المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ب أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة بـ الشاملة ب

غير معروف

صفحة ٩ من ٣٢

المعاصي، وزعموا أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة 1: "ولا نقول: إن المؤمن لا تضره الذنوب، لا نقول: إنه لا يدخل النار ... ولا نقو ل إن حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة كقول المرجئة" 2. وسيأتي مزيد من ذلك مناظرته للجهم بن صفوان في مفهوم الإيمان. وقرر الطحاوي هذا الرد في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، نرجو ل لمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، و لا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم" 3. ولقد تبرأ الإمام أبو حنيفةن نسب إليه الإرجاء؛ فقال في رسالته إلى البتي 4: "وأما ما ذكرت من اسم المرجئة فما ذنب قوم تكل موا بالعدل، وسماهم أهل البدع بهذا الاسم، ولكنهم أهل عدل وأهل السنة وإنما هذا اسم سماهم به أهل الشنآن" 5. وإنما قال ذلك بناء على مفهوم الإرجاء عنده، وهو مذهب غلاة ا رجئة الذين يجعلون الإيمان: هو المعرفة؛ فلا يضر معه ذنب كما __________ 1 الفصل4/45 دار المعرفة؛ والفرق بين الفرق ص202؛ والتبصير ص97. 2 الفقه الأكبر ص304. 3 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص41. 4 تقدم ترجمته ص135. 5 رسالة أبي حنيفة للبتي ص38. (1/180) تقدمت الإشارة إليه. فأبو حنيفة عنده شيء من الإرجاء الخفيف، وهو النوع الرابع، غير أنه بريء من بقية أنواع الإرجاء. 4- القدرية اسم أطلقه أهل السنة على الذين نفوا القضاء والقدر السابق من الله تعالى، وزعموا أنَّم هم الفاعلون لأعمالهم دون تقدير من الله عزَّ وجلَّ و أن الأمر أُُُنُف 1. وأول من نطق بهذه البدعة رجل كان نصرانيا فأسلم يقال له سوسن 2 من أهل العراق، فأخذها عنه

عدد الصفحات ١٢٩

معبد الجهني 3، وأخذها عن معبد غيلان الدمشقي4. قال الأوزاعي: "أول من نطق بالقدر رجل من __________ 1 الفصل3/22؛ الملل والنحل1/43 بتصرف 2 لم أقف له على ترجمة. 3 هو معبد بن عبد الله الجهني البصري قال عنه الذه "صدوق في نفسه ولكن سنن سننة سيئة فكان أول من تكلم بالقدر ونَّى الحسن الناس عن مجالسته وقال هو ضال مضل". وقال ابن العماد: "وفي سنة 80هـ صلب عبد الملك معبدا الجهني وقيل بل عذبه الحجاج بأنواع العذاب وقتله". ميزان الاعتدال 4/141؛ وشذرات الذهب1/88؛ وانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء4/85؛ وتهذيب التهذيب 10/225. 4 هو غيلان بن مسلم الدمشقي أبو مروان قال عنه الذه "المقتول في القدر ضال مسكين ... كان من بلغاء الكتناب". وقال عنه طاش كبري زاده: "من أصحاب الحسن البصري في الفقه وله أتباع يقال لهم الغيلانية كان قبطيا قدريَ لم يتكلم أحد في القدر قبله ودعا إليه إلا معبدا الجهني" قتل في أول خلافة هشام بن عبد الملك بعد مناظرته للأوزاعي حيث أفتى بقتله. ميزان الاعتدال 3/338؛ ومفتاح دار السعادة2/144. وانظر ترجمته لسان الميزان 4/424. (1/181) أهل العراق يقال له سوسن كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد"1. فتصدى لهم من بقي من الصحابة كابن عمر وابن عباس وغيرهما وأخبروا أنَّم مجوس هذه الأمة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم" 2. ولقد اهتم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بالرد على بدعةالقدرية اهتماما بالغا وخاصة في كتابه الفقه الأكبر؛ حيث يقول فيه: "وهو الذي قدر الأشياء وقضاها ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره" 3.

عدد الصفحات ١٣٠

ويقول: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة، والله تعالى خالقها، وهي كل ها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره" 4. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال "وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيته تنفذ، لا مشيئة للعباد، إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن" 5. __________ 1 شرح أص ول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/749-750؛ والشريعة ص242؛ وسير أعلام النبلاء 4/187. 2 أخرجه أبو داود: كتاب السنة باب في القدر 5/66 ح4691؛ والحاكمفي المستدرك 1/85، كلاهما من طريق أبي حازم عن ابن عمر قال الحاكم على أثره: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخر جاه" وأقره الذهبي في التلخيص. 3 الفقه الأكبر ص302،303. 4 المصدر السابق 5 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص21. (1/182) وقال: "وأفعال العباد خلق الله وكسبهم من العباد 1. وأرشد أبو حنيفة رحمه الله تعالى بعض تلاميذه إلى كيفية مناظرة القدري؛ فقد روى الخطيب عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة يقول: "إذا كلمت القدري فإنما هما حرفان إما أن يسكت وإما أن يكفر. يقال له: هل علم في سابق علمه أن تكون هذه الأشياء كما هي؟ فإن قال لا، فقد كفر، وإن قال: نعم. يقال له: أفأراد أن تكون كما علم، أم أراد أن تكون بخلاف ما علم؟ فإن قال أراد أن تكون كما علم فقد أقر أنه أراد من المؤمن الإيمان ومن الكافر الكفر، وإن قال أراد أن تكون بخلاف ما علم فقد جعل ربه متمنيا متحسرا لأن من أراد أن يكون ما علم أنه لا يكون، أو لا يكون ما علم أنه يكون، فإنه متمننٍ متحسر، ومن جعل ربه متمنيا متحسرا فهو كافر"2. وتناظر أبو حنيفة رحمه الله تعالى مع غيلان الدمشقي أحد كبار القدرية وفيه أن غيلان الدمشقي قال

عدد الصفحات ١٣١

لأبي حنفة"تقول إن المعاصي بمشيئة الله ومراده فقال له أبو حنيفة: وأنت تقول إنَّا بكره من الله وعجزه، ومن نسب الله إلى العجز فهو كافر فانقطع غيلان" 3. وتناظر أبو حنيفة مع قدري آخر وفيها __________ 1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص53. 2 تاريخ بغداد13/382،383. 3 من كتاب الكنز الخفي من اختيارات الصفي للشيخ أبي محمد عثمان بن عبد الله بن الحسن ق "135/ب (1/183) أن أبا حنيفة قال له: "جئت أم جيء بك؟ قال: بل جئت باختياري فقال: اجلس فجلس، فقال أبو حنيفة جلستا أو أُجلست؟ قال: بل جلست باختياري فقال له: قم، فقام القدري فقال له أبو حنيفة: ارفع إحدى رجليك فرفعها فقال له: رفعت أو رُفعت لك قال: بل رفعتها قال: فإن كان كما زعمت؛ فكل هذه الأفعال منك وباختيارك فارفع الرجل الأخرى قبل أن تضع الأولى، فتحير القدري" 1. وناظر أبو حنيفة جماعة من القدرية حيث أتوا إليه فقالوا له: "نخاصمك قال: فيم تخاصمونني قالوا: في القدر، قال: أما علمتم أن الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس، كلما ازداد نظرا ازداد حيرة..أو قال تحيرا. قالوا: ففي القضاء والعدل، قال: فتكلموا على اسم الله فقالوا: هل يسع أحدا من المخلوقين أن يجري في ملك الله ما لم يقض؟ قال: لا، إلا أن القضاء على وجهين، منه أمر وحي والآخر قدرة، فأما القدرة فإنه لا يقضي عليهم ويقدر لهم الكفر، ولم يأمر به بل نَّى عنه، والأمر أمران أمر الكينونة إذا أمر شيئا كان وهو على غير أمر الوحي. قالوا فأخبرنا عن أمر الله أموافق لإرادته أم مخالف؟ قال: أمره من إرادته وليس إرادته من أمره. وتصديق ذلك قو ل الله عزَّ وجلَّ لإبراهيمتـاراى قاالا يَا أاباتِ افـْعالْ ماا تـُؤْمارُ ساتاجِدُنيِ إِنْ شااءا اللََُّّ مِنا الصَّابِرِيناية102." ولم يقل ستجدني صابرا من غير إن شاء الله؛ فكان ذلك أمره ولم يكن من إرادته ذبحه قالوا: فأخبرنا عن اليهود والنصارى الذين قالوا على الله عزَّ وجلَّ

عدد الصفحات ١٣٢

__________ 1 من كتا ب الكنز الخفي من اختيارات الصفي ق "135/ب (1/184) ما قالوا30." فقضى الله على نفسه أن يشتم وأن تضاف إليه الصاحبة والولد؟. فقال أبو حنيفة: إن الله لا يقضي على نفسه إنما يقضي على الله عباده، ولو كان يقضي على نفسه لجرت عليه القدرة. قالوا: فأخبرنا عن الله عزَّ وجلَّ إذا أراد من عبده أن يكفر أحسن إليه أم أساء؟ قال: لا يقال أساء ولا ظلم إلا لمن خالف ما أمر به، والله قد جلن عن ذلك، وقد عرف عباده ما أراد منهم من الإيمان به، فقالوا: يَ أبا حنيفة أمؤمن أنت؟ فقال: نعم، قالوا: أفأنت عند الله مؤمن؟ قال: تسألوني عن علمي وعزيمتي أو عن علم الله وعزيمته؟ قالوا: بل نسألك عن علمك، ولا نسألك عن علم الله، قال: فإن بعملي أعلم أني مؤمن ولا أعزم على الله عزَّ وجلَّ في علمه، فقالوا: يَ أبا حنيفة: ما تقول فيمن جحد حرفا من كتاب الله؟ قال: كافر لأن الله عزَّ وجلَّ قال مهددا لهم وموعدا وامانْ شااءا فـالْياكْفُرْ29." قالوا: فإن كان هذا من باب الوعيد وقال إني لا أؤمن ولا أكفر. قال: فقد خصمتم أنفسكم، ألا ترون أني إن لم أؤمن فأنا مجبور في إرادة الله عزَّ وجلَّ على الكفر، وإن لم أكفر فأنا مجبور في إرادة الله عزَّ وجلَّ على الإيمان قالوا: يَ أبا حنيفة حتى متى تضل الناس؟ قال: ويحكم إنما يضل الناس من يستطيع أن يهديهم والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء" 1. __________ 1 الانتقاء ص164،165. (1/185) 5- الجهمية تنسب الجهمية إلى جهم بن صفوان أبي محرز مولى بني راسب يلقبه بعضهم بالترمذي، والبعض الآخر

عدد الصفحات ١٣٣

بالسمرقندي اتوفى سنة 218هـ. وأتباعه يعرفون بالجهمية نسبة إليه، وقد صار لقبا على معطلة الصفات باعتبار أن الجهمية هي أول من قالت به ولها بدع أخرى غير هذه البدعة منها القول بأن الإيمان هو معرفة الله تعالى فقط والكفر هو الجهل به، والقول بالجبر حيث زعمت أن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة وإنما هو مجبور على أفعاله1. فهم بهذا مخالفون لنصوص الكتاب والسنة الصريحة القاطعة؛ لذا يرى بعض السلف أنَّم ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. يقول عبد الله بن المبارك: "الجهمية ليسوا من الاثنتين والسبعين فرقة" 2. لذلك كفر الإم ام أبو حنيفة رحمه الله تعالى جهم بن صفوان. فقد روى الخطيب عن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني 3 قال "سمعت أبا حنيفة يقول: جهم بن صفوان كافر" 4. __________ 1 انظر مقالات اسلاميين 1/338؛ والفرق بين الفرق ص221؛ والتبصير في أصول الدين ص63؛ والملل والنحل1/86-87؛ وتاريخ الطبري7/335؛ والبداية والنهاية10/26،27.. 2 كتاب النبوءات ص133. 3 هو عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني بكسر المهملة وتشديد الميم أبو يحيى الكوفي، قال عنه ابن حجر: "صدوق يخطئ ورمي بالإرجاء من التاسعة". مات سنة 202هـ. تقريب التهذيب1/469، وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب 1206. 4 تاريخ بغداد13/382. (1/186) وفي رواية أخرى أنه بعدما ناظره قال له: "اخرج عني يَ كافر 1. ولقد أوَّل صاحب كتاب المسايرة كلام الإمام أبي حنيفة هذا. قال الكشميري 2: "وفي المسايرة عن أبي حنيفة أنه قال بعدما ناظره في مسألة: اخرج عني يَ كافر وقد أونل قوله هناك ثم قال الكشميري: قلت: بل ما قاله صحيح لا ينبغي أن يؤونل قوله؛ فإن شأن الإمام أرفع 3 من أن تجري كلمة على لسانه لا يرضاها الله ورسوله، وكان جهم ينفي الصفات ... "4.

عدد الصفحات ١٣٤

وكان الإمام أبوح حنيفة رحمه الله تعالى يذم جهما ويعيب قوله، كما ذكر أبو يوسف فقد قال: "إن أ حنيفة كان يذم جهما ويعيب قوله" 5. وممنا عاب على جهم قوله بخلق القرآن. فقد روى الخطيب عن ابن أبي شيبة قال: "قدم ابن المبارك على أبي حنيفة، فقال له أبو حنيفة: ما هذا الذي دبن فيكم؟ قال: له رجل يقال له جهم، قال: وما يقول؟ __________ 1 أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار 1/11. 2 هو محمد أنور بن معظم شاه بن عبد الكبير بن عبد الخالق النروري الكشميري ولد في سنة ألف ومائتين واثنتين وتسعين وتوفي في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة وألف في ديوبند ومن أشهر مؤلفاته التصريح بما تواتر في نزول المسيح وفيض الباري على صحيح البخاري. انظر ترجمته في نزهة الخواطر 8/80؛ ومقدمة فيض الباري ص17-24. 3 هذا من غلو بعض الحنفية في أئمتهم 4 فيض الباري14/514. 5 تاريخ بغداد13/382. (1/187) قال: يقول القرآن مخلوق، فقال أبو حنيفةباً 1. فنهى عن القول بقوله أو الصلاة خلفه. فعن أبي سوف أن أبا حنيفة قال: "من قال القرآن مخلوق فهو مبتدع؛ فلا يقولن أحد بقوله ولا يصلين أحد خلفه" 2. وعاب عليه إفراطه في نفي الصفات؛ حيث قال: "قاتل الله جهم بن صفوان ومقاتل بن سليمان هذا أفرط في النفي، وهذا أفرط في التشبيه" 3. وفي رواية أخرى قال: "أفرط جهم في نفي التشبيه؛ حيث قال: إن الله ليس بشيء4. ورد عليه قوله بفناء الجنة والنار حيث قال: "والجنة والنار مخلوقتان اليوم لا تفنيان أبدا، ولا تَوت الحور العين أبدا، ولا يفنى عقاب الله وثوابه سرمدا" 5. وقرر الطحاوي هذا الرد في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث

عدد الصفحات ١٣٥

قال: "والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا، ولا تبيدان، والله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق" 6. ورد عليه قوله بأن الإنسان مجبور، لا قدرة له ولا اختيار، حيث __________ 1 تاريخ بغداد 13/384. 2 تاريخ بغداد13/383-384. 3 تاريخ بغداد 4 تاريخ بغداد13/166؛ وفتح الباري13/345. 5 الفقه الأكبر ص305. 6 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 51. (1/188) قال: "و1 أحدا من خلقه على الكفر، ولا على الإيمان2. وقال كذلك فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده للحق وبخذلان الله تعالى إيَه، وآمن من آمن بفعله وإقراره وتصديقه بتوفيق الله تعالى إيَه ونصرته له" 3. وأختتم موقف الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى من جهم وبدعه برده عليه في قوله إن الإيمان هو معرفة الله تعالى فقط؛ حيث قال له: "قد جعل الله تبارك وتعالى الإيمان بكتابه بجارحتين بالقلب واللسان، فقال تبارك وتعايـُنـاهُمْ تافِيضُ مِنا الدَّمْعِ { الآيَت من83-85." فأوصلهم الجنة بالمعرفة والقول وجعلهم مؤمنين بالجارحتين القلب واللسان قال تعالايـْناا واماا أُنْزِلا إِلىا إِبـْرااهِيما آمانـْتُمْ بِهِلبقرة: الآيتان 136،137." وقال تعا26." __________ 1 لفظ "جبر": ليس له أصل في الكتاب والسنة لذلك كره السلف أن يقال: "جبر" أو يقال: "ما جبر" قال الأوزاعي: "ما أعرف للجبر أصلا من القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبْل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " وقال

عدد الصفحات ١٣٦

الزبيدي: "أمر الله أعظم وقدرتهأجل وأكبر من أن يجبر أو يقهر ولكن يقضي ويقدر ويجبل عبده على ما أحب". انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/700. 2 الفقه الأكبر ص303. 3 الفقه الأكبر ص303. (1/189) وقال تعا "سورة الحج: الآية 24." وقال تعا10." وقال تعاهيم: الآية27." وقال النبي صلى عليه وسلم: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " 1، فلم يجعل الفلاح بالمعرفة دون القول. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه كذا" 2. ولم يقل يخرج من النار من عرف الله وكان في قلبه كذا ... ولو كان القول لا يحتاج إليه ويُكتفى بالمعرفة لكان من جحد الله باللسان وعرفه __________ 1 أخرجه الحاكم في المستدرك 2/611،612 من طريق جامع بن شداد عن طارق بن عبد المحاربي قال الحاكم على أثره: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وأقره الذهبي في التلخيص. وأخرجه أحمد في المسند 4/63 من طريق شيبان عن أشعث عن شيخ من بني مالك بن كنانة، وأرده الهيثمي في المجمع 6/21-22 وقال: "رجاله رجال الصحيح 2 أخرجه البخاري: كتاب التوحيد باب قول الله تعا13/392،393 ح7410، ومسلم: كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها 1/182 ح325، وابن ماجه كتاب الزهد باب ذكر الشفاعة 2/1442 ح4312، جميعهم من طريق قتادة عن أنس بن مالك ولفظه عند مسلم: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ثم يخرج

عدد الصفحات ١٣٧

من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يز ن برَّة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة". (1/190) بقلبه مؤمنا، ولكان إبليس مؤمنا لأنه عارف بربه يعرف أنه خالقه ومميته وباعثه ومغويه قال رابنِ بمِاا أاغْوا يـْتانيِ لأُزاينِنانَّ لهاُمْ فيِ الأارْضِ والأُغْوِ يـانـَّهُمْ أاجمْاعِينا39." وقال تعا14." وقال تعايرٌْ مِنْهُ خالاقْتانيِ مِنْ ناارٍ واخالاقْتاهُ مِنْ طِينٍ "سورة الأعراف: الآية 12." ولكان الكفار مؤمنين بمعرفتهم ربهم وإن أنكروا بلسانَّم. قال الله تعا أانـْفُسُهُمْ ظُلْماً واعُلُوناً فاانْظُرْ كايْفا كاانا عااقِباةُ الْمُفْسِدِينا 14." فلم يجعلهم مع استيقانَّم بأن الله واحد مؤمنين مع جحدهم بلسانَّم. وقال عزَّ وجل نِعْماتا اللََِّّ ثمَُّ يـُنْكِرُونَّااا واأاكْثـارُهُمُ الْكاافِرُونا 83." وقال تعاقُكُمْ مِنا السَّمااءِ واالأْارْضِ { فاذالِكُمُ اللََُّّ رابُّكُمُ الحْاقُّ فامااذاا بـاعْدا الحْاقنِ إِلاَّ الضَّلالُ فاأانىَّ تُصْرافُونا 32." فلم ينفعهم معرفتهم مع إنكارهم: قال تعا يـاعْرِفُوناهُ كاماا يـاعْرِفُونا أابـْنااءاهُمْ واإِ نَّ فارِيقاً مِنـْهُمْ لاياكْتُمُونا الحْاقَّ واهُمْ يـاعْلامُونا146." يعني النبي صلى الله عليه وسلم؟! فلم تنفعهم المعرفة مع كتمانَّم أمره وجحودهم (1/191) به فقال له الجهم في خلدي شيئا فسأرجع إليك، فقام من عنده ولم يعد إليه" 1. هذا جارٍ على مذهب أبي حنيفة في أن الأعمال ليست من الإيمان، وإنما الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان. وما ذكر من الأدلة غايتها أن تدل على أن القول باللسان من الإيمان، وأن أصل الإيمان الذي هو

عدد الصفحات ١٣٨

الدخول في اسلام لا يحصل إلا بالتصديق بالقلب والإقرار باللسان لا تدل على أن الأعمال ليست من الإيمان. ويتلخص موقف أبي حنيفة من جهم وبدع الجهمية فيما يلي: "أ" تكفيره لهم ويظهر من هذا أنه لا يعتبرهم من أهل القبلة. "ب" عدم جواز الصلاة خلفهم. "ج" إنكاره لبدعهم أشد الإنكار كخلق القرآن والقول بالجبر وتعطيل الصفات والقول بالإرجاء المطلق. 6- المعتزلة ظهرت هذه الفرقة في نَّاية القرن الهجري الأول وبلغت شأوها في العصر العباسي الأول. يرجع اسمها إلى اعتزال إمامها واصل بن عطاء 2 __________ 1 مناقب أبي حنيفة للمكي ص124،125،126. 2 هوواصل بن عطاء المعروف بالغزنال من موالي بني مخزوم وقيل من موالي بني ضبة، قال عنه الذهبي: "البليغ الأفوه..كان ألثغ بالراء غينا فلاقتداره على اللغة وتوسعه يتجنب الوقوع في لفظة فيها راء ... وهو وعمرو بن عبيد رأسا الاعتزال طرده الحسن من مجلسه لما قال: "الفاسق لا مؤمن ولا كافر فانضم إليه عمرو واعتزلا حلقة الحسن وتبعهما أنصارهما فسموا المعتزلة". مات سنة = (1/192) مجلس الحسن البصري لقول واصل: "إن مرتكب الكبيرة ليس كافرا ولا مؤمنا، بل هو في منزلة ب المنزلتين. ولما اعتزل واصل مجلس الحسن البصري وجلس عمرو بن عبيد 1 وتبعهما أنصارهما قيل لهم المعتزلة أو معتزلون 2، ومنذ انضمام عمرو بن عبيد لواصل بن عطاء واعتزالهما الناس ظهر منهما آراء مبتدعة لم يكن عليها الأوائل عاداهما علماء السلف وحذنروا منهما: قال عبد الله بن المبارك: أيها الطالب علما ائت حماد بن ز يد فخذ العلم بحلم ثم قينده بقيد

عدد الصفحات ١٣٩

وذر البدعة من أثار عمرو بن عبيد 3 وروى الهروي عن عبد الرحمن بن مهدي قال: دخلت على مالك، وعنده رجل يسأله عن القرآن فقال: "لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد لعن الله عمرو بن عبيد فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علما لتكلم فيه الصحابة و التابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع ، ولكنه باطل يدل على باطل"4. __________ =131هـ. سير أعلام النبلاء5/464،465. وانظر ترجمته في لسان الميزان6/214؛ وشذرات الذهب1/182. 1 هو عمرو بن عبيد البصري التميمي بالولاء قال عنه ابن حبان: "كان من أهل الورع والعب ادة إلى أن أحدث ما أحدث واعتزل مجلس الحسن هو وجماعة معه فسموا المعتزلة" مات سنة 143هـ وقيل سنة 144هـ ميزان الاعتدال 3/273، وانظر ترجمته في تاريخ بغداد12/187. 2 انظر الفرق بين الفرق3/273؛ والتبصير ص37؛ والملل والنحل 1/46-49؛ والخطط للمقريزي 2/345،346. 3 ذم الكلام "ق-196/أ 4 ذم الكلام "ق-173/ب (1/193) وكذلك لعنه الإمام أبو حنيفة؛ فقد روى الهروي عن محمد بن الحسن قال: قال أبو حنيفة: "لعن عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام" 1. وقال الإمام أبو حنيفة عن المعتزلة: "لم يكن في طبقات أهل الأهواء أحد أجدل من المعتزلة؛ لأن ظاهر كلامهم مموه تقبله القلوب" 2. وأنكر عليهم إبطالهم للصفات حيث قال: "ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف" 3. وردن عليهم قولهم: إن القرآن مخلوق؛ حيث قال: "وكلام الله تعالى غير مخلوق" 4.

عدد الصفحات ١٤٠

وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهبأبي حنيفة وصاحبيه؛ حيث قال: "وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ك كلام البرية" 5. وبالجملة فكتابه الفقه الأكبر رد على الجهمية والمعتزلة فيما أنكروا من أسماء الله تعالى وصفاته؛ فقد ضمنه جملة من الصفات الإلهية التي وردت في الكتاب والسنة الصحيحة. __________ 1 ذم الكلام "ق-196/ب 2 مناقب أبي حنيفة للمكي ص 3 الفقه الأكبر ص302. 4 الفقه الأكبر ص302 5 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص24. (1/194) 7- المشبهة التشبيه في اللغة دلالة على مشاركة أمر آخر في معنى، فالأمر الأول هو المشبه والثاني هو المشبه به وذلك المعنى هو وجه الشبه 1. والمشبهة: هم قوم يشبهون الله تعالى بالمخلوقات ويمثلونه بالمحدثات2، وقاسوا صفات الخالق على ما ألفوه وشاهدوه من صفات المخلوقين. ومن الذين قالوا في التشبيه في الإسلام واشتهروا به مقاتل بن سليمان 3 الذي بالغ في إثبات الصفات لله عزَّ وجل حتى قال بالتجسيم. ولعل السبب في غلوه في إثبات الصفات هو غلو جهم بن صفوان في إنكار صفات الله عزَّ وجلَّ. قال الذهبي: "وظهر بخراسان الجهم بن صفوان ودعا إلى تعطيل صفات الرب عزَّ وجلَّ وخلق القرآن، وظهر بخراسان في قبالته مقاتل بن سليمان المفسر وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم" 4. ونقل عنه الأشعري في المقالات أنه كان يقول: "إن الله جسم وإن له جمنة وأنه على صورة إنسان من لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء __________ 1 التعريفات للجرجاني ص 58. 2 التعريفات للجرجاني ص 216.

عدد الصفحات ١٤١

3 هو مقاتل بن سليمان بن بشر الخراساني أبو الحسن البلخي نزيل مرو قال عنه ابن حجر: "كذبوه وهجروه ورمي بالتجسيم" وقال ابن حبان: "كان يأخذ عن اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كبتهم وكان يشبه الرب بالمخ لوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث" مات سنة 150هـ، انظر كتاب المجروحين 3/14، وتقريب التهذيب2/272، وانظر ترجمته في ميزان الاعتدال 4/173، وتهذيب التهذيب 10/279. 4 تذكرة الحفاظ 59-160. (1/195) من يد ورجل ورأس وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره 1. وأتباعه يسمونالمقاتلية، فازدهرت مدرسة مقاتل، ولاقت نجاحا في خراسان موطن مقاتل وتأثر بها هشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، وداود الجواريبي، وهؤلاء جميعا من الرافضة وتأثر بها فيما بعد ابن كرام. لذلك وصفهم الإمام أبو حنيفة بأنَّم شرار الناس حيث قال: "صنفان من شر الناس بخراسان الجهمية والمشبهة ربما قال والمقاتلية" 2. ووصف التشبيه والتعطيل بأنَّما رأيَن خبيثان فقال: "أتانا من المشرق رأيَن خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه" 3. وروى الخطيب البغدادي عن أبي يوسف أن أبا حنيفة ذكر عنده جهما ومقاتل فقال: "كلاهما مفرط أفرط جهم في نفي التشبيه حيث قال: إنه ليس بشيء، وأفرط مقاتل بن سليمان حتى جعل الله مثل خلقه" 4. فلبدعة مقاتل ذماه علماء السلف، وتركوا الرواية عنه قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: "أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم نظير، يعني في البدعة والكذب: جهم بن صفوان، وعمر بن صبيح 5 ومقاتل بن سليمان" 6. __________ 1 مقالات الإسلامي1/214،258،259. 2 تاريخ بغداد13/382. 3 تاريخ بغداد13/164.

عدد الصفحات ١٤٢

4 تاريخ بغداد13/166. 5 هو عمر بن صبيح بن عمر التميمي أو العدوي أبو نعيم الخراساني قال عنه ابن حجر: "متروك كذبه ابن راهويه من السابعة". تقريب التهذيب 2/58؛ وانظر ترجمته في الكامل في الضعفاء5/1583. 6 تاريخ بغداد13/164. (1/196) وقال أحمد بن سيار بن أيوب1: "مقاتل بن سليمان كان من أهل بلخ تحول إلى مرو وخرج إ العراق، ومات بها، يكنى أبا الحسن، وهو متهم متروك الحديث مهجور القول، وكان يتكلم في الصفات بما لا يحل الرواية عنه" 2. وقال أبو يوسف: "صنفان ما على الأرض أبغض إلين منهما: المقاتلية والجهمية" 3. ورد الإمام أبو حنيفة على بدعة المشبهة بقوله: "ولا يشبه شيئا من الأشياء من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه" 4. وقرر هذا الطحاوي في بيان أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه؛ حيث قال: "ولا شيء مثله ... لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام" 5. وقال: "ومن لم يتوق النفي والتشبيه زلن ولم يصب التنزيه 6. وقال كذلك من وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر" 7. هذا هو موقف الإمام من الفرق الكلامية وأقوالهم المبتدعة، وأما __________ 1 أحمد بن سيار بن أيوب أبو الحسن المروزي قال عنه ابن حجر: "الفقيه ثقة حافظ من الحادية عشر" مات سنة 261هـ تقريب التهذيب 1/16؛ وانظر ترجمتهفي تهذيب التهذيب 1/35. 2 تاريخ بغداد13/163. 3 تاريخ بغداد13/164. 4 الفقه الأك301. 5 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص18،19.

عدد الصفحات ١٤٣

6 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص28. 7 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص25. (1/197) مفهومه للجماعة فيكفي للدلالة عليه إجابته عن سؤال عطاء بن أبي رباح من أي الأصناف أنت؟ فأجابه بقوله: "أنا ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدا بذنب، فقال له عطاء: عرفت فالزم" 1. __________ 1 تاريخ بغداد13/331. (1/198) الباب الثاني: بيان اعتقاده في التوحيد وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: توحيد الربوبية. الفصل الثاني: توحيد الألوهية. الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات. (1/199) الفصل الأول: توحيد الربوبية وفيه ثلاثة مباحث: تَهيد: في تعريف التوحيد وأقسامه. المبحث الأول: معنى توحيد الربوبية وخصائصه. المبحث الثاني: مناظرة الإمام أبي حنيفة للملاحدة في إنكارهم الخالق ونقده لطريقة المتلكلمين في

عدد الصفحات ١٤٤