المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ب أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة بـ الشاملة ب

غير معروف

صفحة ٢٦ من ٣٢

بأذية صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإثم أبلغ والجرم أعظم فقد نَّى النبي صلى الله عليه وسلم عن التعرض لأصحابه بسبنٍ أو شتم فقال: "لا تسبوا أحداً من أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك __________ 1 انظر تفسير كلام المنان 7/671. 2 تفسير الطبري30/291. (1/551) مد أحدهم ولا نصيفه" 1. فكل من يحب الصحابة فهو محب للرسول صلى الله عليه وسلم وكل من يب غضهم فهو مبغض له. فقد قال عليه الصلاة والسلام: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم، فبحبي أحبهم ومن أبغضهم، فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" 2. كذلك نَّى ابن عباس وابن عمر عن سب الصحابة، قال ابن عباس: "لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله أمر بالاستغفار لهم" 3. وقال ابن عمر: "لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره" 4. فمن سب الصحابة، أو تنقص أحدا منهم، أو جاهر ببغضهم فليس على السنة ولا مع الجماعة. قال الإمام أبو حنيفة: "الجماعة أن تفضل5 أبا بكر وعمر وعليا __________ 1 تقدم تخريجه ص540. 2 أخرجه أحمد في المسند 8/87، والترمذي كتاب المناقب باب 59،5/696 ح3862"، وابن حبان كما في موارد الظمآن ص 568،569 ح2284، جميعهم من طريق عبد الرحمن بن زيَدعن عبد الله بن مغفل. قال الترمذي على أثره: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". 3 كتاب فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل1/59 رقم18" وطبقات ابن سعد5/467. 4 سنن ابن ماجه المقدمة باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/57 ح162."

عدد الصفحات ٤٠١

5 في الأصل: "أن فضل أبا بكر ... " وهو غلط، والصواب ما أثبت، لأن ما بعده مفعول به منصوب. (1/552) وعثمان، ولا تنتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تكفنر الناس بالذنوب، وتصلي على من يقول لا إله إلا الله وخلف من قال لا إله إلا الله ... " 1. وسئل الإمام أبو حنيفة: من أي الأصناف أنت فأجاب بقوله: "أنا ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدا بالذنوب" 2. وقال أبو حنيفة: "ويحبهم كل مؤمن تقي، ويبغضهم كل منافق شقي 3. وقول الإمام أبي حنيفة هذا مأخوذ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حق الصحابة من الأنصار: "لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق" 4. وقرر هذا لطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة واماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وحبهم دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" 5. وقال: "ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذريته المقدس من كل رجز فقد برئ من النفاق" 6. هذا وإذا سبهم سبا يقدح في عدالتهم ودينهم، فهو كفر ونفاق __________ 1 الانتقاء ص163،164. 2 تاريخ بغداد13/331. 3 الوصية مع شرحها ص 14. 4 أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله عنهم من الإيمان 1/84 ح129" من طريق عدي بن ثابت عن البراء 5 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص57. 6 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 58. (1/553)

عدد الصفحات ٤٠٢

وطغيان. وأما من سبهم بما لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل بهتانا فهذا يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد 1 ذلك قال النسفي: "ويكف عن ذكر الصحابة إلا بخير" 2. قال الشارح: "لما ورد من الأحاديث الصحيحة في مناقبهم ووجوب الكف عن الطعن ف يهم ... فسبهم والطعن فهم إن كان مما يخالف الأدلة القطعية فكفرٌ كقذف عائشة وإلا فبدعة وفسق" 3. وروى ابن أبي العوام أن رج سأل أبا يوسف فقال: "يَ أبا يوسف يذكرون عنك أنك تجيز شهادة من يشتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على التأويل فقال: ويحك هذا أحبسه وأضر به حتى يتوب" 4. فالمقصود أن لازم مقالة من سب الصحابة أنَّم كفار أو فساق، ومضمونَّا أن هذه الأمة شر الأمم، وإن سابقي هذه الأمة هم شرارها 5. سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم: فقالوا: حواري عيسى، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم 6. __________ 1 السيف المسلول 2 العقيدة النسفية ص29 ضمن النفائس 3 شرح العقائد النسفية للتفتازاني ص 161،162. 4 فضائل أبي حنيفة وأصحابه ص180. 5 انظر الصارم المسلول ص586،587؛ ومنهاج السنة1/27. 6 منهاج السنة 1/27. (1/554) الفصل الخامس: الإمامة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الإمامة في قريش.

عدد الصفحات ٤٠٣

المبحث الثاني: إمامة الخلفاء الراشدين. المبحث الثالث: الخروج على الإمام الجائر (1/555) المبحث الأول: الإمامة في قريش يرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن من شرط الإمام أن يكون قرشيا. دل على هذا المعتقد قول البغدادي: "دلت الشريعة على أن قريشا لا يخلو منهم من يصلح للإمامة، فلا يجوز إقامة الإمام للكافة من غيرهم. فقد نص الشافعي رضي الله عنه على هذا في بعض كتبه وكذلك رواه زرقان 1 عن أبي حنيفة " 2. وما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة هو مذهب الأئمة الثلاثة قال الإمام مالك: "ولا يكون ـ أي الإمام ـ إلا قرشيا وغيره لا حكم له" 3. وقال الإمام أحمد: "الخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن يتنازعهم فيها ولا يخرجه عليهم" 4. وما ذهب إليه أئمة الفقه الأربعة هو قول جماهير أهل العلم قال ابن حجر: "ذهب جمهور أهل العلم أن شرط الإمام أن يكون قرشيا" 5. __________ 1 لعله محمد بن حفص الزرقان. 2 أصول الدين للبغدادي ص275. 3 أحكام القرآن لابن العر4/1،172. 4 طبقات الحنابلة1/26. 5 فتح الباري13/118. (1/557) واصل في هذه المسائل ما ثبت في الصحيحين عن جماعة من الصحابة مما يدل على أن الإمامة في قريش. من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه كتاب ا لأحكام باب الأمراء من قريش عن معاوية

عدد الصفحات ٤٠٤

رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا ك بنه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين" 1. وعن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال هذا الأمر في قريشما بقي منهم اثنان" 2. ومن ذلك ما رواه مسلم في كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علين فسألت أبي ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال كلهم من قريش" 3. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قالالناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم" 4. قال النووي في الكلام على هذا الحديث: "إن الخلافة مختصة __________ 1 أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب الأمراء في قريش 13/113 ح7139 من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم. 2 أخرجه البخاري كتاب الأحك ام باب الأمراء من قريش 13/114 ح7140 من طريق عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن عمر. 3 أخرجه مسلم كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش 13/1452 ح82 من طريق عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة. 4 أخرجه مسلم كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش 3/1451 ح1818 من طريق الأعرج عن أ بي هريرة. (1/558) بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم بالأحاديث الصحيحة" 1. فالمقصود أن اشتراط القرشية أمر متفق عليه بين السلف، ولم يخالفهم إلا المبتدعة 2 كبعض المعتزلة

عدد الصفحات ٤٠٥

والأشاعرة وغيرهم3. __________ 1 شرح صحيح مسلم 12/200. 2 فمن المعتزلةضرار بن عمرو والنظام ومن الأشاعرة إمام الحرمين الجويني، انظر الملل والنحل 1/91؛ وغياث الأمم ص79،80،82. ط الثانية، وشرح صحيح مسلم 12/200. 3 طائفة من اوارج، انظر شرح صحيح مسلم 12/200. (1/559) المبحث الثاني: إمامة الخلفاء الراشدين أجمع الصحابة 1 على إمامة أبي بكر الصديق وسمنوه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه وانقادوا له بالفضل، وذلك لفضله وسابقته في الإسلام، ولتقديم النبي صلى الله عليه وسلم له على جميع الصحابة في إمامة الصلاة 2. والدليل على خلافته: ما رواه البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: "أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه فقالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك ـ كأنَّا تقول الموت ـ قال صلى الله عليه وسلم: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" 3. وحديث عائشة رضي الله عنهما قالت: "دخل علين __________ 1 انظر الإبانة للأشعري ص252؛ والبداية من الكفاية ص101؛ والمسامرة شرح المسايرة ص 300؛ وشرح العقائد النسفية ص 149،150؛ وأصول الدين للبزدوي ص182. 2 المسايرة ص311؛ وأصول الدين للبزدوي ص182،184. 3 أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة ب قول النبي لو كنت متخذا خليلا 7/17 ح3659؛ ومسلم كتاب ف ضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر 4/1857 ح2286 كلاهما من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم. (1/560)

عدد الصفحات ٤٠٦

رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فقال: "ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتبا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " 1. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريَ من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن" 2. ثم الخليفة من بعد أبي بكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه لفضله وسابقته في الإسلام وعهد أبي بكر إليه واتفاق الصحابة عليه 3. ثم الخليفة بعد عمر عثمان بن عفان رضي الله عنه لفضله وسابقته للإسلام، ولتقديم أهل الشورى له، فبايعوه وانقادوا لأوامره، وصلوا معه الجمع والأعياد مدنة خلافته فكان إجماعا منهم على صحة خلافته 4. ثم بعد عثمان الخليفة علي رضي الله عنه لفضله وسابقته للإسلام __________ 1 أخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر 4/1857 من طريق عروة عن عائشة. 2 أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر 7/18 ح3664؛ ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل عمر 4/1860 ح2392 كلاهما من طريق ابن المسيب عن أ هريرة. 3 شرح العقائد النسفية ص 150؛ والبداية من الكفاية ص102؛ وأصول الدين للبزدوي ص1/4. 4 شرح العقائد النسفية ص 151؛ والبداية ص103؛ وشرح المسايرة ص 300؛ وأصول الدين للبزدوي ص57. (1/561) وإاع الأمة على فضله 1. بعد الثلاثة وأنه أحق بالأمر من كل من سواه وأجمعت الأمة من بعد الصحابة على ما ذكروا من إمامة الخلفاء الراشدين وترتيبهم، ما خلا الرافضة، ولا عبرة بخلافهم.

عدد الصفحات ٤٠٧

وخلافة الخلفاء الراشدين كلهم خلافة نبوة، يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" 2. فمن طعن في خلافة أحد منهم فهو أضل من حمار3 أهله. يدل على ذلك ما قرره الطحاوي بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه 4 حيث قال: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر رضي الله تفضيلا وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لعثمان رضي الله عنه، ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون" 5. وكذا قرره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "وعلماء السنة كلهم مالك وأصحاب ه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه، وغير هؤلاء كلهم يحب الخلفاء __________ 1 فتح الباري7/16؛ وشرح العقائد الن سفية ص151؛ والبداية ص104. 2 أخرجه أحمد في المسند 5/44؛ وأبو داود كتاب السنة في الخلفاء 5/30؛ والحاكم في المستدرك 3/71؛ جميعهم من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه، قال الحاكم على أثره: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". 3 العقيدة الواسطية مع شرحه ا التنبيهات اللطيفة ص93. 4 مجموع الفتاوى 3/153. 5 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص57. (1/562) ويتولاهم، ويعتقد إمامتهم وينكر على من يذكر أحدا منهم بسوء" 1. وهذه بعض نصوص الحنفية في ذلك: قال النسفي: "وأفضل البشر بعد نبينا: أبو بكر الصديق عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي رضي الله عنهم، وخلافتهم ثابتة على هذا الترتيب" 2. وقال قاسم بن قطلوبغا في شرحه لكتاب المسايرة لابن الهمام: "والإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا وعند المعتزلة وأكثر الفرق "أبو بكر" بإجماع الصحابة على مبايعته "ثم ع مر" باستخلاف أبي بكر له "ثم عثمان" بالبيعة بعد اتفاق أصحاب الشورى "ثم علي رضي الله عنهم

عدد الصفحات ٤٠٨

أجمعين" وانعقدت إمامته بإجماع أهل الحل والعقد" 3. وقال الصابوني الحنفي: "فصل في إمامة الخلفاء الراشدين: أولهم أبو بكر رضي الله عنه وكان مستجمعا لشرائط الخلافة، ومفضَّلا على جميع الصحابة. وقد اتفقت الصحابة على خلافته وذلك حجة قاطعة ... ثم استخلف قبل وفاته عمر ... ثم اتفقت الصحابة على خلافته ... ثم استشهد عمر رضي الله عنه وترك أمر الخلافة شورى بين ستة ... فاختار هو ـ أي عبد الرحمن ـ عثمان رضي الله عنه، وبايع له بمحضر من الصحابة فبايعوا له وانقادوا لأوامره ... ثم استشهد عثمان رضي الله عنه وترك الأمر مهملا حتى اجتمع كبار الصح ابة ... والتمسوا من علي رضي الله عنه قبول الخلافة وأقسموا عليه حتى قبلها، فبايعه من حضر من كبار الصحابة" 4. __________ 1 منهاج السنة6/420. 2 شرح العقائد النسفية ص196. 3 شرح المسايرة ص 300. 4 البداية ص101-103. (1/563) المبحث الثالث: الخروج على الإمام الجائر ذهب الجمهور من أهل السنة1 إلى عدم جواز الخروج على الإمام الجائر، لما يترتنب على الخروج على السلطان من المفاسد الكثيرة من سفك للدماء، وزهق للأرواح ونَّب للأموال، واستحلال للمحارم، بل في الصبر على جورهم تكفير للسيئات، ومضاعفة للأجور 2. وقد دلنت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب طاعة ولين الأمر وعدم الخروج عليه، ما لم يأمر بمعصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قال تعاأاطِيعُوا اللََّّا واأاطِيعُوا الرَّسُولا واأُوليِ الأْامْرِ مِنْكُمْ "سورة النساء: الآية59." وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى __________ 1 انظر شرح النووي على مسلم 12/229، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/167،

عدد الصفحات ٤٠٩

168،175،176، وكتاب الشريعة ص 38، وأصول السنة ص98. 2 انظر شرح العقي دة الطحاوية ص430. (1/564) الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصا 1. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" 2. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم من أميره شيئا يكرهه فليص عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية" 3. قال ابن المديني: " ... ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد اجتمع عليه الناس فأقروا له بالخلافة بأي وجه كانت برضا أو بغلبة فهو شاق هذا الخارج عليه العصا، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن عمل ذلك فهو مبتدع على غير السنة" 4. وقال الإمام أحمد: "ودفع الصدقات والأعشار والخراج والفيء والغنائم إلى الأمراء عدلوا أو جاروا، والانقياد لمن ولاه الله عزَّ و جلَّ __________ 1 أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب قول الله تعا الرَّسُولا واأُوليِ الأْامْرِ مِنْكُمْ13/111 ح7137، ومسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة ولي الأمر في غير معصية 3/1466 ح1835 كلاهما من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. 2 أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية 13/121 ح7144، ومسلم كتاب الإمارة باب وج وب طاعة الأمراء في غير معصية 3/1469 ح1839 كلاهما من طريق نافع عن ابن عمر 3 أخرج البخاري كتاب الف ب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سترون بعدي أمورا تنكرونَّا" 13/5 ح7054 ومسلم كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الف 3/1478 ح1849 كا من طريق أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس. 4 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/168.

عدد الصفحات ٤١٠

(1/565) أمرك م لا تنزع يد من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك يجعل الله لك فرجا ومخرجا، ولا تخرج على السلطان، بل تسمع وتطيع. فإن أمرك السلطان بأمر ـ هو لله عزَّ وجلَّ معصية ـ فليس لك أن تطيعه، وليس لك أن تخرج عليه ولا تَنعه حقه ولا تعن على فتنة بيد ولا لسان، بل كف يدك ولسانك وهواك، والله عزَّ وجلَّ المعين" 1. وقال البخاري: "ولا تنازع الأمر أهله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، إخلاص العلم لله، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" 2، وألا يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم"3. وقال أبو زرعة الرازي: "ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في فتنة ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجلَّ أمرنا ولا ننزع يدا من طاعة ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة" 4. وقال ابن أبي زمنين: "فالسمع والطاعة لولاة الأمر واجب مهماقصَّروا في ذاتهم، فلم يبلغوا الواجب عليهم، غير أنَّم يدعون إلى الحق __________ 1 كتاب السنة للإمام أحمد ص46 ضمن شذرات الذهب 2 أخرجه الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع 5/34، من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود. و أخرجه أحمد 1/80 وابن ماجة كتاب المناسك باب الخطبة يوم النحر 2/1015،1016 ح3056، والحاكم في المستدرك1/87-88 جميعهم من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم، قالالحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح الجامع 6/30، وفي صحيح الترغيب1/12. 3 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/175،176. 4 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/177. (1/566)

عدد الصفحات ٤١١

ويأمرون به ويذبون عنه، فعليهم ما حملوا، وعلى رعايَهم ما حملوا من السمع والطاعة لهم"1. وقال النووي: "أجمع العلماء على وجوبها ـ أي طاعة الأمراء ـ في غير معصية، وعلى تحريمها المعصية. نقل الإجماع على هذا القاضي عياض" إلى أن قال: "ولا تنازعوا ولاة الأمور في ولاي تهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق" 2. وما حكي عن ائمة في مسألة الخروج على الإمام الجائر حكي مثله عن الإمام أبي حنيفة، فقد سأله أبو مطيع البلخي قائلا له: "ما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتنبعه على ذلك ناس فيخرج على الجماعة، هل ترى ذلك؟ قال: لا، قلت ولم؟ وقد أمر الله تعالى ورسوله بالأمر بالمعر وف والنهي عن المنكر وهذا فريضة واجبة. فقال: وهو كذلك، لكن ما يفسدون من ذلك يكون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال المحارم وانتهاب الأموال، وقد قال الله تعالُوا فاأاصْلِحُوا بـايـْنـاهُماا فاإِنْ بـاغاتْ إِحْدااهمُاا عالاى الأُخْراى فـاقااتِلُوا الَّتيِ تـابْغِي حاتىَّ تافِيءا إِلىا أامْرِ اللََِّّ الآية9." قال أبو مطيع: فنقاتل الفئة الباغية بالسيف؟ قال: نعم تأمر وتنهى فإن __________ 1 أصول السنة ص980. 2 شرح مسلم 12/222،223،229. (1/567) قبل وإلا قاتلته فتكون مع الفئة العادلة وإن كان الإمام جائرا، ثم قال له بعد ذلك: وكن مع الفئة العادلة والسلطان الجائر ولا تكن مع أهل البغي" 1. لكن حكى الجصاص في كتابه أحكام القرآن خلاف ذلك حيث قال: "وكان مذهبه رحمه الله مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور، لذلك قال الأوزاعي: احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف ـ يعني قتال الظلمة ـ فلم نحتمل، ثم قال: وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة في حمله المال

عدد الصفحات ٤١٢

إليه، وفتيا الناس سرا في وجوب نصرته والقتال ومعه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم 2 ابني عبد بن حسن ... " 3. ويؤيد ما حكاه الجصاص ما أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة بسند صحيح عن أبي يوسف قال: "كان أبو حنيفة يرى السيف" 4. وروي كذلك بسند صحيح عن إبراهيم بن شماس 5 قال: "قال __________ 1 الفقه الأبسط ص44-48. 2 خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة وأخوه بالبصرة فأيندهم بعض العلماء والقراء. قال ابن العماد: "خرج مع إبراهيم كثير من العلماء منهم هشيم وأبو خالد الأحمر وعيسى بن يونس وعياد بن العوام ويزيد بن هارون وأبو حنيفة كان يجاهر بأمره ويحث الناس على الخروج معه كما كان مالك يحث الناس على الخروج مع أخيه محمد" شذرات الذه ب 1/214. 3 أحكام القرآن1/70. 4 السنة1/182. 5 هو إبراهيم بن شماس الغازي أبو إسحاق السمرقندي، قال عنه ابن حجر: "نزيل بغداد ثقة من العاشرة مات سنة إحدى وعشرين ومائتين". تقريب التهذيب 1/36 وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب1/127. (1/568) رجل لابن المبارك ونحن عنده إن أبا حنيفة كان مرجئا يرى السيف فلم ينكر عليه ذلك ابن المبارك"1. ويمكن الجواب عن هذا بأنه في أول أمره كان يرى الخروج على السلطان الجائر، ثم استقر آخر الأمر على عدم الخروج. دلن على هذا ما قرره واختاره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عزَّ وجلَّ فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة" 2. وما ذكره الطحاوي هو ما حكاه ابن الهمام عن أبي حنيفة في المسايرة وأقره الشارحان، ابن أبي

عدد الصفحات ٤١٣

الشريف وابن قطلوبغا وكذا ذكره البزدوي قال ابن الهمام: "وإذا قلد عدلا، ثم جار وفسق لم ينعزل، ويستحق العزل إن لم يستلزم فتنة، ويجب أن يدعى له ولا يجب الخروج عليه كذا عن أبي حنيفة وكلمتهم قاطبة" 3. وقال البزدوي"الإمام إذا جار أو فسق لم ينعزل عند أصحاب أبي حنيفة بأجمعهم وهو المذهب المرضي"4. __________ 1 السنة1/181،1/182.. 2 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص48. 3 المسايرة ص291 مع شرحها لابن أبي شريف وقاسم بن قطلوبغا 4 أصول الدين للبزدوي ص190. (1/569) الباب الخامس: المقارنة بين عقيدة الإمام أبي حنيفة وأتباعه وفيه فصلان: الفصل الأول: المقارنة بين عقيدة الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي وأتباعه. الفصل الثاني: مدى التزام الحنفية بعقيدة الإمام أبي حنيفة في التوحيد (1/571) الفصل الأول: المقارنة بين عقيدة الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي وأتباعه الماتريدية وفيه مبحثان: المبحث الأول: المقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي وأتباعه في المنهج. المبحث الثاني: المقارنة في مسائل أصول الدين. (1/573)

عدد الصفحات ٤١٤

المبحث الأول: المقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي أتباعه في المنهج أولا ـ مصادر التلقي عند كل منهما: لقد تقدم أن منهج الإمام أبي حنيفة في تلقني العقيدة ينحصر في الأسس التالية: ـ الشرع "الكتاب والسنة". ـ الفطرة. فالكتاب والسنة هما الأساس الأول عند الإمام أبي حنيفة حيث أن نصوص الشرع هي العمد ة والأصل، ومن هنا يجب تقديمهما على أي كائن مهما من كان. فالكتاب والسنة هما دليلا الإمام أبي حنيفة غير متجاوز عنهما؛ لأن تجاوزهما قولٌ على الله بغير علم، وتقديم بين يدي الله ورسوله. ومن هنا فلا يوجد في كلام أبي ح نيفة أي آية من كتاب الله قد عارضتها العقول. أو أن شيئا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم عارضه المعقول. بل لا نجد في كلامه أن الأدلة العقلية قاطعة لا تقبل التأويل ومقدمة على الأدلة السمعية، لأن (1/575) ظواهر نصوص الشرع ظنية غير قطعية، كما أنه لم يقل إن أخبار الآحاد الصحيحة لا تثبت بها العقيدة. بل يظهر من صنيع الإمام أبي حنيفة الاستدلال بخبر الآحاد كما سبق الكلام عليه، بل إنه قد استدل في جوانب من العقيدة بأخبار الآحاد ومنه حديث الجارية. وهذا ما عليه الإمام أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد. فقد قرر الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال ومعناه على ما أراد الله ولا ندخل في ذلك متأولين ولا متوهمين بأهوائنا" 1. وقال محمد بن الحسن: " اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على أن الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عزَّ وجلَّ ... "2. وقال في مثل حديث النزول وغيره: ""هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها" 3. __________

عدد الصفحات ٤١٥

1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص26،27. 2 أخرجه ال لالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/432-433. من طريق سليمان بن داود بن طلحة عن عبد الله بن أبي حنيفة الدوسي وأورده شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى 4/4-5. والذهبي في العلو ص113. قال شيخ الإسلام: "ثبت عن محمد بن الحسن 3 أخرجه اللالكائي في شرح أصو ل اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/433. وابن قدامة في إثبات العلو ص170، ط مكتبة العلوم والحكم، والذهبي في العلو ص113. جميعهم من طريق أبي عمرو بن وهب عن شداد بن حكيم (1/576) وكذا قال: "نؤمن بالله، وبما جاء من عند الله على ما أراد الله وعلى ما أراد به رسوله صلى الله عليه وسلم ولا نشتغل بكيفية مراد الله تعالى وبما جاء من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم" 1. وقال أبو يوسف: " القرآن كلام الله من قال كيف؟ ولم؟ وتعاطى مراءً ومجادلة استوجب الحبس والضرب بالسوط المبرح" 2. وبالمقارنة بين منهج الإمام أبي حنيفة في مصادر التلقي ومنهج الماتريدية لأبي منصور وأتباعه؛ نجد أن هناك تباعدا واضحا، فإنَّم يرون أن مصدر التلقي الأول في معظم أبواب التوحيد هو العقل دون النقل 3؛ لأن الأدلة العقلية عندهم قطعية 4، أما السمعية فهي ظواهر ظنية5. __________ = قال الألباني في مختصر العلو ص59: "أخرجه اللالكائي في السنة ... وعمرو بن وهب إن كان الطائفي فمجهول الحال وإن كان القرشي فقال ابن أبي حاتم 3/1/266" عن أبيه: "هو مضطرب الحديث 1 بحر الكلام ص26. 2 فضائل الإمام أ حنيفة وأصحابه لابن أبي العوام ""ق-164/ب 3 قسمت الماتريدية أصول الدين بحسب مصدر التلقي إلى عقليات وسمعيات، فما سموه عقليات فمصدر التلقي عندهم هو العقل والعقل أصل والنقل تابع معارض له، وهذا جار في معظم أبواب

عدد الصفحات ٤١٦