شيئًا ليأخذَ أكثرَ منه، قال الله تعالى: (ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ) [6]. (1) أخرجه أبو داود5623)، والنسائي0467.) (2) شرح مشكل الوسيطلابن الصلاح 3/157. (3) الشرح الكب للرافعي 7/005.
عدد الصفحات ٢٧مختصرغاية السول|27 القسم الثاني: المحرمات المتعلقةُ بالنكاحِ 15- إمساكُ من كرهت نكاحَه ورغِبَت عنه واستُشهِدَ له بما رو اه البخاريُّ في صحيحه من حديث عائشةَ أن ابنةَ الجَونِ لما دخلت على رسولِ ا ﷺ ودنا منها فقالت: أعوذُ بالله منك، فقال: «لقد عُذتِ بعظيمٍ؛ اِلْـحَقي بأهلِك »(1). وفُهِمَ منه أنه حرمَ عليه نكاحُ كلِّ امرأة كرهت صحبتَه، وجديرٌ أن يكون الأمرُ كذلك؛ لما فيه م ن الإيذاءِ، ويَشهدُ لذلك إيجابُ التخييرِ المتقدم. 16- نكاحُ الحر ةِ الكتابيةِ حرامٌ عليه : قال الله تعالى (ﯞ ﯟ ) [6] الآية، وقال ﷺ: «سألتُ ر ألاَّ أُزوَّجَ أحدًا مِن أمتى و أَتزوَّجَ إلا كان معي في الجنةِ، فأعطاني »(2). وفي البيهقيِّ من حديثِ حذيف ةَ أنه قال لامرأتِه: إن سرَّك أن تكوني زوجتي في الجنةِ فلا تزوَّجِين بعدي؛ فإن المرأةَ في الجنةِ لآخرِ أزواجِها في الدنيا؛ فلذلك حُرِّمَ على أزواجِ النبيِّ ﷺ أن ينكحْنَ بعدَه؛ لأنهنَّ أزواجُه في الجنةِ (3). 17- في تسر يه بالأمَةِ الكتابيةِ خلافٌ، لكن الأظهر هن ا الحلُّ. 18- اختلَفَ أصحابُنا في تحريمِ الأمَةِ المسلمةِ على وجهَينِ، أحدُهما تحرمُ عليه كما في حقِّ أمَّتِه، وهو ﷺ أوسعُ نكاحاً من أمَّتِه. وأصحُّهما: يحرمُ؛ لأن جوازَه مشروطٌ بخوفِ العنتِ، وهو ﷺ معصومٌ، وبفقدانِ طَ وْ لِ الحرَّةِ، ونكاحُه ﷺ غيرُ مفتقرٍ إ لى المهرِ ابتداءً وانتهاءً، ولأن مَن نكحَ أمَةً كان ولدُه رقيقًا ومنصبُه ﷺ منزَّهٌ عن ذلك. (1) صحيح البخاري1510.) (2) أخرجه الحاكم3/502 (0667.) (3)أخرجه البيهقي في الكبرى7/555 (53055.)
عدد الصفحات ٢٨28 |مختصرغاية السول النوع الثالث ما اختُ صَّ به من المباحات والتخفيفات توسعةً عليه وتنبيهًا على أنه ما خُصَّ به مِن الإباحةِ لا تُلهيه عن طاعةِ الله وإن أُلهيَ غيرُه، وهو قسمانِ أيضًا: متعلقٌ بغيرِ النكاحِ، ومتعلقٌ به. واعلَمْ أن معظمَها لم يفعَلْها مع إباحتِها له، وليس المرادُ بالمباحِ هنا ما استوَى طرفاه، بل ما لا حرجَ في فعلِه ولا في تركِه، فإنه ﷺ واصَلَ، وسيأتي أن الإمامَ قال: إنه قربةٌ في حقِّه (1)، وكذا صفيُّ المغنمِ والاستبدادُ با مسِ -كما سيأتي- قد يكونُ راجحَ الفعلِ؛ لصرفِه في أهمِّ المصالحِ، وقد يكونُ راجحَ التركِ؛ لفقدِ هذا المعنى؛ فإن أفعالَه وأقوالَه كلَّها راجحةٌ مُثابٌ عليها فيما نظنُّه، حتى في أكلِه وشربِه؛ لأن الواحدَ منَّا يُندبُ له أن يقصدَ وجهَ الله بذلك، وهو بذلك أولى ، والله أعلم. (1) نهاية المطلبللجويني 0/75.
عدد الصفحات ٢٩مختصرغاية السول|29 القسم الأول: المباحات له في غيرِ النكاحِ 19- الوصالُ في الصومِ أبيحَ له ﷺ: قال ﷺ -لما قيلَ له: إنك تُواصِل! -: «إني لستُ مثلَكم؛ إني أُطعَم وأُسقى »، متفقٌ على صحته (1). كذا قاله الشافعي(2) والجمهور أنه من المباحاتِ، وقال الإمام: هو قربةٌ حقِّ ه(3). 21- اصطفاءُ ما يختارُه من الغنيمةِ قبل قِسمتِها من جاريةٍ أو غيِّها : ويُسمَّى المختارُ الصفيَّ والصفيَّةَ، والجمعُ: الصفايا. ومن صفاياهُ ﷺ: صفيةُ بنتُ حيَيٍّ، اصطفاها وأعتقَها وتزوجها، كما أخرجَ البخاريُّ ومسلمٌ من حديث أنس (4)، وفي سنن أبي داود من حديث عائشةَ أنها من الصفي(5). قال أبو عمر:وأجمعَ العلماءُ على أنه خاصٌّ به (6). قلتُ: حكَى القرطبيُّ عن بعضِ العلماءِ أنه قال: هو للأئمةِ بعدَه (7). (1) أخرجه البخاري5265)، ومسلم5545 .) (2) مخت المزني (ص26 .) (3) نهاية المطلبللجويني 0/75. (4) صحيح البخاري5223 وأخر)، وصحيح مسلم5361.) (5) سنن أبي داود5220.) (6) الاستذكار1/23، التمهيد لابن عبد البر 54/00. (7) الجامع لأحكام القرآنللقرطبي 2/53، وهو قول أبي ثور
عدد الصفحات ٣٠31 |مختصرغاية السول وذكَرَ الرافعيُّ أن سيفَه ذا الفَ قارِ كان من الصفِيِّ (1)، وروى أحمدُ والطبرا والترمذي وابنُ ماجه من حديث ابن عباسٍ أنهﷺ تنفَّلهُ يومَ بدرٍ (2). وحكَى الإمامُ قبلَ كتابِ قسمِ الصدقاتِ وجهَينِ: في أن الصفيَّ كان للنبي ﷺ خارجًا من سهمِه، أو كان محسوبًا عليه من سهمِه (3).. 21- الاستبدادُ بخُمسٍ من خُُسِ الفيء والغنيمة ، وبأربعةِ أخماسِ الفيء منفردًا بذلك، وله مع خمُ سِ الغنيمة سهمٌ كسهام الغانمين؛ قال تعالى: (ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ...) الآية [05]. وعن عمرِو بن عنبسةَ قال: قال رسول ا ﷺ: «لا يحلُّ ل من غنائِمِكم مثلُ هذا، إلا الخُمسَ، والخمسُ مردودٌ فيكم » رواه أبو داود والحاكمُ وهو ع شرطِ البخاري (4). 22- أن مالَه لا يورَث عنه ، قال ﷺ: «لا نُورَث ما تركناهُ صدقةٌ » متفق على صحته من حديث جماعةٍ (5). (1) الشرح الكبللرافعي 7/006. (2) مسند أحمد 0/512 (5001)، سنن ابن ماجه 5242)، سنن الترمذي 5165)، المعجم الكب للطبراني 54/343 (54733.) (3) نهاية المطلبللجويني 55/135. (4) سنن أبي داود5711)، المستدرك للحاكم3/02. (5) أخرجه البخاري 3423 وأخر)، ومسلم 5712) من حديث أبي بكر. وأخرج ه البخاري ( 3420 وأخر)، ومسلم5717) من حديث عمر. وأخرجه البخاري6757 وأخر)، ومسلم5712) من حديث عائشة. وأخرجه البخاري (5776)، ومسلم5765) من حديث أبي هريرة
عدد الصفحات ٣١مختصرغاية السول|30 وهذا ليس خاصًّا به ﷺ مِن بينِ سائرِ الأنبياءِ عليهم السلام، ففي السننِ الكبرى للنسائي من حديثِ الزبيرِ وغيرِه: «إنَّا معشرَ الأنبياءِ لا نُورَثُ، ما تركناه فهو صدَقةٌ »(1)، نعم يمتازُ به مِن بينِ أمَّتِه. وما الحكمةُ في كون الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام لا يورثون؟ فيه أوجهٌ: أحدها: لئلا يتمنَّى قريبُهم موتهَم فيهلك بذلك. ثانيها: لئلا ينفِرَ الناسُ عنهم، ويظنوا فيهم الرغبةَ في الدنيا وجمَْعَها لوراثِهم بهم. ثالثها: لئلا يُفتَ ن بعض الذين أسلموا وتابعوهم بظنِّهم فيهم الرغبةَ والجمعَ لوراثِهم. فما الجوابُ عن قوله تعالى: (ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ) الآية [1-6]، وقوله تعا (ﭯ ﭰ ﭱ ) الآية [ 56]؟ قلت: المرادُ الوراثةُ في النبوةِ والعلمِ والدين لا في المالِ، والصوابُ الذي عليه جميعُ العلماءِ: أن جميعَ الأنبياءِ لا يورثون، ويُؤَوَّل ذلك بما سبق. 23- كان لهﷺ أن يَقضَِِ بعلمِه ، وفي غيرِه خلافٌ. 24- كان يقبلُ شهادةَ من يشهد له كما قَبِلَ شهادةَ خزيمةَ لنفسِه، وقصته في أبي داود والحاكم وصححها(2). (1) النسائي في الكبرى6571)، (2) سنن أبي داود3647)، مستدرك الحاكم5/52،3/326.
عدد الصفحات ٣٢32 |مختصرغاية السول 25- لهﷺ أن يأخُذَ الطعامَ والشرابَ من مالِكِ هما المحتاجِ إليهما إذا احتاجَ إليهما، وإن كان مالكُهُما محتاجًا، وعليه البذلُ ويَفدي مهجَتَه بمهجتِه عليه أفضل الصلاة والسلام، قال تعالى: (ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ) [6]. ومثلُه: لو قصدَهُ ظالمٌ وجب على من حضَِه أن يبذُلَ نفسَه دونه ﷺ كما وقاهُ طلحةُ بنُ عبيدِ ا لله بنفسِه يومَ أُحدٍ (1). 26- أنه يجبُ على أُمَّتِه أن يحُبوه أعلى درجاتِ المحبة ، كما ثبت في الصحيحِ أنه ﷺ قال: «لا يؤمنُ أحدُكُم حتى أكونَ أحبَّ إليه من أهلِه ومالِه ووالِدِه وولَدِه والناسِ أجمعين »(2). وأسبابُ المحبة: الإجلالُ، والإعظامُ، والكمالُ في الصفا تِ المعنوية، والحسنِ، والإشفاقِ، وهي كلُّها موجودةٌ في حقِّه ﷺ ؛ فوجبت له المحبةُ الكاملة. 27- كان لا ينتَقِضُ وضوؤه بالنومِ بخلافِ غيرِه؛ لأنه كانت تنامُ عيناهُ ولا ينامُ قلبُه، كما ورد في الصحيح (3) . وفيه إشارةٌ على أن نومَ العينِ المجردةِ لا ينقضُ الوضوءَ (1) أخرجه البخاري (3255.) (2) أخرجه البخاري51)، ومسلم00 .) (3) أخرجه البخاري3162)، ومسلم237.)
عدد الصفحات ٣٣مختصرغاية السول|33 القسم الثاني التخفيفاتُ المتعلقةُ بالنكاحِ 28- أُبيحَ له ﷺ الجمعُ بين أكثر من أربعِ نسوةٍ وهو إجماعٌ، وقد مات ﷺ عن تسعِ زوجاتٍ. والنكاحُ في حقِّه ﷺ عبادةٌ بلا شكٍّ، ومن جملةِ فوائِدِه في حقِّه فائدتان عظيمتان: الأولى: نقلُ الشريعةِ التي لم يطَّلِع عليها الرجا لُ. الثانية: نقل محاسنِه الباطنةِ فإنه ﷺ مكملُ الظاهرِ والباطنِ. 29- انعقادُ نكاحِه بلفظِ الهبةِ؛ لقوله تعا (ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ) [14] . وعلى هذا لا يجبُ المهرُ بالعقدِ ولا بالدخولِ كما هو مقتضَ الهبةِ 31- انعقادُ نكاحِه بلا ولٍّ ولا شهودٍ ؛ لأن اعتبارَ الوليِّ للمحافظةِ على الكفاءةِ، ولا شكَّ فيه أنه ﷺ فوقَ الأكفاءِ، واعتبارَ الشهودِ لأمنِ الجحودِ وهو ﷺ لا يجحدُ، وإن جحدَتْ هي لم يُرجَعْ إلى قولهِا على خلاف قولِه، بل قال العراقي في شرح المهذب: تكونُ كافرةً بتكذيبِه . 31- أن المرأةَ تحلُّ له بتز ويجِ الله عز وجل ، قال الله تعالى: (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ) [37] الآية أي: أحلَلنَا لك نكاحَها، وكانت تفتَخِرُ على صواحباتهِا بذلك، وتقول: زوجكُنَّ أهلوكُن، وزوَّجني الله من فوقِ سبعِ سمواتٍ. رواه البخاري من قولِ أنسٍ (1). (1) صحيح البخاري7054.)
عدد الصفحات ٣٤34 |مختصرغاية السول النوع الرابع ما اختُ صَّ به ﷺ من الفضائلِ والكرامات وهي أيضا قسمان: متعلقٌ بالنكاح، وغيرُ متعلق به: القسم الأول: المتعلِ قُ بالنكاح 32- أن أزواجَه اللاتي تُوفي عنهن محرماتٌ على غيرِه أبدًا، قال ا تعالى: (ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ) [13]؛ لأنهن أمهاتُ المؤمنين، قال تعا (ﯞ ﯟ ) [لأحزاب 6] أي: مثل أمهاتهِم في وجوبِ احترامِهنَّ وطاعتِهنَّ، وتحريمِ نكاحهنَّ لما إحلالهن لغيرِه من النقصِ لمنصبِه. وقد تزوَّج رسولُ الله ﷺ كثيرًا، قال الماورديُّ: ثلاثًا وعشرين: ستٌ متْنَ قبلَه، وتسعٌ ماتَ قبلَهن، وثمانٍ فارقهنَّ: فمِناللاتي متْنَ قبلَ ه: خديجةُ بنتُ خويلدٍ ، وهي أولُ نسائِه، تزوَّجها قبلَ النبوةِ عندَ مرجعِه من الشام وعمرُه خمس وعشرون سنةً، وهي أمُّ أولادِه خلا إبراهيمَ، فإنه مِن ماريةَ القبطيةِ، ولم يتزوَّج على خديجةَ حتى ماتَتْ، وكان موتهُا قبلَ الهجرة بثلاثِ سنين، وهي أولُ مَن آمنَ مِن النساءِ قطعًا، وقال ﷺ في حقِّها: «خيُِّ نسائِها مريمُ بنتُ عمرانَ، وخيُِّ نسائِها خديجةُ »(1)، وقالت عائشةُ : ما غرتُ على امرأةٍ ما غرتُ عليها؛ مِن كثرةِ ذكرِ رسولِ الله إياها، وأمرَه ربُّه أو جبريلُ أن يبشرَها ببيتٍ في الجنةِ من قصبٍ، رواه البخاري (2). (1) أخرجه البخاري3035)، ومسلم3277.) (2) أخرجه البخاري6440)، ومسلم5031.)
عدد الصفحات ٣٥مختصرغاية السول|35 وأمَّا التسعُ اللاتي مات عنهن فالأولى: عائشةُ بنتُ الصديقِ ، تزوَّجَها بعدَ موتِ خديجةَ بسنتين أو ثلاث، أيضًا بمكةَ، وهي بنتُ سبع أو ست، وبنى بها بالمدينة في شوال في السنة الثانية وهي بنت تسع، ولم يتزوَّجْ بكرًا غيرَها، ومات عنها وهي بنتُ ثماني عشرةَ س نةً، وهي أولُ أمرأةٍ تزوَّجَها بعدَ خديجةَ، وقيل بل تزوَّجَ قبلَها سودةَ بنتَ زمعةَ، وكانت عائشةُ أحبَّ نسائِه إليه . الثانية: سودةُ بنتُ زمعةَ ، تزوَّجَها بعدَ عائشةَ. الثالثة: حفصةُ بنتُ عمرَ بن الخطاب ، تزوَّجَها بالمدينةِ بعدَ سودةَ الرابعة: أمُّ حبيبة بنتِ أبي سفيانَ - رملة -، كانت تحتَ عبيدِ الله بنِ جحشٍ مات عنها بأرضِ الحبشةِ. الخامسة: أمُّ سلمةَ هندُ بنتُ أبي أميةَ بن المغيِّةِ المخزوميةُ، تزوَّجَها بعدَ وفاةِ أبي سلمةَ عبد الله بن عبدِ الأسدِ. السادسة: ميمونةُ بنتُ الحارثِ خالةُ ابنِ عباسٍ، وكَّلَ النبيُّ ﷺ أبا رافعٍ في قبولِ نكاحِها وهي بمكةَ، ودخَلَ بها عامَ الفتحِ سنة ثمان بسرف وبه ماتت، وبدأ به ﷺ المرضُ في بيتِها، قال عطاء: وكانت آخرهن موتًا، ماتت بالمدينةِ. السابعة: صفيةُ بنتُ حيي بن أخطب، مِن سبي بني النضير، من ولدِ هارونَ عليه السلام، اصطفاها ﷺ وأعتقَها وتزوَّجَها في سنةِ سبعٍ. الثامنة: جويريةُ بنتُ الحارثِ ، من بني المصطلق مِن خزاعةَ، سُبيتْ في غزوة المريسيع، وجعل ﷺ عتقَها صداقَها، فلما تسامعَ الناسُ أن رسولَ الله ﷺ تزوَّجَها
عدد الصفحات ٣٦36 |مختصرغاية السول أرسلوا بما في أيدِنّم من السبيِ فأعتقوهم وقالوا: أصهارُ رسولِ الله ﷺ! فكانت أبركَ امرأةٍ على قومِها؛ عُتِقَ بسببها أكثرُ من مائةِ أهلِ بيتٍ من بني المصطلق. التاسعة: زينبُ بنتُ جحش ٍ، وكانت ابنةَ عمتِه؛ لأن أمَّها أميمةُ بنتُ عبدِ المطلب. وأمَّا الثمان اللاتي فارقهنَّ في حياتِه، فمنهن: أسماءُ بنتُ النعمانِ الكنديةُ المستعيذةُ على أحدِ الأقوالِ (1). 33- أزواجُه ﷺ أمهاتُ المؤمنين قال تعالى (ﯞ ﯟ ) [ 6]، فأزواجُه ﷺ أمهاتُ المؤمنين سواءٌ مَن مات تحتَه ومَن مات عنها وهي تحتَه، وذلك في تحريمِ نكاحِهن ووجوبِ احترامِهن وطاعتِهن. ولا يثبتُ لهن حكمُ الأمومةِ في جوازِ الخلوةِ والمسافرةِ ، ولا في النفقةِ والميراثِ، ولا يتعدَّى ذلك إلى غيرِهن، فلا يُقال: بناتهُن أخواتُ المؤمنين. 34- تفضيلُ زوجاتِه على سائرِ النساء، وجَعْلِ ثوابهن وعقابهن مضاعفًا، قال الله تعالى: (ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ) الآيتين [34-35]. واختلفَ العلماءُ في مضاعفةِ العذابِ: فقي ل: عذابٌ في الدنيا وعذابٌ في الآخرة، وغيرهن إذا عوقِبَ في الدنيا لم يعاقَب في الآخرة؛ لأن الحدودَ كفاراتٌ. وقيل: حَدَّان في الدنيا. (1) الحاوي الكبللماوردي 2/56-57.
عدد الصفحات ٣٧مختصرغاية السول|37 القسم الثاني كراماتُ ه في غيرِ النكاح 35- أنه خاتَمُ النبيين، ولا يعارضُه ما وردَ من نزولِ عيسى ﷺ آخرَ الزمانِ؛ فإنه لا يأتي بشريعةٍ ناسخةٍ بل مقررًا لها عاملاً بها. 36- أن أُمتَه خيرُ الأمم (1)، معصومة لا تجتمعُ على ضلالٍ أبدًا 37- أن إجماعَها حجةٌ على الصحيحِ، وفي غيرها من الأمم خلافٌ 38- أن شريعتَه مؤبدةٌ وناسخةٌ لجميع الشرائعِ 39- أن كتابَهُ مُعجِزٌ بخلافِ سائر كتبِ الأنبياءِ، محفوظٌ عن التح ريفِ والتبديلِ، وأقيمَ بعده حجةً على الناس، ومعجزاتُ سائرِ الأنبياء انقَرَضَت بانقراضِهم. 41- أنهﷺ قال: «نُصِِتُ بالرعبِ مسيِّةَ شهرٍ » كما ثبت في الصحيح(2). 41- أن رسالتَهُ عامةٌ إلى الإنس والجنِّ، وكلُّ نبي بُعثَ إلى قومه خاصةً (3). وأما نوحٌ عليه السلام فصارت رسا لتُه عامةً بعد الطوفان لانحصارِ الباقين فيمن كان معه في السفينةِ. 42- جُعِلَت له ولأمَّتِه الأرضُ مسجدًا وطهورًا (4). (1) ويدل له قوله تعا(ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ) [54.] (2) أخرجه البخاري331.) (3) السابق، والشاهد فيه« أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي... وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة». (4) السابق، والشاهد فيه«أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي... وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأي رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل».
عدد الصفحات ٣٨