كتاب1 وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم2؛ فأورثهم ذلك الشك والحيرة والاضطراب3. __________ 1 قال ابن قتيبة مبينا مخالفة المتكلمين لكتاب الله وجرأتهم على الله: "قد كنت أحب أن أتعلق من كل علم بسبب وأن أضرب فيه بسهم فربما حضرت بعض مجالسهم ـ يعني المتكلمين ـ وأنا مغتر بهم طامع أن أصدر عنهم بفائدة أو كلمة تدل على خير أو تهدي إلى رشد فأرى من جرأتهم على الله تبارك و تعالى وقلة توقيهم وحملهم أنفسهم على العظائم لطرد القياس أولئلا يقع انقطاع ما أرجع خاسرا نادما". انظر تأويل مختلف الحديث ص61-62. 2 قال الشاطبي في بيان تلاعب المتكلمين بالأحاديث الصحيحة وتقديم عقولهم الفاسدة عليها: "وهو ردهم للأحاديث التي جرت غير موافقة لأغر اضهم ومذاهبهم ويدنعون أنَّا مخالفة للمعقول وغير جارية على مقتضى الدليل فيجب ردها كالمنكرين لعذاب القبر والصراط والميزان ورؤية الله عزَّ وجلَّ في الآخرة ... ربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين ـ وحاشاهم ـ وفيمن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم كل ذلك ليردوا به على من خالفهم في المذهب ... وقد جعلوا القول بإثبات الصراط والميزان و الحوض قولا بما لا يعقل، وقد سئل بعضهم هل يكفر من قال برؤية الباري في الآخرة؟ فقال: لا يكفر لأنه قال ما يعقل ومن قال ما لا يعقل فليس بكافر". الاعتصام 1/231- 232. ومن أمثلة ردهم للحديث الصحيح لمخالفته مذهبهم ما رواه الخطيب بسنده عن عمرو بن عبيد ذكر عنده حديث الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكو ن مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك ... إلى أن قال: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ... الحديث".فقال عمرو بن عبيد: "لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعت زيد بن وهب يقو ل هذا ما أجبته، ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلته ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله تعالى يقول هذا لقلت له ليس على هذا أخذت ميثاقنا". انظر تاريخ بغداد 12/172. 3 وإليك أمثلة على شك المتكلمين وحيرتهم وشدة اضطرام، يقو الرازي: = (1/161)
عدد الصفحات ١١٣وهناك سبب قد يكون رئيسا في تحوله من علم الكلام إلى الفقه، وهو ما رواه الخطيب البغدادي عن زفر بن الهذيل قال: سمعت أبا حنيفة يقول: "كنت أنظر في الكلام حتى بلغت مبلغا يشار إلي فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجائتني امرأة فقالت: رجل له امرأة أامة أراد أن يطلقها للسنة كم يطلقها؟ فلم أدر ما أقول فأمرتها أن تسأل حمادا فترجع فتخبرني، فسألت حمادا فقال: يطلقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة ثم يتركها حتى تحيض حيضتين فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج، فرجعت فأخبرتني فقلت: لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست إلى حماد ... " 1. __________ = نَّاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين في ضلال وأرواحنا في و حشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من طول بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا قيل وقالوا ويقول الشهرستاني: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرنت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقنه أو قارعا سن نادم لذا قال ابن عقيل في وصف حال المتكلمين وشدة حيرتهم: "قد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم رائحة الإلحاد من فلتات المتكلمين، وأصل ذلك أنَّم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع ... " وهذا ما وصفهم به القرطبي حيث قال: "وقد أفضى الكلام بكثير من أهله وببعضهم إلى الإلحاد وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع وتطلبهم حقائق الأمور من غيره ... ". انظر كتاب نَّاية الإقدام ص 3؛ والحموية ص91؛ وكتاب تلبيس إبليس ص 93؛ وفتح الباري 13/350. 1 تاريخ بغداد13/333.
عدد الصفحات ١١٤(1/162) فبعد أن كان الإمام أبو حنيفة في الكلام رأسا فيه، وصاحب حلقة مشهودة في المسجد بقرب حلقة حماد بن أبي سليمان تحول إلى تلميذ من تلامذة حماد بن أبي سليمان يطلب الفقه والسنة. ومن مادح لعلم الكلام، وحاثن على تعليمه وتعلمه، إلى ذام وقادح فيه وناه عن تعليمه وتعلمه، وبعد أن كان يأمر ابنه حمادا بتعلم علم الكلام، ويلح عليه في سبيل تحصيله أصبح ينهاه ويأمره بترك الاشتغال بالكلام والجدل. يحدثنا حماد عن ذلك فيقول: "دخل علين أبي رحمه الله يوما وعندي جماعة من أصحاب الكلام ونحن نتناظر في باب ... قد علت أصواتنا فلما سمعت حسه في الدار خرجت إليه فقال لي: يَ حماد من عندك؟ قلت: فلان وفلان وفلان سميت من كان عندي قال: وفيم أنتم؟ قلت: في باب ك ذا وكذا، فقال لي: يَ حماد دع الكلام ـ قال: ولم أعهد أبي صاحب تخليط، ولا ممن يأمر بالشيء ثم ينهى عنه ـ فقلت له: يَ أبت ألست كنت تأمرني به؟ قال: بلى يَ بني وأنا اليوم أنَّاك عنه. قلت: ولم ذاك؟ فقال: يَ بني إن هؤلاء المختلفين في أبواب الكلام ممن ترى كانوا على قول واحد ودين واحد حتى نزغ الشيطان بينهم، فألقى بينهم العداوة والاختلاف فتباينوا ... " 1. وبعد ما كان يرى ال كلام هو الفقه الأكبر، وهو من أجل العلوم، أصبح يرى مسائل الكلام ما هي إلا مقالات الفلاسفة، وهي من الأمور المحدثة التي لم يتكلم فيها السلف، وكل أمر مح دث في الدين بدعة. سئل الإمام أبو حنيفة عما أحدثه الناس من الكلام في الأعراض 2 __________ 1 مناقب أبي حنيفة للمكي ص183،184. 2 الأعراض: جمع عرض ومعناه لغة: هو الظهور والبروز. قال الجوهري: عرض له أمر كذا يعرِض، أي ظهر وعرضت عليه أمر كذا وعرضت له الشيء، أي = (1/163)
عدد الصفحات ١١٥والأجسام؟ فقالمقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإيَك وكل مح دثة فإنَّا بدعة"1. فكان رحمه الله يأمر من سأله عن الكلام بأن يتبع الأثر وطريقة السلف، وينهاه عن الأمور المحدثة، فمما سبق يتبين أن الإمام أبا حنيفة باشر علم الكلام وتضلع فيه، ثم نَّى عنه وذمه، وكذلك ذمه إمام دار الهجرة مالك بن أنس، فقد قال: "من طلب الدين بالكلام تزندق" 2. وقال: "الكلام في الدين أكرهه3. وهذا يدل على أن علم الكلام كان موجودا وكان الناس يتعاطونه، أما قول الذهبي: "إن علم الكلام لم يكن له وجود" 4. فيظهر أنه لم يرد نفي وجود علم الكلام مطلقا بل أراد أن علم الكلام لم يكن موجودا علما مدونا له كتبه و مصنفاته، أما وجوده علما يتعاطى بالألسن والسماع والمناظرة فهذا لا شك في وجوده. __________ = أظهرته له وبرزته إليه. وعند المتكلمين العرض ضد الجوهر لأن الجوهر هو ما يقوم بذاته ولا يفتقر إلى غيره ليقوم به، فالجسم جوهر يقوم بذاته. وأمام اللون فهو عرض لأنه لا قيام له إلا بالجسم، فممن قال بنفي الأعراض من المعتزلة عبد الرحمن بن كيسان الأصم ومن الملاحدة الدهرية والسمنية. انظر الصحاح 3/1082؛ وأصول الدين للبغدادي ص37؛ وأصول الدين للبزدوي ص11-12، ومقالات الإسلاميين ص343-433؛ والفرق بين الفرقص115-116؛ والمعتمد في أصولالدين للقاضي أبي يعلى ص37؛ والشامل في أصول الدين ص167؛ والمواقف ص96؛ والمعجم الفلسفي 2/69. 1 كتاب الحجة في بيان المحجة ص22؛ وذم الكلام للهروي "ق-194-ب 2 ذم الكلام "ق-173-أ 3 جامع بيان العلم وفضله ص415. 4 سير أعلام النبلاء6/398. (1/164) وأختم هذا المبحث بوصية الإمام لأصحابه يحثهم فيها على تعلم الفقه، وينهاهم عن الكلام والخصومات في الدين. قال محمد بن الحسن: "كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام" 1.
عدد الصفحات ١١٦وقال لأبي يوسف: "إيَك أن تكلم العامة في أصول الدين من الكلام، فإنَّم قوم يقلدونك فيشتغلون بذلك" 2. وقد وفىن أصحابه بهذه الوصية فهذا أبو يوسف ينهى عن الخصومة والجدال في الدين والمراء فيه؛ حيث يقو ل آمرا أصحابه: "ذروا الخصومة في الدين، والمراء فيه والجدال؛ فإن الدين واضح بينن، قد فرض الله عزَّ وجلَّ فرائضه، وشرع سننه، وحدن حدوده، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فقال أاكْمالْتُ لاكُمْ دِيناكُمْ واأاتَْامْتُ عالايْكُمْ نِعْماتيِ واراضِيتُ لاكُمُ ا لأِسْلاما دِينا فامانِ اضْطُرَّ فيِ مخاْماصاةٍ غايرْا مُتاجاانِفٍ لإِثمٍْ فاإِنَّ اللََّّا غافُورٌ راحِيمٌ 3". فأحلوا حلال القرآن وحرموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال فيه، فلو كانت الخصومة في الدين تقوى عند الله لسبق إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعده فهل اختصموا في الدين أو تنازعوا فيه؟ وقد اختصموا في الفقه وتكلموا فيه، و اختلفوا 3 في الفرائض __________ 1 ذم الكلام "ق-196-ب 2 مناقب أبي حنيفة للمكي ص373. 3 لعله يريد أنَّم اختلفوا في هذه المسائل من مسائل الدين ولم يكن اختلافهم موجبا للخصومة والتفرق بينهم، أو أنه أراد أنَّم اختلفوا في مسائل فرعية من الدين ولم يختلفوا في الأصول. (1/165) والصلاة والحج والطلاق والحلال والحرام ولم يختصموا في الدين، ولم يتنازعوا فيه فاقتصروا على تقوى الله والزموا ما جرت به السنة، وكفيتم فيه المؤنة، ودعوا ما أحدث المحدثون من التنازع في الدين والجدال فيه والمراء؛ فإن لزوم السنة عصمة بإذن الله تعالى لمن لزمها، والذي سننها كان أعلم بما في خلافها من الأخطاء والزلل. وقد أنزل الله عزَّ وجلَّ في كتابهينا يخاُوضُونا فيِ آيَاتِناا فاأاعْرِضْ عانـْهُمْ حاتىَّ يخاُوضُوا فيِ حادِيثٍ غايرِْهِ 68." ولو شاء أنزل في ذلك جدلا وحجاجا، ولكنه أبى ذلك ونَّاهم؛ فقال تعا يخاُوضُوا فيِ حادِيثٍ غايرِْهِ إِنَّكُمْ إِ ذاً مِثـْلُهُمْ140." وقال تعال عمران: الآية20."
عدد الصفحات ١١٧ولم يقل: وحاجهم1. وقال أبو يوسف: "العلم بالكلام يدعو إلى الزندقة2. وقال: "لا تطلبن ثلاثا بثلاث: لا تطلبن الدين بالخصومات فإنه لم يمعن فيه أحد إلا قيل زنديق، ولا تطلب المال بالكيمياء فإنه لم يمعن فيه أحد إلا أفلس، ولا تطلب الحديث بكثرة الرواية حتى تأتي بما لا يعرف فيقال كذاب" 3. وفي رواية أخرى قال: "من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب __________ 1 فضائل أ حنيفة وأصحابه لابن العوام ص88. 2 الإبانة الكبرى ص538. 3 الحجة في بيان المحجة ص23. (1/166) غريب الحديث كُذنب ومن طلب المال بالكيمياء أفلس" 1. وقال كذلك: "المعرفة في الك م هو الجهل" 2 هذا آخر الحديث عن موقف الإمام أبي حنيفة من علم الكلام المبتدع، أما موقفه من الفرق الكلامية فسأتناوله في المبحث التالي إن شاء الله. __________ 1 الحجة في بيان المحجة ص23؛ والإبانة الكبرى لابن بطة ص537-538. 2 الحجة في بيان المحجة ص23. (1/167) المبحث الثالث: موقفه من الفرق الكلامية أمر الله بالاجتماع والائتلاف، ونَّى عن التفرق والاختلاف في الدين. قال تعالى { : آمانُوا اتـَّقُوا اللََّّا حاقَّ تـُقااتِهِ والا تَاُوتُنَّ إِلا واأانـْتُمْ مُسْلِمُونا وااعْتاصِمُوا بحِابْلِ اللََِّّ جماِيعاً والا تـافارَّقُوا وااذْكُرُوا نِعْماتا اللََِّّ عالايْكُ مْ إِذْ كُنـْتُمْ أاعْدااءً فاأالَّفا باينْا قـُلُوبِ كُمْ102-103." وأمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم وشتتوه، وتفرقوا فيه من اليهود
عدد الصفحات ١١٨والنصارى، وممن هم على شاكلتهم، واقتدى بهم من أهل الفرقة والأهواء والبدع، فه م ليسوا منك ولست منهم، قال تعا فـارَّقُوا دِينـاهُمْ واكاانُوا شِياعاً لاسْتا مِنـْهُمْ فيِ شايْءٍ إِنمَّاا أامْرُهُمْ إِلىا اللََِّّ ثمَُّ يـُنـابنِئـُهُمْ بمِاا كاانُوا يـافْعالُونا159." وبحمد الله لم يحصل نزاع بين الصحابة يست وجب تضليل أو تفسيق بعضهم ببعض، بل كانوا على عقيدة واحدة. قال طاش كبرى زاده 1: "إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا في زمن الن صلى الله عليه وسلم على عقيدةٍ __________ 1 هو أحمد بن مصطفى بن خليل أبو الخير عصام الدين طاش كبرى زاده مؤرخ تركي الأصل مستعرب ولد في بورسة سنة 901هـ ونشأ في أنقرة وتأدب وتفقه، ولي القضاء سنة 958هـ القسطنطينية وكف بصره سنة 961هـ وتوفي سنة968هـ، الأعلام1/257. (1/168) واحدة لأنَّم أدركوا زمان الوحي وشرف الصحبة" 1. وربما يحصل بينهم الاختلاف في بعض مسائل الأحكام خلافا لا يوجب الفرقة والتفسيق أو التكفير، بل هو اجتهاد منهم في فهم النص، فالمصيب منهم له أجران والمخطئ له أجر واحد. قال ابن القيم: "وقد تنازع الصحابة رضي الله عنهم في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال"2. وهذا هو حال من هم من غير الصحابة من المسلمين؛ فكانوا متفقين في خلافة أبي بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان لا تنازع بينه م إلى أن قام أهل الفتنة 3 والضلال والبغي بقتل عثمان رضي عنه، فتفرق المسلمون بعد ذلك. وأول فرقة فارقت جماعة المسلمين وخرجت على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، هي الخوارج فتبرأت من إمام المسلمين، وكفرته ومن معه من المسلمين، ومعاوية ومن معه، فعند ذلك ظهر ت الشيعة تؤيد عليا وتنصره. ثم توالى بعد ذلك ظهور البدع، فحدثت في آخر عصر الصحابة بدعتا القدرية والمرجئة، ثم في أواخر الدولة الأموية ظهرت الجهمية ثم المعتزلة. ويتطلب الحديث عن عقيدة الإمام أبي حنيفة إلمامة موجزة بالفرق والنحل التي في عصره لنعرف مدى تأثره بها أو مخالفته لها.
عدد الصفحات ١١٩1- الخوارج عرفنا أن الخوارج هم فئة خرجت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فكفر وا المسلمين بفعل كبائر الذنوب، واستحلوا __________ 1 مفتاح السعادة2/143 ط/دار الكتب العلمية 2 أعلام الموقع1/49. 3 انظر منهاج السنة6/231. (1/169) دماءهم وأموالهم؛ فلا يرثون ولا يوارَّثون ولا يدفنون في مقابر المسلمين وفي الآخرة سيخلدون في النار ولا ريب أنَّم أخطئوا في تكفير المسلمين بالذنوب؛ حيث إن الناس عندهم قسمان: مؤمن لا ذنب له، وكافر لا حسنة له، بينما قسنم الله تعالى الأمة التي أورثها الكتاب وصنفها ثلاثة أصناف: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات1. قال الله تعافايـْناا مِنْ عِباادِناا فامِنـْهُمْ ظاالمٌِ لِنـافْسِهِ وامِنـْهُمْ مُقْتاصِدٌ وامِنـْهُمْ ساابِقٌ باِلخْايرْااتِ بإِِذْنِ اللََِّّ ذالِكا هُوا الْفاضْلُ الْكابِيرُ32." وأما موقف الإمام من بدعة الخوارج في تكفير المسلمين بارتكاب الذنوب، فقد ق ال في الرد على تلك البدعة: "ولا نكفر مسلما بذنب من الذنوب، وإن كانت كبيرة إذا لم يستحلها ولا نزيل عنه الإيمان"2. وقال كذلك: "ولا نقول إنه يخلد فيها وإن كان فاسقا بعد أن يخرج من الدنيا مؤمنا" 3. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أ حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله" 4. __________ 1 مجموع الفتاوى 7/485 بتصرف 2 الفقه الأكبر ص304. 3 الفقه الأكبر ص304. 4 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص40.
عدد الصفحات ١٢٠(1/170) وقال: "وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون"1. هذا هو موقف الإمام من بدعة الخوارج، ومع هذا كان يناظر رؤساء الخوارج على اختلاف طبقاتهم. قال الإمام أبو حنيفة: "وكنت قد نازعت طبقات الخوارج من الإباضية 2 والصفرية3 وغيرهم" 4. __________ 1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص45. 2 الإباضية: هم أتباع عبد الله بن إباض التميمي خرج في زمن مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية فأرسل إليه مروان بن محمد جيشا فقاتله وقضى عليه. وافترقت الإباضية فيما بينها إلى أربع فرق هي الحفصية، والحارثية، واليزيدية، وأصحاب طاعة لا يراد الله بها وهم مجمعون على القول بإمامة عبد الله بن إباض والقول بأن كفار هذ ه الأمة يعنون بذلك مخالفيهم من هذه الأمة ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم ك فار ... انظر الفرق بين الفرق ص103؛ والملل والنحل1/134؛ والتبصير في الدين ص34؛ واعتقادات فرق المسلمين ص57. 3 الصفريَّة وهي فرقة من فرق الخوارج اختلف في سبب تسميتها بالصُّفرية فقيل نسبة للصفرة التي تعلو وجوههم وقيل نسبة إلى عبد الله بن صفار وقيل نسبة إلى زيَد بن الأصفر وقد تنسب إلى عبد الله التميمي. وهم أقل شذوذا وغلوا من بقية فرق الخوارج إذ أنَّم لم يكفروا مرتكب الكبيرة على الإطلاق كما فعل غيرهم بل ميزوا بين الذنوب التي فيها حد مقرر كال زنا والسرقة فهذه في رأيهم لا يتجاوز بمرتكبها ما سماه الله به من أنه زان أو سارق، وأما الذنوب التي ليس فيها حد مقرر كترك الصلاة والفرار من الزحف فم رتكب مثل هذه الذنوب يعتبرونه كافرا. انظر الملل والنحل 1/137؛ والفرق بين الفرق ص91؛ والتبصير في الدين ص30؛ واديَن والفرق ض119؛ ودراسة عن الفرق ص59. 4 مناقب أبي حنيفة للمكي ص54. (1/171)
عدد الصفحات ١٢١ومن تلك المناظرات ما ذكره الموفق المكي في كتابه مناقب الإمام أبي حنيفة حيث قال: "إن الخوارج لما ظهروا على الكوفة أخذوا أبا حنيفة فقالوا: تب يَ شيخ من الكفر، فقال أنا تائب إلى الله من كل كفر فخلوا عنه، فلما ولىن قيل لهم: إنه تاب من الكفر، وإنما يعني به ما أنتم عليه فاسترجعوه. فقال رأسهم: يَ شيخ إنما تبت من الكفر، وتعني به ما نحن عليه؟ فقال أبو حنيفة: أبظن تقول هذا أم بعلم؟ فقال: بل بظن. فقال أبو حنيفة: إن الله تعالى يقول الظَّننِ إِنَّ بـاعْضا الظَّننِ إِثمٌْ12." وهذه خطيئة منك، وكل خطيئة عندك كفر، فتب أنت أولا من الكفر. فقال: صدقت يَ شيخ أنا تائب من الكفر" 1. ولما بلغ الخوارج أن أبا حنيفة لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب؛ أوفدوا من يناظره فقالوا له "هاتان جنازتان على باب المسجد أما إحداهما فلرجل شرب الخمر حتى كظَّته 2 وحشرج 3 بها فمات غرقا في الخمر، والأخرى امرأة زنت حتى إذا أيقنت بالحمل قتلت نفسها فقال لهم أبو حنيفة: من أي الملل كانا؟ أمن اليهود؟ قالوا: لا، أفمن النصارى؟ قالوا: لا، قال: أفمن __________ 1 مناقب أبي حنيفة للمكي ص151،152. 2 كظته: هو شيء يعتري البطن من امتلاء الطعام يقال: كظه الطعام حتى لا يطيق على النفس انظر تهذيب اللغة 9/439،440؛ والقاموس المحيط4/57. 3 حشرج: ردد نفسه في حلقه يقال: حشرج المحتضر عند الموت وحشرجت روحه عند صدره أوشك أن يموت. انظر الصحاح 1/306؛والمعجم الوسيط 1/175. (1/172) المجوس؟ قالوا: لا: قال: من أي الملل كانا؟ قالوا: من الملة التي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فأخبروني عن الشهادة كم هي من الإيمان؟ ثلث أم ربع أم خمس؟ قالوا: إن الإيمان لا يكون ثلثا ولا ربعا ولا خمسا، قال: فكم هي من الإيمان؟ قالوا: الإيمان كله قال: فما سؤالكم إيَي عن قوم زعمتم وأقررتم أنَّما كانا مؤمنين.
عدد الصفحات ١٢٢قالوا: دعناعنك، أمن أهل الجنة هما أم من أهل النار؟ قال: أما إذا أبيتم، فإني أقول فيهما ما قال نبي الله إبراهيم في قوم كانوا أعظم جرما منهم أاضْلالْنا كاثِيراً مِنا النَّاسِ فامانْ تابِعانيِ فاإِنَّهُ مِنينِ وامانْ عاصاانيِ فاإِنَّكا غافُورٌ راحِيمٌ }36." وأقول فيهما ما قال نبي الله عيسى في قوم كانوا أعظم جرما منهما تـاغْفِ رْ لهاُمْ فاإِنَّكا أانْتا الْعازِيزُ الحْاكِيمُ 118." وأقول فيهما ما قال نبي الله نوحالُوا أانـُؤْمِنُ لاكا وااتـَّبـاعا كا الأارْذالُونا قاالا واماا عِلْمِي بمِاا كاانُوا يـاعْمالُونا إِنْ حِساابهُُمْ إِلاَّ عالاى رابينِ لاوْ تاشْعُ رُونا111-113." وأول فيهما ما قال نبي الله نوح عليه السلام وعليهم أجمعين وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: { لاكُمْ عِنْدِي خازاائِنُ اللََِّّ والا أاعْلامُ الْغايْبا والا أاقُولُ إِنينِ مالاكٌ والا أاقُولُ لِلَّذِينا تـا زْدارِي أاعْيـُنُكُمْ لانْ يـُؤْتِيـاهُمُ اللََُّّ خايرْاً اللََُّّ أاعْلامُ بمِاا فيِ أانـْفُسِهِمْ إِنينِ إِذاً لامِ نا الظَّالِمِيناية31." قال: فألقوا السلاح وقالوا: "تبرأنا من كل دين كنا عليه، وندين الله بدينك فقد آتاك الله فض وحكمة وعلما"1. __________ 1 مناقب أبي حنيفة للمكي ص108،109. (1/173) 2- الشيعة الشيعة والخوارج فرقتان متقابلتان 1 في آرائهما في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فالخوارج تكفنره وتتبرأ منه، والشيعة تنصره وتؤيده وتفضله على عثمان رضي الله عنه. بل إن منهم من يفضله على أبي بكر وعمر، وأنه الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنص الجلين والقاطع للعذر، وإن الإمامة لا تخرج عنه وعن ولده. فردوا على بدعة الخوارج ببدعة أخرى لا تقل فسادا عنها ألا وهي عصمة علي بن أبي طالب، وأفضليته على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأنه هو الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم مع قولهم بفسوق أبي بكر وعمر وبكفرهما. فمن يقو ل بهذه البدعة فهو كاذب مفتر، قد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وعقابه الجلد حدا على فري ته وكذبه. وكما قال خليفة المسلمين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لا أوتى بأحد
عدد الصفحات ١٢٣يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري2. وكان يقول: "خير هذه الأمة بعد نب يها أبو بكر ثم عمر" 3. وسأل محمد بن الحنيفة أباه4 عليا فقال: "أي الناس خير بعد __________ 1 منهاج السنة6/2231. 2 النبوات ص132. 3 كتاب النبوات ص132، قال ابن تيمية: "قدتواتر هذا عن علي بن أبي طالب". 4 هو محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي قال عنه ابن حجر: "أبو القاسم ابن الحنفية المدني ثقة عالم من الثالثة مات بعد الثمانين". تقريب التهذيب 2/192؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب9/354. (1/174) رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين" 1. ولا ريب أن خير الصحابة هم أهل بدر، وخير أهل بدر هم العشرة، وخير العشرة الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله عنهم أجمعين. وهذا هو ما عليه جمهو ر أهل السنة، قال ابن عمر: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم" 2. وفي رواية أخرى قال: "كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، عثمان، ثم نترك أصحاب النبي لا نفاضل بينهم" 3. هذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة رحمه الله حيث قالوأفضل الناس بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب الفاروق ثم عثمان بن عفان ذو النورين ثم علي بن أبي طالب المرتضى رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. عابدين ثابتين على الحق ومع الحق نتولاهم جميعا" 4. __________ 1 أخرجه البخاري: كتاب فض ائل الصحابة باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا خليلا" 7/20 ح4629؛ وأبو داود كتاب السنة باب في التفضيل 5/26 ح4629 كلاهما من
عدد الصفحات ١٢٤طريق أبي يعلى عن محمد بن الحنفية 2 أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم 7/16 ح3655، والترمذي كتاب المناقب باب تقديم عثمان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم 5/629 ح3707 كلاهما من طريق نافع عن ابن عمر 3 أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة باب مناقب عثمان بن عفان 7/53 ح3697 وأبو داود: كتاب السنة باب في التفضيل 5/24 ح4627 كلاهما من طريقنافع عن ابن عمر. 4 الفقه الأكبر ص303. (1/175) وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال "ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لعثمان رضي الله عنه، ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون"1. وكان بالكوفة من رؤساء الشيعة محمد البجلي 2 الملقببشيطان الطاق، وإليه تنسب الشيطانية من فرق الشيعة، جمع بين بدعة التشيع في الإمامة والقول إن الله لا يعلم الشر قبل أن يكون. فقد نقل عنه الأشعري في المقالات أنه يقول: "يزعمون أن الله عالم في نفسه ليس بجاهل ولكنه إنما يعلم الأشياء إذا قدرها وأرادها، فأما قبل أن يقدرها ويريدها فمحال أن يعلمها" 3. فكان بينه وبين الإمام أبي حنيفة مناظرات عديدة منها أنَّما تناظرا في فضائل علي بن أبي طالب، أورد تلك المناظرة ابن تيمية في منهاج السنة4 وفيها: "أن أبا حنيفة لقي محمد بن نعمان فقال أبو حنيفة: عمن __________ 1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص57. 2 هو محمد بن علي بن نعمان بن أبي طريفة البجلي الكوفي قال عنه ابن حجر: "أبو جعفر الملقب شيطان الطاق نسب إلى سوق في طاق المحامل بالكوفة كان يجلس للصرف بها فيقال: إنه اختصم مع آخر في درهم زيف فغلب فقال أنا شيطان الطاق وقيل إن هشام بن عبد الحكم شيخ الر افضة لما بلغه أنَّم لقبوه شيطان الطاق سماه مؤمن الطاق ويقال إن من لقبه شيطان الطاق أبو حنيفة". ولم
عدد الصفحات ١٢٥أقف على تاريخ وفاته لسان الميزان 5/300،301. 3 مقالات الإسلاميين ص37. 4 8/197 وأوردها ابن حجر في لسان الميزان5/301. (1/176) رُونِيت حديثرد الشمس 1؟ فقال: عن غير الذي رويت عنه يَ سارية الجبل". قال ابن تيمية على إثرها: "هذا يدل على أن أئمة أهل العلم لم يكونوا يصدقون بهذا الحديث، فإنه لم يروه إمام من أئمة المسلمين. وهذا أبو حنيفة أحد الأئمة المشاهير، وهو لا يتهم عليا فإنه من أهل الكوفة دار الشيعة، ولقد لقي من الشيعة وسمع من فضائل علي ما شاء الله، وهو يحبه ويتولاه ومع هذا أنكر هذا الحديث على محمد بن نعمان، وأبو حنيفة أعلم وأفقه من الطحاوي وأمثاله ولم يجبه النعمان بجواب صحيح إلى أن قال: فأبو حنيفة لا ينكر أن يكون لعمر وعلي وغيرهم كرامات، بل أنكر هذا الحديث للدلائل الكثيرة على كذبه ومخالفته للشرع والعقل" 2. وتناظر كذلك بمن هو أحق بالخلافة وا رشد بعد النبي صلى الله عليه وسلم فأجاب الإمام أبو حنيفة بما حيره فأسكته حيث قال له: "نحن نقول كان الحق للصديق، فسلم علي رضي الله عنهما الحق له فكان من أشد الناس وأنتم قلتم: كان الحق لعلي فأخذه الصديق بقوة فكان الصديق أشد الناس حيث أخذ منه حقه بقوته بلا تسليم" 3، فلأجل كذب وتَويه طائفة من الشيعة __________ 1 حديث رد الشمس لعلي أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار 2/8؛ والجوزقاني في الأباطيل والمناك 1/158؛ وابن الجوزي في الموضوعات 1/355،356 جميعهم من طريق فاطمة بنت الحسين عن أسماء بنت عميس قال الجوزقاني على أثره: "حديث منكر مضطرب". أما لفظه فهو: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي رضي الله عنه فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فرد عليه الشمس قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت". 2 منهاج السنة8/197،198. 3 مناقب أبي حنيفة للكردري ص180.
عدد الصفحات ١٢٦(1/177) رد الإمام أبو حنيفة شهادتهم فلا يجيزها جاء في كتاب الكفاية عن عمر بن إ براهيم قال:"سمعت ابن المبارك يقول: سأل أبو عصمة الإمام أبا حنيفة بمن تأمرني أن أسمع الأثر؟ قال: من كلن عدل في هواه إلا الشيعة فإن أصل عقيدتهم تضليل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ... " 1. وفي هذا المعنى يذكر ابن تيمية 2 أن أبا حنيفة ردن شهادة من عرف بالكذبكالخطابية 3، هذا هو موقف الإمام من الشيعة وبدعتهم. 3- المرجئة الخالصة تقدم أن الخوارج تعد كل كبيرة كفرا، فجاءت المرجئة الغالية فأعلنت أن الإيمان هو المعرفة 4 فقط وهؤلاء معروفون بمرجئة الجهمية، وبعضهم قالوا: __________ 1 الكفاية ص302. 2 منهاج السنة1/62. 3 هم أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب مق ص الأسدي الكوفي الأجدع المقتول سنة 143هـ قال البغدادي: "الخطابية كلها حلولية لدعواها حلول روح الإله في جعفر الصادق وبعده في أبي خطاب الأسدي، فهذه الطائفة كافرة من هذه الجهة ومن جهة دعواها أن الحسن والحسين وأولادهم ا أبناء الله وأحباؤه". الفرق بين الفرق ص255. انظر عن مقالة هذه الفرقة في مقالات الإسلامي1/75؛ والفصل4/187؛ والملل والنحل 1/380؛ والتبصير ص73. 4 مقالات الأشعري ص132،279 تحقيق ري (1/178)
عدد الصفحات ١٢٧"إن الإيمان هو الإقرار باللسان1، وهم مرجئة الكرامية 2، وبعضهم زعموا أن الإيمان: هو التصديق فقط3. وذهب جمهورهم4 إلى أن الإقرار شرط لإجراء الأحكام الدنيوية وهؤلاء معروفون بمرجئة الماتريدية. وقال بعضهم: إن الإيمان هو التصديق والإقرار 5. وهؤلاء معروفون بمرجئة الفقهاء. وسموا مرجئة لأنَّم أخروا العمل عن الإيمان". ولم يكن في زمن الإمام أبي حنيفة إلا النوعان الأول والرابع، فكان __________ 1 انظر مقالات الأشعري ص141 تحقيق ريتر؛ والفرق بين الفرق ص212؛ وكتاب الإيمان لشيخ الإسلام ص126؛ والملل ونحل1/108. 2 الكرامية: فرقة إسلامية تنسب إلى محمد بن كرام الذي نشأ في سجستان وتو بيت المقدس سنة 256هـ. والكرامية مجسمون أطلقوا علىالله لفظ الجسم لذلك عدهم الشهرستاني من الصفاتية الذين غلوا في الإثبات حتى انتهى بهم إلى التشبيه والتجسيم، وأما الأشعري في المقالات: فعدنهم من فرق المرجئة لقولهم: إن الإيمان هو الإقرار والتصديق دون اعتقاد ا لقلب وعمل الجوارح، وعرفوا بالزهد والتقشف والعبادة، وتعدنت فروعهم دون الاختلاف في الأصول، وأكثر أتباعهم في خراسان وما رواء النهر. انظر الملل والنحل 1/108؛ ومقالات الإسلاميين ص141، وخطط المقريزي2/357. 3 انظر المسامرة ص330،331؛ والبداية للصابوني ص152؛ وأصول الدين للبزدوي ص153؛ وبحر الكلام للنسفي ص41؛ والعقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص 119. 4 قلت جمهور الماتريدية لأن بعضهم ذهب إلى أن الإيمان هو التصديق والإقرار. انظر شرح العقائد النسفية ص120؛ وشرح المقاصد 5/176. 5 مقالات الأشعري ص132-141، وكتاب الإيمان لاب ن مندة 1/331، وشرح العقيدة الطحاوية ص273. (1/179) يرد على النوع الأول كما سيأتي، ويقول بالنوع الرابع قال في الرد على من يقول: إن الإيمان هو المعرفة، وأن أهل القبلة لا يدخلون النار مهما اقترفوا من
عدد الصفحات ١٢٨