066 |محمد رسول اﷺ 31-من حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة هناك طائفةٌ من الناسِ كان قدرهم أن يصابوا ببعض البلاء في أعضائهم ، فانعكس عليهم ذلك حياتيًا، وربما أن بعض النا س لا نّتم بهم، ولا ينتبهون لأحاسيسِهم ومشاعرِهم ومشكلاتهِم. لم ينسَ النبيُّ ﷺ ذوي الاحتياجاتِ الخاصةِ، وإنما حباهم بعطفِه ورعايتِه. فهذه امرأةٌ كانَ في عقلها شيءٌ، أوقفتْ النبيَّ ﷺ وقالتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ لي إليك حاجةً، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لها: «يا أم فلان! خذي في أي الطريقِ شئتِ، قومي فيه حتى أقومَ معك »، فخلا معها رسولُ اللهِ ﷺ يناجيها، حتى قضَ حاجتَها(1) . وكانَﷺ يزورُهم في بيوتهم، فقالَ يومًا لأصحابِهِ: «انطلقوا بنا إلى بني واقفٍ نزورُ البصيَِّ - رجلٌ مكفوفُ البصرِ ـ »(2) . وانظر كيف سمَّى الأعمى ب صيرًا تفاؤلاً. وبشرََّ النبيُّ ﷺ هؤلاءِ المبتلَينْ ببشاراتٍ عظيمةٍ منها قولُهُ ﷺ: «إنَّ اللهَ عز وجلَّ قالَ: إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه - أي بذهابِ نورِ عينيه - فصبرَ، عوضتُه منهما الجنةَ »(3) . (1) رواه أحمد53131.) (2) رواه الطبرا5133.) (3) رواه البخاري1555)، وأحمد55455.)
عدد الصفحات ١٦٧محمد رسول اﷺ|067 وحثﷺ على هدايةِ الأعمى وضعيفِ البصرِ فقالَ ﷺ: «وبصُِكَ للر جلِ الرديءِ البصِِ صدقةٌ »(1) . وجاءتِ امرأةٌ بها لمَمٌ - نوعٌ من الجنونِ - إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالتْ: يارسولَ اللهِ! ادعُ اللهَ لي. فقالَ: «إنْ شئتِ دعوتُ اللهَ فشفاكِ، وإنْ شئتِ صبرتِ ولاحسابَ عليكِ »، قالتْ: بل أصبرُ ولا حسابَ ع (2) . وقالَ ابنُ عباس ل عطاءٍ: ألا أريكَ امرأةً من أهلِ الجنةِ؟ قالَ عطاءٌ: بلى، قالَ ابنُ عباسٍ: تلك المرأةُ السوداءُ، أتت النبيَّ ﷺ فقالتْ: إني أُصرعُ، وإني أتكشَّفُ، فادعُ اللهَ لي، قال: «إن شئتِ صبرتِ ولك الجنةُ، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يُعافيَكِ ، فقالتْ: أصبرُ، فقالتْ: إني أت كشفُ، فادعُ اللهَ لي أنْ لا أتكشَّفَ، فدعا لها (3). (1) رواه الترمذي5272.) (2) رواهأحمد (2355.) (3) رواه البخاري1554)، ومسلم0673.)
عدد الصفحات ١٦٨068 |محمد رسول اﷺ 34-من حقوق الطريق للطريقِ في الإسلامِ آدابٌ تمنعُ من إيذاءِ الناسِ والتحرشِ بهم كما يحدثُ في كثيرٍ من البلادِ. فعن النبيِّ ﷺ قالَ: «إياكم والجلوسَ على الطرقاتِ » قالوا: ما لنا بدٌّ، هي مجالسُنا نتحدثُ فيه ا، قالَ: «فذنْ أبيتم إلا المجالسَ، فأعطوا الطريقَ حقَّها »، قالوا وما حقُّها يا رسولَ اللهِ؟ قال: «غضُّ البصِِ، وكفُّ الأذى، وردُّ السلامِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُّ عن المنكرِ »(1) . ومن ذلك تحريمُ قضاءِ الحاجةِ في طرقِ الناسِ وأماكنِ الظلِّ، فقد قالَ ﷺ: «اتقوا اللعانين: الذي يتخلى في طريقِ الناسِ، أو في ظل هم »(2). ومن ذلك إماطةُ الأذى عن الطريقِ، فقد قالَ ﷺ: «مرَّ رجلٌ بغصنِ شجرةٍ على ظهرِ طريقٍ، فقالَ: واللهِ لأُنَح ينََّ هذا عن المسلمينَ لا يؤذيهم، فأُدخِلَ الجنةَ »(3). وقالﷺ: «لقد رأيتُ رجلاً يتقلبُ في الجنةِ في شجرةٍ قَطَعها من ظهرِ الطريقِ كانت تؤذي الناسَ »(4). (1) رواه البخاري5521)، ومسلم3264.) (2) رواه مسلم327)، وأبو داود53.) (3) رواه مسلم0700.) (4) رواه مسلم0701.)
عدد الصفحات ١٦٩محمد رسول اﷺ|069 35-من حقوق الحيوان رفعَ النبيُّ ﷺ لواءَ الرفقِ بالحيوانِ وأمرَ بالإحسانِ إليه وإطعامِهِ وسقايتِهِ وعدمِ تكليفِهِ ما لا يُطيقُ من العملِ، فقد قالَ النبيُّ ﷺ: «بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدَّ ع ليه العطشُ، فوجد بئرًا، فنزلَ فيها، فشربَ، ثم خرجَ فذذا كلبٌ يلهثُ، يأكلُ الثرى من العطشِ، فقالَ الرجلُ: لقد بلغَ هذا الكلبَ من العطشِ مثلُ الذي كان بلغَ منيِ، فنزلَ البئرَ، فملَ خُفَّه ماءً، ثم أمسكَهُ بفيهِ حتى رَقي، فسقىَ الكلبَ، فشكر اللهُ له، فغفر له». قالوا: يا رسولَ اللهِ وإنَّ لنا في هذه البهائمِ لأجرًا؟ فقال «في كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ »(1) . وكما أنَّ هذا الرجلَ غَفَرَ اللهُ له في كلبٍ سقاه، فقد ذَكَرَ النبي ﷺ جزاءَ من يعذبُ الحيوانَ فقالَ ﷺ: «عُذّبتِ امرأة في هِرَّة سجنَتْها حتى ماتت، فدخلتْ فيها النارَ، لا هي أطعمتْها وسقتْها إذ حبستْها، ولا هي تركتْها تأكلُ من خشاشِ الأرضِ »(2) . وعند ذبحِ الحيوانِ الذي يحلُّ أكلُهُ أمرَ النبي ﷺ بالإحسانِ إليه عند الذبحِ، فقالَ ﷺ: «إنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كل شيءٍ، فذذا قتلتم فأحسنوا القِتلةَ، وإذا ذبحتم، فأحسنوا الذبحةَ، وليُحِدّ أحدُكم شَفرتَهُ، وليُِّحْ ذبيحتَهُ »(3) . (1) رواه البخاري5524)، ومسلم0565.) (2) رواه البخاري5525)، ومسلم0564.) (3) رواه مسلم (3651)، والترمذي5352.)
عدد الصفحات ١٧٠071 |محمد رسول اﷺ وعن ابنِ عباسٍ أنَّ رجلاً أضجعَ شاةً وهو يحدُّ شفرتَهُ -أمَامَها- فقالَ النبيُّ ﷺ: «أتريدُ أن تمُِيتَها موتاتٍ؟ هلاَّ أحددتَ شفرتَكَ قبلَ أن تضجعَها »(1) . وقالَﷺ: «لعنَ اللهُ من مثَّل با لحيوانِ »(2) . وقالَﷺ: «منْ رَحِمَ ولو ذبيحة عصفورٍ، رَحمهُ اللهُ يومَ القيامةِ »(3). (1) رواه الحاكم7163.) (2) رواه النسائي0366)، والبخاري معلقًا 1425.) (3) رواه البخاري في الأدب المفرد325.)
عدد الصفحات ١٧١محمد رسول اﷺ|070 القسم الثاني محمد رسول الله ﷺ والقيم والأخلاق والفضائل مدخل تنبعُ قيمةُ الإنسانِ في رؤيةِ رسولِ اللهِ محمدٍ ﷺ من القيمِ والمثلِ التي يتمسكُ بها، ومن الفضائلِ التي تنبعُ من داخلِهِ فتغدو سلوكًا وواقعًا ملموسًا، ولهذا جاءَ خطابُهُ: «إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صورِكم ولا أموالِكم ولكنْ ينظرُ إ قلوبِكم وأعمالِكم»(1). ومن يتأملُ أقوالَ الرسولِ ﷺ يدركُ أنها ترمي إلى غرضٍ واحدٍ، هو طهارةُ النفسِ، وكمالهِا الإنسانيِّ، يؤكدُ هذا ح ديثُهُ الكريمُ: «إنما بعثتُ لأتممَ صالحَ الأخلاقِ »(2). والإنسانُ وإنْ كانَ في حاجةٍ إلى العلومِ فهو إلى القيمِ والأخلاقِ والفضائلِ أحوجُ، ذلك أنَّ ما يصيبُ المجتمعاتِ من ظلمٍ وقهرٍ إنما يُعزَى في الحقيقةِ إلى نقصٍ في الأخلاقِ لا إلى نقصٍ في العلمِ. ومن ثمَّ كانتِ الأخلاقُ الحسنةُ هي عنوانُ دعوةِ رسولِ اللهِ محمدٍ ﷺ فدعا إلى العدلِ بكلِّ معانيهِ والعدلِ مع كلِّ أحدٍ، ودعا إلى الرحمةِ حتى مع الحيوانِ، والحلمِ، والأمانةِ، والشجاعةِ، والتواضعِ، والوفاءِ، والأمنِ، وحسنِ الحديثِ، كما امتدتْ رؤيتُهُ الخلقيةُ إلى ق ضيةِ التوازنِ والوسطيةِ فكرًا وسلوكًا. (1) رواه مسلم0615.) (2) رواه أحمد2121.)
عدد الصفحات ١٧٢072 |محمد رسول اﷺ دعا أيضًا إلى حسنِ إدارةِ الوقتِ، وتحمُّل المسئوليةِ، وكانت دعوتُهُ الدءوبةُ للجدِّ والعملِ والكسبِ الحلالِ الطيبِ، وتولي الإنسانِ مسئوليةِ رقابةِ نفسهِ (الضمير). كما كان توجههُ نحو الفرد بِأنْ يحافظَ على نفسِهِ ويعتن يَ بمظهرِهِ ويحرصَ على سلامةِ صحتِهِ من خلال النظافةِ والتداوي أنَّى وجدَ إلى ذلك سبيلاً. دعا رسولُ اللهِ ﷺ إلى إقامةِ مجتمعٍ مبنيٍّ على احترامِ النفسِ البشريةِ، وحسنِ الأخلاقِ، يسودُهُ الحبُّ والودُّ، يعززُ ذلك أعمالٌ تطوعيةٌ متعديةُ النفعِ. كما أرسى مباد ئَ عمليةً مثلَ الشورى، وشرعيةِ دفعِ الظلمِ إنْ وقعَ، مع ذلك وضعَ آدابًا للحربِ والقتالِ ما أحوجَ البشرَ إليها الآنَ. كانت له رؤيةٌ نحوَ السعادةِ، والتفاؤلِ، وروحِ الدُّعابةِ، نّدنّا لكلِّ من يملأُ القلقُ قلبَهُ، ويفتتُ الحزنُ فؤادَهُ. فما أحوجَ البشريةَ ال يومَ على اختلافِ أديانهِم وأجناسِهم ليعيشوا هذه القيم في عالمِ الواقعِ ليسعدوا، والآنَ ننطلقُ نحو تفصيلٍ لهذا المدخلِ.
عدد الصفحات ١٧٣محمد رسول اﷺ|073 3-كيف تكسب الناس؟ إنَّ الناسَ بفطرتهِم يحبونَ صاحبَ الكلمةِ الرقيقةِ التي لا تََْدِشُ حياءً ولا تجرحُ شعورًا، وكذلك يحبونَ صاحبَ البسمةِ المشرقةِ والرأي السديدِ والنصحِ الرشيدِ ومن هنا اهتمَّ رسولُ اللهِ محمدٌ ﷺ بأسبابِ امتلاكِ القلوبِ. فقالَ ﷺ: «إنكم لن تَسَعوا الناسَ بأموالِكم، ولكنْ يسعُهم منكم بسطُ الوجهِ، وحسنُ الخلقِ »(1) . وقالَﷺ: «إنَّ أحبَّكم إلَّ أحاسنُكم أخلاقًا، المُوَط ئون أكنافًا، الذين يألفونَ ويُؤلفون، وإنَّ أبغضَكم إلَّ المشّاؤون بالنميمةِ، المفر قونَ بين الأحبةِ، الملتمسونَ للبرآءِ العيبَ »(2) . وقالَﷺ: «لا تحقرنَّ من المعروفِ شيئًا، ولوْ أنْ تلقى أخاك بوجهٍ طليقٍ »(3). وقالَﷺ: «تبسُّمُك في وجهِ أخيك صدقةٌ، وأمرُكَ با لمعروفِ، ونهيُكَ عن المنكرِ صدقةٌ، وإرشادُكَ الرجلَ في أرضِ الضلالِ لك صدقةٌ، وإماطتُكَ الأذى والشوكَ والعظمَ عن الطريقِ لك صدقةٌ، وإفراغُكَ من دلْوِكَ في دلوِ ِ أخيك لك صدقةٌ »(4)، وزاد البزار«وَبَصُِك للرجلِ الرديءِ البصِِ لك صدقةٌ »(5). (1) رواه البزار2100.) (2) رواه الطبرا231.) (3) رواه مسلم0764)، والترمذي5716.) (4) رواه الترمذي5272.) (5) رواه البزار0474.)
عدد الصفحات ١٧٤074 |محمد رسول اﷺ وقال ﷺ: «والكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ »(1) . وقالﷺ: «أطعمِ الطعامَ، وأفشِ السلامَ، وأطبِ الكلامَ، وصل بالليلِ والناسُ نيامٌ، تدخل الجنةَ بسلامٍ »(2). (1) رواه البخاري5767)، ومسلم5677.) (2) رواه أحمد2226.)
عدد الصفحات ١٧٥محمد رسول اﷺ|075 9-العـــــــدل من القيمِ الإنسانيةِ التي يسعدُ بها البشرُ جميعًا قيمةُ العدلِ وقد بينََّ اللهُ لنبيهِ ﷺ أنه يحبُّ العدلَ ويأمرُ به كما قالَ تعالى: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾ [24]، بل أمر بالعدلِ حتى مع العدوِّ المخالفِ، وحذّرَ من أنْ تكونَ العداوةُ سببًا في ظلمِ الآخرينَ والتعدي على حقوقِهم، فقالَ تعالى: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ﴾ [2]. وقالَ النبي ﷺ مبينًا وجوبَ العدلِ مع الجميعِ: «إنما أهلكَ من كانَ قبلكم أنهم كانوا إذا سرقَ فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، وإني والذي نفسي بيدِهِ، لوْ أنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقتْ لقطعتُ يدَها »(1) . وقالَﷺ: «إنَّ المقسطينَ عندَ ا ِ على منابرَ من نورٍ، الذين يعْدِلون في حُكْمِهم وأهليهم وما وُلُّوا »(2) . وقالَﷺ: «إنَّ اللهَ لا يُقدّس أمةً لا يأخذُ الضعيفُ حقَّه من القوي ، وهو غيِّ متعتعٍ (3)»(4) . (1) رواه البخاري3556)، ومسلم3526.) (2) رواه مسلم3046.) (3) غير متعتع: أي من غير أن يصيبه مكروه (4) رواه ابن ماجه5057.)
عدد الصفحات ١٧٦076 |محمد رسول اﷺ 1-الـرحـــمـة إنَّ من أجمعِ القيمِ الإنسانيةِ قيمةَ الرحمةِ، لأنَّ الرحمةَ لها آثارٌ عظيمةٌ من العفوِ والجودِ والتعاونِ مع ا لآخرين ومدِّ يدِ العونِ وإغاثةِ الملهوفِ وغيرِ ذلك ومن هنا كان من أخصّ صفاتِ النبيِّ ﷺ صفةُ الرحمةِ، لأنَّ اللهَ أرسله لرحمةِ البشريةِ فقالَ سبحانه: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ﴾ [547]. وقالَ تعالى في شأنِهِ ﷺ: ﴿ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾ [عمران:512]. وقالَ النبي ﷺ: «إني لم أُبعثْ لعانًا، إنما بعثتُ رحمةً »(1) . وقالَﷺ: «لا تُنزعُ الرحمةُ إلا من شقي »(2) . وقالَﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمنُ، ارحموا من في الأرضِ يرحمْكُم من السماءِ »(3) . وقالَﷺ: «من لا يَرْحمُ لا يرحمُ »(4). وقد شملتْ رحمتُ هُ ﷺ كلَّ شيءٍ حتى الحيوانَ، فقد قالَ رجلٌ للنبيِّ ﷺ: يا رسولَ اللهِ! إني لأذبحُ الشاةَ وأنا أرحمُها، فقالَ النبيُّ ﷺ: «والشاةُ إن رحمتَها رحمكَ اللهُ»(5). (1) رواه مسلم0740.) (2) رواه أبو داود0525)، والترمذي5206.) (3) رواه أبو داود0524)، والترمذي5207.) (4) رواه البخاري1132)، ومسلم0525.) (5) رواه أحمد52074.)
عدد الصفحات ١٧٧محمد رسول اﷺ|077 4-الحِـــــــــلم بلغَ النبيُّ ﷺ الذروةَ في مجالِ الحلمِ وكظمِ الغيظِ وشدةِ الاحتمالِ، قالَ أنسُ بنْ مالكٍ : كنتُ أمشي مع رسولِ اللهِ ﷺ وعليه بُردٌ نجرانيٌّ غليظُ الحاشيةِ، فأدركهُ أعرابيٌّ، فجبذهُ بردائهِ جبْذَةً شديدةً، حتى نظرتُ إلى صفحةِ عاتقِ النبيِّ ﷺ، قد أثرتْ بها حاشيةُ البرُد من شدةِ جبذتهِ، ثم قالَ: يا محمدُ! مُر لي من مالِ اللهِ الذي عندك. فالتفتَ إليه رسولُ اللهِ ﷺ، وضحكَ، ثم أمرَ له بعطاءٍ (1) . هكذا تقبلَ النبي ﷺ هذا التصرفَ السيِّئ من هذا الأعرابيِّ الجافي ولم يعاتبْهُ، وإنما تبسَّمَ في وجهِهِ وأعطاه ما يريدُ. وكانَ ﷺ نائماً في ظلِّ شجرةٍ، قد علَّقَ سيفَهُ بها، فجاءَ أعرابيٌّ فاخترطَ السيفَ، وشَهَرَهُ في وجهِ النبيِّ ﷺ، وقالَ: من يمنعك مني يا محمدُ؟! قال: «اللهُ» . فاضطربَ الأعرابيُّ ووقع السيفُ من يدِهِ، فأخذَ النبي ﷺ السيفَ وعفا عنه وأجلسَهُ بجوارِهِ (2). (1) رواه البخاري1365)، ومسلم5702.) (2) رواه البخاري5620)، ومسلم0535.)
عدد الصفحات ١٧٨078 |محمد رسول اﷺ 5-الأمـــــــانة من القيمِ الإنسانيةِ التي يُمدحُ المرءُ بالاتصاف بها قيمةُ الأ مانةِ، وقد قالَ تعالى: ﴿ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ﴾ [75]. والأمانةُ من الإيمانِ، ولذلكَ قالَ ﷺ: «لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له »(1). وعدَّ النبي ﷺ تضييعَ الأمانةَ من صفاتِ أهلِ النفاقِ، فقالَ: «آيةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حدّثَ كذبَ، وإذا وعد أخلفَ، وإذا اؤتمنَ خانَ »(2) . وقالَﷺ: «إذا ضُيّعتِ الأمانةُ فانتظرْ الساعةَ » قالوا: كيفَ إضاعتُها؟ قال «إذا وسّدَ الأمرُ إلى غيِِّ أهلِهِ، فانتظرِ الساعةَ »(3) . وكانَﷺ يُعرفُ في قومهِ بالأمينِ، وقد تزوجتْهُ خديجة وهي المرأةُ الشريفةُ الثريةُ لأمانتهِ و كريمِ أخلاقهِ، حيثُ كان يُشرفُ على تجارتها بالشامِ وذلك قبلَ النبوةِ. ومن أمانتهِ أنَّ أهلَ قريشٍ - مع كفرهم به - كانوا يضعون عندهُ أموالهَم ليحفظَها لهم، ولمّا أذِنَ اللهُ له بالهجرةِ إلى المدينةِ بعدَ أنْ كذَّبه قومُهُ ورموه عن قوسٍ واحدةٍ، ترك ابن عمِّه عليًّا في مكةَ لردِّ الأماناتِ إلى أهلِها، مع أنَّ أهلَها هم الذين آذوه وعادوه وكذَّبوه وصادروا أموالَ أصحابِهِ، إلا أنه ﷺ لم يأخذْ أموالهَم عِوضًا عن ذلك، بل ردَّها إليهم لأنها أمانةٌ وهو ﷺ خيرُ من يحفظُ الأمانةَ. (1) رواه أحمد55231.) (2) رواه البخاري35)، ومسلم22.) (3) رواه البخاري17)، وأحمد2370.)
عدد الصفحات ١٧٩محمد رسول اﷺ|079 6-الشجــــــاعة كثيرًا ما يذمُّ الناسُ شخصًا ما فيقولون: إنه متلوِّنٌ؛ لا رأىَ له، لا مبدأَ له، لا هُويةَ له، ولم يكنِ النبيُّ ﷺ كذلك لا مع أصدقائِهِ ولا مع أعدائِهِ وقد ودَّ أعداؤه أنْ يتنازلَ عن بعضِ مبادئِهِ فلم يظْفروا بذلك بل قالَ كلمتَهُ الشهيرةَ: «واللهِ لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في يساريِ على أنْ أتركَ هذا الأمرَ - أي الدعوةَ إلى الإسلامِ - ما تركتُهُ حتى يظهرَهُ اللهُ أو أهلكَ دونهُ ». قال تعا﴿ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ﴾ [2]. وقالَ النبي ﷺ: «تجدون الناسَ معادنَ، خيارُهم في الجاهليةِ، خيارُهم الإسلامِ، إذا فَقِهوا. وتجدون خيارَ الناسِ في هذا الشأنِ أشدَّهم له كراهةً، وتجدون شرَّ الناسِ ذا الوجهينِ، الذي يأتي هؤلاءِ بوجهٍ، وهؤلاءِ بوجهٍ »(1) . وعن محمدِ بنِ زيدٍ أنَّ ناسًا قالوا لجدِّه عبدِ اللهِ بنِ عمرَ : إنا ندخلُ على سلطانِنا، فنقولُ بخلافِ ما نتكلمُ إذا خرجنا من عندِهم؟ فقال: كنا نعدُّ هذا نفاقًا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ(2). وعن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إذا رأيتم أمتي تُابُ الظالمَ أنْ تقولَ له: إنكَ ظالمٌ، فقد تُود ع منهم »(3) . (1) رواه البخاري3530)، ومسلم0122.) (2) رواه البخاري6605.) (3) رواه أحمد6530.)
عدد الصفحات ١٨٠081 |محمد رسول اﷺ 7-التواضــــــع يحبُّ الناسُ الشخصَ المتواضعَ الذي يقابلُهم بالترحابِ، ويب تسمُ في وجوهِهم، ولا يُشعرُهم بالحرجِ عند لُقياهُ. وقد حثَّ النبيُّ ﷺ على قيمةِ التواضعِ، وبينََّ أنَّ الإنسانَ كلما تواضعَ كلما زادتْ منزلتُهُ عند اللهِ وعندَ الناسِ، فقالَ ﷺ: «وما تواضعَ أحدٌ للهِ إلا رفعهُ اللهُ عز وجلَّ »(1) . وقالَﷺ: «إنَّ اللهَ أوح ى إلَّ أنْ تواضعوا حتى لا يفخرَ أحدٌ على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ »(2). وكان من تواضعِ النبيﷺ أنه لا يمرُّ على الصبيانِ إلا ويسلّمُ عليهم، وكانَ الداخلُ إلى المسجدِ لا يعرفُهُ من بين أصحابِهِ وذلك لعدمِ تميزُّهِ عنهم في شيءٍ من اللباسِ أو الوسائدِ أ و الأماكنِ أو غيرِ ذلك. وخرجَ على أصحابِهِ ذاتَ يومٍ فقاموا له إجلالاً واحترامًا، فقال: «لا تقوموا كما تقومُ الأعاجمُ، يعظ مُ بعضُهم بعْضًا »(3) . وكانَ في بيتهِ ﷺ في خدمةِ أهلِهِ، كان يخصِفُ نعلَهُ، ويرقعُ ثوبَهُ، ويحلبُ الشاةَ لأهلِهِ، ويعلفُ البعيرَ، وي أكلُ مع الخادمِ، ويجالسُ المساكينَ، ويمشي في (1) رواه مسلم0622)، والترمذي5215.) (2) رواه مسلم1542)، وأبو داود0514.) (3) رواه أبو داود0113)، وأحمد55512.)
عدد الصفحات ١٨١محمد رسول اﷺ|080 حوائجِ الأراملِ واليتامى، ويبدأُ من لقيَهُ بالسلامِ، ويجيبُ دعوةَ من دعاه ولو إ أيسرِ شيءٍ. ودخلَ عليه رجلٌ، فأصابتْهُ من هيبتهِ رعدةٌ، فقالَ له: «هوّنْ عليكَ، فذ لستُ بملكٍ، إنما أنا ابنُ امرأةٍ من قريشٍ كا نت تأكلُ القديدَ (1)»(2). (1) القديد: اللحم المشقق المجفف (2) رواه ابن ماجه3343.)
عدد الصفحات ١٨٢