التوحيد والصفات وما سموه سمعيات فمصدر التلقي عندهم هو النقل والعقل تابع له كعذاب القبر والصراط والميزان وأحوال الآخرة. انظر على سبيل المثال أحد كتبهم وهو المسايرة مع شرحها المسامرة. فمن أول الكتاب إلى ص249 عقليات ثم بعد ذلك سمعيات وانظر العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني من أول الكتاب إلى ص 98 عقلياتثم بعد ذلك سمعيات. 4 انظر إشارات المرام ص189-199؛ وشرح العقائد النسفية ص 5،42؛ونشر الطوالع ص228؛ وشرح المواقف 8/24. 5 انظر حاشية عبد الحكيم على الخيالي ص184 مع المصادر المذكورة في الفقرة السابقة (1/577) وعند التعارض تقدم الأدلة العقلية لأنَّا قطعية، وتؤونل الأدلة السمعية لأنَّا ظنية 1. قال الزبيدي: "وهو أن الشرع إنما ثبت بالعقل فلو أتى الشرع بما يكذب العقل وهو شاهده لبطل الشرع والعقل معا. إذا تقرر هذا فنقول كل لفظ يرد في الشرع ... وهو مخالف للعقل ... إما أن يتواتر أو ينقل آحادا. والآحاد إن كان نصا لا يحتمل التأويل؛ قطعنا بافتراء ناقله أو سهوه أو غلطه، وإن كان ظاهرا فظاهره غير مر اد ... وإن كان متواترا فلا يتصور نص متواتر لا يحتمل التأويل بل لا بد أن يكون ظاهرا ... " 2. والقاعدة عندهم أن كل نص إذا أخبر به الصا دق وهو أمر ممكن ولم يكن مخالفا فلا يؤونل كالبعث والنشر ونعيم الجنة وعذاب النار. أما إذا كان النص دالا على أمر محال مخالف للعقل؛ فلا بد من تأويله، كعلو الله تعالى, واستوائه على عرشه، ونزوله إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر 3. ويقولون: إن النصوص إذا كانت خ لاف العقل، فإن كانت متواترة فهي، وإن كانت قطعية الثبوت لكنها ظنية الدلالة؛ فالعقل مقدم عليها، فلذلك الأدلة النقلية تؤوَّل أو تفوَّض". __________ 1 إشارات المرام ص199؛ وشرح العقائد النسفية ص 42؛ ونشر الطوالع ص228،229؛ والمسايرة ص33،35. 2 شرح الإحياء للزبيد ي الحنفي الماتريدي 2/105-106. وانظر أصل هذا القانون الكلي
عدد الصفحات ٤١٧تبصرة الأدلة ص54؛ والنور اللامع ص80-81خ وراجع أيضا شرح المقاصد للتفتازاني 2/50؛ والطبعة التركية. وانظر شرح المواقف للجرجا 2/56-57. 3 انظر النبراس في شرح العقائد النسفية ص 316-317. (1/578) أماالأدلة العقلية فلا تأويل لها بل تأويلها محال 1. فالحاصل أن منهج الماتريدية في نصوص الوحي منهج فاسد باطل؛ لأنه صريح في أن العقل أصل. والشرع فرع، لأن نصوص الشرع إذا كانت مخالفة لعقولهم فهم إما أن يردوها أو يؤولوها أو يفونِضوها، لذلك أونلوا نصوص كثير من الصفات. وأبقوا نصوص المعاد على ظواهرها، فلو كانت نصوص المعاد عندهم مخالفة لعقولهم لأونلوها. وهذا كما ترى انحراف عن الطريق المستقيم. فالواجب على كل مسلم أن يجعل ما قال الله ورسوله هو الأصل والعمدة فيسلم بنصوصهما، وينقاد لهما ولا يعترض عليهما، ولا يعارضهما برأيه ومعقوله وقياسه. قال الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: "ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام" 2. وقال أبو المظفر السمعاني: "اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل؛ فإنَّم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور للمعقول، وأما أهل السنة، قالوا: الأصل في الدين الاتباع، والمعقول تبع. ولو كان أساس الدين على المعقو ل لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء __________ 1 انظر شرح العقائد النسفية ص 5،42؛ وشرح المواقف 8/24،110،111؛ وإشارات المرام ص189-199؛ وشرح الإحياء 2/105-106؛ ونشر الطوالع ص238. 2 شرح العقيدة الطحا وية بتعليق الألباني ص 27. (1/579)
عدد الصفحات ٤١٨ما شاء. ولو كان الدين بني على المعقول وجب ألا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا أشياء حتى يعقلوا". 1 وقال الشاطبي: "إن الشريعة بنيت على أن حكم الله على العباد لا يكون إلا بما شرع في دينه على ألسنة أنبيائه ورسله، ولذلك قال تعاماا كُنَّا مُعاذنِبِينا حاتىَّ نـابـْعاثا راسُولاً الآية15." وقال59." وقال57." وأشباه ذلك من ايَت والأحاديث، فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في التشريع، وأنه محسنِن ومقبح فابتدعوا في دين الله ما ليس منه" 2. وقال ابن أبي العز: "وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أو عارض النص بالمعقول فقد ضاهى إبليس حيث لم يسلم لأمر ربه بل قال ناارٍ واخالاقْتاهُ مِنْ طِينٍ "سورة الأعراف: الآية12." وقال تعاساء: الآية80." وقال تعانْ كُنـْتُمْ تحُِبُّونا اللََّّا فااتَّبِ عُونيِ يحُْبِبْكُمُ اللََُّّ وايـاغْفِرْ لاكُمْ ذُنُوباكُمْ وااللََُّّ غافُورٌ راحِيمٌ آل عمران: الآية31." __________ 1 صون المنطق ص182 عن السمعا 2 الاعتصام1/45. (1/580) وقال تعانُونا حاتىَّ يحُاكنِمُوكا فِيماا شاجارا بـايـْنـاهُمْ ثمَُّ لا يجاِدُوا فيِ أانـْفُسِهِمْ حاراجاً ممَِّا قاضايْتا وايُسالنِمُوا تاسْلِيماً 65." أقسم سبحانه بنفسه أنَّم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ويرضوا بحكمه ويسلموا تسليما" 1. لكن ليس معنى ذلك أن السلف يرفضون العقل 2 ويهملونه، بل يعملونه في عالم الشهادة لا في عا الغيب إلا على سبيل الإجمال دون التفصيل، ولا يثبتون بالعقل حكما شرعيا، فعندهم للعقل مع الشرع حالتان لا ثالث لهما:
عدد الصفحات ٤١٩الأولى: أن يدل على ما دل عليه الشرع فيكون شاهدا أو مؤيدا ومصدقا فيحتجون حينئذ بدلالة العقل على من خالف الشرع. وفي القرآن من هذا النوع أي من الأدلة العقلية شيء كثير كأدلة التوحيد والنبوة والمعاد، فتلك الأدلة هي عقلية شرعية. قال ابن تيمية: " إن كثيرا مما دل عليه السمع يعلم بالعقل أيضا، والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه كما ذكر الله ذلك في غير موضع. فإنه سبحانه وتعالى بين من الآيَت الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وغير ذلك ما أرشد العباد إليه، ودلهم عليه، كما بين أيضا ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه، فه ذه المطالب هي شرعية من جهتين: __________ 1 شرح العقيدة الطحاوية ص 190،191. 2 العقل عند السلف آلة التمييز والإدراك والعلم والعمل (1/581) من جهة أن الشارع أخبر بها. ومن جهة أنه بين الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها، والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسطت في غير هذا الموضع، وهي أيضا عقلية من جهة أنَّا تعلم بالعقل أيضا" 1. الحالة الثانية: أن لا يدل على ما دل عليه الشرع لا نفيا ولا إ ثباتا، فحكم العقل إذا جواز ما جاء به الشرع. أما أن يدل العقل على خلاف ما جاء به الشرع فيكون معارضا له فهذا ما لا يكون مع صحة النقل، ولهذا قال أهل السنة: إن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، وقالوا: "إن الرسل جاؤوا بمحارات العقول لا بمحالات العقول". أي أن الرسل لا يخبرون بما يحيله العقل، ولكن يخبرون بما يجيزه العقل ويحار فيه، وهذا تحديد موقف أهل السنة من العقل مع الشرع. ثانيا: حكم تأويل النقل: إذا كان الأساس الأول عند الإمام أبي حنيفة هو تقديم النص الشرعي على ما سواه، فمن الطبيعي عنده رفض التأويل الكلامي ـ الذي هو في الواقع تحريف ـ وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر يراه العقل، وقد تقدمت نصوص أبي حنيفة في ذلك ولا بأس أن أذكر واحدا منها وهو قوله:
عدد الصفحات ٤٢٠"ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال2. __________ 1 مجموع الفتاو ى "3/ص أبعد ص88." 2 الفقه الأكبر ص302. (1/582) فاعتبر تأويل صفة اليد بالقدرة أو النعمة يؤدي إلى تعطيل النصوص الدالة على هذه الصفة عن دلالتها على المعنى المسوق لأجله، فإذا حملت على خلاف ذلك بتأويلها كان ذلك نفيا للمعنى الذي جاءت من أجله وإثباتا لمعنى آخر لم تدل عليه النصوص لا نصا ولا ظاهرا. ولذلك صرح الإمام أبو حنيفة: "فيه إبطال الصفة" ومن هنا فلا داعي لتأويل هذه الصفة وغيرها بصرفها عن ظاهرها. وهكذا كان الإمام أبو حنيفة ملتزما بمنهجه أثناء التطبيق؛ فأبى أن يؤول اليد بالقدرة أو النعمة 1، والرضا بالثواب 2، والغضب بالعقاب3. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد صرنح الإمام أبو حنيفة أن تأويل الصفات كما هو تعطيل، كذلك خارج عن مذهب أهل السنة، بل هو مذهب الج همية، دل على ذلك قوله: "وهو مذهب أهل القدر والاعتزال" 4. وكذا لا يوجد في كلام أبي حنيفة تفويض مطلق، بل الذي في نصوص الإمام أبي حنيفة تفويض مقيند بنفي علم الكيفية فقط لا المعنى. __________ 1 الفقه الأكبر ص302. 2 الفقه الأبسط ص56. 3 الفقه الأبسط ص56. وهكذا جميع نسخ الفقه الأبسط حتى بتحقيق الكوثري، ولكن طبع الفقه الأبسط حديثا في باكستان فحرنف محقنقها نص الإمام أبي حنيفة فصار مؤدناه تأويل الرضا بالثواب والغضب بالعقاب، نعوذ بالله من شر المحرفين. 4 الفقه الأكبر ص302. (1/583)
عدد الصفحات ٤٢١ومنجملة تلك النصوص الدالة على هذا قوله عن صفة النزول: "ينزل بلا كيف" 1. وقوله عن صفة الوجه واليد: "وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعا في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف" 2. وقوله عن صفة الغضب والرضايوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف" 3. فيتبين لنا مما سبق أن عقيدة الإمام أبي حنيفة في الصفات تتركز حول الإيمان بما ثبت من النصوص؛ حيث يؤمن بمعناها كما جاءت دون زيَدة حرف أو نقصانه، مع إرجاع العلم بكيفيتها وحقيقتها إلى الله تعالى، لأن الكيف والحقيقة من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وليس للعقل مجال في بحثها، والخوض فيها، لأن العقول قاصرة عن إدراك كيفية تلك الصفات، فإذا كان الإمام أبو حنيفة رفض التأويل والتفويض المطلق، فما موقف الماتريدية من ذلك؟ وهل وافقوا الإمام أبا حنيفة؟ أم خالفوه؟. والجواب عن هذا أن الماتريدية خالفوا الإمام أبا حنيفة فقالوا بالتفويض تارة تفويضا مطلقا، بل صرح أبو منصور الماتريدي أن آيَت __________ 1 كره الإمام الصابوني عن الأستاذ أبي منصور بن حمشاد في عقيدة السلف أصحاب الحديث ص42، والبيهقي في الأسماءوالصفات ص456، وسكت عليه الكوثري، ونقله الإمام ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية ص 245، بتخريج الألباني، والقاري في شرح الفقه الأكبر ص 60. 2 الفقه الأكبر مع شرحه للقاري ص 58،59؛ وشرح أبي المنتهى ص 13،14، وإشارات المرام ص187،192. 3 الفقه الأبسط ص56، ونقله البياضي في إشارات المر ام ص187. (1/584) الصفات كالحروف المقطنعة مثل آلم، آلمص وفي هذا يقول: "في الحقيقة إنَّا تحتمل وجوها أحدها: أن نصفه بالذي جاء به التنزيل على ما جاء، ونعلم أنه لا يشبه على ما ذكر من الفعل فيه بغيره، ... وإذا بطل هذا بطل التشابه وانتفى، ولزم أمر السمع والتنز يل على ما أراد الله" 1. ويرى أنه يمتحن المرء بالوقوف حول نصوص الصفات، كما يمتحن بالوقوف حول الحروف المقطعة 2.
عدد الصفحات ٤٢٢ويقول: وأما الأصل عندنا في ذلك أن الله تعالى قال الآية11." ... فيجب القول بالرحمن على العرش استوى على ما جاء به التنزيل وثبت ذلك في العقل ... ونؤمن بما أراد الله به وكذلك في كل أمر ثبت التنزيل فيه نحو الرؤية وغير ذلك. يجب نفي الشبهة عنه والإيمان بما أراده من غير تحقيق على شيء دون شيءٍ" 3. وتارة يقول بالتأويل. وفي هذا يقول أبو منصور الماتريدي:"والثاني أن يمكن فيه معان تخرج الكلا م مخرج الاختصار والاكتفاء بمواضع إفهام في تلك المواضع على إتَام البيان وذلك نحو قوله رابُّكا واالْمالاكُ 22". أي بالملك وذلك كقوله24." __________ 1 تأويلات أهل السنة 1/84 ط المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة. 2 كتاب التوحيد للماتريدي ص74،75. 3 كتاب التوحيد للماتريدي ص74. (1/585) أي بربك "فقاتلا" إذ معلوم أنه يقاتل بربه ففهم منه ذلك ... " 1. ويقول: "قد يفهم من الشاهد من على ومن العرش ومن الاستواء معان مختلفة، لم يجز صرف ذلك إلى أوحش وجه وثمة لأحسن ذلك مساغا" 2. ويعني بأوحش الوجوه ما تدلن عليه النصوص من إثبات صفة الاستواء فالإثبات عنده من أوحش الوجوه لأن ذلك يستلزم التشبيه، والله منزه عن ذلك. لذا يرى صرف تلك النصوص بنوع من التأويل والمجاز إلى أحسن الوجو ه ـ وهو في الحقيقة تحريف ومن أقبح الوجوه ـ وقد طبنق الماتريدي منهجه هذا، فقد أونل نصوصا من الصفات إلى معانٍ توافق قاعدته، فأول صفة الاستو اء إلى الاستيلاء والتمام 3، والعلو إلى علو المرتبة وعلوه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة وتعاليه عن أن يخفى عليه شيء 4. ويرد استدلال الإمام أبي حنيفة وغيره من السلف بنصوص الاستواء وبرفع الأيدي إلى السماء وقت الدعاء ويحرفه إلى أن المراد في رفع الأيدي إلى السماء أن السماء قبلة للدعاء تعبدا كتوجه المصلي
عدد الصفحات ٤٢٣إلى الكعبة وقت الصلاة5. ومن هنا علم يقينا أن أبا منصور الماتريدي لم يلتق مع الإمام أبي حنيفة في رفضه للتأويل مما يؤكد عدم توافقهما. فالإمام أبو حنيفة ظلَّ __________ 1 تأويلات أهل السنة1/84. 2 كتاب التوحيد للماتريدي ص74. 3 كتاب التوحيد ص70،71،73،74. 4 كتاب التوحيد ص70،71. 5 كتاب التوحيد ص73،75،76. (1/586) وفيًا للنصوص دو ن تأويل ظاهرها، أو تحريف لها عن معانيها. وهو يرفض التأويل ويمنعه كما تقدنم ذكره، بينما أبو منصور الماتريدي يدعو إلى التأويل أو التفويض لوحشة الإثبات عنده والله المستعان. ثالثا ـ علم الكلام بين القبول والرفض: موقف أبي حنيفة من علم الكلام: يقوم علم الكلام على دعامتين أساسيتين هما اتخاذ العقل أساسا ـ ومن هنا يوجبون تقديمه على النقل ـ والجدل. ومن الطبيعي أن يرفض الإمام أبو حنيفة علم الكلام بعد ما تضلع فيه؛ حيث أدرك خطورته على الدين وضرره على العقيدة خاصة؛ ومن هنا كان أبو حنيفة وأبو يوسف ينهيان عن الج دل وطلب الدين بالكلام. ولا بأس أن أذكر نصا واحدا. قال أبو حنيفة لأحد أصحابه لما سأله عن العاراض قال: ""مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإيَك وكل محدثة فإنَّا بدعة" 1. لذا قال محمد بن الحسن: "كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام2. ويقول في هذا ابن خزيمة: " ... أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف ... ينهون عن الخوض فيه ـ يعني الكلام ـ ويدلون أصحابهم على الكتاب والسنة" 3.
عدد الصفحات ٤٢٤__________ 1 ذم الكلام "ق194/ب 2 ذم الكلام "ق196/ب 3 ذم الكلام "ق233/ب" عن ابن خزيمة (1/587) وقال البزدوي: "ونحن نتبع أبا حنيفة فإنه إمامنا ... وإنه كان يجونِز تعليمه وتعلنمه والتصنيف فيه ولكن في آخر عمره امتنع عن المناظرة فيه ونَّى أصحابه عن المناظرة فيه" 1. وقد يتثبنت بعض من يشتغل بعلم الكلام من الحنفية في الفرار عن أقوال أبي حنيفة في ذم الكلام، بأن مراد أبي حنيفة وكل من ذمن علم الكلام من السلف هو علم الكلام المذموم الذي كان عليه الجهمية والمعتزلة، أما علم الكلام الذي ينتحلونه فلا يدخل تحت ذلك الذم لأنه علم كلام محمود 2. والجواب عن هذا الإشكال أن علم الكلام كله مذموم ليس فيه حسن وسينء. ومثل هذه الشبهة مثل من قسم البدعة إلى حسنة وسيئة. والبرهان على ذلك أن علم الكلام الذي ذمه السلف وذم المشتغلين به ذما شديدا هو علم الكلام الذي من نتيجته وثمرته نفي صفات الله. كالعلو، والاستواء، والنزول، والقول بخلق القرآن، والقول بالكلام النفسي، والقول بتقديم العقل على النقل. وهذا كله موجود عند ك ثير من الماتريدية والأشاعرة. قال الإمام أحمد: "لا أحب الكلام في هذا إلا ما كان في كتاب الله أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود" 3. __________ 1 أصول الدين للبزدوي ص4. 2 انظر شرح العقائد الن سفية للتفتازاني ص7؛ وشرح الإحياء للزبيدي 2/52،53. 3 درء تعارض العقل والنقل7/155. (1/588)
عدد الصفحات ٤٢٥وقال ابن القيم: "قال شيخنا والكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وذم أصحابه والنهي عنه وتجهيل أربابه وتبديعهم وتضليلهم هو هذه الطرق الباطلة التي بنوا عليها نفي الصفات والعلو والاستواء على العرش وجعلوا بها القرآن مخلوقا ونفوا بها رؤية الله في الدار الآخرة وتكلمه بالقرآن، وتكليمه لعباده، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، فإنَّم سلكوا فيه طرقا غير مستقيمة واستدلوا بقضايَ متضمنة بالكذب، فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة وصريح المعقول" 1. فلا شك أن ما هم عليه داخل في علم الكلام المذموم الذي ذمه أبو حنيفة والسلف. لذا يقول شيخ الإسلام في معاصريه من المتكلمين: "وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا" 2. ويقول فيهم: "يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات" 3. __________ 1 الصواعق المرسلة4/1266-1267. 2 شرح حديث النزول ص 163. ومجموع الفتاوى 5/33،44. وجامع الرسائل2/33. 3 شرح حديث النزول ص 196. ومجموع الفتاوى 3/9. ودرء تعارض العقل والنقل1/218. والتدمرية ص19. (1/589) موقف أبي منصور الماتريدي وأتباعه من علم الكلام: أما موقف أبي منصور الماتريدي وأتباعه من علم الكلام فهو على خلاف منهج أبي حنيفة فقد توغنلوا في علم الكلام واعتقدوا أنه هو العلم الحق بل هو أشرف العلوم وأعلاها، لأنه منجٍ من غياهب الشكوك وظلمات الأو هام 1. وإليك شواهد تصدق ما قلناه.
عدد الصفحات ٤٢٦1- إن الإمام الماتريدي ألنف كتابا في التوحيد وهو مطبوع متداول، وكل من نظر فيه عرف أنه كتاب الفلسفة والمنطق والكلام. وهو مكتظ بتعطيل الصفات وتحريف نصوصها فهو ليس كتاب توحيد في الحقيقة بل كتاب تعطيل للنصوص الشرعية. وهو شاهد عدل على ما قلناه. 2- إن الإمام أبا منصور الماتريدي، لأجل توغنله في علم الكلام ألنف في تفسير القرآن كتابا بعنوان "تأويلات أهل السنة"، والناظر فيه يعرف بسهولة أنه مكتظ بعلم الكلام وتعطيل كثير من الصفات وتحريف نصوصها فهو حري بأن يسمى "تأويلات أهل البدع"؛ لأن تأويل الصفات ليس بمذهب السلف في شيء لا الإمام أبو حنيفة ولا غيره من الأئمة. 3- أن هناك جما غفيرا من الماتريدية أفنوا أعمارهم وأنَّكوا قواهم في علم الكلام درسا وتدريسا أمثال أبي اليسر البزدوي وأبي المعين النسفي ونور الدين الصابوني ونجم الدين النسفي وحافظ الدين النسفي والتفتازاني والجرجاني وكمال الدين البياضي وعبد العزيز الفهريهاري كل هؤلاء يعظمون علم الكلام ويرونه أساسا للدين. __________ 1 انظر شرح العقائد النفسية ص 2،3. (1/590) 4- إنَّم أثنوا وبجنلوا علم الكلام في مقدمات كتبهم وإليك نصا واحدا على سبيل المثال: قال التفتازاني شارح العقيدة النسفية: "فإن مبنى علم الشرائع والأحكام وأساس قواعد ـ الإسلام هو علم التوحيد والصفات الموسوم "بالكلام" المنجي من غياهب الشكوك وظلمات الأوهام" 1. ومن هنا علمنا يقينا أن الماتريدية لم يلتقوا مع الإمام في ـ رفضه علم الكلام بل نجد أنَّم توغنلوا في علم الكلام ولم يسلكوا طريقا غيره. وهكذا بمقارنة منهج الماتريدي وأتباعه بمنهج أبي حنيفة وجدنا أن أبا حنيفة سلفي يثبت ما تدلن عليه نصوص الكتاب والسنة، ولا يبتعد عنهم ا أو يتجاوزهما برأي أو تأويل، ولم يعطل النصوص أو يهملهما، بل كان إعماله له ا حتى ولو استوحشتها أسماع أهل الكلام، بينما يظهر لنا بعد الماتريدي وأتباعه عن منهج الإمام أبي حنيفة، حيث جعلوا العقل أصلا، وقدنموه على الشرع، وصرفوا النصوص الشرعية بتأويلاتهم العقلية المحتملة، واتخذوا علم الكلام مطية ذلك. ومن هنا كان الخلاف بين المنهجين وا ضحا وإذا كان الأمر هكذا في المنهج فماذا عن التطبيق؟ هذا ما سأتناوله في الفقرة التالية إن شاء الله.
عدد الصفحات ٤٢٧__________ 1 شرح العقائد النسفية ص 2،3. (1/591) المبحث الثاني: المقارنة في مسائل أصول الدين أولا ـ الاستدلال على وجدود الله: يتضح مما سبق أنا أبا حنيفة سلط طريقة القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الخالق، مستغنيا بها عن أدلة المتكلمين من معاصريه ومناهجهم. ورأينا كيف كان تطبيقه لهذا المنهج في الاستدلال على وجود الله؛ حيث استدل بالفطرة السليمة المضطرة بطبعها إلى الإقرار بوجود الله تعالى، والاعتراف بالخالق، وإن طرأ فساد على هذه الطريقة فقد يزول بالتذكير والتعليم والإرشاد. ومن هنا كانت مهمة الأنبياء والدعاة إلى الله الدعوة والتذكير والإرشاد. وترتكز دلالة الفطرة عند الإمام أبي حنيفة على نوعي الآيَت في الأنفس والآفاق. قال تعا وافيِ أانـْفُسِهِمْ حاتىَّ يـاتـاباينَّا لهاُمْ أانَّهُ الحْاقُّ أاوالماْ ياكْفِ بِرابنِكا أانَّهُ عالاى كُلنِ شايْءٍ شاهِيدٌ 53." فالتفكر في ملكوت السموات والأرض وفي الأنفس هو الطريق إلى الاستدلال على الخالق بالمخلوق. (1/592) وقال تعالى: {21." وقال تعاسورة الطارق: الآيَت من5-7." وقال تعانْساانُ إِلىا طاعاامِهِ أاناَّ صابـابـْناا الْمااءا صابناً ثمَُّ شاقاقْناا الأارْضا شاقناً الآيَت24-26." فهذه النصوص الشرعية تثبنت العقيدة في النفوس عن طريق مخاطبة الفطرة وبهذا يمكن الاستغناء بها عن الطرق الكلامية الغامضة. هذا ملخص لمنهج الإمام أبي حنيفة للاستدلال على وجود الله.
عدد الصفحات ٤٢٨أما أبو منصور الماتريدي فقد استدل على وجود طريقة الحدوث: من أشهر أدلة المتكلمين في الاستدلال على وجود الله دليل الحدوث وهو إثبات حدوث العالم، وذلك أن العالم عندهم جواهر وأعراض، والجواهر لا تنفك عن الأعراض، والأعراض حادثة وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث، فالعلم إذن حادث. قال أبو منصور الماتريدي: "الأعيان حادثة بشهادة الخبر والحس والعقل ... فأما الخبر فما ثبت عن الله تعالى من وجه يعجز البشر عن دليل مثله لأحد إنه أخبر أنه خالق كل شيء وبديع السموات والأرض وأن له ملك ما فيهن ... وعلم الحس وهو أن كل عين من الأعيان يحس محاط بالضرورة مبنىً 1 بالحاجة والقدم هو شرط الغنى، لأنه يستغني بقدمه عن __________ 1 قال محقق الكتاب في الحاشية غير منقوطة في الأصل ويظهر والله أعلم أن الصواب "منبئ (1/593) غيره والضرورة والحاجة يحوجانه إلى غيره فلزم به حدثه ... وعلى ذلك طريق علم الاستدلال مع أنه لا يخلو الجسم من حركة أو سكون وليس لهما الاجتماع فيزول من جملة أوقاته نصف الحركة ونصف السكون وكل ذي نصف متناه على أنَّما إذ لا يجتمعان في القدم؛ لزم حدوث أحد الوجهين ويبط لانه أن يكون محدثا في الأزل لزم في الآخر وفي ذلك حدث ما لا يخلو عنه ... ودليل آخر أن العالم لا يخلو من أن يكون قديما على ما عليه أحواله من اجتماع وتفرق بحركة وسكون وخبيث وطيب وحسن وقبيح وزيَدة ونقصان وهن حوداث بالحس والعقل إذ لا يجوز اجتماع الضدين، فثبت ال تعاقب وفيه الحدث وجميع الحوادث تحت الكون بعد إن لم تكن فكذلك ما لا يخلو عنها ولا يسبقها أو كان إنشاء عن أصل لا بهذه الصفة أو انتقل إليها باعتراضها فيه فإن كان كذلك ثبت أن هذا العلم حادث"1. فإذا ثبت حدوث الأجسام، فالأجسام لا تجتمع ولا تفترق بنفسها، ولا هي قادرة على إصلاح ما فسد في حال قوتها وكمالها، وإذا كانت الطبائع المتضادة المتنافرة لا تجتمع بنفسها؛ فلا بد من قاهر يقهرها على غير طبعها وهو الله 2. فيتضح مما سبق أن الماتريدي يستدل على وجود الخالق بحدوث الأجسام المبني على حدوث
عدد الصفحات ٤٢٩الأعراض وهي طريقة عقيمة تقوم على مقدمات غامضة بعيدة، إذ لا بد لهم لتحقيق هذه الطريقة من أمور سبعة: __________ 1- إثبات الأعراض 2- إثبات لزومها للجسم 1 كتاب التوحيد ص11-13 بتصرف 2 انظر كتاب التوحيد ص 17-19 بتصرف (1/594) 3- إبطال حوادث لا أول لها. 4- إلزام حوادث لا نَّاية لها 5- إثبات الجوهر الفرد 6- إلزام كون العرض لا يبقى زمانين. 7- إثبات تَاثل الأجسام1 ومعلوم أن إثبات هذه المقدمات كلها تعتمد على مباحث طويلة وإبطال الشبهات حولها دونَّا خرط القتاد فكيف يكون مثل هذه المقدمات الخفية الصعبة على الأفهام دليلا على ما هو أوضح من كل شيء 2. فإثبات وجود الله لا يحتاج إلى أمثال هذه المقدمات الخفية البعيدة عن الأفهام بل الله سبحانه وتعالى دليل على كل شيء، وعلى هذا فطر بني آدم، إذ وجوده أوضح لدى الفطر من الشمس في رابعة النهار ولنعم ما قال القائل: وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل 3 وأعظم ما في طرقهم من الفساد أن الأدلة التي أقاموها على إثبات وجود الله هي في الحقيقة أدلة على نفي وجود الله بل على امتناعه 4. __________ 1 انظر مختصر الصواعق: ص1 ط/مكتبة الريَض الحديثة، وص128 ط/ دار الندوة الجديدة.
عدد الصفحات ٤٣٠2 راجع مناهج الأدلة لابن رشد ص135-137؛ ومفتاح دار السعادة2/199-200، ط/ دار الكتب العلمية. 3 مدارج السالك 1/71؛ والصواعق المرسلة4/1221. 4 راجع رسالة في الصفات الاختيارية ضمن جامع الرسائل2/32؛ وضمن مجموع الفتاوى 6/239؛ والصواعق ارسلة ص962-988ح ومختصر الصواعق1/196-201، ط/ دار الريَض الحديثة، وص126-130، ط/ دار الندوة الجديدة. (1/595) ومنأعظم ما يدل على فساد هذه الطريقة أنَّا هي التي نفيت بها الأفعال الاختيارية، بل نفت الجهمية عن الله سائر صفاته، وهي ثابتة بالسمع والعقل، فأسماؤه وصفاته حق، وكل ما يدل على نفي الحق فهو باطل قال ابن القيم: "فلزمهم من سلوك هذه الطريق إنكار كون الرب تعالى فاعلا في الحقيقة وإن سموه فاعلا بألسنتهم فإنه لا يقوم به عندهم فعل، وفاعل بلا فعل كقائم بلا قيام، وضارب بلا ضرب، وعالم بلا علم، وضم الجهمية إلى ذلك أنه لو قام به صفة لكان جسما، ولو كان جسما لكان حادثا، فيلزم من إثبات صفاته إنكار ذاته فعطن لوا صفاته وأفعاله" 1. وكذلك يستدل أبو منصور الماتريدي بدليل آخر هو: ما في العالم من حكم عجيبة ونظام دقيق وتناسق بديع وكل هذا يدل على أن للعالم خالقا مدبرا حكيما 2. ومن هنا يتفق مع الإمام أبي حنيفة في الاستدلال بالمخلوق على الخالق ويختلف معه في الاستدلال بحدوث الأجسام المبني على حدوث الأعراض. ثانيا ـ التوحيد ويتناول أنواع التوحيد وأول واجب على المكلف. "أ" أنواع التوحيد: التوحيد عند الإمام أبي حنيفة معروف بأقسامه وقد تقدم بيانه. __________ 1 مختصر الصواعق1/199-200. 2 انظر كتاب التوحيد ص 21-23،29.
عدد الصفحات ٤٣١(1/596) أما عند الماتريدية فالتوحيد أنواع ثلاثة: 1- توحيد الذات فالله لا قسيم له أي لا يتبعض ولا يتجزأ1. 2- وتوحيد في الصفات فالله لا شبيه له 3- وتوحيد في الأفعال والصنع فالله لا شريك له وفي ذلك يقول الملا علي القاري: "واحد في ذاته واحد في صفاته وخالق لمصنوعاته" 2. ويقول البابرتي: "وعبر بعض أصحابنا عن التوحيد فقال: هو نفي الشريك والقسيم والشبيه، فا تعالى واحد في أفعاله لا يشاركه أحد في إيجاد المصنوعات وواحد في ذاته لا قسيم له ولا تركيب فيه، وواحد في صفاته لا يشبه الخلق فيها" 3. ويقول الغنيمي الحنفي: "الواحد صفة سلبية تقال على ثلاثة أنواع: الأول: الوحدة في الذات، والمراد بها انتفاء الكثرة عن ذاته تعالى بمعنى عدم قبولها الانقسام. والثاني: الوحدة في الصفات والمراد بها انتفاء النظير عن ذاته في كل صفة من صفاته. والثالث: الوحدة في الأفعال والمراد بها انفراده باختراع جميع الكائنات" 4. __________ 1 انظر العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني ص 39. 2 ضوء المعاني ص13. 3 شرح العقيدة الطحاوية للبابرتي ص 29. 4 شرح العقيدة الطحاوية للغنيمي ص 48. (1/597) ويخفى أن من تدبر في توحيد الماتريدية يتبين له ما يلي: أولا: إنه لا يوجد عندهم توحيد الألوهية ولا اهتموا به، مع أن توحيد الألوهية هو المقصد الأعلى والهدف الأسمى من خلق الكون وما فيه وإنزال الكتب وإرسال الرسل كما تقدم بيانه. ثانيا: اهتمامهم الكبير بتوحيد الربوبية فقد جعلوه هو المقصد الأعلى والغاية العظمى، مع أنه فطري
عدد الصفحات ٤٣٢